زينب السعود - كيف أخرجهم من رأسي؟ لا أقبل العزاء وأقبل المواساة

عندما أنتهي من كتابة رواية تكون الكلمة الأخيرة في الجملة الأخيرة من الفقرة الأخير بمثابة جدار بين عالم الحكاية والواقع . تسير الرواية في مسارها الطبيعي في النشر وصولا إلى معارض الكتب وأرفف المكتبات وصيغة مبدأفة على المواقع الرقمية وربما نسخة مقرصنة هنا أو هناك ، إذا تتحول من نص حالم حمله كاتبه في عقله وثنايا روحه وقاسى معه حبسات ووقفات واختناقات وحالات عجيبة من الرضى وعدمه إلى سلعة قابلة لمساومات السوق واحتيالاته .
ولكن ! لماذا تبقى شخصيات الرواية تلاحقني فترة من الزمن ؟ أعيش معها تفاصيل جديدة لم تذكرها الرواية ، وأصنع لها أكثر من طريقة للعيش وأمنحها الحرية التامة لتقول ما تريد وتتصرف كما تشاء . ظننت دائما أن هذا الأمر مجرد مبالغة من الكتّاب الذين سبقوني في عالم الرواية ، وكم ضحكت ساخرة وقلت في نفسي :" ما هذه المبالغة ؟ " . ما يحصل لي هذه الفترة بعد انتهاء مخطوط روايتي الجديدة نوع من العقاب ، من عاب ابتُلي هكذا قالوا . قرأت عشرات الكتب التي تتحدث عن الكتابة وتعلق الكاتب بشخصياته محاولة تفسير الأمر، عن ماركيز الذي تطالبه شخصياته بتغيير مصائرها والبكاء الذي انتابه بعد قتله لشخصية العقيد أوريليانو في "مائة عام من العزلة "، عن غوستاف فلوبير الذي ظلت شخصية إيما بوفاري تلاحقه كأنه تجرع معها الزرنيخ فأصيب بعسر هضم حقيقي حتى أنه تقيأ طعامه . يقول العراب أحمد خالد توفيق : " يعتقدون أن الكاتب يملك زر إيقاف التشغيل لشخصياته بمجرد أن أن يضع النقطة الأخيرة في السطر الأخير " والحقيقة أنهم يعلقون في وعيه لزمن طويل يهمسون له بحوارات لم يخطها ، وبعضهم يعاتبه : لماذا فعلت هذا بنا ؟
تجربتي مع الكتابة الروائية جعلتني أبحث عن تفسيري الخاص ، وإجابات مقنعة لما يفعله عالم الخيال في واقع حياتنا ، فأنا مثل البقية أصابتني العدوى . عانيت كثيرا من ارتباطي بشخصيات الرواية في روايتي الحرب التي أحرقت تولستوي ، مع جمانة وحبها غير التقليدي ليوسف وبقيت أجري حوارات وانفجارات وقصف بالسوخوي الروسية بعد وقوعي في إعجاب أدبيّ روائيّ شديد بشخصية مراسل الحروب . وفي رواية العبور على طائرة من ورق كان على شخصية أمجاد الجدلية البقاء عالقة ، لأنني لم أمتلك لها مخرجا لأزمتها في الحياة الواقعية ، فغلبتني أنانيتي الروائية وأبقيتها في الرواية دون ملامح واضحة لنجاتها ، الغريب أن كثيرا ممن قرؤوا حكاية أمجاد طالبوني بجزء ثان ، ليعرفوا ماذا سيحدث لأمجاد ولكن الحل الذي أريده لا ليس ممكنا في الحياة . قبل أيام انتهيت من كتابة روايتي الجديدة ودخلت بعدها في دوامة الملاحقة التي لا تنتهي ، وما زلت أعاني من أرق منذ أخر جملة كتبتها وآمل أن تنتهي علاقتي بظلال الشخصيات بأسرع وقت وتعود الأمور إلى حقيقتها ، فهي مجرد حكاية ، أقنع نفسي مرارا بهذا مع ما في الأمر من متعة مرهقة ، لكنها لا تصبح مع الوقت مجرد شخصيات اخترعناها على الورق، بل أبناء لنا ، وإلا كيف أفسر جوابي عن سؤال صديقتي ؟أي شخصية في رواياتك تحبينها أكثر ؟ بإنصاف الأم التي لا تريد الميل مع واحد ضد آخر من أبنائها قلت بملء العدالة : كلها ، أحبها بمقدار واحد .
لا أقبل العزاء فشخصياتي حية لم تمت ، وأقبل المواساة على شكل حوار مع قارئ يسألني عن فكرة في حكاياتي لم أعرف بوجودها إلا منه . هؤلاء القراء الذين يعيدون إنتاج الشخصيات والمعنى والحكاية هم العزاء والمواساة وإليهم ستنتقل العدوى ما أن يعلقوا داخل أي نص.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...