إنعـام كجه جـي - أين مظفر؟

لم نكن نعرف أين نشتري دواوينه ، لكنّ قصائده كانت تصلنا منسوخة بخطّ اليد ومخبأة في جيوب زملائنا في كلية الآداب ، مثل المنشورات السريّة ، ففي تلك الظهيرات الساطعة لبغداد 1970، حين كانت الثنائيات العاشقة تتمشّى تحت الأشجار الرؤوم لحي الوزيرية ، بين كلية التربية وأكاديمية الفنون ، فإنّ البنات لم يكنّ ينتظرن سماع كلمات غزل تقليدية بل أبياتاً عامية لم يطرق الآذان مثلها من قبل ، مَن الشاعر؟ مظفر النواب ، كنا نحفظ عن ظهر قلب أبياتاً للرصافي والجواهري والسياب ، إلى أن جاءنا زميلنا رياض الوادي ، في جيب قميصه الملاصق للقلب ، بتلك القصيدة الملعونة المباركة الشتّامة المقذعة المارقة الغاضبة الجارحة المتمرّدة السافرة المحرّضة والمختلفة ، مختلفة عن كلّ ما عرفنا من شعر ، وخارجة عن كلّ اللياقات والنصوص ، ومن يومها إنزرعت ( القدس عروس عروبتكم ) على الألسن وأخذت مكانها بين المحفوظات ، كان سعيد العويناتي ، زميلنا البحريني في قسم الصحافة ، أكثر المأخوذين بالقصيدة ، دفع حياته ثمناً لانتمائه لليسار، ثم صارت قصائد مظفر النواب تأتينا على الحنجرة الملتاعة إلياس خضر، مغنّي ( للريل وحمد ) الذي يستحق أن يكتبوا في هويته ، في خانة المهنة : مقطّع نياط القلوب ، ثم جاءت ( جنح غنيدة ) و( ألمح عمتي من بعيد وتضمني بعبايتها / عمّة الشمس ماتت وأنت ما ردّيت / عمة الشمس ماتت وآنا ما ردّيت / رديلي الفرح / ردّيت / معضد باب يبجّيني وأحن حنّة حمامة بيت ) كم كررناها بالغناء حيناً ، وبالهمس الرهيب تارة ، وبالدمع مرّات ، صار مظفر النواب أُسطورة أول الشباب ، نتلفّت نبحث عنه ، فنسمع أنه في بيروت ، في دمشق ، في عدن ، مع ثوار إريتريا ، مع فدائيي فلسطين ، هو في الخرطوم ، المنافي تدور والسنوات تترى والشاعر الذي عبر ثلاثينه على ( جنح عصفور ) بلغ الثمانين ولم يعد ( العمر طوفة طين ) ، كما كتب لغنيدة ، حلوة الحلوات ، وبغداد دخلها الأميركان وبابها كان مردوداً وقفله مستعصياً و( ما رهمن ولا مفتاح ) في بيته الريفي في النورماندي ، أهداني الرسام أرداش كاكافيان نسخته المهترئة من ديوان مظفر ، كان ثملاً دامع العينين وهو يروي وقائع إعتقالهما في بغداد ، مع حشد من الرفاق ، لم يكن الفنان الأرمني يومها سوى فتى بسروال قصير، راح مع رفاقه الكبار ( بين الرجلين ) وفي ذلك البيت الذي إستضاف شعراء كثيرين ، قرأنا قصيدة بلند الحيدري التي يسأل فيها: (أصحيح يا مظفر/ ظل ذاك الغصن رغم الموت/ أخضر؟ ) فقد ظلّ مظفر النواب الغائب الحاضر في كل مكان ، كم إرتفعت قامتي ، وأنا أصل إلى باريس للدراسة ، أن أجد زملائي من تونس وموريتانيا والجزائر وسوريا يحفظون قصائد مظفر النواب ويتغنون بها في الجلسات ، هذا شاعر من عندنا منح لمفرداتنا العامية فصاحة نابعة من بلاغتها ، وكانت صديقة عراقية تفرش أمامي ، رسائل ومناديل ورقية موقعة بخط الشاعر، كتب لها فيها ما يقوله الرجل وهو يبحث عن المرأة المستحيلة والوطن المستحيل ، لماذا لا تنشرين هذه المخطوطات ؟ تلملم ( فاء ) كنزها الصغير وتسكت كما سكتت شهرزاد عن الكلام المباح ، ما أيسر القفز من باريس إلى لندن ، نسمع أن مظفر النواب سيقيم أمسية هناك فنسرع ونحجز أماكننا في القطار السريع ، قطار حديث يعبر تحت بحر ( المانش ) في ساعتين ونيف ، لا يشبه ( الريل ) المذكور في القصيدة المشهورة إلا في طيف الشجن الذي يرافق قاطع المسافات ، السارح وراء النافذة ، نصل ونتوجه من المحطة إلى القاعة الفخمة للجمعية الملكية ، نجلس في المقاهي ننتظر موعد الحفل ، لم نأتِ لنتفرج على المدينة بل من أجله وحده ، نصغي إلى الشاعر الذي عثر على الحنجرة المثقفة للباحث سعدي الحديثي ، دكتور برتبة مُنشد ، وشكّل معه ثنائياً لطيف الانسجام ، لم يعد يقرأ شعره كما نحيب الندابين ، يلقيه بصوت أجش تاركاً لحادي العيس التغزل بـ ( زين الأوصاف ) في البادية ، لست أفضل من يكتب عن مظفر النواب ولم أعرفه عن قرب ، لكنني مثل كلّ العراقيين أحببت شعره وشغلتني صورة الشاعر المنفلت الضارب في المتاهات ، في المنامة ، سمعته مع سعدي الحديثي لآخر مرة ، وقد إحتشدت الصالة بجمهور خليط ، وجهاء جدد وسياسيون معتزلون ومناضلون مخضرمون ومثقفون توّابون تطربهم الكلمة وتشجيهم أصداء ما فات ، وعندما إرتفع صوت الشاعر بمطلع ( مرينا بيكم حمد )، إنفجر التصفيق وصرخة الاستحسان ، كنا كلّنا نحفظ القصيدة ، وننتبه لمفارقات الاسم.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...