غالبا ما يكون العنوان عتبة نصية أولى تساعد القارئ والناقد معا فى الولوج إلى حيز الرؤية الفنية، فماذا عسانا نجد فى ذلك العنوان (الرقصة الأخيرة)(1) .. ثمة توكيد من خلال أداتي التعريف الألف واللام فى مفردتي (الرقصة) و (الأخيرة) للراقصة المعتزلة هويدا جلال.. وهذا بالضرورة يخلق متوالية أخرى من الأسئلة تنهض على أساس توكيد أو نفى ما سوف يرد فى الرواية من أحداث، ومن تحولات فى مصائر الشخصيات، ليس هذا فقط بل يتعامل مع الكيفية التى ستؤدي لهذه التحولات، وهذا هو المحور الخاص بالفنون جميعها.
كيف؟؟! .. ولماذا؟
لعل من أهم مصادر الصراع الدرامية فى الكتابة ( صراع أفراد ضد أفراد، أو صراع أفراد ضد قوى خفية فى الروايات الخيالية (العجائبية)، أو صراع ضد منظمات إرهابيية، أو صراع ضد عصابات فاسدة)
وفى فى هذا النوع الأخير الأخير صراع الأفراد ضد عصبات فاسدة، لاشك أن الأفرد سيغلب عليهم الضعف أمام تلك المنظمات التى تحيك أعمالها فى الظلام، عصابات اكتسبت وجودها من خلال تضامنها وتكاتفها، وقدرتها على الهيمنة على الآخرين بشتى الطرق المشروعة منها وغير المشروعة.
تتوفر الرواية على مجموعة من ألوان الصراع.
صراع أبناء القرية مع جبابرة المدينة.
صراع الأفراد أمام المجتمع.
الصراع الطبقي.
وهذه الصراعات تم إدارتها من أجل تحليل عدة معانٍ مثل الشرف، والكرامة والقيم والمبادئ.. ومقدار زيفها ، وفهم الناس المغلوط لها.
ولأننا بشر، ومكابدة الحياة وعبور منزلقاتها ومتاعبها يتحتاج إلى قدرات وخبرات خاصة، فقد أقرت الرواية منذ العنوان بأن ما سوف يتم سرده من أحداث هذه الرواية؛ إنما هو يمثل الرقصة الأخيرة لهذه الراقصة.
وأحداث الرواية كما خططت لها الكاتبة وأبرزتها وأدارت من خلال أحداثها أنماط الصراع المتعددة.
إن طريقة عرض ملامح حياة الفتاة (ندى) وبراءة مشاعرها البكر، فى القرية؛ يؤكد للقارئ ، أنه من حقها أن تعيش فى خيالها شعورها بالعشق الجارف من طرفها فقط للدكتور جلال ابن أحد أثرياء القرية.. وما وجود (سامية) أختها فى الرواية إلا لتجسيد العقل القروي الكاشف لانحراف خيال الأخت الصغرى وإبراز حجم الفوارق الطبقية الكبيرة على المستويين المادى والتعليمي بين ندى ومن تظنه حبيبها؛ وأن هذا حتما سيحول بين نجاح علاقة من هذا النوع.
وفى حقيقة الأمر نلاحظ أن الكاتبة تتعامل مع موتيفات كلاسيكية فى اختيار موضوعاتها.. ولكن الجديد دائما يتجلى فى وسائل المعالجة القائمة على فشل الاخيارات الحتمية.
مثلا اختيار (ندى) أن تحترف الرقص وتبديل إسمها إلى (هويدا جلال).
واختيارها أن تكتب مذكراتها، لفضح من تجاروا بها.
نراها فى اختيارها للرقص تحمل رغبة ثورية على قلب الأوضاع الطبقية كونها فقيرة وتعمل خادمة وابنة (معددة) .. " أطرقت رأسي إلى الأرض أفكر ، وقفت بين عواطف ، التي تحذرني من النار ولهيبها ، وسعيد الذي يعدني بالجنة ونعيمها ، ولكنني لم أكن بحاجة إلى تفكير عميق ، لقد أخذت القرار منذ أن كنت هناك في غرفتي الحقيرة ، بتلك القرية المنسية) ص63
يقول الدكتور محمد غنيمي هلال "والكاتب يخلق أشخاصه، مستوحيا فى خلقهم الواقع، مستعينا بالتجارب التى عاناها هو أو لحظها. وهو يعرف كل شئ عنهم، ولكنه لا يفضي بكل شئ، فلا يصح أن يذكر تفصيلات الحياة اليومية إذا كانت لا تمت بصلة إلى فكرة القصة، ولا تدل على الحال النفسية لأشخاصه، أو على العادات والتقاليد ذات السلطان فى المجتمع. وذلك كالتفصيلات التى تمت بصلة إلى مجرد طعام، أوشراب، أم نوم أو مرض لم يكن له أثر فى تطوير القصة" (2)
إذن انتقاء الأحداث الهامة والتركيز عليها، ثم تكثيف كل ما هو عادي وغير فاعل فى الاضافة للرؤية الفنية، و يجب حذفه، ليحذف كي لا يكون عبئا على بنية السرد.
وليس بالضرورة أن يعايش الكاتب أو الكاتبة أحداثا بعينها بقدر ما يعتمد على خياله، فى اختيار الموضوع المراد عرضه فى إطار نمط فني كرواية أو قصة أو مسرحية أو قصيدة من الشعر أو لوحة من اللوحات الفنية
والكاتبة هنا إعتمدت فى بناء روايتها على زمنين فى السرد لا يتداخلان، بقدر ما يخلقان شكلا من أشكال الصراع الدرامي كما نرى:
الزمن الأول
هو الزمن الحاضر الذى تعيشه الراقصة بعدما إنزاحت عنها الأضواء، وشعورها بحنق وغضب ـ بعد مراجعة النفس ـ تجاه من تجاروا بها.. ولعلها قامت بتعويض وحدتها مع الصحفي الشاب (عمر شهاب) لما يحمله من شبه مع حبيبها الأول (جلال) .. ذلك الزمن يجسد تفاصيل الحاضر السردي المعاش من خلال سرد علاقتين متناقضتين.
هما: علاقة الراقصة بـ عمر شهاب
وعلاقة عمر بحبيبته الصحفية ( شروق ) ابنة فؤاد الصناديلي.
العلاقتان متقاطعتان، ومتنافرتان، ولكنهما يساعدان الصراع الدرامي على خلق حالات من التشويق والاثارة.
الزمن الثاني .
هو الماضي .. ماضي الراقصة الذى يتم سرده من خلال تقنية المذكرات ويتناول هذا الزمن قصة حياة الراقصة منذ كانت فتاة ريفية بريئة تعشق حبيبا لا يشعر بها، وتبني فى خيالها أحلاما ساذجة.. مرورا باختيارها واحترافها لمهنة الرقص بعدما هجرت القرية ونزلت إلى المدينة التى ابتلعتها و ألقت بها فى خضم حياة عاصفة من الضياع والوحدة ، وابتعاد الجميع عنها.
اعتمدت الرواية على المزاوجة بين الزمن الأول والزمن الثاني وذلك بعرض فصل من الحاضر، وفصل آخر من المذكرات.
وذلك لسببين أولهما: على مستوى الحكاية المسرودة: خلق حالة من التشويق عند الانتقال بين خلفيات ماضٍ كاشف للشخصية؛ ثم العودة لحاضر شبه مبهم، لما يعتريه من ألوان الغموض التى تجعل القارئ يتساءل ـ حتما ـ عن الأسباب التى أدت بها لذلك ..
ثانيهما: على المستودى الفنى كسر رتابة السرد بعرض زمنين:
حاضر يتسم بالعادية والضجر وماضٍ يعج بالمفاجآت.
ومن ثم فعملية تبديل فصول الرواية بين زمنين (حاضر وماضي) ساعد الكاتبة على اللعب بالايقاع ، " وإذا كان الايقاع فى الرواية يقتضي بالضرورة المقارنة بين طرفين ..... أو زمنين هما فيما يبدو:
[1] زمن الحكاية والأحداث كما تجري عادة فى الحياة .. [2] وزمن قصها الذى تستغرقه فى النص " (3) .. ومن ثم فقد اهتدى الباحثون إلى أنه يمكن قياس الايقاع فى الرواية من حيث كثافة الأحداث ورهافتها أو بطئها وسرعتها عبر خمس محددات هى: ( الحذف، الاختصار، المشهد، التباطؤ، التوقف) (4)
ويفترض بأن يتطلب الزمن الماضي بالضرورة (الحذف والاختصار) لما يحمله من أحداث تحتاج كثيرا فى عرضها إلى تجاوز غير المهم والذى لا ضرورة له ، لأنه لن يضيف، ومن ثم فالفقز على الزمن يساعد القارئ أن يبحث فى المسكوت عنه.
أما الزمن الحاضر فيفترض أن يعتمد على محددات أخرى مثل : ـ (المشهد ، التباطؤ ، التوقف) ولكن فى رواية الرقصة الأخيرة استطاعت الكاتبة أن التقنيات الخمس فى الحاضر والماضي معا بمهارة كبيرة
بالطبع كانت المفاجأة متوقعة تماما بدليل أنه خاف على الراقصة وطلب منها الانتقال إلى شقته بالتجمع الخامس، وكانت متوقعة أيضا من القارئ منذ بداية العنوان (الرقصة الأخيرة)، ومن ثم كان جيدا من الكاتبة أن تضع القارئ أمام احتمالات جديدة، كى تفتح ثقوبا جديدة، تحاول أن تسد ثغراتها لدى القارئ ، أهم هذه الثغرات؛ أي من هذه الطيور الظلامية الذى تمكن من القضاء عليهما؟؟؟!.
وما سر هذه الاحترافية؟؟!!
تلك المساحات المحذوفة شكلت فراغات ساعدت الكاتبة أن تضيف أربعة فصول كاملة أخرى، لم تكن الرواية فى حاجة لهم، ربما كان فصلا واحدا يكون كافيا للانتهاء من كشف اللغز المتروك فى الفصل (28)
" احمرت وجنتاي ، أطرقت رأسي للأرض خجلا ، اقترب مني رويدا .. رويدا ، يبتلع ريقه ، وقلبه ينبض بشدة ، وأنا أتراجع للخلف بخطوات مرتعشة ، حتى التصقت بالحائط ، لم أجد مفرا من جسده ، الذي التصق بجسدي ، فرفعت رأسي وابتسمت ببراءة ، كررت سؤالي ، وصوتي يخرج بصعوبة ، وقلبي يكاد أن ينخلع من مكانه ، اقترب مني أكثر ، فلم أجد مفرا من جسده ، الذي التحم بجسدي ، وقبض على وجهي بكفيه ، وأطبق شفتيه على شفتاي ، في قبلة شرهة وطويلة ،" ص30 .. نلاحظ تحكم الكاتبة فى تصوير أعماق الشخصية (ندى) والقبض على الأبعاد النفسية، وتأرجح الشخصية بين الحلم وبين الرغبة.
وغالبية فصول الرواية تعتمد على بنية المشهد النابع من أعماق الشخصيات، مما يوضح مهارة خاصة تتمتع بها الكاتبة فى السرد من الداخل بمنظور الشخصية.سباب أسباب أااا ااا
"إنها قائمة طويلة ، وسنوات أطول ، قضتها بين سياسيين وصحفيين ، ورجال أعمال ، ورجال وصلت لحاهم إلى أسفل صدورهم ، يتاجرون باسم الدين ، كل واحد منهم له بصمة على جسدها ، منهم من قبل يدها ، ومنهم من قبل شفتيها ، ومنهم من قبل قدميها ، كل حسب مصلحته ، بورقة عرفية ومبلغا من المال ، تحصل على ما تريد ، صفقات وعمولات وتوقيعات مريبة في أوقات النشوة ، ضحكت كثيرا على تقلب الزمن ، الذي حولها إلى مجرد راقصة ، تعيش على الذكريات ، تبا لك أيها الفارس الغامض !" ص35
ونراها فى المسودة 17 من المذكرات " أغمضت عيوني وأبحرت في سماء خيالي ، رسمت أحلاما وردية ، حلمت بطي تلك الصفحات المؤلمة من حياتي ، غدا سيكون الأفضل على الإطلاق ، سأبحر بسفينة أحلامي ، وأرسو على شاطئ السعادة إلى الأبد . أمسك بيدي وجذبني برفق نحو صدره ، فأرحت رأسي على كتفه ، فاحتواني بداخل حضنه ، راقص مشاعري فغرد قلبي فرحا ، تداعبنا ..تبادلنا نظرات العشق وهمسات الشوق ، ألقى في أذني كلمات لم أسمعها من قبل ، كلمات طالما اشتقت إلى سماعها ، شعرت بأنفاسه تقترب من شفتاي ، وشفتاه تمتصان رحيق شفتاي ، شعرت بيده تتحسس جسدي في نشوة ، فزلزلت حصوني ، وفتحت أبواب قلعتي ، طلبت من فارسي أن يمتطي صهوة فرسه ، ويأخذني إلى عالمه الوردي ." ص115
وتكررت هذه التيمة فى أحلام يقظتها مع حبيبها الأول جلال فى بداية الرواية ص
وهذه التيمة من مميزاتها أنها تقدم للقارئ مفارقة بين ما هو المتخيل والواقع السردي فى الرواية
نلاحظ فى هذا المقطع أمنياتها فى أن يكون فارسها، وتستطيع أن تطويه بعد التحافه بالغموض، وعدم سقوطه أمام جمالها الفتان، بالاضافة لما يعكسه المقطع من رغبة شبقة فى الاشباع التى تعكس الجوع إلى الحب، أكثر منه إلى الجنس
ما بين الشرود والأحلام وبين ما يدور فى واقع الرواية تتولد المفارقات التى تعتمد عليها الكاتبة فى روايتها (الرقصة الأخيرة.
ومن هذه المفارقات الجلية هو اللعب على موضوع القناع وبالرغم من أن القناع المعادل للرمز فى الشعر الحديث.. إلا أن فنون السرد إعتمدت عليه أيضا.. كما اعتمدت الكاتبة على منح الراقصة اسما آخر للشهرة (هويدا بدلا من ندى) وكما تخفى أحد جبابرة طيور الظلام ، القواد الكبير (فارس الصياد) تحت قناع رجل الأعمال الشهير (فؤاد الصناديلي)
أجادت الكاتبة فى الاعتماد على الفنون السينمائية أيضا فى سردها للرواية وغلبت على كتابتها الرؤية البصرية، وذكر تفاصيل دقيقة تشعرك دائما أن ما يتم سرده، يتم عرضه عبر مخيلة متعايشة باستمرار مع الأحداث ، ساعدت الحوارات المكتوبة بالعامية المصرية على توكيد تلك الكتابة السردية التى استمدت من السينما فنيات بناء المشاهد مع إدارة عمليات القطع والمونتاج والمزج بين ماضٍ وحاضر .
بشكل فنى يحمل قدرات متميزة على البوح ، وعلى السرد بدربة واحترافية لا يقلل منها حاجتها إلى التكثيف فى بعض المواضع.
تحية لكاتبة روائية تحمل ملامحها الخاصة والمتميزة فى فنون السرد الروائى.
هوامش
1 ـ تغريد مصباح ـ رواية الرقصة الأخيرة ـ دار لوتس للنشر الحر ـ 2017م
2 ـ دكتور محمد غنيمي هلال ـ النقد الأدبي الحديث ـ دار نهضة مصر ـ أكتوبر 1997 ـ ص530
3 ـ دكتور صلاح فضل ـ أساليب السرد فى الرواية العربية ـ دار المدى ـ 2003م
4 ـ دكتور صلاح فضل ـ مرجع سابق
كيف؟؟! .. ولماذا؟
لعل من أهم مصادر الصراع الدرامية فى الكتابة ( صراع أفراد ضد أفراد، أو صراع أفراد ضد قوى خفية فى الروايات الخيالية (العجائبية)، أو صراع ضد منظمات إرهابيية، أو صراع ضد عصابات فاسدة)
وفى فى هذا النوع الأخير الأخير صراع الأفراد ضد عصبات فاسدة، لاشك أن الأفرد سيغلب عليهم الضعف أمام تلك المنظمات التى تحيك أعمالها فى الظلام، عصابات اكتسبت وجودها من خلال تضامنها وتكاتفها، وقدرتها على الهيمنة على الآخرين بشتى الطرق المشروعة منها وغير المشروعة.
تتوفر الرواية على مجموعة من ألوان الصراع.
صراع أبناء القرية مع جبابرة المدينة.
صراع الأفراد أمام المجتمع.
الصراع الطبقي.
وهذه الصراعات تم إدارتها من أجل تحليل عدة معانٍ مثل الشرف، والكرامة والقيم والمبادئ.. ومقدار زيفها ، وفهم الناس المغلوط لها.
ولأننا بشر، ومكابدة الحياة وعبور منزلقاتها ومتاعبها يتحتاج إلى قدرات وخبرات خاصة، فقد أقرت الرواية منذ العنوان بأن ما سوف يتم سرده من أحداث هذه الرواية؛ إنما هو يمثل الرقصة الأخيرة لهذه الراقصة.
وأحداث الرواية كما خططت لها الكاتبة وأبرزتها وأدارت من خلال أحداثها أنماط الصراع المتعددة.
إن طريقة عرض ملامح حياة الفتاة (ندى) وبراءة مشاعرها البكر، فى القرية؛ يؤكد للقارئ ، أنه من حقها أن تعيش فى خيالها شعورها بالعشق الجارف من طرفها فقط للدكتور جلال ابن أحد أثرياء القرية.. وما وجود (سامية) أختها فى الرواية إلا لتجسيد العقل القروي الكاشف لانحراف خيال الأخت الصغرى وإبراز حجم الفوارق الطبقية الكبيرة على المستويين المادى والتعليمي بين ندى ومن تظنه حبيبها؛ وأن هذا حتما سيحول بين نجاح علاقة من هذا النوع.
وفى حقيقة الأمر نلاحظ أن الكاتبة تتعامل مع موتيفات كلاسيكية فى اختيار موضوعاتها.. ولكن الجديد دائما يتجلى فى وسائل المعالجة القائمة على فشل الاخيارات الحتمية.
مثلا اختيار (ندى) أن تحترف الرقص وتبديل إسمها إلى (هويدا جلال).
واختيارها أن تكتب مذكراتها، لفضح من تجاروا بها.
نراها فى اختيارها للرقص تحمل رغبة ثورية على قلب الأوضاع الطبقية كونها فقيرة وتعمل خادمة وابنة (معددة) .. " أطرقت رأسي إلى الأرض أفكر ، وقفت بين عواطف ، التي تحذرني من النار ولهيبها ، وسعيد الذي يعدني بالجنة ونعيمها ، ولكنني لم أكن بحاجة إلى تفكير عميق ، لقد أخذت القرار منذ أن كنت هناك في غرفتي الحقيرة ، بتلك القرية المنسية) ص63
يقول الدكتور محمد غنيمي هلال "والكاتب يخلق أشخاصه، مستوحيا فى خلقهم الواقع، مستعينا بالتجارب التى عاناها هو أو لحظها. وهو يعرف كل شئ عنهم، ولكنه لا يفضي بكل شئ، فلا يصح أن يذكر تفصيلات الحياة اليومية إذا كانت لا تمت بصلة إلى فكرة القصة، ولا تدل على الحال النفسية لأشخاصه، أو على العادات والتقاليد ذات السلطان فى المجتمع. وذلك كالتفصيلات التى تمت بصلة إلى مجرد طعام، أوشراب، أم نوم أو مرض لم يكن له أثر فى تطوير القصة" (2)
إذن انتقاء الأحداث الهامة والتركيز عليها، ثم تكثيف كل ما هو عادي وغير فاعل فى الاضافة للرؤية الفنية، و يجب حذفه، ليحذف كي لا يكون عبئا على بنية السرد.
وليس بالضرورة أن يعايش الكاتب أو الكاتبة أحداثا بعينها بقدر ما يعتمد على خياله، فى اختيار الموضوع المراد عرضه فى إطار نمط فني كرواية أو قصة أو مسرحية أو قصيدة من الشعر أو لوحة من اللوحات الفنية
والكاتبة هنا إعتمدت فى بناء روايتها على زمنين فى السرد لا يتداخلان، بقدر ما يخلقان شكلا من أشكال الصراع الدرامي كما نرى:
الزمن الأول
هو الزمن الحاضر الذى تعيشه الراقصة بعدما إنزاحت عنها الأضواء، وشعورها بحنق وغضب ـ بعد مراجعة النفس ـ تجاه من تجاروا بها.. ولعلها قامت بتعويض وحدتها مع الصحفي الشاب (عمر شهاب) لما يحمله من شبه مع حبيبها الأول (جلال) .. ذلك الزمن يجسد تفاصيل الحاضر السردي المعاش من خلال سرد علاقتين متناقضتين.
هما: علاقة الراقصة بـ عمر شهاب
وعلاقة عمر بحبيبته الصحفية ( شروق ) ابنة فؤاد الصناديلي.
العلاقتان متقاطعتان، ومتنافرتان، ولكنهما يساعدان الصراع الدرامي على خلق حالات من التشويق والاثارة.
الزمن الثاني .
هو الماضي .. ماضي الراقصة الذى يتم سرده من خلال تقنية المذكرات ويتناول هذا الزمن قصة حياة الراقصة منذ كانت فتاة ريفية بريئة تعشق حبيبا لا يشعر بها، وتبني فى خيالها أحلاما ساذجة.. مرورا باختيارها واحترافها لمهنة الرقص بعدما هجرت القرية ونزلت إلى المدينة التى ابتلعتها و ألقت بها فى خضم حياة عاصفة من الضياع والوحدة ، وابتعاد الجميع عنها.
اعتمدت الرواية على المزاوجة بين الزمن الأول والزمن الثاني وذلك بعرض فصل من الحاضر، وفصل آخر من المذكرات.
وذلك لسببين أولهما: على مستوى الحكاية المسرودة: خلق حالة من التشويق عند الانتقال بين خلفيات ماضٍ كاشف للشخصية؛ ثم العودة لحاضر شبه مبهم، لما يعتريه من ألوان الغموض التى تجعل القارئ يتساءل ـ حتما ـ عن الأسباب التى أدت بها لذلك ..
ثانيهما: على المستودى الفنى كسر رتابة السرد بعرض زمنين:
حاضر يتسم بالعادية والضجر وماضٍ يعج بالمفاجآت.
ومن ثم فعملية تبديل فصول الرواية بين زمنين (حاضر وماضي) ساعد الكاتبة على اللعب بالايقاع ، " وإذا كان الايقاع فى الرواية يقتضي بالضرورة المقارنة بين طرفين ..... أو زمنين هما فيما يبدو:
[1] زمن الحكاية والأحداث كما تجري عادة فى الحياة .. [2] وزمن قصها الذى تستغرقه فى النص " (3) .. ومن ثم فقد اهتدى الباحثون إلى أنه يمكن قياس الايقاع فى الرواية من حيث كثافة الأحداث ورهافتها أو بطئها وسرعتها عبر خمس محددات هى: ( الحذف، الاختصار، المشهد، التباطؤ، التوقف) (4)
ويفترض بأن يتطلب الزمن الماضي بالضرورة (الحذف والاختصار) لما يحمله من أحداث تحتاج كثيرا فى عرضها إلى تجاوز غير المهم والذى لا ضرورة له ، لأنه لن يضيف، ومن ثم فالفقز على الزمن يساعد القارئ أن يبحث فى المسكوت عنه.
أما الزمن الحاضر فيفترض أن يعتمد على محددات أخرى مثل : ـ (المشهد ، التباطؤ ، التوقف) ولكن فى رواية الرقصة الأخيرة استطاعت الكاتبة أن التقنيات الخمس فى الحاضر والماضي معا بمهارة كبيرة
- الحذف
بالطبع كانت المفاجأة متوقعة تماما بدليل أنه خاف على الراقصة وطلب منها الانتقال إلى شقته بالتجمع الخامس، وكانت متوقعة أيضا من القارئ منذ بداية العنوان (الرقصة الأخيرة)، ومن ثم كان جيدا من الكاتبة أن تضع القارئ أمام احتمالات جديدة، كى تفتح ثقوبا جديدة، تحاول أن تسد ثغراتها لدى القارئ ، أهم هذه الثغرات؛ أي من هذه الطيور الظلامية الذى تمكن من القضاء عليهما؟؟؟!.
وما سر هذه الاحترافية؟؟!!
تلك المساحات المحذوفة شكلت فراغات ساعدت الكاتبة أن تضيف أربعة فصول كاملة أخرى، لم تكن الرواية فى حاجة لهم، ربما كان فصلا واحدا يكون كافيا للانتهاء من كشف اللغز المتروك فى الفصل (28)
- المشهد
" احمرت وجنتاي ، أطرقت رأسي للأرض خجلا ، اقترب مني رويدا .. رويدا ، يبتلع ريقه ، وقلبه ينبض بشدة ، وأنا أتراجع للخلف بخطوات مرتعشة ، حتى التصقت بالحائط ، لم أجد مفرا من جسده ، الذي التصق بجسدي ، فرفعت رأسي وابتسمت ببراءة ، كررت سؤالي ، وصوتي يخرج بصعوبة ، وقلبي يكاد أن ينخلع من مكانه ، اقترب مني أكثر ، فلم أجد مفرا من جسده ، الذي التحم بجسدي ، وقبض على وجهي بكفيه ، وأطبق شفتيه على شفتاي ، في قبلة شرهة وطويلة ،" ص30 .. نلاحظ تحكم الكاتبة فى تصوير أعماق الشخصية (ندى) والقبض على الأبعاد النفسية، وتأرجح الشخصية بين الحلم وبين الرغبة.
وغالبية فصول الرواية تعتمد على بنية المشهد النابع من أعماق الشخصيات، مما يوضح مهارة خاصة تتمتع بها الكاتبة فى السرد من الداخل بمنظور الشخصية.سباب أسباب أااا ااا
- الاختصار
"إنها قائمة طويلة ، وسنوات أطول ، قضتها بين سياسيين وصحفيين ، ورجال أعمال ، ورجال وصلت لحاهم إلى أسفل صدورهم ، يتاجرون باسم الدين ، كل واحد منهم له بصمة على جسدها ، منهم من قبل يدها ، ومنهم من قبل شفتيها ، ومنهم من قبل قدميها ، كل حسب مصلحته ، بورقة عرفية ومبلغا من المال ، تحصل على ما تريد ، صفقات وعمولات وتوقيعات مريبة في أوقات النشوة ، ضحكت كثيرا على تقلب الزمن ، الذي حولها إلى مجرد راقصة ، تعيش على الذكريات ، تبا لك أيها الفارس الغامض !" ص35
- التباطؤ
ونراها فى المسودة 17 من المذكرات " أغمضت عيوني وأبحرت في سماء خيالي ، رسمت أحلاما وردية ، حلمت بطي تلك الصفحات المؤلمة من حياتي ، غدا سيكون الأفضل على الإطلاق ، سأبحر بسفينة أحلامي ، وأرسو على شاطئ السعادة إلى الأبد . أمسك بيدي وجذبني برفق نحو صدره ، فأرحت رأسي على كتفه ، فاحتواني بداخل حضنه ، راقص مشاعري فغرد قلبي فرحا ، تداعبنا ..تبادلنا نظرات العشق وهمسات الشوق ، ألقى في أذني كلمات لم أسمعها من قبل ، كلمات طالما اشتقت إلى سماعها ، شعرت بأنفاسه تقترب من شفتاي ، وشفتاه تمتصان رحيق شفتاي ، شعرت بيده تتحسس جسدي في نشوة ، فزلزلت حصوني ، وفتحت أبواب قلعتي ، طلبت من فارسي أن يمتطي صهوة فرسه ، ويأخذني إلى عالمه الوردي ." ص115
وتكررت هذه التيمة فى أحلام يقظتها مع حبيبها الأول جلال فى بداية الرواية ص
وهذه التيمة من مميزاتها أنها تقدم للقارئ مفارقة بين ما هو المتخيل والواقع السردي فى الرواية
نلاحظ فى هذا المقطع أمنياتها فى أن يكون فارسها، وتستطيع أن تطويه بعد التحافه بالغموض، وعدم سقوطه أمام جمالها الفتان، بالاضافة لما يعكسه المقطع من رغبة شبقة فى الاشباع التى تعكس الجوع إلى الحب، أكثر منه إلى الجنس
- التوقف
ما بين الشرود والأحلام وبين ما يدور فى واقع الرواية تتولد المفارقات التى تعتمد عليها الكاتبة فى روايتها (الرقصة الأخيرة.
ومن هذه المفارقات الجلية هو اللعب على موضوع القناع وبالرغم من أن القناع المعادل للرمز فى الشعر الحديث.. إلا أن فنون السرد إعتمدت عليه أيضا.. كما اعتمدت الكاتبة على منح الراقصة اسما آخر للشهرة (هويدا بدلا من ندى) وكما تخفى أحد جبابرة طيور الظلام ، القواد الكبير (فارس الصياد) تحت قناع رجل الأعمال الشهير (فؤاد الصناديلي)
أجادت الكاتبة فى الاعتماد على الفنون السينمائية أيضا فى سردها للرواية وغلبت على كتابتها الرؤية البصرية، وذكر تفاصيل دقيقة تشعرك دائما أن ما يتم سرده، يتم عرضه عبر مخيلة متعايشة باستمرار مع الأحداث ، ساعدت الحوارات المكتوبة بالعامية المصرية على توكيد تلك الكتابة السردية التى استمدت من السينما فنيات بناء المشاهد مع إدارة عمليات القطع والمونتاج والمزج بين ماضٍ وحاضر .
بشكل فنى يحمل قدرات متميزة على البوح ، وعلى السرد بدربة واحترافية لا يقلل منها حاجتها إلى التكثيف فى بعض المواضع.
تحية لكاتبة روائية تحمل ملامحها الخاصة والمتميزة فى فنون السرد الروائى.
هوامش
1 ـ تغريد مصباح ـ رواية الرقصة الأخيرة ـ دار لوتس للنشر الحر ـ 2017م
2 ـ دكتور محمد غنيمي هلال ـ النقد الأدبي الحديث ـ دار نهضة مصر ـ أكتوبر 1997 ـ ص530
3 ـ دكتور صلاح فضل ـ أساليب السرد فى الرواية العربية ـ دار المدى ـ 2003م
4 ـ دكتور صلاح فضل ـ مرجع سابق