العربي عبدالوهاب : جدلية السرد و الشعر.. ثأر قديم، وطرح جديد.

مقدمة :

لم يكن حصول الكاتب الكبير نجيب محفوظ على جائزة نوبل فى الأداب، مجرد حدث عادى ، أو انتصار شخصى لكاتب كبير. بل صار نصرا مؤثرا للرواية العربية فى المحفل العالمى، وانفتاحا للأدب العربى على آفاق أرحب، خارجيا.. أما على المستوى الداخلى كان فوز محفوظ، بمثابة الشرارة الموحية كى تكتسب الرواية تقديراً خاصا من الشعراء، وكتاب الدراما التلفزيونية والسينمائية، وارتقائها موضعا فريدا، ومكانة مرموقة ، بعد أن ظل الشعر هو المسيطر ، وهوالممثل الرسمى للذائقة العربية، قرونا وقرون.

يقول محفوظ : "لقد ساد الشعر فى عصور الفطرة والأساطير، أما هذا العصر، عصر العلم ، والصناعة ، والحقائق، فيحتاج حتما إلى فن جديد، يوفق على قدر الطاقة، بين شغف الانسان الحديث للحقائق ، وبين حنانه القديم للخيال.وقد وجد العصر بغيته فى القصة، فاذا تأخر الشعر عنها فى مجال الانتشار ، فليس لأنه أرقى من حيث الزمن ، ولكن لأنه تنقصه بعض العناصر التى تجعله موائما للعصر، فالقصة على هذا الرأى هى شعر الدنيا الحديثة" (1)

فى ظل عصر الآلة، وسطوة الحياة التى تحدد مصائر البشر، أمام الماكينة، لابد أن يتولد نوع من الحنين للماضى، بذكارياته الخاصة، لمواجهة ألوان التشظى الذى يفرضه إيقاع الحياة الحديثة على إنسان تلك المرحلة العصبية من حياة البشرية، هل كانت نبوءة المعمارى الأول ، مؤسس الرواية العربية نجيب محفوظ، تمثل فى واقع الأمر منافيستو، يعلن فيه قيام جمهورية الرواية المتاخمة لمملكة الشعر، ومع مرور الزمن أخذت تزاحمها، وتحظى بزيادة مريديها ، من الشعراء، الذين انخرطوا فى كتابة الرواية.. سعيا وراء القبض على روح العالم الحديث، من خلال تعقيداته، وإفراطه فى التشيؤ؛ وذلك بالسعى للاتيان بكتابة تمسك بتفاصيله العميقة، هؤلاء الشعراء القادمين من المملكة، لم تزل نرجسية اللغة تسحبهم نحو عوالمها، فقاموا بعقد هدنة مؤقتة ، بعمل تزاوج شرعى بين منجزات الشعر، فى أداء اللغة لتكون قادرة على الطرح المكثف للعبارة، تلك الكتابة المزدحمة بعنصر التخييل، والتشعير المتلاحق للواقع .

نلاحظ هذا فى طرح الشاعر والروائى صلاح والي ، فى روايات عائشة الخياطة، ليلة عاشوراء، السلام عليكم، نقيق الضفدع، وأخيرا ( ذكريات المستقبل )

فى روايات أخرى للكاتب تخف شاعرية اللغة، وتبقى شاعرية العالم بادية بوضوح من خلال المنظور الروائى لبناء الشخصيات، كما فى ( فتنة الأسر ) الرواية التى أهداها الى سعاد حسنى، والرعية والجميل الأخير.. أظن أن مشروع صلاح الروائى لم يحظ بالدراسات الكافية لاستخراج جواهره وقراءته بعمق. إلا عند الشاعر والباحث الدكتور كارم محمود عزيز، عندما قدم كتابا كاملا، تناول فيه رواية واحدة لصلاح والي وهى (عائشة الخياطة) وأيضا الناقدين الكبيرين الدكتور أيمن تعيلب والدكتور صلاح السروى..وآخرون.



ثمة شعراء روائيون قدموا روايات قليلة بجانب مشروعهم الشعرى الأساس، مثل الشاعر الكبير مختار عيسى، والشاعر على عطا، بالاضافة الى شعراء لم تتضح نواياهم فى الاستمرار أم المرور لماما، مثل الشاعر محمد سليم الديب، بينما الشاعر سمير الفيل ، فقد طغى مشروعه السردى على الشعرى ، منذ البداية وهو يكتب بالتزامن سردا وشعرا .

كذلك سيطر المشروع الروائى السردى عند الشاعر هشام فياض على انتاجيته الشعرية.

أما الشاعر أحمد سامى خاطر، فقد قدم تجربتين متباعدتين بينهما تباين واضح، فى رواية براء الخاطرى/ التجربة الأولى، نشعر أنها وليدة رحم الشعر، وتحمل قسماته ، أما الثانية فهى تجربة سردية جادة، تمكنت من إجتراح أرض جديدة، والاعتماد على آليات السرد الروائى بشكل عميق فى رواية ( جس المالح) ..إلا أننا نلاحظ غلبة الشعر والمسرح على الرواية..من خلال رصدنا لأعماله المنشورة حتى الآن.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

1 ـ نجيب محفوظ ـ مجلة الرسالة ع 635 ـ 13/9/1945 ـ عن جابر عصفور / زمن الرواية ط1 ـ دمشق ـ دار المدى للنشر 1999م

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...