العربي عبدالوهاب: حديث المكان .. فى رواية (نقيق الضفدع) ـ للشاعر والروائي صلاح والى

لعل أهم السمات التى تشغل المتلقى بعد قراءة رواية نقيق الضفدع (2)، هذا الجهد المبذول فى تشكيل المكان ، وظهور المكان كوحدة لحمية ، تحتوى العمل . ليس فقط هكذا بل التعامل مع مفردات المكان :بيوت الطين ـ الجدران ـ عرق الرمل ـ الترع ـ الحول ـ الشوارع ـ الحارات ـ البيت الكبير ـ الأماكن البعيدة ـ تعاملا حداثيا ، ينبع أولا من رفض تلك النظرة التقليدية للمكان :ـ أنه شيئ ثابت وتابع وهامشى ... إلخ ولم يكن كتعامل أبناء جيله ومجتمعه ولذلك يبدو المكان كمنتج اجتماعى ، يحمل جزءا من أخلاقية وأفكار ووعى ساكنيه ؛( فالمكان هو القرطاس الذى يسجل الانسان عليه ثقافته ، وفنونه وآماله ، ومخاوفه )(3)

بل صار المكان له هويته الحية والفاعلة التى تحكى عن نفسها وعن أهلها ، وتجابه تلك القفزات السريعة ، فى تاريخه وتنمو كضفائر رامزة ، لتظلل أفق الرواية . صار المكان عدة مفردات تتلاحم عضويا . والتعامل معها له حساسية خاصة تساهم فى تشكيل بنية الرواية التى بؤرة ارتكازاتها على هذا المكان ومن هنا قام المكان بدور فعال استحوذ على الرواية فى أحايين كثيرة وبدا على عدة محاور ذات مستويات مختلفة فى السرد مما يعطى تنويعا ، يفسح مجالا للرؤية أن تتخلق داخل النص الروائى ـ ويمكن ايجاز سبب نهج تلك الطريقة فى التعامل مع المكان ، فى عدة أسباب . أهمها : إعلاء قيمة المكان كصفة للبقاء عن الانسان . وحديث المكان مصدرا صادقا ، هل يعد ذلك رغبة مستترة فى وعى الكاتب باتخاذ المكان راويا ، فى مناطق متعددة من السرد ، ليوهمنا بأنه ابتعد عن حيل الانسان ومراوغاته ؛ فالإنسان عندما يستحوذ على ناصية القول غالبا ما يوظف المفردات ـ كلغة للإيصال ـ لتحقيق مصالحه فى المقام الأول ، وسبب آخر كون صلاح والى شاعرا .. أصدر عدة دواوين شعرية ، ورؤيته للأشياء ليست جامدة بل تستحيل الأشياء ـ الداخلة فى خلق القصيدة ـ كائنات متحركة / نابضة / تحتوى الحياة وتعيد تخييلها من جديد .

ونشعربوجود المكان فى كل التفاصيل الصغيرة بعبقه وروحه المتوثبه وشجنه الدائم داخل تجاويفه ، ونرى الراوى متخفيا وراء دور المراقب ـ الساكن الذى يسجل فقط ـ بينما يبدو أهل القرية وكأنهم موسومون بسماته ، ولا فكاك لهم منه .

واذا تتبعنا الكاتب فى تعامله مع المكان ، نجد أنه خلق منه عدة محاور تتضافر مع بعضها فى تشكيل لرؤية الكلية للرواية.



المكان كائن :

يعيش المكان ويتنفس ويتصارع ويحكى " ترحمت عليه البيوت التى فى أطراف القرية ، كما اتفقت فى حزم أن تطرد خارجها بيوت المنشقين عنها ، فلوحظ فى السنوات الأخيرة أن امتلأت الحقول بعدد غير قليل بالبيوت المبنية بالطوب الأحمر .. كما أعطت البيوت الطينية تكليفا بالمراقبة للبيوت النشاز التى فى داير الناحية " ص 14 يتنوع المكان ولا ينقسم ، فنجد أن الأماكن تتحدد بجغرافيتها مثل التى فى أطراف القرية التى فى داير الناحية . المكان ليس كتلة كلية منسجمة بل تتحد ملامحه من خلال رؤية أعمق لتشكيل مفرداته .. ويتحقق الصراع بداخله على مستويين :

المستوى الداخلى حيث يتوزع المكان الكل إلى عدة أمكنة ، حين تتحدد مجموعة البيوت الطينية التى تضم الفلاحين ومن ثم تتصارع مع البيت الكبير وصاحبه الاقطاعى .

المستوى الخارجى تتحد كل الأمكنة ( بيوت الطين ـ البيت الكبير ) فى مواجهة التطورات المرحلية لكل فترة تاريخية . ولأن الأماكن تنطق لأول مرة ولإحساسها بذلك، فإنها تعطينا وصفا مرفولوجيا لها " اتفقت بيوت الطين فيما بينها أن تتراص فى حلقات مقفلة دائرية يخترقها شارع واحد ، وأن تكون أبوابها وشبابيكها فى اتجاه هذا الشارع "ص13 والأماكن لا تصف فقط بقدر ما تهيئنا لأهمية الدور الذى أعدت نفسها له .. والأمكان فى رحلتها ومشاهدتها تجسد ما يدور بداخلها من صراعات ومقدار تفاعلها مع الأحداث ، تقوم بدور دينامى، يبلورالأحداث ويعيد سردها وربطها ببعضها، نافية تارة ومثبتة صدق ما يدور تارة أخرى ، وكأنها تتوخى الحقيقة .. والأماكن ليست مشغولة بذلك الدور وحده ، بل هى مهمومة بالبحث عن جوهر وجودها " وتساءلت بيوت الطين بحذر إن كانت البيوت الحجرية من الطين أيضا ؟ أجابت البيوت الحجرية أنها فى سالف العصر العصر قد خلقت من الطين أيضا ـ ولكن النيران فى أفران الحرق قد بنت جذورها عن الطين وأصابتها بتصلب فى القلب " ص25 نلحظ تصلب قلوب البيوت الحجرية من تصلب قلب صاحب البيت الكبير أو العكس ، وفى ذلك ضفيرة ضمن عدة ضفائر تخلق مستوى آخر يتزاوج من المتسويات الأخرى ، مساهما فى تشكيل العمل .



علاقة المكان بالأشخاص .


تتخلق هذه العلاقة على أكثر من وجه .

وجه مباشر ، وفيه تتبدى العلاقة تفاعلية .. يقول أحول العينين " أن عرق الرمل ليس له أصل ، يتوقف عرق الرمل عن إرسال رسائله من البيت الكبير الى البيوت الطينية ، عندما يحفر فلاح ليدفن كلبا ميتا يرى عرق الرمل مبتلا ـ بدموعه ـ مما يوصل الدائرة ثانية ، .. كما اتفقت بيوت الطين مع شبابها أن ينفضوا عنها تعب النهار إذا جاءالليل .. حتى اذا قارب الليل على الانتهاء .. تولى الشيوخ مهمتهم فقاموا بالسعال المتصل والبصق بصوت عال " ص15ويشكل المكان شخوصه على هذه الشاكلة حتى لا تنقطع الحياة داخله ، مما يرسى مفهوما ما ، أن المكان دائب الحركة فى كل وقت وآن . وتظهر هيمنة المكان على شخوصه ..

للعلاقة وجه آخر غير مباشر .. وهى علاقة تأثيرية حيث يطبع المكان ميسمه فى قلوب شخوصه وذاكرتهم أصل أصل ؛ فيتوقف عرق لرمل عن إرسال رسائله من البيت الكبير الى البيوت الطينية ، وعندما يحفر فل ، ينحدر فى أحاديثهم ، ويتوارد فى مخيلتهم ، بصورته الحزينة ، فعندما يتحدث خطاب فى موضوع التعبير عن الفلاح يرى البطل مخاضة الجامع التى أمام بيتهم ، والفلاحين بفرحهم المهزوم واحتفالاتهم اللانهائية بليلة العيد حيث سيأكلون الكرشة والكوارع ، هنا يصل المكان إلى دماء تسرى فى عروق الشخصيات ، لأنهم من البدء يخرجون منه ، ويشربونه ويسرى داخلهم ؛ المكان فى وجهه الأخير : يولد لنا نماذج / شخوصاً فى الرواية تعكسه تماما منها البطل الذى ما زال صغيرا يقول : " أحسست أن قريتنا هى الوحيدة الموبوءة بالعفاريت والجن واللصوص والسماسرة وبائعى الأقمشة الرخيصة ، وصبيحة المجنونة "ص5 ذلك الشخص المهموم منذ البدء بهذا العالم المكانى الذى يعشقه ويكتب عنه ، ويسجن من أجله ، إنه أحبه كثيرا وعبر عن ذلك بشخوصه المنكوبين وحينما يعود ، يراها وقد سكنتها الأمراض العصرية المنتشرة ، فانتهكت ما فيه ، وتحولت عنه ؛ ذلك الفتى الذى أوفدته القرية ليتعلم وليعبر عنها عاد ليجد أبيه لفقت له تهمة أنه إخوانى لمجرد أنه يفقه الناس فى دينهم . تلك الشخصيات التى تحاول النهوض بالمكان ، وتقوم بدور ايجابى ، تجد نفسها فى مواجهة شخصيات أخرى تقف على أقصى الطرف الآخر . كأحول العينين الذى يعود من البلاد النفطية ليتاجر فى أهل القرية مقابل جلب عقود عمل لهم ، وحكنش أحول العينين الذى يشحذ فى بلاد النبى وكل ما يريده أن تقام مئذنة للجامع ليعمل مؤذنا فيه ، تلك الشخصيات الدودية التى نشأت فى فترة الانفتاح بعدما تخلص المكان من سطوة الإقطاع ، بقوانين الاصلاح وتوازى العدو التقليدى ، ظهرت تلك الديدان ، وأخذت تستشرى فى جسد الرواية



جدلية المكان والواقع السياسى والقفزات التاريخية .

تبدو العلاقة مع البيت الكبير / الإقطاع ، علاقة قديمة ومحددة سلفا يحفظها الفلاحون ، ويتعاملون مع البيت الكبير ـ برغم عسفه بهم ـ وقلة العائد من زراعتهم لأرض صاحب البيت الكبير ـ علاقة تحفز وترقب ومواجهة . كرفض الشاب ذهاب زوجته للخدمة فى البيت الكبير ـ أما علاقتهم بالواقع السياسى ، فهى علاقة هامشية ، بل فى البداية تكاد تنعدم ـ فأحد الخدم يفتح المذياع بدون قصد فتسرى إشاعة أن شيئا ما حدث فى مصر ، وينتقل الكاتب " قالوا سيوزعون الأرض ، يكسونهم بالحرير ، يشترون لهم الأبقار والحمير ـ "ص20 . وتتضح من أسلوبية السرد كثرة الوعود فى تلك الفترة التى أعقبت الإصلاح . ولكن " لم يفرح الفلاحون ظلوا يسألون من قتل صاحب البيت الكبير "ص20 . إنهم يسألون عن شخص بعينه ، قتل صاحب البيت الكبير / فترة الإقطاع بقدر تساؤلهم عن نظام بأكمله . وهل سيحقق تلك الوعود ، ولذلك ساد تلك الفترة غموض الواقع السياسى . فكانت إبان الإقطاع العلاقة محددة / وواضحة . وصارت ـ الآن ـ مبهمة يشوبها الغموض والتردد والخوف والكبت ، لأن البيت الكبير وأمثاله قد حـل فيه أفراد ، لا يستطيع الفلاحون تحديد هويتهم . وإزداد تقييد الحريات بعد ذلك ، فنرى نقطة شرطة فى بعض حجرات البيت الكبير . ونرى نتيجة قتل ضابط ، أن جمع رجال القرية ، ودخلوا واحدا إثر الآخر تمتهن كرامتهم ، ونتاجا لهذا كان لابد من التنفيس عن الكبت المسيطر ، فخرجت نكات وتعليقات تافهة ، وبسبب الانفتاح وسفر الفلاحين ، وتحسن أوضاعهم الاقتصادية المفاجئة بدأت تتكسر قيم ، وتتقلب معايير ، فانتشر الزواج من اثنتين ، وانتتشر الطلاق وخرجت النساء والبنات عن حيائهن ، والرجال والأولاد عن وقارهم وقال الشيخ : الغـد لايحمل ريحا طيبة ، ومن الطبيعى ـ فى تلك الحقبة السياسية ـ أن أكلت فلاحة بطتها التى ماتت ليلا ، ولم تدركها بالسكين ، والرجال ذوو البزة العسكرية فى مشاتيهم ، ويأتي رأي المكان / القرية فى معاهدة السلام ، والحاكم .. إنه لوى زمام مهره وخان المكان بشخوصه ، يتحول فى الفترة الساداتية تحولا رهيبا . الشخوص تنقسم الى نوعين .

نوع أول مثل الفتى / البطل ، ومدرس اللغة الانجليزية ، ومناداتهم بسقوط الزيف عن المكان / القرية . والمكان / الأم .

ونوع ثان يستغل " التردد والرؤية القليلة والرعب من النتائج أعطى الفرصة لأحول العينين أن يصول ويجول" ص55 أحول العينين الشخصية الدودية تتضخم ، وتهاجم القرية بزيف يسمى تحسين اقتصاديتها ، وتحسين المكان ، وتنفث فيه سمها .

هذان النقيضان ، نستبين علاقتهما بالنظام العام السياسى .

الأول / الإيجابى يهزمه النظام ، وتسقطه الفترة السياسية ، وتنكره القرية فيظل دائم البحث عن المكان الذى استلبه .

النوع الثانى / السلبى ينمو ويدمر المكان ، ثم يرحل عنه .



المكان ـ ضفائر رامزة

يستغل المكان بمفرداته فى الرواية وبخروجه مجازيا عن المألوف فى خلق ضفائر رامزة من داخله ، لتحمل مضامين كثيرة تساعد فى تشكيل الرواية وتجعل من المكان بمفرداته تشكيلا جماليا قادرا على العبور بالرؤية الفنية إلى آفاق متشابكة لواقع يأخذ فى التعقيد والغموض ، فنرى البيوت فى صمت مزعج ، وأنين مكتوم " ترقب داخل القرية ، قانعة أن ما تخافه قادم من داخلها " ص 14 قلق أهل القرية يزيد من الايحاء بعمق صراع الداخل ويرمي إلى أنه لن يتحقق الخروج عن الصمت المزعج والأنين المكتوم ؛ لمواجهة صلف القوى الخارجية إلا بتوحيد الداخل ، لذلك أوصت بعض البيوت منها أن تشذ فى كل مساحة عن باقى البيوت ، وتستدير بوجهها الى البيت الكبير ، ليتسنى لها أن تراقبه ، وحين صعب على المكان / بيوت الطين / بيوت الطين فى الأحيان القيام بدور المراقبة لخيانة بعض البيوت وتحالفها مع البيوت الكبير اتفقت أن تتخلى عن هذا البيت ، فنزعت البيوت المجاورة جدرانها ، المشتركة ، فسقطت ، تتلاحم كل الضفائر لتعمق تحفز المكان للخلاص من ربقة ذله ، تجاهل البيت الكبير ، يحاول الفتى أن يفعل شيئا للقرية / المكان ، وتسعى البيوت الطينية ، لهذا نرى البيوت الجديدة وقد جفلت ، تلك البيوت التى طردتها بيوت الطين ، فنأت وتم بناؤها من الحجر فى الحقول ، على مشارف القرية، فتضامنت مع البيت الكبير ـ ويتردد عليها أحول العينين . نلحظ أيضا تواطأ الأطراف المرضية مع بعضها مما يزيد اندهاش الفتى لحضور الرجال الذين يحفرون الأرض ، ويسلبون خصوبتها .. ولم يفهم تكالب الفلاحين عليهم للعمل " تعجبت بيوت الطين المتلاحمة مما يحدث فى بيت أحول العينين ، وقررت أن تفعل شيئا ، لكن غياب الفتى عنها جعلها بعد الأحداث السريعة والغريبة ، لا تستطيع أن تقرر شيئا .. " ص 78 المكان بشخوصه الضعفاء غير قادرعلى الفعل لغياب الفتى ـ رمز المثقف . ولعدم استيعابهم تلك القفزات التاريخية والظروف السياسية ، ويتضح أن الفعل الإيجابى لن يتحقق إلا بتعاون وتوحد المثقفين مع المكان بشخوصه الضعفاء . وتبدو كل تلك الضفائر كنثرات تابعة ، ومتضامنة على ساحة الرواية ، فتثرى المكان ، وتثرى الرؤية .



تضافر المكان مع الأشياء وتنامي مفرداته

" حتى إذا ما أخذ الليل يلم أطرافه مستأذنا البيوت المراقبة ، دخلت نوبة الحراسة التالية للحيوانات والطيور " ص 15 علاقة طردية بين البيوت المراقبة والكائنات الأخرى ، ونلاحظ حميمية العلاقة ، وكأن كل الرموز الفاعلة على الرواية توحدت فى لغة تعاملها ـ على الأقل داخل هذا النسيج ـ وحين يجرِّف الفلاحون أراضيهم فيبيعون ترابها الخصب ، تقول بيوت الطين :لا عاصم لنا إلا بالتماسك . ويكون فعل التماسك هو الرد على سلب خصوبة الأرض ، وعلى غلاء المعيشة " فى كل مكان البركان يصعد من شقوق الأرض ، يهدر ، يمتد ، ينمو بشراـ ص 54" وتمتد علاقة الأرض ببركانها وفورانها ملتحمة بالناس الذين ساءت حالتهم مما يعمق العلاقة السببية . ويعتبر الفتى همزة الوصل فى نقل رسائل البيوت الطينية من وإلى المدينة . المكان يتواصل فى حل علاقاته ، فتخبر شجرة التوت والسنط والجازورينا (الفتى) بأن أباه انتظر طويلا ، وتحاول بيوت الطين أن تبعث برسائلها للاستفسار عن موت أبنائها فى حرب اليمن ، فتبدو صعوبة ذلك لأنها ـ من الأماكن البعيدة ـ اليمن ـ ليست من أراضينا ، وبيننا وبينها بحر مما يجعل المكان ـ الريف غير متصل بالأماكن الأخرى ، وعلاقاتها متعددة فى حدوده ويمكن أن نقول :

بيوت الطين ـ الحيوانات ـ البشر ـ المدينة ـ الأسماك ـ لطيور ـ عرق الرمل ـ الحقول ـ البيت الكبير ـ كل هذا يتضافر فى علاات متفاعلة ونامية ، وتفسح أمام المتلقى الدخول فى علاقة جدلية مع كل هذه الأشياء.



خيوط النهاية تتشبث بالمكان .

" لكم تغيرت القرية خلال عشرين عاما تمتم لنفسه صامتا ص15"

هكذا يحدث نفسه برومانسية حزينة تجاه هذا التغير السيئ . وهو الفتى الذى إذا أحس بالضيق فى بيته سار فى شوارع القرية ، وجلس على مدافنها ، وفى حصة التعبير يكتب عن هؤلاء الفلاحين الضعفاء المرضى . أأ

يراهم وهم يصلون ويستحمون فى الجامع وفى الحقول ، بجهدهم الخارق . هو البطل الذى حارب وكان يصطاد ببندقيته التلسكوبية الاسرائيلين ـ ورآهم بعد ذلك يمرحون فى شوارع بلده ـ نراه مسجونا لا لشيئ الا لرفضه أن تتقلب المعايير وتتبدل الألوان دون منطق وعدم وقوفه صامتا إزاء ذلك . نحس الانكسار الذى يحدثه نظام ما لجيل ولشعب بأكمله " أدمنت وحدة قلبى ، سئمت النقاش ، أتمتع بهذا الأسى الشفيف ص92" أسى يناجى الخلاص فعندما رأى كبارى المشاة تحيط تماما بتمثال رمسيس صرخ" أيها المحارب المنتصر حتى أقصى الشرق لماذا دخلت التابوت ـ ص108" صرخة رفض داخله لضياع الأمنيات . ووقت يعود ويتوقف القطار فى محطة الزقازيق تقع عينيه بحب وشغف على هذه الأماكن ـ مدخنة المصنع ـ فندق أحمد عرابى ـ أعالى بيوت الحسينية ـ مبنى الأحزاب ـ كازينو الزهراء ، مئذنة مسجد رضوان ـ هذا التعلق الحميم بالمكان منبعه ومآله وسبب عذابه ، ويعود للقرية / الناس الذين سجن من أجلهم ، يراهم يتهربون منه .. يبدو وكأنه كان يناضل من أجل الفراغ "لا يريد أن يعرفنى أحد .. ولكنى أحبهم ص 116 " ماذا تبقى لهم إلا المكان الذى دمرته شخوصهم . فيعود مهزوما لا يملك إلا أن يتوحد بالضفدع ، وينق معه .

إن تعاملنا الجامد مع الأشياء ، يغرب الأشياء ويبعدها عنا ، وإضفاء مشاعرنا على المكان تشوهه . وتلك الأخيرة متوفرة فى كثرة من الروايات السابقة ، ونادى ـ روب جرييه ـ بتقديم المكان كما هو ، الابتعاد عن طبع ذواتنا على المكان ، بل يجب أن نعود للأماكن ونحسها بعبقها هى لا بمشاعرنا المتولدة تجاهها ، والبعض من جيل الستينات تعامل مع المكان من هذا المنظور ؛ والبعض أوغل فى تقديم شرائحه الاجتماعية غائصا فى نسق حياتها ومحاصرا لكل ما يعتريها ، غارقا فى وصف المكان محددا معالمه ، فجاء المكان فى أعمالهم باردا مجرد شوارع وبيوت حفظنا ما قاله عنها كتابها . ومع الوقت تبهت وتنمحى من مخيلتنا ، فحجم الألفة القائمة بيننا وبين المكان ، مجرد ظلال باهتة .

جاءت (نقيق الضفدع) بتعامل مغاير لما طرح أو أنتج من قبل . وبنظرة حداثية تدعو للتوقف .. فنحن البشر نميل الى كل ما هو انسانى ، نحاول أن نتعامل مع الكائنات الأخرى ونقيم علاقات مع الجوامد من الأشياء المحيطة حتى نتقرب منها فكلنا مرتبطون بأماكن ، نشعر معها بالراحة والألفة ، حين نحل بها ، لوجود علاقة حميمة بيننا وبين الأماكن .

وجاء صلاح والى وخلق علاقة متنامية بيننا وبين القرية ، أقام جدلا بيننا وبين ما تطرحه الأماكن من رؤى ورموز دالة ، وذلك بعدما أنسن المكان ومنحه دما ولحما ؛ فتحدثت الأماكن ، وقالت عنا ما لم نقله وأخفيناه عن الآخرين ، وعن أنفسنا ، وواجهنا كاشفا عن مناطق مسكوت عنها فى السرد ، توحد وتعاطف مع البعض من الشخوص الإيجايبة ، وجابه المفسدين الذين سعوا بجدية نحو تدمير روحه .

واستطاعت أماكن صلاح والى أن ترتسم بداخلنا كصديق حميم ، نتجاذب معه أطراف الحديث . ونتواصل بشكل أكثر دفئا وصدقا .

المكان قوة فاعلة فى النص ؛ لا مجرد فضاء يمارس بداخله الفعل ؛

لم يكن مفعولا به ، بل حوله الكاتب إلى فاعل ، وكائن حـى أحسسنا بملامحه وهويته وسطوته ، ضعفه وأيديولوجيته تجاه الأشخاص وتجاه حقب تاريخية وسياسية له أكثر من مستوى ـ كما سبق ـ تتنامى جزئياته وتجرى فى عروقه الدماء ، فتحمل الحياة داخل الرواية . بل تصير الرواية / المكان وجها للحياة ، والحياة وجها للأماكن الكائنة فيه ،ووجها للبشر .

كل ذلك يحركه الكاتب بأداء متفرد وحداثى .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...