ا. د. عادل الاسطة - أمهات الأسرى : نقرأ عنهن ولا نقرأ لهن

مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيربما كان عبد الرحمن منيف في روايته " شرق المتوسط " ( ١٩٧٥) أول من لفت أنظارنا إلى ضرورة الكتابة عن السجن لا من داخله وحسب ، وإنما من خارجه أيضا ، فليس السجين وحده من يعاني وحسب . أهله كلهم يعانون أيضا وإن بمقادير ، وربما تكون معاناة الأم هي الأقسى . لذلك عندما كتب روايته ترك أهل السجين يروون ، فروت أنيسة أخت السجين رجب ثلاثة فصول من ستة ، وكان رجب يتمنى لو كانت أمه على قيد الحياة لتروي عن معاناتها بنفسها . لم ترو أم رجب وإنما روى عنها رجب وروت عنها ابنتها أنيسة . [ في قصيدة " براءة " يترك مظفر النواب الأم تحكي عن ابنها ورأيها في من يتبروؤن من أحزابهم ، ولا أعرف إن كانت هناك أم سجين عراقي كتبت شيئا ].
في أكثر الأدبيات الفلسطينية قرأنا عن معاناة الأمهات يرويها أبناؤهم الأسرى ، ونادرا ما قرأنا عن معاناتهن يكتبنها بأقلامهن . قرأنا ما كتبه وليد الهودلي في روايته " فرحة " ( ٢٠٢٠ ) عن فرحة والدة الأسير البرغوثي ، وقرأنا ما كتبه قبله عزت الغزاوي " سجينة " ( ١٩٨٧) ، وربما كانت رواية وداد البرغوثي " رواية البيوت " (٢٠٢١) من الاستثناءات القليلة التي قرأنا فيها عن أمهات يروين تجاربهن بأنفسهن ولم نقرأ عن تجاربهن من خلال أبنائهن .
في سيرته " بائع التذاكر " ( ٢٠٢٦) يكتب وليد دقة عن أمه الحجة فريدة مستخدما أسلوب الرسالة ، ويوجه الخطاب إلى أحفادها . [ لا نقرأ لها . نقرأ ما يكتبه ابنها عنها ] .
يكتب وليد :
" لا أعتقد أن هناك إنسانا طبيعيا لا يحب أمه ، ولا أظن أنني حين أكتب عن أمي بهذا الحب الكبير أجدد لكم شيئا ، لكنني لن أكتب عن أمي بصفتها أما ، وإنما بصفتها مكافحة ومناضلة "
ويعرفنا على جوانب مثيرة ومهمة في شخصيتها تكشفت له بفعل الظروف الخاصة التي عاشها أسيرا وبفعل الحياة التي مرت بها أسرته ،وبينت له جوانب فريدة في شخصيتها .
ويكتب عنها أيضا باعتبارها أما فلسطينية أسهمت في صمود أبنائها وشدت من عزيمتهم ويرسم لها صورة ترفعها إلى مصاف صورة الأم في الأدب العالمي ، بل والسينما العالمية ؛ الأدب الذي قرأ بعض رواياته ، أو السينما التي شاهد بعض أفلامها ، كرواية " الأم " التي تعتبر من الروائع العالمية " وهي قصة تحكي عن أم تنقل الرسائل بين ابنها والمقاومة خارج السجن " .
كان وهو يقرأ مثل تلك القصص ويشاهد تلك الأفلام يشعر أن الأم الفلسطينية ، كواقع وحقيقة نضالية، فاقتها كثيرا " بل لدينا في الواقع الفلسطيني روائع من الأمهات " ويخاطب أحفاد أمه :
" وجدتكم هي رائعة هذه الروائع وسيأتي اليوم الذي توفيهن ( توفوها ) فيه حقهن ( حقها ) وسنكتب عن أمي وغيرها من الأمهات الروايات والسيناريوهات السينمائية التي تحكي قصة كفاحها ومعاناتها كأم ومناضلة " .
يكتب عن أمه منذ طفولتها ويأتي على معزتها الخاصة عند أبيها وعلى زواجها من أبيه وحياتهما معا ونزولها إلى ميدان العمل لتشاركه في إعالة الأسرة ، فقد كانت من أوائل نساء القرية اللاتي كسرن تقاليد المجتمع وخرجن إلى سوق العمل وقد تحدين التقاليد المجتمعية ، وعندما كان يخجل لهذا الخروج كان أحد معارف العائلة ينظر في عينيه مباشرة ويخاطبه :
" خجلان بأمك ؟ خجلان بأمك ؟ خجلان ؟ "
ثم يلتفت إلى ركاب الباص ويشير بإصبعه الطويلة نحوهم ويقول :
" شايف هالخمسين زلمة اللي في الباص ؟ إمك أزلم وحدة فيهم . أوعك تخجل بإمك . هذي المرأة بخمسين زلمة . فاهم ؟ " .
وأمه هنا تذكرنا بأم سعد في رواية كنفاني " أم سعد " (١٩٦٩) . حقا إن " أم سعد " ليست رواية سجون بالمفهوم المتعارف عليه للسجن ، ولكن أم سعد ترى السجن أوسع ، فالعالم كله سجن . [ أيضا هنا نقرأ ما قصه كنفاني على لسان أم سعد ] .
تخرج أم سعد إلى العمل وترضى عن التحاق ابنيها سعد وسعيد بالمقاومة ، وفي سيرة وليد ، نقرأ ما هو أكثر . نقرأ عن إسهامات الأم بالمقاومة ، حيث لا تكتفي بزيارة الابن وتحمل معاناة ذلك ، بل إنها تسهم في النضال بطريقتها ، فتنقل رسائل الأسرى إلى أهاليهم بعد أن تتواصل معهم ، وتفعل أكثر من ذلك .
في مفصل " مقاومة النسيان " يأتي وليد على واقع الأسرى بعد اتفاقيات أوسلو ١٩٩٣ ، إذ لم تنظف السجون منهم جميعهم ، فلم تفرج إسرائيل عن أسرى معينيين بحجة أن أيديهم ملوثة " بدم إسرائيليين " ، ومن هؤلاء الأسرى السجين محمد رجا نعيرات ( أبو رفعت ) الذي أصيب بالزهايمر ، والأسير المصري محمود السواركة ( أبو سميرة ) الذي لم تعترف به مصر أسيرا مصريا ، بحجة أن اسمه لم يرد في قوائم كشوف الأسرى المصريين ، مع أن ستة قرارات طرد إسرائيلية اتخذت بحقه .
يتواصل وليد وأسرى آخرون مع وزارة شؤون الأسرى لتوفير مبلغ من المال للمحامي الإسرائيلي ( أفيغدور فيلدمان ) ليدافع عن الاثنين ، فلا تستجيب " ليس بمقدورنا توفير مثل هذا المبلغ ، فإن وفرناه لأبي رفعت سنضطر أن نوفره لغيره من الأسرى " .
وتسهم الحاجة فريدة بقواها الذاتية بذلك . كانت تتضمن أراضي الزيتون من دائرة أراضي " إسرائيل " بمبلغ زهيد وتجند الإخوة والأخوات والأحباب لقطفه وتقسم المحصول ثلاثة أثلاث : الأول مونة البيت والثاني مونة الإخوة والأحباب ، أما الثالث فهو حصة السجن ، وبعضه توفره لنا زيتا وزيتونا في الحقبة التي سمح لنا بإدخالها ... والجزء المتبقي تبيعه وتحوله لنا " كنتين " - أي إلى الكنتين ." ( ١٢٨) .
وإذا كانت أم سعد شعرت مع الخادمة اللبنانية ورفضت أن تقدم نفسها عليها ، فتحول بينها وبين العمل ، فإن فريدة ترفض أيضا العنصرية ، وهي ترى أن العبادة الحقيقية هي حب الناس .
لم ير وليد أمه يوما تلغي أحدا . كانت صداقاتها واسعة أوسع من دائرة الدين ، فقد كانت لها صديقة يهودية اسمها ( بروريا ) ، من أصل تونسي ، وكانت تستقبل في بيتها أصدقاء أبيه بكثير من الترحاب ومنهم ( رافول ) و ( مئير سابير ) وهما يهوديان .
غالبا ما قرأنا للأبناء يقصون عن الأمهات ونادرا ما قرأنا لهن . ترى كم نسبة الروايات التي كتبتها أمهات إلى الروايات التي كتبها أبناؤهن ؟! وأظن السبب معروف .

عادل الأسطة
الخميس ١٨ حزيران ٢٠٢٦
مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ٢١ حزيران ٢٠٢٦

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...