أ. د. عادل الأسطة - [أتمنى الشفاء للشاعر] عبداللطيف اللعبي وربيع الشعراء

[ أتمنى الشفاء للشاعر ]

يبدو أنها ستغدو تقليداً سنوياً فرنسياً في فلسطين، وهذا سلوك حسن: استضافة شاعر أو إحياء أمسية شعرية .
هذا العام احتفل المركز الثقافي في نابلس بالشاعر المغربي الفرنسي عبد اللطيف اللعبي الذي نقل إلى الفرنسية بعض أشعار درويش والقاسم، وبعض أعمال كنفاني، وكانت مناسبة جيدة لحواره والإصغاء إليه، هو المتعاطف مع قضية الشعب الفلسطيني، مثله مثل مغاربة كثر يحبوننا ويحبون أشعار محمود درويش، فنعرف أننا لسنا وحدنا من يقرأ أشعار الشاعر، وأنه شاعر عربي بامتياز. وسأتذكر، واللعبي يتحدث عن تعاطفه معنا وعن ترجماته لأدبنا، سأتذكر شاباً مغربياً عرفته في مدينة (فرايبورغ) الألمانية، كان يدرس الآداب، وقد دعانا ذات نهار إلى غرفته، وبدأ يقرأ قصيدة بيروت عن ظهر قلب.
حين علمت أن عبد اللطيف اللعبي سيزور نابلس، وسيقرأ فيها شعراً، تهيأت جيداً للإصغاء إليه ومحاورته، فهو اسم معروف لي وللمثقفين الفلسطينيين هنا في الأرض المحتلة، فقد كنا نتابع أخباره وجهوده قبل العام 1987، كانت "الاتحاد" الحيفاوية تنشر عما يقوم به من جهود ترجمة شعر المقاومة، وكنت في "الشعب" أفعل الشيء نفسه، وحين رأيت كتابه "مجنون الأمل" الذي أصدره الروائي اللبناني إلياس خوري عن مؤسسة الأبحاث العربية، ضمن سلسلة ذاكرة الشعوب، في العام 1983، معتبراً إياه رواية، لم أتردد في اقتنائه فوراً والكتابة عنه في صفحة "الشعب الثقافي"، وسأعود إلى الكلمة التي كتبتها لأقرأها من جديد، وسأعود إلى الكتاب لأتصفحه من جديد أيضآ ً، الكتاب الذي طالما أوردت عنوانه، وأنا آتي على أدب السجون، ففيه يكتب اللعبي عن تجربته في سجون المغرب التي استمرت عشر سنوات، بأسلوب أدبي جميل آسر، لعله ترك اثراً على ما أكتبه من نصوص نثرية وروائية، دون أن أعي ذلك.
حين علمت أن اللعبي سيحل ضيفا على فلسطين، عدت إلى الكتاب أتصفحه وأتصفح ملاحظاتي التي دونتها عليه بقلم رصاص، بدت الملاحظات باهتة اللون، فلقد مر اثنان وعشرون عاما عليها، ومع ذلك فقد تمكنت من قراءتها، وقرأت أيضآ ً بعض فقرات من الكتاب، لأكتشف بعض خلل في دراساتي النقدية عن فن الرواية وأسلوب الضمير الثاني، الأنا/ أنت، فقد صيغ "مجنون الأمل" به.
وأنا اكتب عن تطور السرد في الرواية الفلسطينية أتيت على أسلوب الأنا/ أنت. ذكرت "يوميات الحزن العادي" لمحمود درويش )1974( باعتباره الأبرز في هذا المجال، ربما كانت "ما تبقى لكم" )1966( لغسان كنفاني من أوائل النصوص الروائية، لكن درويش يخاطب ذاته، فيما أبطال كنفاني يستحضرون آخر ثانياً يخاطبونه، واللعبي مثله مثل درويش، كان يجرد من ذاته ذاتا ثانية يخاطبها، هل كان توظيف هذا الأسلوب انعكاساً للتجربة؟ هل فرضت الكتابة عن التجربة أسلوبها.
سأسأل عبد اللطيف اللعبي إن كان قرأ "يوميات الحزن العادي" قبل أن يكتب "مجنون الأمل" وحين يخبرني أنه لا يذكر لا أفاجأ، فاللعبي أنجز قصه بالفرنسية التي كان يجيدها، وهذا الأسلوب يفتخر الفرنسيون بأنه من إنجاز روائييهم، علماً أن عبد الملك مرتاض الناقد الجزائري يرد عليهم ويذهب إلى أنه أسلوب عرفه العرب قبل (ميشيل بوتور) لقد عرفوه في ألف ليلة وليلة شهرزاد تخاطب شهريار.
سيقرأ الشاعر الفرنسي المغربي الأصل (عرف به في البروشور على أنه شاعر مغربي فرنسي) سيقرأ أشعاره بالعربية، وسيقرأ نماذج أخرى بالفرنسية، فقد كان ثمة حضور فرنسي، علماً أن الحضور بشكل عام كان لا يزيد على الستين فرداً ولن يقرأ في البداية قصائد خارجة عن القانون، تثير حفيظة جمهور نابلس المحافظ، لقد سمع الشاعر أن المدينة محافظة، فآثر اختيار نصوص شعرية معينة. قرأ عن حرب الخليج الأولى، وقرأ عن فلسطين، قرأ أشعارا ً لا تدغدغ العواطف ولا تستثيرها، قرأ شعراً يقرأ أكثر مما ينشر، ولكن بعض الحاضرين وبعد الحوار الذي جرى بين الشاعر وجمهوره طلب منه أن يقرأ بعض تلك القصائد التي يمكن أن تستثير حفيظة المحافظين، فلم يكن هؤلاء موجودين أصلا ً وقرأ ومنها:
طحلبك
يتعرف على شجرتي
شجرتي
تضيع في غابتك
غابتك ترفع سمائي
سمائي تعيد إليك نجومك
نجومك تسقط في بحري
بحري يهدهد زورقك
زورقك يرسو على شاطئي
شاطئي هو بلادك
بلادك تبهرني
فأنسى بلادي.
وثمة معنى، وثمة مغزى، ولغة الشعر لغة انزياح، ولغة ظلال.
الأمسية جميلة وموفقة، ولم يكن ثمة ما ينغص إلا صوت رصاص وصوت سيارة إسعاف، هل ثمة اشتباك مع جنود الاحتلال؟ وسأقول للشاعر اللعبي:
- هذه بلادنا، هذا هو ربيعنا، وأهلاً بك في فلسطين.
أ. د. عادل الأسطة
2008-03-09

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...