إلياس الخطابي. - هشام ناجح وتجديد أفق القصة المغربية قراءة في مجموعة (الدائرة التي ابتلعت السيد جون مايجر)

تقديم:
عرفت القصة المغربية تحولات كثيرة منذ بداياتها الأولى، إذ انتقلت من الانشغال بالواقع الاجتماعي والسياسي المباشر إلى استكشاف عوالم أكثر تعقيدا وانفتاحا. غير أن جزءا من الإنتاج القصصي ظل، خلال فترات مختلفة، وفيا لأساليب وتقنيات رسخها رواد القصة في القرن العشرين، الأمر الذي جعل بعض النصوص تبدو وكأنها تكرر منجزا سابقا أكثر مما تقترح أفقا جديدا للكتابة.
في المقابل، ظهرت أصوات قصصية راهنت على التجريب وتوسيع إمكانات السرد، ومن بينها القاص والروائي هشام ناجح الذي استطاع أن يبني لنفسه مسارا خاصا داخل المشهد الأدبي المغربي. وتندرج مجموعته القصصية "الدائرة التي ابتلعت السيد جون مايجر" ضمن هذا التوجه، حيث تقدم للقارئ نصوصا مختلفة من حيث الموضوع والبناء واللغة والمرجعيات الثقافية، مما يجعلها تجربة تستحق التوقف عندها.
العنوان وعتبات النص:
منذ الوهلة الأولى يلفت الانتباه عنوان المجموعة: "الدائرة التي ابتلعت السيد جون مايجر". إنه عنوان يخرج عن المألوف ويؤسس لعلاقة خاصة بين النص والقارئ. فالدائرة ليست مجرد شكل هندسي فحسب، بل تتحول إلى عنصر فاعل يمتلك القدرة على الابتلاع، بينما يبدو السيد جون مايجر شخصية غامضة تنتمي إلى فضاء ثقافي مختلف عن الفضاء المحلي الذي اعتادته القصة المغربية.
يخلق هذا العنوان حالة من الدهشة ويطرح أسئلة عديدة قبل الدخول إلى النصوص، وهو ما يمنحه بعدا رمزيا مفتوحا على احتمالات تأويلية متعددة. كما يكشف منذ البداية عن ميل الكاتب إلى بناء عوالم غرائبية تتجاوز الواقعية المباشرة. ومن الخصائص اللافتة في المجموعة حضور الاقتباسات في بداية القصص، وهي اقتباسات يوقعها الكاتب باسمه. ولا تبدو هذه النصوص القصيرة مجرد مقدمات شكلية، بقدر ما هي تؤدي وظيفة جمالية وفكرية داخل البناء العام للمجموعة. فالاقتباس يقدم في كثير من الأحيان مفتاحا أوليا لفهم القصة، أو يضيء جانبا من فكرتها المركزية، أو يوجه القارئ نحو أفق معين من القراءة. ولذلك يمكن اعتبار هذه العتبات جزءا من النسيج الدلالي للنصوص، وليست عناصر منفصلة عنها.
العبور من المحلي إلى الإنساني:
ولا تكتفي قصص هشام ناجح بالتحرك داخل فضاء محلي مغلق، وإنما تنفتح على أسماء وشخصيات ذات أصول أجنبية وغربية. وقد يبدو هذا الاختيار لأول وهلة غريبا داخل سياق القصة المغربية، لكنه يكشف في العمق عن رغبة الكاتب في تجاوز الحدود الجغرافية والثقافية الضيقة. إن حضور شخصيات بأسماء غربية يمنح النصوص بعدا إنسانيا أوسع، ويجعلها أقرب إلى الانشغالات الكونية التي تتجاوز الانتماءات المحلية. كما يعكس طموح الكاتب إلى كتابة قصة قادرة على الحوار مع الأدب العالمي ومنافسة نماذجه الجمالية. وتزخر المجموعة بإحالات ثقافية وأدبية متعددة. فالقارئ يعثر على أسماء كتاب ومفكرين ورموز أدبية وفلسفية، كما يجد إشارات إلى همنغواي، وإلى عقدة أوديب، وإلى بعض التصورات الفرويدية، فضلا عن استحضار أمكنة وثقافات مختلفة مثل إسبانيا وغيرها. ولا يأتي هذا الحضور الثقافي في إطار الاستعراض المعرفي بقدر ما يندمج في صلب العمل السردي ويشارك في بناء دلالاته. فالنصوص تبدو وكأنها تدخل في حوار مستمر مع التراث الإنساني والأدبي، مما يمنحها عمقا فكريا يتجاوز حدود الحكاية التقليدية.
ومن يقرأ هذه المجموعة يلاحظ أنها لا تنشغل كثيرا بوصف تفاصيل الحياة اليومية كما تفعل كثير من النصوص الواقعية. وإنما هي تتجه نحو استكشاف العوالم النفسية والرمزية والغرائبية. فالقصة عند هشام ناجح هي إعادة خلق لهذا الواقع عبر الخيال والتأويل. ولهذا تبدو النصوص مفتوحة على أسئلة الوجود والهوية والذاكرة والمصير الإنساني، وتمنح القارئ فرصة للمشاركة في إنتاج المعنى بدل تلقيه بشكل جاهز.
خاتمة:
تؤكد مجموعة "الدائرة التي ابتلعت السيد جون مايجر" أن هشام ناجح ينتمي إلى جيل من الكتاب الذين يسعون إلى تجديد القصة المغربية وإخراجها من القوالب التقليدية. فمن خلال عناوينه اللافتة، وعتباته النصية، وشخصياته المنفتحة على العالم، ومرجعياته الثقافية المتعددة، يقدم الكاتب تجربة سردية تقوم على المغامرة الفنية والبحث المستمر عن آفاق جديدة للكتابة.
إنها مجموعة لا تراهن على الحكاية وحدها بقدر ما تجعل من القصة فضاء للتفكير والتأويل والحوار مع الأدب العالمي، وهو ما يمنحها مكانة خاصة داخل المشهد القصصي المغربي المعاصر.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...