يقال إن اللغة العربية استقرت منذ قرون على ثمانية وعشرين حرفاً، ولم ينجح أحد، رغم عبقريته أو جنونه، في إقناع الناس بإضافة حرف تاسع وعشرين. فمهما حرّك لسانه وشدّ شاربيه وأطال الشرح، سيبقى المواطن يتساءل: وما حاجتنا إلى حرف جديد ما دامت الحروف القديمة لم تقل كل ما يجب أن يقال؟
والأمر نفسه تقريباً يحدث كلما أعلن أحدهم عن تأسيس حزب سياسي جديد أو نقابة جديدة. فالمشهد يبدو كمن يطرق باب مكتبة مليئة بالكتب المهملة ليعلن بفخر أنه جاء ليضيف كتاباً آخر إلى الرف نفسه.
في البداية تُرفع الشعارات الكبيرة: التجديد، الإصلاح، القطيعة مع الماضي، إعادة الثقة، الدفاع عن المواطن، حماية الكرامة، إنقاذ الوطن، وتغيير قواعد اللعبة. ثم لا يلبث الحزب الوليد أن يكتشف أن اللعبة أقدم منه، وأن القواعد محفوظة أكثر من حفظ التلاميذ لجداول الضرب.
بعد سنوات قليلة يصبح الحزب الجديد قديماً، وتتحول الوجوه الجديدة إلى وجوه مألوفة، وتتحول الخلافات المبدئية إلى خلافات حول المقاعد، ثم تندمج الأحلام الكبرى في واقع يومي يشبه كثيراً ما كان ينتقده أصحابها بالأمس.
أما النقابات الجديدة فتبدأ عادةً بثورة على النقابات القديمة، ثم تنتهي إلى تقليدها حرفياً، حتى إن المواطن قد يحتاج أحياناً إلى خبير في علم الأنساب النقابية لمعرفة الفرق بينها.
وبعض الهيئات المهنية تستحق بدورها دخول موسوعة التراث اللامادي، ليس بسبب إنجازاتها بالضرورة، بل بسبب قدرتها العجيبة على مقاومة التغيير. فبينما تتغير الحكومات والقوانين والتقنيات، تبقى بعض الوجوه في مواقعها بثبات يجعل المرء يعتقد أنها انتُخبت مع أول إصدار للجريدة الرسمية وما زالت تنتظر انتهاء فترة الانتداب إلى يومنا هذا. فالتجديد هناك يشبه تجديد طلاء الباب، أما المفاتيح فتبقى في الجيوب نفسها.
ولعل المشكلة ليست في عدد الأحزاب أو النقابات أو الهيئات، بل في المناخ العام الذي يجعل الجميع يدور في الحلقة نفسها. فعندما تتكرر النكسات، وتتراكم خيبات الأمل، ويصبح الوعد السياسي موسماً يتكرر أكثر من مواسم المطر، يفقد الناس شهيتهم للتجديد. لا يعود السؤال: من الجديد؟ بل يصبح: وهل سيختلف الجديد أصلاً؟
وهكذا يسود نوع من الستاتيكو الوطني، حالة من السكون العجيب. الجميع يتحرك، لكن شيئاً لا يتحرك. الجميع يتكلم، لكن الكلمات تبدو وكأنها خرجت من القاموس نفسه. الجميع يعد بالإصلاح، لكن الإصلاح نفسه يبدو وكأنه ينتظر إصلاحاً آخر.
وفي هذا المناخ، يصبح تأسيس حزب جديد أشبه بإضافة كرسي جديد إلى قاعة ممتلئة بالكراسي الفارغة، أو بإضافة صفارة جديدة إلى أوركسترا تعزف النغمة نفسها منذ عقود. ويصبح إنشاء نقابة جديدة كافتتاح نافذة جديدة في غرفة مغلقة منذ زمن طويل، بينما يبقى الهواء نفسه راكداً لا يتغير.
المفارقة أن أخطر ما في الأمر ليس فشل التجديد، بل التعود على غيابه. فحين يقتنع الناس أن كل جديد سينتهي إلى قديم، وأن كل معارضة ستصبح موالاة في أول منعطف، وأن كل شعار سيتحول إلى لافتة باهتة، يصبح الجمود فضيلة، والشك حكمة، واللامبالاة أسلوب حياة.
وعندها لا نكون أمام أزمة حزب أو نقابة أو هيئة مهنية أو مؤسسة، بل أمام حالة أعمق: نوع من التآمر الجماعي غير المعلن على الأمل نفسه، حيث يتفق الجميع، دون اجتماع أو محضر أو توقيع، على أن يبقى كل شيء كما هو… مع تغيير الأسماء والشعار
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي
والأمر نفسه تقريباً يحدث كلما أعلن أحدهم عن تأسيس حزب سياسي جديد أو نقابة جديدة. فالمشهد يبدو كمن يطرق باب مكتبة مليئة بالكتب المهملة ليعلن بفخر أنه جاء ليضيف كتاباً آخر إلى الرف نفسه.
في البداية تُرفع الشعارات الكبيرة: التجديد، الإصلاح، القطيعة مع الماضي، إعادة الثقة، الدفاع عن المواطن، حماية الكرامة، إنقاذ الوطن، وتغيير قواعد اللعبة. ثم لا يلبث الحزب الوليد أن يكتشف أن اللعبة أقدم منه، وأن القواعد محفوظة أكثر من حفظ التلاميذ لجداول الضرب.
بعد سنوات قليلة يصبح الحزب الجديد قديماً، وتتحول الوجوه الجديدة إلى وجوه مألوفة، وتتحول الخلافات المبدئية إلى خلافات حول المقاعد، ثم تندمج الأحلام الكبرى في واقع يومي يشبه كثيراً ما كان ينتقده أصحابها بالأمس.
أما النقابات الجديدة فتبدأ عادةً بثورة على النقابات القديمة، ثم تنتهي إلى تقليدها حرفياً، حتى إن المواطن قد يحتاج أحياناً إلى خبير في علم الأنساب النقابية لمعرفة الفرق بينها.
وبعض الهيئات المهنية تستحق بدورها دخول موسوعة التراث اللامادي، ليس بسبب إنجازاتها بالضرورة، بل بسبب قدرتها العجيبة على مقاومة التغيير. فبينما تتغير الحكومات والقوانين والتقنيات، تبقى بعض الوجوه في مواقعها بثبات يجعل المرء يعتقد أنها انتُخبت مع أول إصدار للجريدة الرسمية وما زالت تنتظر انتهاء فترة الانتداب إلى يومنا هذا. فالتجديد هناك يشبه تجديد طلاء الباب، أما المفاتيح فتبقى في الجيوب نفسها.
ولعل المشكلة ليست في عدد الأحزاب أو النقابات أو الهيئات، بل في المناخ العام الذي يجعل الجميع يدور في الحلقة نفسها. فعندما تتكرر النكسات، وتتراكم خيبات الأمل، ويصبح الوعد السياسي موسماً يتكرر أكثر من مواسم المطر، يفقد الناس شهيتهم للتجديد. لا يعود السؤال: من الجديد؟ بل يصبح: وهل سيختلف الجديد أصلاً؟
وهكذا يسود نوع من الستاتيكو الوطني، حالة من السكون العجيب. الجميع يتحرك، لكن شيئاً لا يتحرك. الجميع يتكلم، لكن الكلمات تبدو وكأنها خرجت من القاموس نفسه. الجميع يعد بالإصلاح، لكن الإصلاح نفسه يبدو وكأنه ينتظر إصلاحاً آخر.
وفي هذا المناخ، يصبح تأسيس حزب جديد أشبه بإضافة كرسي جديد إلى قاعة ممتلئة بالكراسي الفارغة، أو بإضافة صفارة جديدة إلى أوركسترا تعزف النغمة نفسها منذ عقود. ويصبح إنشاء نقابة جديدة كافتتاح نافذة جديدة في غرفة مغلقة منذ زمن طويل، بينما يبقى الهواء نفسه راكداً لا يتغير.
المفارقة أن أخطر ما في الأمر ليس فشل التجديد، بل التعود على غيابه. فحين يقتنع الناس أن كل جديد سينتهي إلى قديم، وأن كل معارضة ستصبح موالاة في أول منعطف، وأن كل شعار سيتحول إلى لافتة باهتة، يصبح الجمود فضيلة، والشك حكمة، واللامبالاة أسلوب حياة.
وعندها لا نكون أمام أزمة حزب أو نقابة أو هيئة مهنية أو مؤسسة، بل أمام حالة أعمق: نوع من التآمر الجماعي غير المعلن على الأمل نفسه، حيث يتفق الجميع، دون اجتماع أو محضر أو توقيع، على أن يبقى كل شيء كما هو… مع تغيير الأسماء والشعار
#وابغيتبلادي د ابراهيم عروش الدريسي