كان الانسان منذ الأزل مشغولا باكتشاف المجهول ، والموت أحد أهم المجاهيل التى راودته ولم تزل تملك عليه جماع فكره ، والمصرى القديم من دون البشرية جمعاء ، هو من فكر فى الحياة بعد الموت وحافظ على قدسيته، وأعد له ، فكان التحنيط سرا من أعظم الأسرار التى تجسد ايمانه العميق بالحياة الآخرة ، لذلك اهتم ببناء المقابر، وجمع أدوات الحياة اللازمة ، بعد الموت ؛ ذلك هاجس انسانى عظيم ، تميز به المصرى القديم ؛ ولعل فرويد عندما تعمق فى قراءة النفس الانسانية، أرجع المجال النفسى لغريزتين أساسيتين : هما غريزتا الجنس والموت، هما اللتان تحركان الانسان وتوجهانه ، فالجنس هو المعادل الرمزى للحياة / للحب والعشق والتناسل ، ومن ثم إعمار الأرض بينما الموت هو الوجه الآخر ، هو المجهول المتربص بالانسان دائما .
والشاعر عزت حرشه طوال قصائد الديوان يحتفى بالعشق ، ويتغنى به ، يقيم معه الحواريات ، يتغنى بالطبيعة ، ويستنهض مشاهد ومقاطع من تواريخ حياته ، ليثبت للمحبوبة أنه الفارس العاشق ، الجدير بها ، يسرد تفاصيل شاعرية جدا عنها، ثم يعترف باسمها فى نهاية القصيدة
هىَّ ساكنة ف الحنايا
هىَّ ضلي وهيَّ حضني
طب هاقول لك م النهاية
يكفي هىَّ أم ابني
هوَّ ده أصل الحكاية
الصيغة الاعترافية أنها زوجته التى أنهى بها القصيدة تواشجت مع جملة (هى بيتى) وفى نفس الآن قللت من الايحاء الدلالى الذى صالت وجالت فيه رؤى الشاعر ، وأحلامه ، حواديت الحياة المتكررة فى كل الأوقات نعم ، بيد أنها تمثل للشاعر ذكريات خاصة.
والجميل هنا فى السرد عن المحبوبة / أم أولاده ، والذى عبر عنه فى هذا المقطع.
كات تشوفني في المراية
لمّا ترسم كحل عينها
مكياجاتها وبرفاناتها
مكتبتها
وفْ أوضتها
كنت منحوت ع الحيطان
كل خبطة ع البيبان
كنت صوتها لمّا تنطق بالكلام
وف سكوتها كنت حاضر ع الدوام
تلك الكتابة تبين شيئين هامين ، أولا قدرة الشاعر الفائقة على السرد، وتتبع التفاصيل الدقيقة المؤثرة والمعبرة جدا ، الأمر الثانى هو امتلاكه انسيابية الجمل الشعرية ، وموسيقاها الرائقة المبهجة للمروى عنه /الزوجة - الحبيبة ، وللمروى عليه هذه الحكاية أو الحدوتة وهو القارئ أو المتلقى ، كما نستبين فى هذه القصيدة بجلاء تداخل فنون الشعر والسرد معا، وهذا وجه آخر دال على الوعى الحداثى الذى يتمتع به الشاعر ، ونلحظه فى معظم قصائد ديوانه الأول ، بذور أولية دالة على شجرة مثمرة فى المسقبل القريب.
يقول فى قصيدة (إنى أرانى اليوم)
لفيت سنين ف التِيهْ
قاصد لُقا حضنك
كل السبل متاهات كل النجوم حُسنك
كل السما حواديت
صوت السحاب لحنك
شقيت بسيفي الخوف
فتح السُبل تباريح
ورميت بإيدي الدجى
بكت السما تفاريح
ليست الحداثة الشعرية هى الاتيان بأى جديد على غير هيئة سابقة ـ وإن كان هذا هو التعريف المعجمى ـ بقدر ما هى اعتصار المورثات الشعرية السابقة ، ثم الاضافة اليها ، اضافة بصمة الشاعر الخاصة به، لاستكمال مسيرة تطور حركة الشعر.
عنوان القصيدة يردنا للموروث الدينى العميق ، والآية القرآنية فى سورة سيدنا يوسف عليه السلام ( أنى أرانى أعصر خمرا) وهو أحد صاحبى السجن مع سيدنا يوسف ، وهنا الشاعر يرى نفسه مشردا فى التيه ، برغم توافر القافية وتواترها وتنوعها ، وجمال الأداء الشعرى ، وبرغم الصور الشعرية المعبرة جدا ، نحس بالشاعر العاشق لتراب الوطن ، المجروح بسهام التباريح والنجوى ، نحسه ضائعا وسط سبل يتغشاها الظلام ، وبرغم الجملة العنترية ( شقيت بسيفى الخوف) إلا أن جراحه الخاصة طالعته من كل السبل.
- يفتح الشاعر أشرعة قصيدته لأبواب التناص ( الدينى والشعبى والتاريخى ) ليجعل من النصوص المستقرة فى وعى ووجدان القراء مادة جديدة يتم توظيفها فى خلق نصه الشعرى الجديد ، يضيف رؤاه ، ويطور من أدواته ، ويستحلب من عصير روحه ، مادة جديدة تفاعلت من هذا الارث ، وكل ما سبق من تراكمات ، كى يتمكن من انجاز مشروعه الشعرى ، يقول فى الرباعيات
سجى وسلمى وجنة
حسن الرباية ها يبني
قصري أنا جوه جنة
هذا تناص دينى عن جزاء من يمنحه الله الأنثى ويحسن تربيتها ، يبنى الله له قصرا فى الجنة ؛
وفى رباعية أخرى:
مجنون بحبك فسَمّي
وارقيني فاتحة وياسين
لو قالوا حبك دَ سَمّي
يا بهية هافضل ياسين
ياسين وبهية من قصص الحب الشعبى ، فى ذاكرة العشاق ، واستخدام القصة فى اطار تعميق مقدار العشق بينه وبين الحبيبة ، حتى لو كان السم فى هذا العشق ، سيظل لها العاشق ، واستبدال العاشق ب "ياسين" ، بمثابة البناء فوق صرح كبير من التناص مع الذاكرة الشعبية التى تقدر العشق وفنائهم فى دروب العشق .. ولذلك يشتكى الحبيبة حين تضن عليه ، فيقول
تلميذ وذاكر في حسنك
صعبة دروسك قسيِّة
يا مقفله بابِ حصنك
مع إن قلبي وسيِّه
توجهت الكثير من الرباعيات فى التغزل بالحبيبة ، ومفاتنها ، والسرد عنها، ولومها على البخل فى عواطفها ، مع أنه المفتون بها المنتشى برؤيتها .
بالاضافة الى أن الرباعيات تعالج الكثير من الموضاعات ، مثل ذم الندالة ، أو فرح البعض بمكاسب الحياة ونسيان الموت، أو عدم الرضا بالمقسوم للعبد من الرزق ، كتابة تحمل الكثير من العمق والرؤية الفلسفية للحياة والموت والحب العذرى عند الشاعر العربى الأصيل. حيث كان لا يتوقف عن التغنى بمحبوبته والشكوى منها.
- تحضر أيضا القصائد التى تحتفى بتراب الوطن ، وتتغنى بأمجاده ضمن غريزة انسانية أصيلة ، وهى العشق ، لولم يعرف الانسان الحب ، ويقترب من أنثاه ، ويقيم بيتا ، ويظلل هذا البيت ظلال الأمن والطمأنينة ، ما عرف الانسان حب الأوطان ، يقول صلاح جاهين فى واحدة من رباعياته:
لو كان مفيش و لا فقر و لا خوف وجبن
لو يملك الانسان مصير كل شـــــــــــئ
انا كنت اجيب للدنيا ميت ألف ابــــــــــن
عجبي !!”
الأمن والطمأنينة هما فرشة العاشق على تراب هذا الوطن ، ومن ثم يتغلل فى القلوب عشق الأوطان، وما مراتع الطفولة والنخيل والشوارع والحارات والمدافن إلا طفولة الشاعر التى تستمد منها الروح وقود الحياة ، لذلك نراه منزعجا من التناحر بين أبناء الوطن الواحد ، يرصد حاله وسط هذا العراك المدلهم ، يعبر عن روحه التى أنهكتها النزاعات والمشاهد المخجلة ، يقول فى قصيدته الفريدة (من الذاكرة ) مشاهد بدون ترتيب 2011/2012
مشهد 6 الذى يحمل عنوان (أنا ما أملكش غير أسفى)
( أنا ملكش غير أسَفي / يا أغلي عندي من نفْسي / أنا شايف أنا ساكت / وحابس صوتي بين نفَسي ... // في ناس بايعة / وناس ضايعة / وناس ماشية مع الماشيين / وناس منهم وناس منّا / وناس تانيين / أنا منهم/
أنا تايه مع التايهين / يدوب عارف أنا اسمي / بتوب العِزة متغلف / أبص لصورتي ولْ رسمي / ألاقي الرسم متولف / ملامح شيبة من الأحداث / ملامح طيبة وبتنداس / ملامح حلم بالأفضل / هلاوس رعب مالية الراس / ووسط الزحمة والأفلام / باشوف فيها هموم النيل / واشوف فيها بكا الأهرام / واشوف فيها صراخ وعويل / عيال م البرد شبعانة /
وشوش ف الهم شقيانة / وأم بتبكي علي حالها / لحضن ولادها عطشانة / يامين يروي حنين الأم / يشيل العتمة ويّا الهم / ما تيجوا.. نبني ونعمر / يمين الله......... بلاش الدم.)
يمكن أن يكون الأداء الشعرى عند الحديث عن الوطن يحمل قدرا من الخطابية التى من شأنها أن تفتقد الى الكثير من جماليات الصورة الشعرية التى توفر عليها ديوان (نحن استبقنا الهوى) ، ويمكن أن نشعر أيضا بعين الشاعر الراصدة ، للتحولات الطارئة على شخصية المواطن ، ولأن الشاعر هو ضمير هذه الأمة ، وهو صوتها وحاديها ، وهو الذى تغنى ببطولاتها فى التراث العربى وهو المدافع عنها اذا هجاها من خارج القبيلة شاعر آخر، أى متطاول ، يقف له بالمرصاد ، وكما كان الشاعر "حسان ابن ثابت" يتصدى لأعداء الاسلام ، هنا يتصدى الشاعر لكل الأيادى الخفية التى تحاول بث الفرقة بين أبناء الوطن الواحد ، فنحس معه ببكاء الأهرامات ، وهموم النيل وصراخ وعويل الأولاد البسطاء من البرد والجوع ، وعدم الأمان.
وفى قصيدة المشهد الثانى ( ما بين همين ) يستنهض الشاعر الروح الوطنية ، محاولا اجتذابها من حالات الخنوع والخوف ، وهو عندما يرصد البسمة وهى حبيسة الخندق ، وعند خروجها تصطدم بالمضيق ، نحس به متابعا لحالات الانكسار والظلام الذى تتشح به القصيدة، إلا أنه يمنح قصيدته للطيور فتتغنى بها فى الفضاء الرحب / الميدان ، رمز الثورة ، والروح الأبية .
وفى مشهد 4 (عكز ع الحياة) يقدم صورة بديعة ترتبط بالبحث عن الذات والتوحد بها ، لبعث الامل من الجديد.
عكّز ع الحياة والحي
واسرق م الخطى مسافات
ازرع ف القلوب الضي
وابنِ في حيطان الذات
واركب من هنا للجي
جايز توصل اللي مات
إن قدرة الشاعر على الجمع بين الماضى والمستقبل ، بين ضياع الحلم ، وسعيه لحمل شعلة الأحلام للقادمين من ورائه تجسدت فى هذه الجملة ( واركب من هنا للجى / جايز توصل اللى مات)
فالجملة الأخيرة تعنى أن يصير حلقة من حلقات الكفاح ضد الانكسار والسقوط ، وأن يستكمل طريق من سبقوه على الدرب ، درب السعى نحو حياة كريمة .
إن تنويع الشاعر على حجم المظالم ورغبته الدءوبة فى الحفر بالشعر على الحيطان ، وزرع القلوب بالضياء والحب ، يعد شكلا عميقا من أشكال المقاومة بالشعر.
- اذا كان للعشق أكثر من وجه ، فان ذات العاشق تسعى للتوحد بالمعشوقة ، والكتابة عن البسطاء من أهله ، وكما للعشق حضور فاعل ومؤثرفى معظم قصائد الديوان ، فالموت أيضا يشعرنا بحضوره فى أكثر من مكان ، وعلى اكثر من شكل .
- هو الموت الرمزى الدال ، الانكسارات موت، والخيانات موت، والتفريق بين الحبة موت ، ثمة موت يتجسد كمعادل لكل شئ عجز عن التواجد ، يعد غيابه أيضا موت.
ولو نظرنا لبداية الديوان بقصيدة ( بين حواديت الحياة) حيث يستهل مشوار عشقه وانتهاء بقصيدة خلص الطريق التى تحتفى بالموت ، يشعر القارئ أنه أمام مسيرة درامية لشخصية روائية ، وهذا أيضا من الملامح التى يؤطر لها الديوان عبرآلية توزيع القصائد والهارمونى الذى يشكل البنية الكلية لرؤية هذا الديوان