زينب السعود - السرد في مواجهة الحقيقة المتعددة

لم تتعرض كلمة للشد والجذب والتسلق والتغول عليها بل والجرأة – باسمها - على إقصاء الآخر عن المشهد أو الحياة أحيانا كما يحدث في الحروب والصراعات مثل كلمة ( الحقيقة ) . فبادعاء امتلاك الحقيقة المطلقة قامت حروب وانهارت حضارات وخسر البشر كثيرا من إنسانيتهم وجدوى وجودهم كلما تهيأت ظروف الاحتراب من أجل زعم طرف ما بأنه يدافع عن حقيقة يعتقد أنه يمتلكها دون الآخرين .
في الأدب ، هل يواجه السرد هذا التطرف في احتكار الحقائق المطلقة ؟ وهل يمتلك من الأدوات ما يجعله مخولا لمجابهة ضبابية العالم الصاخب الذي تزداد تحيزاته شذوذا يوما بعد يوم ؟ وهل يوجد نماذج سردية تنبهت إلى هذه الفكرة والتزمت مبدأ الصدق الفني الذي يكافح ضد الانغلاق على فكرة الكاتب كفرد وامتلاك حس الأمانة الأدبية مانحا جميع الأصوات حقها أن تكون مسموعة ؟
في الصراعات تدعي كل جهة امتلاك حقيقة تخدم روايتها الخاصة المبررة لسلوكاتها العدوانية أحيانا ، وفي الأزمات قد تنشب حروب اللسان وتبادل الاتهامات والتخوين بسبب تقوقع كل طرف على اعتقاده الخاص بأن ما يراه هو الحقيقة السامية متناسيا أنه يراها من منظور بيئته وظروفه وفلسفة مجتمعه وتقلبات الحياة والعرف الجمعي فيه .
تساءلت كثيرا عن السحر الذي يمتلكه السرد فوجدت جزءا كبيرا منه يتمثل في قدرته على إبراز نسبية الحقيقة في الصراعات البشرية ، وبهذا ينجح فيما تفشل فيه الخطابات المنغلقة أو الانحيازات المجحفة . لقد أوجد السرد تقنيات في الكتابة تسمح بسماع جميع الأصوات المعبرة عن الأفكار المتباينة تجاه قضية معينة ، وفعّل الساردون أدوات تمكن القارئ من رؤية اللوحة من زوايا متعددة وصولا إلى تحطيم صنم احتكار الحقيقة ، إذ لا حقيقة مطلقة إلا الثابت المقدس الوحيد وهو الله .
سمح الأدب عبر تقنية تعدد الأصوات الساردة في النص (السرد البوليفوني ) بمنح كل طرف مساحة لسرد الحقيقة من وجهة نظره وظروفه ومعاناته مما يجعل الحقيقة الثابتة في صراعات الحياة محض وهم ، فتتوقف الأشياء عن تصنيفها الثنائي : أبيض أو أسود ، ويبرز الأدب مرآة للرمادي أو ما بين اللونين ، ويعلن رفضه لتبسيط المفاهيم الاجتماعية والإنسانية بين خير مطلق أو شر مطلق ، ولكننا رفضنا قبول تعدد الأصوات في الواقع وهذه ميزة المتخيل عن الواقعي ، على أن هذه المهمة ليست مهمة سامية دائما فالسماح للأصوات يعني دخول من يمثلون صوت الظلم أو المحرك الأساسي في دائرة الحكي ، ومنحهم مساحة لتبرير شرورهم ، وتلميع قذارة انعكاسهم في المرآة ، ولكنه قانون السرد والحكاية .
في الأدب الروائي تتعدد النماذج الموضحة لفكرة المقال ، ففي رواية باب الشمس لإلياس خوري يواجه السارد حقيقة تاريخية كبرى تتمثل بالنكبة من خلال سرد كثير من التفاصيل الصغيرة التي تشكل كلٌ منها حكاية قصيرة في ظل غياب حكاية رسمية ثابتة جامعة ، فتقف الذاكرة المشتتة موقف الحقيقة التي لا يمكن اختزالها في سردية واضحة .
وأعمال عبد الرحمن منيف من أكثر المسرود غنى بصراع الحقائق ، فقد اعتمد منيف على أصوات البشر في توثيق مفاصل الصراعات الكبرى وجعل الإنسان من مصادر التوثيق التي لا ترصد ما مر من أحداث فقط بل تكشف عن تأثيرها على الحياة والمجتمع وتشكيل مشاعر الفرد والجماعة . ففي خماسية الملح كشف السارد عن مجموعة من الأفكار هي حقائق بالنسبة لأصحابها ، فالوافد يرى في الأرض مصدرا للرزق وصاحب الأرض يرى في نفس المكان روحا وذاكرة ، وفي روايته شرق المتوسط جعل عبد الرحمن منيف من الفرد والسلطة كيانان يتنازعان على امتلاك كل منهما الحقيقة ، ولكل طرف مبرراته وأسبابه التي قد تجعل طرفا ثالثا لا علاقة له بصراعهما يصدق هذا حينا ولكنه لا يلبث أن يصدق الآخر أيضا ، وهكذا فإن الحقيقة في الأدب تتأرجح حسب قربنا أو بعدنا عن بؤرة الصراع ومدى تأثيره المباشر علينا .
وفي الأدب العالمي نجد رواية الأخوة كارامازوف مختبرا ينمذج لفكرة صراع الحقائق المتعددة ، فالأخوة الثلاثة في الرواية : ( إيفان وديمتري وأليوشا ) تم منحهم الحرية الكاملة لعرض فلسفتهم والحقيقة المطلقة من منظورهم ، بل سخّر السارد أدواته تماما لجعل كل شخصية تدافع عن ( حقيقتها ) بقوة وحجج عقلية بالغة الإقناع ، فبينما قد يميل القارئ لتصديق إيفان في فصل " المفتش الكبير " لا يلبث أن يعود ليتفق كليا أو جزئيا مع فلسفة (أليوشا ) وهكذا ينجح الكاتب في ترك الحقائق تدور في حلبة الصراع كلما كانت قدرته على التجرد وعدم الانحياز كبيرة.
إن هذا لا يعني أن الأدب يتعمد الكذب على القارئ لأن الصدق بمعناه اللغوي ليس من مهمات السرد ودوافعه ، إذ يعتمد مفهوم الصدق والحقيقة في السرد على مدى قدرة النصوص من محاكاة الواقع والاقتراب منه ونبش التفاصيل الإنسانية الصغيرة التي عادة ما يتم تجاوزها أو طمسها عند الحديث عن الحقائق التاريخية الكبرى ، وغالبا ما تخضع هذه الحقائق لعنصر السياسة وقوة الدول وقدرتها على خوض الحروب والانتصار بقتل أكبر عدد ممكن وتدمير أعظم إنجازات العلماء .
وربما تكون رواية " ساق البامبو " للكويتي سعود السنعوسي واحدة من نماذج السرد الذي يعتمد تعددية الحقيقة ، فالرواية تقوم على صراع الهويات بين الحقيقية المشتتة والضائعة ، العائلة ترى في عيسى الطاروف تهديدا لحقيقة وجودها ومكانتها الاجتماعية ، في حين يرى هو نفسه كائنا منتميا للمكان بهوية / حقيقة ضائعة بين اسمين وعالمين مختلفين تماما .
لقد مارستُ شخصيا في روايتي ( العبور على طائرة من ورق ) السرد الذي يسمح للحقيقة أن تتعدد بتعدد وجهات نظر الشخصيات ، وفهمها لمعاناتها التي لا يشاطرها فيه أحد ، ففي شخصيات ( هتاف وأمجاد وإلياس وأميرة وعبد السلام ) مجموعة أفكار متضاربة ، كل صوت منها يدعي أن روايته هي الحقيقة ولكنها الحقيقة الواقعية المنحازة للفرد وليست الحقيقة الدينية الثابتة أو العلمية التي أقرتها القوانين والمعادلات.
وفي ختام هذا المقال أطرح تساؤلا أراه شديد الأهمية :
هل من المقبول اليوم أن نطالب السرد بعرض فكرة أحادية على اعتبار أنها الحقيقة الثابتة ؟ أم أن السرد الناجح هو الذي ينفتح على حقائق متعددة تمثل وجهة نظر الشخصية وفلسفتها في الحياة ، فيتحول النص من مجرد سطور تلهث وراء حقيقة واحدة إلى عالم حكائي يحتفي بكونه يفتح المجال لاستعراض وجهات النظر مما يصنف ضمن مفهوم الحقيقة لدى صاحبه .
قدرة الأدب على إيجاد هذا الانسجام بين الأفكار أمر ملّح وواجب في عصر يموج بالصراعات والاستقطابات والانحيازات المؤدلجة والمؤطرة بأطر الجغرافيا والتاريخ وغيرها ، ولكن الإنسان هنا وهناك يبقى هو الإنسان الذي يحتاج إلى الاطلاع على وجهة نظر الآخر وكيفية تعاطيه مع الحياة مما يجعل السرد يقف محايدا في الأزمات الكبرى منحازا إلى الإنسانية ، مطلقا شعاعا من نور يضيء ظلمات الفكر البشري الذي ينزوي أحيانا في جحر المظلومية المفرطة بعيدا عن تفهم مسيرة الحياة ودوافع الآخرين .




تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...