لاشك بأن القصة القصيرة قطعت شوطا كبيرا فى مراحل نموها وتطورها ، فتعددت تقنياتها وتنوعت أشكال الأداء السردى فيها ، فظهرت قصة الومضة ، والقصيرة جدا ، والحالة ، والنص القصصى ، طبعا بالاضافة لما اصطلح عليه ـ آنفا ـ بالقصة التقليدية ، والحداثية والواقعية ، والسريالية ، وكلما جاءت وحطت مدرسة ادبية ، وأرست تصوراتها النقدية ، كلما جمح خيال كتاب القصة ، فأفاد كتاب القصة من الشعر والفنون التشكيلية والدرامية والأسطورية والحكايات الشعبية ، بل اتسعت رقعة التجريب فى النصوص حتى تمكنت ان تضم بساحتها كل هذا وأكثر .. وتعددت التعريفات والرؤى ، ولكن لماذا عرجنا على كل ما سبق ؟
أظن أن ما كتبه الناقد المفربى جمال بوطيب يعمل على تقريب تصوراتنا للتجربة الفنية فى نصوص ( القرين ) (1). يقول: (لا تحكى القصة مغامرة بل إنها تجعل من الكتابة مغامرة ، إذا ركبها القارى كان التيه فى دهاليزها نصيبه من القراءة ، فلا فروق واضحة بين الوصف والسرد والمنولوج ولا حواجز بين العوالم الخارجية والداخلية ، ولا وجود لخيط سردى داخلى ينير الطريق للقارئ ) (2)
والكاتب غالبا ما يقوم بشحن النص بعناصرشعرية تقوم على تكثيف الصور واغراق النصوص بالانزياحات والتناص .. وأحيانا يدمر بنية القصة تماما ، فلا نعثر على حدث ، أو شخصية أو مكان ، فقط نحس بأزمنة تتقاطع أوتتواتر ، لتقدم تراكما معرفيا ، وذاتا تحاول جمع هذا الشتات فى صورة نصية قائمة على مجموعة من الرموز والدلالات.
فى نص (الفصل الأخير) يفتتحه بتجليات شعرية ، ترسم مساحات شاسعة من الرؤى التخيليية (معلقة هى ابتسامتها فى فضاء ما بين السماء والأرض ، عند مدخل الحى ، ربما منذ منتصف الفصل الأول .. معلقة : تحاكى رفَّة الصبح خارجا من بيضة الليل ، وتناظر تفتق الزهرة الموسمية صاعدة من ظلام الطين المستديم ، وتنافس الغموض الشفيف الذى تبثه (الجيوكندا) .. وتستحيل على الكتابة ، وتبذر فى إلحاح الدهشة) ص 56
بالطبع نلحظ البنية الفنية التى تراوح بين الأداء الشعرى والدلالات العميقة التى بدورها تخلق علاقات واضحة بين الذاتى والموضوعى ، بين الفصل الأول حيث مدارج الطفولة وغلاسة الأصحاب ، ومعاكسات الفتيان للفتيات ، وبين زمن قديم مر عليه 45 عاما ، حيث أن الطفولة الغضة رافقها نكسة الخامس من يونيه ، وانحسار الحلم عند الفصل الأول ، فما الداعى لهذه التداعيات ، إنها سيرة ع.ن .. عند مدخل الحى لم تزل ابتسامتها معلقة ، والطائر الأخضر يخطف ابتسامتها تلك ويحلق نحو الفضاء اللامتناهى ..وينتهى النص ب : تساءت فى فتور : إذن ماذا ينتظر هؤلاء الرجال المتشحون بزى الجنازات ، وأى شئ يراود تلك الأم التى لا تجد فى البكاء الحل الأخير ؟.....
وعنَّ لى أن أفتش عن إجابات فانفتحت نافذة أطلت منها "نعمت" ، وانتبهت لأجدنى مبللا بكل أحزان التاريخ .
فمضيت الى خارج الحى أحاول أن أبتسم.
ما هذا الحى المقبض؟ ، أهو حى مكتنز بالذكريات المريرة والهزائم والطفولة الغضة التى تفتحت فجأة على الجنازات ، والألوان السوداء ، والابتسامات المعلقة ، بين الفصل الأول ، والفصل الواحد والستين بعد المائة ، تتبدى الصور والملامح ويتمكن الكاتب من نسج لوحة سيريالية لحى قابع فى أعماق ذاته ، مرتبط بحى تسكنه الذكريات ، يمتزج فيه اللون الأخضر بالدموع ، ولوحة الجيوكندا بنظرتها المزدوجة ، خير معبر عن حال الكاتب الذى يحاول الابتسام فى وجه "نعمت" الشمعى وأيضا يتصالح مع تواريخ موغلة فى الجراح.
تنقسم مجموعة القرين الى أربعة أقسام يمكننا الولوج من خلالها الى الرؤية الكلية التى ذهب الكاتب اليها ، فنرى أربع نصوص خلافا للعنوان نجد عبارة( من سيرة .....)
يليها أربع (وجوه) على الترتيب : وجه للعشق ، ثلاثية الموت ، الجنوبية / وجه للحياة ، و وجه للصمود
ثم ثلاثة عشر نصا . قصصيا
وأخيرا يختتم المجموعة ب أربع حالات قصصية.
لكل نصوص القرين عناوين خاصة ، لكننا نطالع فى بدء معظمهما عبارة أخرى بين أقولس مثل ( من سيرة .. ع. ن )
فى (وجوه) يقدم لنا وجه الفدائية اللبنانية "ثناء محيدلى" التى فضلت أن تضحى بروحها من أجل القضية الفلسطينية عن اتمام زفافها الذى كان موعده بعد يومين حسبما ورد فى النص.
ويقدم الكاتب فى وجه للعشق منمنمة نابضة بكل دلالات العشق والامتزاج وصولا لحالة من التوحد، بدءا من حملها به ثلاثون عاما ، وهو يسكن حنايا قلبها وهى تبحث عنه فى القصائد ، نحس بثيمة قديمة ثلاثية الأبعاد تجمع بين (العاشق والمعشوقة والآخر/الغريم) العاشق يطلع مثل وردة عمرها ثلاثون عاما من حمل المعشوقة به ، وهو المتوحد بها لذلك يجيئ السؤال الاستنكارى ، بل الاستفزازى ، عن دور الآخر المتربص ، ومحاولته فصم أواصر هذه العلاقة الحميمة بين الوطن والشاعر ، هذا المتربص يقتات على رؤى العرافات اللواتى يقلن فى كل وقت وحين أن العاشق ليس للمعشوقة ، رغم أنه لها كما يؤكد السارد ؛ أيضا اتكأت القصة على جملة فريدة هى ( هو الذى ليس لك ) وتتكرر الجملة بأكثر من صيغة وأكثر من دلالة ، يقول : (كذبت العرافات ، ولو قلن للتى له عن الذى لها أنه ليس لها ...
هو لها رغم الراقدة بجانبه تحاول الولوج إليه ببعض الدفء .. وهى له رغم الراقد الى جوارها يحاول اقتحامها بصك رسمى) ص 23
ذات الجملة تتكرر فى نهاية النص التالى ثلاثية الموت (استدراك على ما قيل آنفا)
حيث يقول (إذن فقد صدقت العرافات عندما قلن لها عن الذى ليس لها أنه ليس لها !!!) ص 25,
ما بين كذب العرافات فى نص وجه للعشق ، وتوكيده بأن العاشق للمعشوقة ، تنتهى ثلاثية الموت التى تمثل استدركا لما قيل فى نص وجع للعشق ، ولكنه يعود مكسورا ، مهزوما يصدق ما قالته العرافات .. لماذا تم هذا التحول للذات / العاشقة ؟
لأن نص ثلاثية الموت رصد حالتين هامتين الأولى هما الراحلون
والثانية الغافلون ..
الراحلون مستبدون
هكذا بدا له عندما تمكن الآخر من التوحد بالمعشوقة وحالة الغفلة التى يتمتع بها الغافلون الذين يسعون وراء رؤى العرافات والخرافات ، وهم كسالى مستكينون خانعون .. تلك الأحوال يسرت للآخر/ الغريم المروق الى المعشوقة والتوحد بها ، ليظل العاشق وحيدا فردا ، يرقب مصيره المحتوم ، وحالة الانهزام المر تلاحقه. لذلك كان عنوان النص ثلاثية للموت .. موت المعشوقة ، موت العاشق وموت الغافلين عن الحقيقة ، الساعين للأوهام ، الذات هنا فى هذه النصوص هى ذات شاعر ، مد قلمه ونقش جراحه ، على خريطة واسعة لمح لها دلاليا بالوطن ، وتمكنت الدلالات من تشكيل رؤية كلية تتكرر فى أكثر من نص ، وتصاغ بأكثر من طريقة.
فهل نهج الكاتب نفس الطريقة فى بقية نصوص المجموعة ؟
فى النصوص الثلاثة عشر تخففت الرؤية المستولدة من الرموز والدلالات الشعرية ، القائمة على رصد العلاقة بين ذات الشاعر / الكاتب وبين الناس .
ويقول فى نص رائحة الاثم (إنها الريح تحمل الفصول ، وهو المطر يذيب السنوات ، وهى الشمس تبلتع الأيام ، وها نحن نرحل الى الغرب رويدا رويدا فى خطين متوازيين ) ص62 هذا الفراق المحتوم نحو الغرب ، كأنه القدر الذى يعمل باستمرار على بث الفرقة بين العاشق والمعشوقة ، أما (الآخر) الذى يلتصق بها ، فتكون له رغما عنها فى نصوص ( مناوشة ، شجرة النبق ، وبحيرة النار ، فيتجسد فى أكثر من هيئة ، مثل الأب الذى يبيع لحم ابنته لقاء الخبز ( قايضها أبوها بالرغيف ، فدفعتْ . مرغمة .جسدها الناشئ وفتنتها الأولى وصباها المتحفز للمشترى الواهم...) ص84 وما مفردة الواهم هنا إلا لطمة على خد الآخر/ المشترى الذى ظن واهما أنه اشتراها بماله ، بينما ظلت له بجسدها ، وروحها مع سبحت مع روح الحبيب .
يتحقق للآخر فرصة تفريق العاشقين ، يتبدى شيطانا ، أوغازيا ، أونخاسا ، لكنه أبدا لا يظفر بروح البنت العاشقة ، وتظل روح الفتى العاشق هائمة محلقة فى فضاءات أخرى.
أظن أن ما كتبه الناقد المفربى جمال بوطيب يعمل على تقريب تصوراتنا للتجربة الفنية فى نصوص ( القرين ) (1). يقول: (لا تحكى القصة مغامرة بل إنها تجعل من الكتابة مغامرة ، إذا ركبها القارى كان التيه فى دهاليزها نصيبه من القراءة ، فلا فروق واضحة بين الوصف والسرد والمنولوج ولا حواجز بين العوالم الخارجية والداخلية ، ولا وجود لخيط سردى داخلى ينير الطريق للقارئ ) (2)
والكاتب غالبا ما يقوم بشحن النص بعناصرشعرية تقوم على تكثيف الصور واغراق النصوص بالانزياحات والتناص .. وأحيانا يدمر بنية القصة تماما ، فلا نعثر على حدث ، أو شخصية أو مكان ، فقط نحس بأزمنة تتقاطع أوتتواتر ، لتقدم تراكما معرفيا ، وذاتا تحاول جمع هذا الشتات فى صورة نصية قائمة على مجموعة من الرموز والدلالات.
فى نص (الفصل الأخير) يفتتحه بتجليات شعرية ، ترسم مساحات شاسعة من الرؤى التخيليية (معلقة هى ابتسامتها فى فضاء ما بين السماء والأرض ، عند مدخل الحى ، ربما منذ منتصف الفصل الأول .. معلقة : تحاكى رفَّة الصبح خارجا من بيضة الليل ، وتناظر تفتق الزهرة الموسمية صاعدة من ظلام الطين المستديم ، وتنافس الغموض الشفيف الذى تبثه (الجيوكندا) .. وتستحيل على الكتابة ، وتبذر فى إلحاح الدهشة) ص 56
بالطبع نلحظ البنية الفنية التى تراوح بين الأداء الشعرى والدلالات العميقة التى بدورها تخلق علاقات واضحة بين الذاتى والموضوعى ، بين الفصل الأول حيث مدارج الطفولة وغلاسة الأصحاب ، ومعاكسات الفتيان للفتيات ، وبين زمن قديم مر عليه 45 عاما ، حيث أن الطفولة الغضة رافقها نكسة الخامس من يونيه ، وانحسار الحلم عند الفصل الأول ، فما الداعى لهذه التداعيات ، إنها سيرة ع.ن .. عند مدخل الحى لم تزل ابتسامتها معلقة ، والطائر الأخضر يخطف ابتسامتها تلك ويحلق نحو الفضاء اللامتناهى ..وينتهى النص ب : تساءت فى فتور : إذن ماذا ينتظر هؤلاء الرجال المتشحون بزى الجنازات ، وأى شئ يراود تلك الأم التى لا تجد فى البكاء الحل الأخير ؟.....
وعنَّ لى أن أفتش عن إجابات فانفتحت نافذة أطلت منها "نعمت" ، وانتبهت لأجدنى مبللا بكل أحزان التاريخ .
فمضيت الى خارج الحى أحاول أن أبتسم.
ما هذا الحى المقبض؟ ، أهو حى مكتنز بالذكريات المريرة والهزائم والطفولة الغضة التى تفتحت فجأة على الجنازات ، والألوان السوداء ، والابتسامات المعلقة ، بين الفصل الأول ، والفصل الواحد والستين بعد المائة ، تتبدى الصور والملامح ويتمكن الكاتب من نسج لوحة سيريالية لحى قابع فى أعماق ذاته ، مرتبط بحى تسكنه الذكريات ، يمتزج فيه اللون الأخضر بالدموع ، ولوحة الجيوكندا بنظرتها المزدوجة ، خير معبر عن حال الكاتب الذى يحاول الابتسام فى وجه "نعمت" الشمعى وأيضا يتصالح مع تواريخ موغلة فى الجراح.
تنقسم مجموعة القرين الى أربعة أقسام يمكننا الولوج من خلالها الى الرؤية الكلية التى ذهب الكاتب اليها ، فنرى أربع نصوص خلافا للعنوان نجد عبارة( من سيرة .....)
يليها أربع (وجوه) على الترتيب : وجه للعشق ، ثلاثية الموت ، الجنوبية / وجه للحياة ، و وجه للصمود
ثم ثلاثة عشر نصا . قصصيا
وأخيرا يختتم المجموعة ب أربع حالات قصصية.
لكل نصوص القرين عناوين خاصة ، لكننا نطالع فى بدء معظمهما عبارة أخرى بين أقولس مثل ( من سيرة .. ع. ن )
فى (وجوه) يقدم لنا وجه الفدائية اللبنانية "ثناء محيدلى" التى فضلت أن تضحى بروحها من أجل القضية الفلسطينية عن اتمام زفافها الذى كان موعده بعد يومين حسبما ورد فى النص.
ويقدم الكاتب فى وجه للعشق منمنمة نابضة بكل دلالات العشق والامتزاج وصولا لحالة من التوحد، بدءا من حملها به ثلاثون عاما ، وهو يسكن حنايا قلبها وهى تبحث عنه فى القصائد ، نحس بثيمة قديمة ثلاثية الأبعاد تجمع بين (العاشق والمعشوقة والآخر/الغريم) العاشق يطلع مثل وردة عمرها ثلاثون عاما من حمل المعشوقة به ، وهو المتوحد بها لذلك يجيئ السؤال الاستنكارى ، بل الاستفزازى ، عن دور الآخر المتربص ، ومحاولته فصم أواصر هذه العلاقة الحميمة بين الوطن والشاعر ، هذا المتربص يقتات على رؤى العرافات اللواتى يقلن فى كل وقت وحين أن العاشق ليس للمعشوقة ، رغم أنه لها كما يؤكد السارد ؛ أيضا اتكأت القصة على جملة فريدة هى ( هو الذى ليس لك ) وتتكرر الجملة بأكثر من صيغة وأكثر من دلالة ، يقول : (كذبت العرافات ، ولو قلن للتى له عن الذى لها أنه ليس لها ...
هو لها رغم الراقدة بجانبه تحاول الولوج إليه ببعض الدفء .. وهى له رغم الراقد الى جوارها يحاول اقتحامها بصك رسمى) ص 23
ذات الجملة تتكرر فى نهاية النص التالى ثلاثية الموت (استدراك على ما قيل آنفا)
حيث يقول (إذن فقد صدقت العرافات عندما قلن لها عن الذى ليس لها أنه ليس لها !!!) ص 25,
ما بين كذب العرافات فى نص وجه للعشق ، وتوكيده بأن العاشق للمعشوقة ، تنتهى ثلاثية الموت التى تمثل استدركا لما قيل فى نص وجع للعشق ، ولكنه يعود مكسورا ، مهزوما يصدق ما قالته العرافات .. لماذا تم هذا التحول للذات / العاشقة ؟
لأن نص ثلاثية الموت رصد حالتين هامتين الأولى هما الراحلون
والثانية الغافلون ..
الراحلون مستبدون
هكذا بدا له عندما تمكن الآخر من التوحد بالمعشوقة وحالة الغفلة التى يتمتع بها الغافلون الذين يسعون وراء رؤى العرافات والخرافات ، وهم كسالى مستكينون خانعون .. تلك الأحوال يسرت للآخر/ الغريم المروق الى المعشوقة والتوحد بها ، ليظل العاشق وحيدا فردا ، يرقب مصيره المحتوم ، وحالة الانهزام المر تلاحقه. لذلك كان عنوان النص ثلاثية للموت .. موت المعشوقة ، موت العاشق وموت الغافلين عن الحقيقة ، الساعين للأوهام ، الذات هنا فى هذه النصوص هى ذات شاعر ، مد قلمه ونقش جراحه ، على خريطة واسعة لمح لها دلاليا بالوطن ، وتمكنت الدلالات من تشكيل رؤية كلية تتكرر فى أكثر من نص ، وتصاغ بأكثر من طريقة.
فهل نهج الكاتب نفس الطريقة فى بقية نصوص المجموعة ؟
فى النصوص الثلاثة عشر تخففت الرؤية المستولدة من الرموز والدلالات الشعرية ، القائمة على رصد العلاقة بين ذات الشاعر / الكاتب وبين الناس .
- مجموعة القرين تفتحت أبوابها منذ النص الأول لها بعنوان (سقوط) لتؤكد على سقوط ذات مسرود عنها وهى ساقطة فى صراع بين الروح والجسد ، ولد وبنت وعلاقة تنشأ وتستمر فى وعى كل منهما على حدة حسب تصوراته الخاصة لنكشتف فى النهاية أن الولد فى اللحظة التى طلبت منه البنت ان يكون العشق الذى بينهما حلالا طيبا فى اطار شرعى يقره المجتمع ، نراه قد سقط على جسدها وبدءا (هو وهى) فى رحلة الهبوط والانسلاخ عن بعضهما ، وكأنهما ارتكبا إثما كبيرا كآدم وحواء ، لذلك هبطا من الجنة وافترقا ، وعندما يبحث عنها بداخله ، فلا يرى سوى ظلال منكسرة ، لذلك فهو يفضل العودة للتوحد بذاته وبفضاءاته الروحية.
ويقول فى نص رائحة الاثم (إنها الريح تحمل الفصول ، وهو المطر يذيب السنوات ، وهى الشمس تبلتع الأيام ، وها نحن نرحل الى الغرب رويدا رويدا فى خطين متوازيين ) ص62 هذا الفراق المحتوم نحو الغرب ، كأنه القدر الذى يعمل باستمرار على بث الفرقة بين العاشق والمعشوقة ، أما (الآخر) الذى يلتصق بها ، فتكون له رغما عنها فى نصوص ( مناوشة ، شجرة النبق ، وبحيرة النار ، فيتجسد فى أكثر من هيئة ، مثل الأب الذى يبيع لحم ابنته لقاء الخبز ( قايضها أبوها بالرغيف ، فدفعتْ . مرغمة .جسدها الناشئ وفتنتها الأولى وصباها المتحفز للمشترى الواهم...) ص84 وما مفردة الواهم هنا إلا لطمة على خد الآخر/ المشترى الذى ظن واهما أنه اشتراها بماله ، بينما ظلت له بجسدها ، وروحها مع سبحت مع روح الحبيب .
يتحقق للآخر فرصة تفريق العاشقين ، يتبدى شيطانا ، أوغازيا ، أونخاسا ، لكنه أبدا لا يظفر بروح البنت العاشقة ، وتظل روح الفتى العاشق هائمة محلقة فى فضاءات أخرى.
- إن تقنية الكتابة فى نصوص القرين قائمة على تفجير منجزات حقل الشعر ، والموروثات الدينية والأسطورية بالاضافة للمراوحة بين التاريخى والذاتى
- فى القرين استعان الكاتب بجمل شعرية معينة، وعمل على تكرارها الذى من شأنه أن يعمق الدلالات الرمزية ، ويحفر جيدا فى جسد النص القصصى ، ليقيم علاقات بين الذات والموضوع ، بين عوالم الذات الثرية ، المترعة بأحزان وجروح رسبتها تواريخ الانكسارات والهزائم حتى بات الاثم جميزة ضاربة بجذورها فى النفس .. وبين كل ما هو خارجها.
ـــــــــــــ
هوامــش
هوامــش
- القرين ـ قصص ـ د. كارم محمود عزيز ـ الربيع للطباعة والنشر 2019
- القصة القصيرة بالمغرب ، اعداد وتقديم جمال بوطيب ، منشورات التونخى 2008