أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١٦ حزيران من كل عام

١
صباح :
من عبث بالحذاء ؟
من مزقه ؟
العسس الإخوة ، الإخوة العسس
ثمة كلب ابن كلب يتابعك مثل كلاب الأنظمة العربية التي كتب عنها معين بسيسو في" دفاتر فلسطينية "
وتلك التي كتب عنها مظفر النواب :
إن كلاب الشرطة لتنسق بالتأكيد مع الأنظمة العربية .
من يقرأ أوراقك في غيابك ؟
تحية للأمن الوقائي وتحية أخرى مثلها للإخوة العسس .
وثمة موظف في البنك البنك الذي لا تتعامل معه وليس لك فيه رصيد يحصي حركات حسابك وينقلها لإخوانك و ..
هل اسمه تامر ؟
وهل هو حماس ؟أم أنه فتح
فتح وفتح مضاد -محمود درويش -
وأنا فتحنا لك فتحا مبينا
ولا تأتوا البيوت إلا
في غياب أصحابها ، حتى تدخلوا الجنة و ..و ..الخ..الخ
ثمة كلاب تنسق مع بعضها :
متدينون وطنيون فصائل او فسائل او...الخ
من يتصل بتلك السيدة لتكتب لك رسائل حتى تستدرجك إلى .
تلك التي تكتب رواية او تريد : ماذا يقول كلامها؟
ماذا تقول المعاني وما المغازي
وما ... ؟
تلك التي كانت تأتيك واشتروها بثمن بخس دراهم معدودة و ..
ثمة ...
ام ثمة جن يسكن بيتك يعبث باغراضك يبحث في الأوراق
ويعبث بالخزانة وما خلفها ويتفقد رسائلك المخباة .
هل هو جن ام هو كلب ابن كلب ام انه ...
وثمة دورات لرجال الأمن هنا وهناك و..

قصيدة نثر على غرار قصائد توفيق صايغ التي أعلمها في مساق الأدب الفلسطيني .
٢٠١٤

٢
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
فإن الخيام تستدعي الخيام " بيتنا في المخيم "

تركت المخيم ، إلى بيتنا الجديد في حي المساكن الشعبية ، في العام ١٩٧٨ ، وتحديدا في اليوم الأخير من شباط ، إذ احتفل ، ولو وحيدا ، كل بداية آذار بالمناسبة بالجلوس على شرفة شقتي احتسي القهوة .
صباح ٩ / ٥ / ٢٠٢٤ قرأت في صفحة الشاعر راسم المدهون تحية الصباح ، وكنت في ٨ / ٥ أمعنت النظر في صورة أدرجها مروان دراج ضمته وأسرة أخيه الناقد فيصل وقرأت أنهما استعادا معا ذكرياتهما في مخيم اليرموك .
ولأن راسم المدهون ما زال يقيم هناك ، في درعا الآن ، فقد استعنت بالذاكرة التي تبدو لي الآن خداعة .
في العام ١٩٧٥ زرت دمشق ومكثت في بيت خالتي أم محمد الطيان في حي ركن الدين / الأكراد ، ونمت ليلة واحدة في بيت عمي محمود الأسطة ، وكان شقة صغيرة جدا في بناية تقع قرب حارة اليهود .
ولما كان لي أقارب يقيمون في مخيم اليرموك - أرجح - فقد اصطحبني أبناء عمي لزيارتهم . ( أذكر أن ابن عمي زكي خطب قريبة له من هناك ، ولكن النصيب غلاب ) ( يجب الاستعانة بابن عمي زكريا لتصحيح المعلومات ، إن كانت ذاكرته لم تشخ ) .
كل ما ذكر عن صلة القرابة لم يذكر لأنه هو المتن ، فهو هامش والمتن هو البيت .
كان بيت خالتي أم محمد بيتا بسيطا مثل البيوت في خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين ، وكان البيت الذي زرته في المخيم لا يختلف عن بيتنا في مخيم عسكر القديم ، ولم تكن بيوت مخيم الوحدات ومخيم الحسين وبيوت جباليا والفارعة وبلاطة والفوار وعسكر الجديد وعين بيت الماء التي زرتها في تلك الفترة - أي ٧٠ و ٨٠ القرن ٢٠ - تختلف ، فقد أصبحت منذ بداية ٩٠ القرن ٢٠ مختلفة تماما . ما اختلفت ، في تلك الفترة ، هي بيوت مخيم شنلر ومخيم البقعة ، فقد أقيمت بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ وليس بعد نكبة ١٩٤٨ . كانت بيوت شنلر والبقعة من الصفيح / الزينكو والاسبست ، ولم تكن من الباطون ، وقد زرت شنلر مرة واحدة في العام ١٩٧٣ ، وزرت البقعة في العام ١٩٧٦ مرات ونمت في غرفة زينكو . ( في العام الدراسي ١٩٧٢ / ١٩٧٣ سكنت في مخيم الحسين مدة عام ولم تكن بيوته مختلفة عن بيتنا في مخيم عسكر ) .
أنا من مواليد ١٩٥٤ ، وغرف الباطون في مخيمات اللجوء أقيمت في العام ١٩٥٨ - يعني بعد أربع سنوات من ولادتي ، ما يعني أن الخيمة كانت جزءا من بيتنا . هل هناك في الذاكرة شبح خيمة أقمت فيها ؟
أحاول أن أضع مخططا لبيتنا في المخيم حتى تاريخ مغادرته ، فلم أعد بعد تركه أحن إليه مطلقا ، وربما أكون مررت بالقرب منه بضع مرات لم أشعر أبدا بالحنين إليه .
كانت الساحات الواسعة في تلك المخيمات واسعة مكنت أبناءها من إقامة ملاعب كرة طائرة وأحيانا كانت ملاعب كرة قدم صغيرة لفريقين يتكون كل واحد منهما من ثلاثة أربعة لاعبين ، وكانت الارتدادات بين كل حارة وحارة لا تقل عن عشرة أمتار تمكن السيارات قليلة العدد من المرور بها .
غالبا ما كانت كل مجموعة بيوت متلاصقة لا ارتداد بينها ، ولكي يتم الفصل بين بيت وبيت وضعت ألواح من الزينكو أو أسلاك شائكة أو غير شائكة زرع حولها بعض النباتات المتسلقة ، وقليلون هم من بنوا جدارا من طوب .
لم تكن مساحة بيتنا لتزيد ، في أحسن الأحوال ، عن مائة متر ، وقد تكون ، كما أتذكر ،٠ من غرفة باطون الوكالة التي لم تزد مساحتها عن ٣ م × ٣ م وارتفاعها عن ٢٢٠ سم ولها باب وشباك أو شباكان من ألواح خشب تثبت معا بمستطيل خشب يصل زاوية يمينها بزاوية يسارها وتتخلله فراغات يتسلل منها الهواء ، وحول الغرفة هذه التي خلت إلى حين من مطبخ ومنافع ، فقد كان في المخيم حمام عام ومراحيض عامة ومطعم أيضا . كانت هذه الغرفة غرفة نوم ومطبخا وحمام اغتسال أيضا .
في المساحة المتبقية بنى أبي جدران غرفة ثانية لم يسقفها بالباطون ، وغطاها بشادر أظنه شادر الخيمة ، وكنت واخوتي ننام فيها ، حتى سقفها أبي بالباطون ومد أرضيتها بالاسمنت والناعمة واتخذ منها غرفة له وانتقلنا نحن ، وكنا ستة سبعة ثمانية تسعة ، إلى غرفة الوكالة .
بين غرفة الوكالة والغرفة المقامة حديثا كانت هناك مساحة لا يقل حجمها عن ٤ م × ٦ م وقد غطاها أبي في الشادر نفسه الذي انتزعه ، وإلى جانب غرفته الجديدة أقام مطبخا من الزينكو وإلى جانبة مرحاض يضخ في حفرة ، فلم تكن هناك ثمة مجار . مجاري ماء الاغتسال والجلي أقيمت لاحقا في قنوات مكشوفة بين البيوت .
هل خلا بيتنا من حديقة زرعنا فيها الأشجار ؟
أذكر أنه كانت هناك مساحة ترابية زرعنا فيها شجرتين ؛ شجرة ليمون وشجرة خوخ . ولم تخل ، حتى نهاية سبعينيات ق ٢٠ ، أكثر - إن لم يكن كل - بيوت المخيم من أشجار ، بخاصة الحمضيات والدوالي والخوخ أيضا ، ولكنها ، مع ازدياد عدد أفراد العائلة والحاجة إلى مزيد من الغرف ، صار الشجر قربان العائلة الذي لا مفر من التضحية به ، فالضرورات تبيح المحظورات .
في سبعينيات القرن ٢٠ كتب قاص من غزة ، هو حمدي الكحلوت ، قصة قصيرة عنوانها " غرفة جديدة للعريس " أتى فيها على تناقص المساحات في البيوت وازدياد البناء / الباطون ، وفي روايته " الشوك والقرنفل " ٢٠٠٤ توسع يحيى السنوار بهذا الجانب .
الآن هدمت البيوت وعاد أهل قطاع غزة إلى سيرتهم الأولى .
ترى ما هو شكل بيتنا الآن في المخيم ؟
لا بد من الوقوف على الأطلال .

( الخميس ٩ / ٥ / ٢٠٢٤
والسبت ١٥ / ٦ / ٢٠٢٤ )

٣
هوامش من وحي ما يجري في غزة : روح الفكاهة



في مساء السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ سادت في تعليقات الفلسطينيين في الأرض المحتلة روح الفكاهة ، بل والسخرية أيضا ، فقد فاجأهم الحدث الذي لم يتخيلوا حدوثه حتى في أحلامهم . يومها كتبت في يومياتي عن روح السخرية وأوردت بعض تعليقاتهم ، ثم سرعان ما غابت هذه الروح ، لتصدر عن أفواه بعض الجنود الإسرائيليين أو في كتاباتهم . بدت على لسان المتحدث ( أفيخاي درعي ) وفي خربشات كتبها الجنود الاسرائيليون على جدران بقايا البيوت أو أسوار ( فيللها ) المهدمة ، وأذكر أنني كتبت تحت عنوان " تحشيش غزاوي أم تحشيش يهودي ؟ " ( ١٠ / ٦ / ٢٠٢٤ )
غالبا ما يروي الفلسطينيون المسلمون حديثا يعزى إلى الرسول، ( ص ) خلاصته أنه لن تقوم الساعة حتى يقتتل المسلمون واليهود غربي النهر . يختبيء اليهودي وراء حجر فيصرخ الحجر :
- يا مسلم ورائي يهودي فاقتله .
في الحرب في غزة حرف الجنود الاسرائيليون الحديث وجعلوه :
- يا يهود ! لا تقوم الساعة حتى يقاتل اليهود الغزازوة ويصيح الحجر أو الشجر : يا يهودي يا عبد الله إذا رأيت الغزازوة فاقتلهم " .
عندما قرأ المواطن الغزاوي ما كتبه الجنود الاسرائيليون خاطب صاحبه قائلا :
- شوف اليهود شو كاتبين . وأخذ يضحك ويقول : الله يلعن الشيطان .
بعض قراء المنشور من المثقفين عزوا الحديث إلى تأثير الإسرائيليات في الثقافة الإسلامية .
مرات عديدة ، وأنا أكتب عن الفكاهة في أديباتنا ، كنت اتوقف أمام ظاهرة شبه نادرة ، دون أن يغيب عن ذهني ظهورها في أشعار إبراهيم طوقان ومقالات غسان كنفاني ، لا رواياته وقصصه ومسرحياته - فهذه تخلو من السخرية وخفة الدم - وروايات إميل حبيبي ، وقصص توفيق زياد " حال الدنيا " ، وبعض كتابات رشاد ابوشاور و محمود شقير ، والأخير بعد العام ٢٠٠٣ . لكن قليلا ما بدت لي في عشرات الروايات والقصص القصيرة التي قرأتها . وغالبا ما عزوت ذلك إلى طبيعة حياتنا وقسوة واقعنا وفهم كتابنا للكتابة الملتزمة الهادفة كأنها يجب أن تخلو من الهزل والدعابة والفكاهة ، ويجب أن تتسم بالجدية والصرامة ، وأحيانا إلى ابتعاد كتابنا عن حياة شعبنا الذي يحفل بنماذج إنسانية تتصف بخفة الدم والدعابة ، بل والميل إلى السخرية . ( أنظر الأيام الفلسطينية ، الشخصية الفلسطينية المرحة في الرواية الفلسطينية ، ٢٣ / ٩ / ٢٠١٨ ) .
في صباح ١٦ / ٦ / ٢٠٢٥ صحا أهل مدينة نابلس وعثروا ، في شارع حلاوة ، على حطام صاروخ احتاروا في أمره : أهو صاروخ إيراني أم صاروح إسرائيلي اعترضه ؟
وأنا أقرأ التعليقات لاحظت روح الفكاهة والمرح والدعابة التي غالبا ما تخلو منها أعمالنا الأدبية ، ما جعلني اتساءل إن كان أدباؤنا يحيون حقا بين الناس ويكتبون عن نماذج بشرية حية يرصدونها ويدرسونها ويتمثلونها ، ثم يظهرونها في قصصهم ورواياتهم .
في التعليقات على صورة حطام الصاروخ قرأت الآتي :
١ - يمكن صاروخ اعتراضي / لا . مبين إيراني من حجمه / كبير الصاروخ . معه هوية .
٢ - هذا جزء من الصاروخ بنفصل عن الرأس قبل ما يسقط الرأس
٣ - مين إللي أسقطه أستاذ ؟ / جوز عمتي أبو حامد / ما شاء الله عنه. يسعد صباحك / صباحووو المضادات خيي تحيط بنابلس من كل جانب .
٤ - المهم طلع ٧ مييييييتر ولا أكثر ؟ / هيني رايح أقيسه / أجيب لك متر . أما أسئلة بوجهولك إياها / شوفو إذا ٧ متر بكون عماد أما إذا أكثر بكون رشاد .
٥ - المهم اخدو يبيعو المنيوم ولا لا ؟
٦ - بسرعة على الكازيات معناته / والله ما ينعز . مبارح حلبوهم وسكرو .
٧ - عنجد هي الشرطة عنا / هههه / الحمدلله على سلامتكم / حبيبنا أستاذ تخفش لابسين طناجر تاعت الجبنة .
٨ - اعملو نصب اوعكم تاعين الحديد ياخدوو
٩ - يله يبيعوه حديد هي أجتهم رزقه . ههههه ..
١٠ - المهم ما يهجمو ع الكازيات
- بجيب معكم ١٠٠٠ دولار
١١ - يي مكبرو
١٢ - منيح ما نزل ع حدا
١٣ - يييييي مكبرو عااااامود .
وابن البيئة النابلسية يعرف مغزى العبارات التي لا تخلو من الدعابة وروح الفكاهة لقائلها .
هل يملك الصاروخ الذي وصف بكبر حجمه هوية تدل على ذلك ؟
وحين يسأل شخص عمن أسقط الصاروخ يجيب المسؤول إجابة ساخرة لافتة لا تخلو من روح الفكاهة : زوج عمتي أبو حامد . وإذ يسأل آخر إن كان طول الصاروخ حقا سبعة أمتار يجيب المسؤول بروح الدعابة : سأحضر مترا أقيسه ، فيرد عليه آخر ببداهة : أروح أجيب لك مترا . وتبدو السخرية لافتة حين يعرض أحدهم أخذ الصاروخ لبيعه لتجار الخردة ، وكم سخر سكان قطاع غزة ، وهم يشاهدون الدبابات المدمرة في الحرب ، من زعم الإسرائيليين بأنها محصنة تحميهم . لقد تصوروا مع حطامها وأخذوا ينادون عليها خردة للبيع ، بل إن من نساء غزة من حولتها إلى منشر تنشر عليه الملابس التي غسلتها . بل ان بعض المعلقين من أبناء نابلس يسخر من سلوك سكان مدينته في الأزمات ، فما إن يحدث حدث لافت حتى يهجموا على محطات البنزين ومحال المواد الغذائية ليشتروا ما فيها ، وهذا ما حدث يومها حقا ، فقد شهدت نابلس إقبال أصحاب السيارات على المحطات وأحدثوا أزمة دفعت بقسم من أهل المدينة إلى جلد الذات وشتمها . وأنظر تعقيب أحدهم وما فيه من بلاغة " امبارح حلبوهم وسكرو " إذ شبه الكازية ببقرة تحلب حتى يجف ضرعها ، بل وانظر بم أجاب مواطن عقب على سقوط الصاروخ : " امنيح ما سقط على راس واحد " : حبيبنا أستاذ تخفش لابسين طناجر تاعت الجبنة .
وغالبا ما تحفل التعليقات التي تكتب على منشور يخلو من روح السخرية والدعابة والفكاهة والتهكم غالبا ما تحفل بها ، وهذا ما يدفعني شخصيا إلى قراءتها ولفت النظر إليها وإثارة السؤال عن ضآلة حضورها في أديباتنا .
( يجب الا يغيب عن ذهننا روايات أخرى كنت أشرت إليها مثل روايتي فرج المالكي " المرياع يرفع العلم الأبيض وقنديل البومة " وثلاثية عارف الحسيني " كافر سبت وحرام نسبي ونص اشكنازي " ورواية أسامة المغربي " العناب المر "

( تاريخ كتابة المقال ١٦ و ١٧ و ١٨ و ٢١ / ٦ / ٢٠٢٥ ) .

٤
خفة الكائنات غير المحتملة ٢ .

رجل الصباح :

هذا الصباح كنت في طريقي الى مختبر المدلاب لاجراء فحص شامل . لم أتناول طعام الإفطار ولا قهوة الصباح ، وكان علي أن أصوم اثنتي عشرة ساعة . وأنا حين لا أشرب صباحا النسكفيه ، وحين لا أتناول طعام الإفطار يظل مزاجي معكرا ، علما بأن فحص السكر ، على جهاز المنزل طمأنني ، فلم تكن الأرقام في صعود .
يقولون للمصاب بداء السكري إياك والزعل ، لأنه هو ما يرفع نسبة السكر في الدم ، وأنا أحاول ما أمكن ألا أزعل ، علما بأن من يعرفون مشاكلي يقولون لي : احمد ربك أنك تعاني من السكر فقط ، فواحد غيرك كان يمكن أن يكون الآن يعاني من عشر علل . حقا هذا ما يقال لي :
- كان الله في عونك .
في المصعد كنا أربعة ؛ أنا وثلاثة لا أعرفهم ولا يعرفونني ، وسألت إن كان المدلاب في الطابق السادس . أحد الصاعدين أراد أن يتفلسف ويتدخل فيما لا يعنيه . فجأة تدخل في لباسي وقال لي : لقد صيفت ، فلماذا ترتدي القبعة ؟
وأنا أريد أن أحافظ على نسبة السكر في دمي ، كما أظهرتها آلة فحص الصباح المنزلية .
يا صباح يا عليم ، فمن أين يأتيك النكد يا عادل الاسطة ؟
نظرت إلى الرجل ، وكان له بطن منتفخة ، يعني كرش ، وقلت له : وأنا كرشك لا يعجبني .
الرجل صمت ، كما لو أن أفعى بخت في وجهه .
وتابعت كلامي :
- لا تتدخل فيما لا يعنيك . وصمت الرجل .
المفاجأة كانت أن نسبة السكر في دمي كانت أعلى مما أظهرته لي ماكينة فحص الصباح ، ويا لطيف ، فثمة أناس كروشهم ، مجرد كروشهم ، ترفع نسبة السكر في الدم ، فكيف إذا كانوا ثقال ظل وكانوا يتدخلون في تصرفات غيرهم ؟ .
ألا يكفي يا ربي أنني ابتليت بالسكر وبالاحتلال وببشر كثر هم أقرب إلى الهسهس في الصيف ؟
ألمانيا سحقت البرتغال ، والليلة ستستهلك مياه كثيرة في المانيا ، وسيشرب الألمان فرحا بهذه المناسبة و ... و ... و

٥
16/6/2016
( حزيران الذي لا ينتهي ) 12

( تشوش الذاكرة ) :

كان لأبي سيارة من نوع ( بلايموت ) سماوية اللون ، وهي من موديل 1958 ، وكان يسوقها متنقلا بين نابلس وعمان والشام وبيروت . الآن ما عاد هناك خطوط خارجية ، والجسر ،بين ضفتي النهر ، غدا الحد الفاصل بين دولتي الجديدة ودولتي القديمة ، ولم أكن أشعر بأن هذه دولتي - الجديدة - ولا تلك - القديمة -.
في العام 1966شهدت الضفة الغربية مظاهرات ، بسبب أحداث السموع ، وقمعت قوات البادية الأردنية المتظاهرين ، ولا أدري ما الذي كان يجعلني أذهب من المخيم إلى المدينة لمشاهدة المظاهرات التي يرشق فيها المتظاهرون أفراد الشرطة الأردنية . أهو كلام أبي عن الأنظمة العربية ؟ ولم يغير لقاء الملك حسين مع عبد الناصر ، قبل الحرب بقليل ، من الامر شيئا،وإن تظاهرت مع المتظاهرين ،مؤيدا البطلين ؛ عبد الناصر والحسين ، كما كان المتظاهرون ، يهتفون ، فقد تصالح البطلان واللي معانا الله معاه واللي علينا الله عليه .
كان أبي يعرف العبرية ، فقد كان له ، قبل العام 1948أصدقاء يهود يعملون معا ، ويتحدثون معا ، ولطالما حدثني عن صديقه اليهودي الذي كان يقول له في الحرب العالمية الثانية : اسمع يا مصطفى : إن انتصر الالمان صرنا حميركم وركبتمونا ، وإن انتصر الانجليز صرتم حميرنا وركبناكم ، وليت الامر اقتصر على الركوب ، فقد طردونا من بلادنا ، لنصبح ، لا حمير اليهود فقط،بل وحمير العرب وحمير العالم .
صار أبي مطلوبا ، لا للبندقية التي حملها ، ولا للاحتلال ، فقد كان يعرف الحكاية من طقطق حتى سلام عليكم ، وإنما صار مطلوبا لانه يعرف العبرية - مع أن ابي مثل كثيرين : يحب بسرعة ويكره بسرعة والذين تظاهروا ضد الملك قبل أشهر تظاهروا يؤيدونه حين سافر إلى القاهرة .
ولأنه سائق ولديه سيارة يعيش من وراء عمله عليها،وكانت السيارات قليلة ، فقد يسر الله له الزبائن،وأخذ هؤلاء يعرضون عليه السفر إلى القدس لزيارة مرضاهم في مشافيها أو للذهاب إلى يافا وحيفا،طبعا بعد فترة.
في تلك الأيام زرت القدس ، مع ابي ،ومع شخص أخر لعيادة مريض ، ورأيت ،من جديد ، جنود الاحتلال ، ورايتهم في شوارع القدس،وبدا ابي يستعيد لغته العبرية . ها هو يتكلم العبرية التي لا أدري لم لم أبذل جهدا مضاعفا في اتقانها .
وسنصبح بعد النكسة-،اي بعد هزيمة 1967حمير الدولة العبرية،ولسوف يحمد بعضنا أننا غدونا هكذا ، إذ سيجدون أعمالا برواتب تمكنهم من العيش ،،،
في حزيران 1967،لا في 1948صرنا حميرا ، وبعد سنوات ، وأنا أقرأ رواية اميل حبيبي ( المتشائل ) سأعرف ان حياته في تلك الدولة كانت بفضل تلك الدابة المسكينة ، أي الحمار ، فهل كنا حميرا منذ 1948دون ان ندري؟
16/6/2016

٦
شاعرية محمود درويش وشاعرية أدونيس:
مرة قال الشاعر أحمد دحبور لي ولزياد خداش إن أدونيس أخطر شاعر عربي- أظن أكبر- منذ أبي تمام والمتنبي.
وجهة نظري أن محمود درويش هو أكبر شاعر عربي منذ المتنبي.
اتكاء على المنهج الاجتماعي الماركسي الذي يركز على تأثير الشاعر في مجتمعه وفي غيره لم يترك أدونيس التأثير الذي تركه محمود درويش.
لعلني على صواب.
16/ 6 /2017

٧
واسيني 12 : " الرواية كوسيط معرفي "

غالبا ما أعود وأنا أقرأ الرواية إلى الكتب النظرية الخاصة بالفن الروائي ، ولا أتردد في العودة إلى المقدمة التي كتبها خليل بيدس لمجموعته القصصية " مسارح الأذهان " 1924 وأتوقف أمام رأيه .
آخر الكتب التي اقتنيتها عن فن الرواية كتاب ترجمته لطفية الدليمي وكتبت له مقدمة. الكتاب ل ( روبرت ايغلستون ) " الرواية المعاصرة : مقدمة قصيرة جدا " ( دار المدى2017 ) . وتذكر مقدمة لطفية بمقدمة بيدس وتتقاطع معها وتضيف إليها .
مما يرد في المقدمة أن الرواية تكتب للمتعة ، وكان بيدس قال هذا ، وتضيف كاتبة المقدمة نقاطا أخرى كثيرة منها أن الرواية وسيط معرفي . وهذا ما يتحقق ، بامتياز ، في رواية واسيني " مي ليالي إيزيس كوبيا ".
الرواية تطلعنا على قصة حياة كاتبة عربية ريادية مؤسسة وتطلعنا على أهم الصحف التي كانت تصدر في النصف الأول من القرن العشرين ، كما تعرفنا على علاقات الأدباء بمي ؛ الذين التقوا بها ، مثل العفاد والرافعي وطه حسين ، والذين راسلتهم ولم تلتق بهم ، مثل جبران ، كما تلقي أضواء على بعض نتاج مي زيادة .
طبعا لا تخلو الرواية من تحقيق شرط المتعة ومن توفر عنصر التشويق فكاتبها صاحب خبرة في المجال الروائي ، وهنا أحيل ثانية إلى مقدمة لطفية الدليمي .
لا غبار في أن واسيني الأعرج كاتب محترف يتقن صنعته وإن كانت الرواية لا تخلو من هنات قليلة .
16 / 6 / 2018

٨
الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين : لعبة الشكل " المابعد " (2)

لا أعرف إن كان علي بدر الروائي العراقي اطلع على الروايات العربية أو الروايات العالمية التي أتيت على ذكرها ، وتأثر ، في أثناء كتابة " مصابيح أورشليم " بأي منها .
تتكون الرواية من ثلاثة أقسام يأتي الكاتب في الأول منها على أيمن مقدسي ، مؤلف روايته صاحب المخطوط الذي غاب وترك أوراقه مع العراقي علاء خليل ، ويبين أيضا كيف وصلت إليه هو .
يقع القسم الأول في الصفحات 7 - 73 :
" لماذا لا أستعيد هذه التجربة بالقوة والمقدار من تجربة أيمن مقدسي ، لماذا لا أكون أنا في محله طالما أصبحت أنا في المحل تماما من موقعه ، وهكذا بدأت بكتابة هذه الرواية ، وأضفت ملاحظاته إلى نهاية الكتاب ، أضفت كل هذه الانسكلوبيديا التي جمعها هو عن كل ما يخص القدس ، كان دوري في الكتاب ثانويا تماما ، دورا هامشيا ، أما الرواية والتي بدأها بمشهد إدوارد سعيد ويائيل وايستر فقد أشعرتني بأنني الذي كتبتها ولكنني في الحقيقة لم أكتبها ، إنما كتبها هو " ( 73 ) .
ثمة رواية كتبها آخر وثمة أوراق للآخر نفسه وصلت إلى المؤلف ويفترض أنه علي بدر صاحب الرواية الذي يحاول خداعنا بحيلة ما توهمنا أنه ليس مؤلف الرواية الحقيقي ، وأن دوره لا يتعدى الدور الثانوي والثانوي جدا ، ومن المؤكد أن هذه الخدعة قد تكون وراءها أسباب عديدة مثل :
- هل يريد المؤلف أن يخلق لدى القاريء بعض فضول ليدفعه إلى القراءة والبحث ؟
- هل يرمي إلى التجديد الفني في الشكل ؟
هل يهدف إلى حماية نفسه من أية مساءلة سياسية أو اجتماعية أو فكرية ؟
- هل يغمز ويلمز ويقول إن كثيرا ممن يزعمون أنهم ألفوا روايات ليسوا مؤلفيها الحقيقيين ؟
هنا أتذكر مقطعا من قصيدة محمود درويش " لاعب النرد " له دلالته العميقة. يقول الشاعر :
" هو الحظ . والحظ لا اسم له
قد نسميه حداد أقدارنا
أو نسميه ساعي بريد
لسماء
نسميه نجار تخت الوليد ونعش الفقيد
نسميه خادم آلهة في أساطير
نحن الذين كتبنا النصوص لهم
واختبأنا وراء الأولمب ...
فصدقهم باعة الخزف الجائعون
وكذبنا سادة الذهب المتخمون
ومن سوء حظ المؤلف أن الخيال
هو الواقعي على خشبات المسارح / "
في العام 2008 صدرت رواية المصري يوسف زيدان " عزازيل " وسرعان ما فازت بجائزة ( بوكر ) /الجائزة العالمية للرواية العربية ، ويلجأ مؤلفها في تأليفها إلى الإيهام . يكتب على الغلاف اسمه وعنوان روايته والجنس الأدبي الذي تنتمي إليه ،وما إن نقرأ المعلومات الشكلية لدار النشر وعدد الطبعات والإهداء حتى نتفاجأ بأربع صفحات تحت عنوان " مقدمة المترجم "( ص9 - 12 )
يوهمنا المؤلف بأنه ترجم وثائق عثر عليها كتبها راهب اسمه هيبة بالسريانية ويوضح لنا علام اقتصر دوره ، ويبدو دورا محدودا جدا اقتصر على الترجمة ووضع بعض عناوين هنا وهناك ليس أكثر . إنه دور هامشي فقط. وإذا ما نظرنا إلى ما كتبه على بدر وقارناه بما كتبه زيدان نجد فرقا واضحا فصفحات بدر تقترب من السبعين وتقتصر صفحات زيدان على أربع . ( في العام 2012 سيصدر الروائي الكويتي سعود السنعوسي روايته " ساق البامبو " وستفوز مثل رواية زيدان بجائزة بوكر للرواية العربية ، ويلجأ مؤلفها إلى الحيلة نفسها تقريبا ، دون أن يكتب أنه ترجم . في صفحة 7 من الرواية يضع اسم المؤلف ( هوزيه ميندوزا / Jose Mendoza ) ويكتب عنوان الرواية باللغتين ؛ العربية والإنجليزية ويكتب اسم المترجم ابراهيم سلام ، ويضيف الآتي : " مراجعة وتدقيق خولة راشد. وحول الرواية انظر ما كتبته عنها في جريدة الأيام الفلسطينية بتاريخ 12 أيار 2013 و 14 أيار 2013 ) .

في العام 2010 تفوز رواية
الروائي السعودي عبده خال " ترمي بشرر " بالجائزة نفسها ؛ جائزة بوكر ،الجائزة العربية للرواية العالمية . ومؤلفها يلجأ إلى حيلة لا تكاد تختلف كثيرا عن الحيل التي لجأ إليها الكتاب السابقون .
تسرد الرواية عبر ضمير المتكلم / أسلوب الترجمة الذاتية ، وترويها الشخصية المحورية فيها ، طارق ، الذي يقص علينا ما مر به وما عاناه وما دفعه من ثمن .
طارق هذا يسمع بالروائي عبده خال ، ويلتقي به في حديقة ويقص عليه قصته التي هي الرواية . ويكمن الاختلاف في أن الكاتب يكتب ما حدث معه بالضبط في الصفحات الأخيرة من الرواية ، لا في الصفحات الأولى منها .
في الصفحة 385 يكتب عبده خال ما جرى معه وبطل الرواية تحت العنوان الآتي : " مقطع من جلسة سبقت كتابة هذا السرد " . وبعد هذا يرفق بالرواية صورا وتقارير صحفية ومعلومات عن النساء اللاتي كن في القصر وعرفهن طارق ، وتنتهي الرواية بعنوان "ثم دخلت سنة 1428 هجري حدث فيها الأحداث العابرة والغائرة " .
في السنة التي فازت فيها رواية عبده خال بالجائزة أصدر الروائي واسيني الأعرج روايته " البيت الأندلسي " 2010 ويصدر الروائي روايته بعنوان هو " استخبار ماسيكا " ويمتد من الصفحات 7 حتى 25 وفيه تأتي ( ماسيكا ) على قصتها مع كتاب وتوضح لنا ما فعلته فيه :
" هذا هو الكتاب بلحمه ودمه وأنينه ، لم أضف إليه شيئا من عندي سوى ما رواه مراد باسطا أو ما اومأ به . لم أتدخل إلا بما يساعد على استقامته . الكتب لا تقول الحقيقة المطلقة ، فهي ليست أكثر من حقيقة نسبية لشخص يفترضها كذلك ...... " ( 24 ) .
في صفحة سابقة تأتي ( ماسيكا ) مرارا عن مخطوطة البيت الأندلسي ومعاناتها في البحث عن النسخة الأصلية في المتاحف والمكتبات " الصدفة أو حاسة شم غريبة ؟ لا أدري بالضبط . هي التي دفعت بي إلى أماكن محددة دون غيرها ، وقادتني حتى المخطوطة الضائعة . " ( 17 ).
هل انتهت الحكاية ؛حكاية الأوراق والكتاب المخطوط ؟ سنرى

٩
الرواية العربية في القرن الحادي والعشرين : لعبة الشكل "المابعد " ( 3 )

أهي الصدفة وتوارد الخواطر أم أنه التقليد والمحاكاة لنموذج سابق ، كما هو هيكل القصيدة العربية التقليدية ، وكما هي طرق القص التقليدية التي تقول ، حقا ، لنا إن الأشكال السردية محدودة ؟
في العام نفسه الذي صدرت فيه رواية واسيني " البيت الأندلسي " صدرت رواية الجزائري بشير مفتي " دمية النار " ، وهي رواية يمهد لها الروائي بالكتابة عن قصته مع كاتب الرواية / المخطوط .
يفرد بشير الصفحات الأولى من روايته ليخبرنا عن لقاء الروائي " الروائي " بصاحب الرواية / المخطوط ( ص 5 حتى 21 ) .
نحن هنا أمام روائي وأمام مخطوط / رواية / كتاب . ثمة علاقة مباشرة بين الاثنين ، خلافا لما هو عليه الأمر في روايات سابقة ؛ مجهولة المؤلف ، أو أن كاتبها مات من زمن بعيد ، أو من زمن حديث .
في " دمية النار " يلتقي الروائي وصاحب المخطوط مباشرة لقاءات عديدة ؛ يتحاوران ويتحدثان ويوكل صاحب المخطوط الروائي بنشر كتابه . ثمة خلاف شكلي بين بشير وعبده خال يكمن في المشافهة والكتابة فقط . يقص طارق قصته على عبده خال ، وأما رضا شاويش فيعطي المخطوط لبشير لينشره " مخطوط يكتبه ، وهو رواية كما يظن ، أو سيرة ذاتية ، أو كما قال : " لا أدري ما هي " ( ص19 ) .
رضا شاويش يحلم دائما بكتابة رواية .
بعد اللقاء بعشر سنوات ، وبعد أن انتهت الحرب أو توقفت لزمن معين ، حينما حمل إلي البريد ظرفا بداخله مخطوط مع رسالة قصيرة جاء فيها :
" يصلك هذا المخطوط وأنا ربما في عالم آخر ........
رضا شاويش " ( ص20 )
ويعقب الروائي عما فعله ، بعد تسلمه المخطوط ، مبديا رأيه فيه ، و موضحا ما قام به إزاءه ، ويترك صوت رضا شاويش يحكي قصته كما كتبها هو ، وعلى لسانه ، متمنيا طبعا أن يكون الرجل على قيد الحياة ، وأنه سيقرأ كتابه كما تركه لي بلا أي تغيير أو رتوش " ( ص21 ) .
هنا ثمة اختلاف شكلي بين كاتب وآخر يتعلق بقضية تدخل الكاتب بالمخطوط جزئيا ، أو عدم تدخله نهائيا . ويتم السرد من خلال ضمير الأنا.

في منتصف العام 2011 انتهى عبد الرحيم لحبيبي من كتابة روايته " تغريبة العبدي المشهور بولد الحمرية " ، ومثل رواية زيدان ورواية خال ورواية مفتي ، ولاحقا رواية الياس خوري ، سوف تصل إلى القائمة القصيرة لجائزة الرواية العربية .
وأنا أتابع الروايات العربية المرشحة لجائزة ( بوكر ) كان السؤال الذي يخطر ببالي ، وأنا ألاحظ التشابه في الشكل واللعب الروائي ، هو :
أيعود السبب إلى المحتوى الروائي أم إلى الشكل ؟
وكنت ألحظ ان لجان التحكيم تتغير من عام إلى آخر . هل يعقل أن يكون الأمر توارد خواطر وتشابها في الذائقة ؟
عموما فإن عبد الرحيم لحبيبي يلجأ إلى ما لجأ إليه روائيون ورد ذكرهم .
يكتب الكاتب 24 صفحة عن علاقته بمخطوط عثر عليه في سوق المتلاشيات وأرقه ورغب في أن يحققه ( ص 5 حتى 29 ).
ويفصل الكتابة في وصف معاناته حتى حصل على ما نقص منه ، ويأتي على ما فعله في قراءته ، و على ما تركه ، على ما هو عليه وما أضافه. أين تدخل وأين لم يتدخل ، بل إنه يقارب قضايا أخرى لها صلة بعالم الكتب في عالمنا العربي وبعالم الجامعات العربية والمحاضرين فيها والدراسات الجامعية .
ما يهمنا هنا هو أن فكرة المخطوط والحصول عليه والتدخل في إنجازه هي فكرة ليست جديدة .
هل اختلف الأمر في رواية الياس خوري " أولاد الغيتو .. اسمي آدم " التي صدرت في العام 2016 .
يحصل الياس من خلال طالبته ( سارانج لي ) على دفاتر ( آدم دنون ) وينشرها ولا تكون التعديلات التي يجريها عليها جوهرية . إنها تعديلات جزئية وعابرة ، كأن يضع عناوين ثانوية أو ما شابه ، ويحتار الياس في تصنيف الدفاتر . هنا يتشابه - وإن جزئيا - مع بشير مفتي .
إن إجراء مقارنة موسعة بين هذه الروايات ومتابعة المتشابه والمختلف فيها ، وامعان النظر في التفاصيل ليستحق وحده دراسة مفصلة .
كنت أشرت ، في بداية الكتابة ، إلى رواية واسيني الأعرج " مي ليالي إيزيس كوبيا ، ثلاثمائة ليلة وليلة في جحيم العصفورية " الصادرة في هذا العام ، أشرت كي أقول إن سؤال " المابعد " هو سؤال أخذ يلح على ذهني ، وقد التفت إليه وأنا أكتب عن رواية الياس خوري ( انظر كتابي : " اسئلة الرواية العربية : أولاد الغيتو...اسمي آدم الياس خوري نموذجا " الصادر عن دار الآداب في بيروت 2018 ).
والآن حين اقرأ رواية يلجأ كاتبها إلى الحيلة نفسها أو إلى حيلة مشابهة ، فماذا عساني أفعل : أأواصل القراءة أم أضع الرواية جانبا ، فالشكل غدا مملا؟
وأنا أقرأ رواية واسيني بحثت عن الموضوع أكثر ، أعني أن الشكل يهمني ، لكن ما يهمني أكثر هو : ماذا يريد الكاتب أن يقول ؟ ويلي هذا السؤال سؤال ثان هو : هل قال الكاتب ما قال بشكل جيد ؟
الحياة دائما تفاجئنا بما هو جديد ، ولربما يكرر المرء مقولة الماركسيين " الحركة دائمة ومستمرة " ولربما نعود إلى سؤال الخصوصية .
دائما لكل كاتب خصوصيته وهذا هو

16 / 6 / 2018.

١٠

لقد أنفقت يومي العيد ويوم الوقفة في كتابة ورقة علمية لمؤتمر سوف تعقده الجامعة الأردنية في الثالث والرابع من تموز القادم . هكذا كانت أعيادي في ألمانيا أيضا .
حين تأتيني شابة من طالبات الدراسات العليا في الجامعة تسأل عن موضوع في الأدب الحديث لتنجز رسالتها فيه أنصحها بالاتجاه نحو النحو .
غالبا ما اسألها: هل ترغبين في الرهبنة أو في أن تعيشي حياتك وتكوني أسرة؟
أبتسم وأقول لها : أنا لا أعيش الحياة التي يحياها الناس . إنني راهب . و أتابع :هل لديك استعداد لقراءة 4 ساعات يوميا ، وقد لا تكفي.
ولكن كما كتب محمود درويش في قصيدة "إذا كان لي أن أعيد البداية" من ديوان "ورد أقل ":
"إذا كان لي أن أعيد البداية
اختار ما اخترت: "ورد السياج"."

مشيناها خطى كتبت علينا
ومن كتبت عليه خطى مشاها
ومن كانت منيته بأرض
فليس يموت في أرض سواها.

16 / 6/ 2016

١١
حكاية محمود درويش : متى تنتهي ؟

عقب اليوم الصديق Jamal Al-talawe على منشور لي عن محمود درويش وسليم بركات بتساؤله :
" وتوتة توتة متى تنتهي الحدوتة ؟ "
فأجبته بأن أمرا القيس والمتنبي ما زالا موضع دراسة ، وتذكرت كتابا عن نسب المتنبي " المتنبي يسترد أباه " كتب قبل ثلاثة عقود ونصف تقريبا .
" إن حكايات الأدباء لا تنتهي وإلا لما درسنا امرأ القيس وأبا نواس والمتنبي وأرجو أن تقرأ كتاب عن نسب المتنبي عنوانه :" المتنبي يسترد أباه " . " .
١٦ حزيران ٢٠٢٠ .

١٢
ذاكرة أمس ٩٢ :

يا قدس ... عيوننا إليك تنظر كل يوم

كانت نشرات الأخبار أمس تركز على ما يجري في القدس . مسيرة تسبق مسيرة ولكل مسيرة أعلامها ، ومن حجارة البلدة القديمة وبسببها تندلع الحروب . هل ستتواصل الحرب التي لم تجف بعد دماء من أصيبوا فيها ولم ترمم أي من المباني التي دمرت خلالها ؟
في الأخبار أتابع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي وفي الروايات التي أقرأ أتابع أيضا صورة اليهود فيها .
منذ ١٨٨٢ صار اليهود قدر الفلسطينيين الذين لا فكاك لهم منه . هل كان اليهود قبل العام المذكور قدر الشعوب الأوروبية ؟
أمس انتابني حنين إلى الفترة العثمانية ، فالعلاقات بين اليهود والمسلمين والمسيحيين في فلسطين لم تكن دموية .
في يوميات ( ماري اليزا روجرز ) التي ترجمها الروائي جمال أبوغيدا " الحياة في بيوت فلسطين بين ١٨٥٥ و ١٨٥٩ " إتيان على اليهود في القدس ؛ السفارديم والاشكناز . كان اليهود طائفة لها مدارسها وحياتها وكانوا منعزلين ، فلم يختلط أبناؤهم بأبناء الطوائف الأخرى ، بل إن أبناء الاشكناز لم يختلطوا بأبناء السفارديم " يا جاري أنت بحالك وأنا بحالي " .
ما الذي فعله مشروع الوطن القومي اليهودي ووعد بلفور بسكان البلاد ؟
في الأسبوع الأخير تصفحت رواية الكاتب الجزائري الحبيب السايح ، فلم أقرأها بالشغف نفسه الذي قرأت فيه روايته " أنا وحاييم " . أيعود الأمر إلى اختلاف أسلوب الروايتين ولغتهما ؟ ( صدرت الطبعة الأولى في ٢٠٠٢ والطبعة الرابعة في ٢٠١٦ ) .
سوف أقتبس من الرواية الفقرتين الآتيتين اللتين تصفان الأوضاع في زمن الدولة العثمانية :
" وكتب ( ارنود ) بعد قيلولته :" اليوم كسر اليهود قيد الذمة فنزعوا عنهم الأسود والأزرق الغامقين ، وسفرت نساؤهم ، وارتدى فتيانهم القبعات. ثم ركبوا البغال وخرجوا مالئين الشوارع ، فهللوا فرحين بي وبجنودي ، وصاحوا بالعشرات :" أيها المنقذون لكم حياتنا. " ثم احتشدوا ورفعوا أصواتهم بالنكاية :" يهودي مسرح من قيد مسلم مقبح !" " .
وقال لها :" عزيزتي ، كنت أرى هؤلاء اليهود يركعون ليلثموا أقدام جنودي وايديهم . ثم يروحون منهالين بالضرب على من صادفوه من الأتراك . وكان الأهالي يسخرون منهم فيصفقون لهم باستهزاء " ( ١٨٧و١٨٨ ) .
و
" حتى إذا لم يبق من الملتزمين غير العراة من انتسابهم هش الvوال بعصاه فانضرب بينه وبينهم حجاب من القصب الأخضر . وهمس لمن كان لا يرى بجانبه : " أبناء زنى وزناة بالمحارم ونخاسون وقتلة ومخنثون وأحفاد شلومو النجس . وجب سترهم جميعا ، فإن مشهر الفضيحة ملعون "( ٣٠٣ ) .
هل بقيت بعد قراءتهما أحن إلى القدس في زمن العثمانيين ؟
ماذا سيحدث في القدس غدا وبعد غد ؟
هل ستندلع الحرب ؟
تهرب من الواقع إلى الكتب لعلك تنسى الحرب فتطالعك الحرب .
في المباراة التي جرت ببن فرنسا وألمانيا كان الفريقان يضمان لاعبين من أصول وأعراق مختلفة ، فلماذا يصر الصهيونيون على دولة يهودية ؟
فرنسا ربحت وألمانيا خسرت ، وهكذا هي الحياة: ربح وخسارة .
هل سمعتم بالمثل " يهودي مسرح من يد مسلم مقبح "
١٦ حزيران ٢٠٢١ .

١٣
إن حزنا في ساعة الموت
أضعاف سرور في ساعة الميلاد .
( أبو العلاء المعري )

١٤
غزة ( ٢٥٤ ) :
خجلان ماذا أكتب

في صباح العيد هذا الذي يذكرني بعيد الأضحى في أيلول ١٩٨٢ ، حيث ارتكبت مجزرة شاتيلا وصبرا ، يشعر المرء ، وهو يكتب ويرد على الرسائل والمجاملات ، بالخجل .
لا عزاء لأهل فلسطين إلا بتحررهم ، وكل ما عدا ذلك " ضراط " .
كان الله في عون الأهل في غزة ، وليكن عيدهم القادم بخلاصهم من هذا الكابوس الرهيب وعودتهم إلى مدنهم وقراهم في فلسطين التاريخية وقد صارت دولة واحدة على غرار جنوب أفريقيا .
" عيدنا يوم عودتنا "
هذه هي عبارة آبائنا وأجدادنا ، ولعلهم ، بعفويتهم وبساطتهم وصدقهم ، لم يجافوا الحقيقة ولم يبتعدوا عنها .
هل هو إفراط في التفاؤل ؟

صباح الخير يا غزة ويا فلسطين ويا أيها المقموعون في هذا العالم
١٦ / ٦ / ٢٠٢٤

١٥
غزة 619 :
وعلينا ما عليكم من سماء وهواء
( محمود درويش )

في آخر ما كتبه الناشط عبد الكريم عاشور عن الأحوال في غزة أن جارا له سرق مائة شوال طحين . في الليل جاءه مسلحون وتقاسموا معه الكمية . أخذوا خمسين شوالا وغادروا . Abed Alkarim Ashour
إن كان السارق تاجرا فسوف يضاعف سعر الكيلو ليحصل على ثمن مائة كيس ، وهكذا يعوض خسارته .
غزة الآن غارقة بجوعها وموتها اليومي . أطفال بلا آباء وزوجات بلا أزواج ومشوهو حرب بلا علاج ومشاف بلا مواد طبية وحدث ولا حرج ، وأمام الحرب بين إسرائيل وإيران انشغل أهل فلسطين ، خارج قطاع غزة ، بالصواربخ الإيرانية تتساقط على مدن الدولة الإسرائيلية وعلى بعض القرى والمدن في الجليل والضفة الغربية ، وعندما سقط أحدها على الخليل قال مواطن خليلي :
- احنا الخليل مش الجليل . كنه الصاروخ مبرمج خطأ .
وفي الجليل سقط صاروخ على قرية طمرة العربية فقتل أسرة بكاملها .
صباح هذا اليوم صحا أهل مدينة نابلس على بقايا صاروخ في شارع حلاوة ولم تكن هناك إصابات ، أما في قرية كفر الديك غرب نابلس فقد اخترق أحد صواربخ الاعتراض الإسرائيلية سطح منزل وأحدث فيه ثقبا .
آخر أخبار هذا الصباح أن الصواريخ التي قصفت بها إيران مدينة حيفا أسفرت عن مقتل ستة عشر مواطنا بينهم أربع نساء عربيات .
أنا الذي صحا مبكرا على صوت انفجارات تابعت الأخبار وكررت سطر محمود درويش في قصيدته " عابرون في كلام عابر " :
" وعلينا ما عليكم من سماء وهواء " .
خاطبنا رئيس الوزراء الإسرائيلي في بداية الحرب ، طالبين منه أن يكون ( ميخائيل غورباتشوف ) القرن الحادي والعشرين ، فيتخلى عن مشروع الدولة اليهودية ويتبنى مشروع الدولة المدنية لكل مواطنيها ، فلم يصغ إلينا ، والآن أتذكر مظفر النواب :
- ولكن متى كان فرعون يصغي ؟!
١٦ / ٦ / ٢٠٢٥

١٦
في وصف حالتنا في نابلس في اليوم 619 لحرب طوفان الأقصى :

الأسواق هادئة والحركة التجارية شبه راكدة والشوارع خالية من المتسوقين ، ويمكنك أن تتمشى في خان التجار أو في شارع النصر ، وحتى في السوق الشرقي المكتظ عادة ، دون أن يزعجك أحد .
إن كنت في سيارة ، في شارع فيصل المزدحم غالبا بالسيارات ، فإنك في هذه الأيام ترى شارعا تركض فيه السيارات ركضا لا يعيقها في هرولتها عائق ، وإن كنت خبرت أحوال الشارع في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات القرن العشرين فإنك ستجد نفسك تعيش في تلك العقود .
اللافت في الثالثة عصرا مثلا هو وقوف السيارات أمام محطات الوقود تنتظر دورها حتى تعبيء تنكاتها الفارغة ، وقد تستغرب كما استغرب مواطن ، فالمدينة محاصرة والدخول إليها والخروج منها ليس متيسرا بسهولة . هل ثمة حاجة لأن تتزود الحافلات الخصوصية ، في الحصار ، بالوقود ؟
أكثر الفواكه المعروضة هي العنب والبطيخ والشمام والكرز والمشمش . أسعارها لمن يملك النقود عادية ، وأما موظفو السلطة الوطنية الفلسطينية فمحرمة على أكثرهم ، وحتى الآن - السادس عشر من حزيران - لم يستلموا إلا ٣٥ بالمائة من راتب شهر نيسان ، وهم منذ أربع سنوات لا يحصلون إلا على سبعين بالمائة من الراتب ، فأموال " المقاصة " يصادر منها وزير المالية الإسرائيلي ( بتسلوئيل سموتريتش ) ما حلا له . يحلل ما أراد ويحرم ما أراد ، وليذهب الفلسطينيون من أهل البلاد إلى البلدان العربية .
منذ صباح اليوم والقوات الإسرائيلية تقتحم مخيم عسكر الجديد . تعتقل وتفتش وتضرب وتحاصر و ... و .... .
الأجواء الآن لطيفة وتبدو الأوضاع هادئة ساكنة . هل نام الناس مبكرين ، فثمة سهرة ليلية للبحلقة في الصواريخ القادمة الليلة من إيران . هل سننجو ؟
في صباح اليوم كان الناس يشاهدون بقايا صاروخ في شارع حلاوة قرب خلة العمود ، ولا أعرف ان كان تجار الخردوات ذهبوا إلى هناك ليعاينوه ويدفعوا فيه سعرا ! لا أعرف ، وما لست متأكدا منه هو ان كان يخص الدولة الإسرائيلية التي قد تصادره وتبيعه هي ! هل ستعتبره حقا لها في الأحوال كلها ؟
أغلب الظن أنها - إن كان إيرانيا - أغلب الظن أنها ستصادره وفق قانون أملاك الغائب أو أملاك العدو الإرهابي إيران ، ولا تخافوا على براعة أبناء العمومة في المراوغة . إنهم آباؤها وخير من برع فيها ، وفيهم قال الشاعر إبراهيم طوقان قبل مائة عام :
" أعداؤنا - منذ أن كانوا - صيارفة
ونحن - مذ هبطنا الأرض - زراع " .
وحتى لا اتهم بالعنصرية أقول ان ( شايلوك ) الفلسطيني في قطاع غزة ، فاق ( شايلوك ) اليهودي في مسرحية ( وليام شكسبير ) " تاجر البندقية " . ربما أنا مخطيء !
١٦ / ٦ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...