د. إبراهيم عروش الإدريسي - مدينتي... ديستوبيا على الطريقة المحلية

يقول علماء الأدب إن الديستوبيا (dystopie) هي عكس المدينة الفاضلة(utopie) لأفلاطون : بل هي مدينة خيالية يسودها الظلم والفقر والتلوث والقمع، وتتحول فيها الحياة اليومية إلى معركة صغيرة من أجل البقاء. لكن يبدو أن بعض مدننا قررت أن تساعد الأدباء وتوفر عليهم عناء الخيال، فصارت تقدم نماذج جاهزة للاستخدام، حتى أصبح الروائي يحتاج إلى زيارة قصيرة للمدينة أكثر مما يحتاج إلى سنوات من التأمل والكتابة.

في هذه المدينة العجيبة، لا تحتاج إلى قراءة رواية 1984 لجورج أورويل ولا إلى دخول الغرفة 101 لتشعر بالمراقبة. فكل مواطن يراقب جاره، وجاره يراقب الحي، والحي يراقب مواقع التواصل الاجتماعي، بينما الحفر في الشوارع لا يراقبها أحد، والأعمدة المطفأة تنعم بحرية كاملة، والأشغال المتوقفة تتمتع بحصانة تجعلها خارج كل مساءلة.

أما الحرية فموجودة بالكامل. فلك الحرية أن تشتكي من الأزبال، ولك الحرية أن تتذمر من الحفر، ولك الحرية أن تلتقط الصور وتنشرها، ثم تنتظر بكل حرية أن يبقى الوضع كما هو. بل يمكنك أن تؤسس مجموعة إلكترونية كاملة لتوثيق المشاكل، وستكتشف بعد سنوات أن المجموعة كبرت وتوسعت، بينما بقيت المشكلة في مكانها وكأنها معلمة أثرية مصنفة ضمن التراث المحلي.

وفي مجال البيئة، تفوقت المدينة على كل النظريات الحديثة. فالحاويات أصبحت كائنات متنقلة تظهر وتختفي بشكل غامض، والروائح العطرة تنتقل بين الأزقة دون الحاجة إلى وسائل النقل العمومي. أما الذباب والبعوض فقد نجحا في تحقيق الاندماج الترابي أكثر من بعض المشاريع التنموية، وصارا يتنقلان بحرية بين الأحياء دون حاجة إلى رخصة أو دعم من أي برنامج تنموي.

وفي قطاع الطرق، حققت المدينة إنجازاً هندسياً نادراً؛ فالحفرة الواحدة تستطيع أن تخدم أجيالاً متعاقبة من المنتخبين. يتغير المجلس، وتتغير الأغلبية، وتتغير الشعارات، لكن الحفرة تبقى شاهدة على الاستمرارية المؤسساتية. بل إن بعض السكان أصبحوا يتعرفون على أحيائهم من خلال الحفر أكثر مما يتعرفون عليها من خلال أسماء الشوارع.

أما المستشفى، فهو أقرب إلى رواية مباريات الجوع (hunger games) للكاتبة الأمريكية سوزان كولينز. فالمريض لا يصارع المرض فقط، بل يصارع المواعيد والأسرة الشاغرة والتنقل بين المدن بحثاً عن العلاج، وكأنه يشارك في مسابقة وطنية للبقاء. وقد ينجح في اجتياز كل هذه المراحل ليكتشف أن موعد الفحص التالي أقرب إلى موعد افتتاح مشروع كبير منه إلى موعد طبي عادي.

وفي مجال الثقافة، يبدو أن رواية فهرنهايت 451 (Fahrenheit 451) للكاتب الأمريكي راي برادبري قد أُعيد إنتاجها محلياً بطريقة مبتكرة؛ فالكتب لا تُحرق في مدينتي ولا تُمنع، بل يكفي أن تترك المكتبة مغلقة، أو أن تجعل القارئ منشغلاً بالبحث عن موقف سيارة أو تجنب حفرة جديدة أو البحث عن إدارة تقبل ملفه دون وثيقة إضافية لم تكن مطلوبة بالأمس.

أما الاقتصاد المحلي، فهو نسخة شعبية من رواية العالم الجديد الشجاع (Brave New World) للكاتب ألدوس هكسلي. فكلما ارتفعت الأسعار قيل للمواطن: لا تقلق، المؤشرات إيجابية. وكلما اشتكى من غلاء المعيشة قيل له: انظر إلى المشاريع المستقبلية. وهكذا يعيش الناس على أمل دائم، بينما يعيش الشناقون على أرباح فورية. أما القدرة الشرائية فهي مثل بعض المشاريع الكبرى: الجميع يتحدث عنها، لكن القليل فقط من رآها على أرض الواقع.

وفي الانتخابات، تتحول المدينة إلى مدينة فاضلة على طريقة أفلاطون. تختفي المشاكل فجأة، وتولد الوعود بكثرة تفوق عدد القطط الضالة، ويصبح كل مترشح مشروع منقذ تاريخي. فجأة تتحول الحفر إلى مجرد تفاصيل تقنية، والأزبال إلى حالات معزولة، والبطالة إلى سوء فهم إحصائي. وبعد إعلان النتائج تعود المدينة بسرعة إلى وضعها الطبيعي، وكأنها كانت تخضع لتجربة مسرحية قصيرة انتهى عرضها بإسدال الستار.

أما المواطن، بطل هذه الرواية، فقد طور مناعة سياسية نادرة. فهو يسمع الوعود دون أن يندهش، ويرى المشاريع المعلنة دون أن يستعجل نتائجها، ويقرأ البلاغات المتفائلة دون أن يفرط في التفاؤل. لقد تكيف مع الديستوبيا المحلية كما يتكيف سكان الصحراء مع العطش وسكان الجبال مع البرد.

ومع ذلك، فإن أخطر ما في هذه المدينة ليس الأزبال ولا الحفر ولا الضجيج ولا الوعود المؤجلة، بل اعتياد السكان عليها. فعندما يصبح منظر النفايات عادياً، والحفرة معلماً سياحياً، وتأخر المشاريع خبراً غير مستعجل، وانقطاع بعض الخدمات أمراً متوقعاً، نكون قد دخلنا فعلاً مرحلة الديستوبيا المحلية.

إنها مدينة لا تحتاج إلى جورج أورويل ولا إلى ألدوس هكسلي ولا إلى راي برادبري ولا إلى سوزان كولينز. فالواقع فيها يتكفل بكتابة الرواية يومياً، ويمنح السكان أدوار البطولة والثانوية والكومبارس في الوقت نفسه، بينما يستمر الجميع في انتظار الفصل القادم… على أمل ألا يكون أكثر تشويقاً من سابقه

د. ابراهيم عروش الدريسي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...