رشيد مود - إمكانية السرد في الفضاء الصحراوي: اهتزاز، محايثة، وتيار جارف في رواية «الطلح لا يخطئ القبلة» للكاتب بوزيد الغلى

. الصحراء كسطح محايث والعنوان كاتجاه وجودي:
ان السرد المعاصر استطاع أن يخلخل فضاء الصحراء ليس باعتبارها خلفية جغرافية أو مخزونا رمزيا جاهزا ، بل بوصفها فضاءً أنطولوجياً تُعاد فيه صياغة شروط الكتابة ذاتها؛ فمنذ أن انزاحت الرواية الصحراوية نحو كتابةٍ ممكنةٍ تتأسّس على الفجوة بين الرؤية والقول، وعلى ترجيح الأثر قبل المعلومة، والاهتزاز قبل اليقين الدلالي، تجسّد هذا التحول الجذري في رواية `«الطلح لا يخطئ القبلة»` للكاتب الصحراوي بوزيد الغلى (مؤسسة باحثون للدراسات، 2021) ؛ فهي تُنتج الصحراء كسطحٍ محايثٍ يُعلِّق فيه الساردُ الزمنَ والمكان في لحظةٍ تخلق شقوقا في قوانين التمثيل، حيث يصير الشكُّ `خطّ هروبٍ` خالصاً، والجلوسُ على الحافةِ موقعاً للرؤية وتوليد المسار؛ لذلك تُشكّل هذه الرواية هنا مختبراً سردياً يجسّد التحول من النموذج الروائي المعماري المغلق إلى ما يمكن تسميته بـ«رواية التيار الجارف»، حيث تتفكك البنية الخطية التقليدية لتنفتح على سرد اهتزازي متعدد الأصوات، يهتزّ مع الواقع كقناة عبور للقوى الاجتماعية والذاكرة الجماعية.
وتنطلق هذه القراءة من تتبع محايث يرى أنّ `الرواية الممكنة في الصحراء` تتأسس على تمرينٍ مستمرٍ على الصدمة، والصيرورة، والصمت، والحركة غير المضمونة؛ حيث يتحوّل الجسد إلى سطحٍ حيٍّ، والسمع إلى وسيطٍ أوليٍّ للتأثر، والعنوان نفسه بوصلةً وجوديةً تُنتج القبلة كاتجاهٍ يُعاش كصيرورةٍ بدل وجهةٍ مرسومة، مُزيحةً هذه الرواية بذلك سؤال «من البطل؟» نحو سؤال أكثر جذرية «أين تمرّ القوى؟».
. من تمثيل الصحراء إلى اهتزازها السردي: العتبة ونقد التشكيلات الخطابية:
تبتعد الرواية عن السرد الخطّي أو السطح التاريخي الصريح، لتنطلق منذ سطورها الأولى من سطح تأمُّلي يُعلِّق فيه الساردُ الزمنَ والمكان ؛فجلوسُه مفترشاً `«صخرة سوداء داكنة على حافة الجرف الذي نحتته مياه الوادي الخالي إلا من شجيرات الحنضل التي تعاند الزمن والمكان في تحدٍّ سافر لقوانين الطبيعة»` (ص: 3) يفتح السرد على الإزاحة في خرائط التحديد المكاني، و إعلان سردي عن اختيار الهامش موقعاً للرؤية؛ فالحكاية ستُروى من خارج المركز، من فراغٍ إدراكيٍّ يسبق الصدمةَ ويهيّئُ القارىء لتلقّي الحدث كأثرٍ جسديٍّ قبل أن يتحوّل إلى معلومةٍ موثّقة؛ وفي هذا الفضاء الرحب الموحش في آسا على قدم جبل باني، ينهض «الطلح» كاتجاهٍ وجوديٍّ تتحرّك نحوه العينُ الحائرة والجسدُ المائل؛ في تفكيك راديكالي لرمزيته الدينية واحداثياته الجغرافية، فعبارة `«الطلح ما يصد مكافى»` التي يستحضرها السارد بلسان أمّه، اعلان عن بداية التمرين الأول للصيرورة، يُعيدُ تداولَها الرجالُ والنساءُ، التي هي بكل تأكيد نداءٌ حيٌّ يتغيّر لحنُه مع كلِّ سطح إدراكي،يفكك حكمةً مغلقةً أو يقيناً مطلقاً، من اتجاهٍ مضمونٍ إلى تردّدٍ ثمّ إلى أفقٍ مفتوحٍ تلتقطُه بقسوة طبلة الأذنُ قبل أن يفهمَه العقل.
كما تُؤسّس الرواية منذ بدايتها لخطابٍ نقديٍّ خفيٍّ عبر مشهد محافظ المدينة برفقة أتباعه السدج وأعيان القبيلة، الذي يهلّل لـ`«شجيرات البلوط»` متسائلاً: `«كم من حب البلوط تنبت هذه الأرض المباركة؟»` (ص 3-4)، في وادٍ ينبت فقط `«مرارة الحنضل»` والجفاف؛ حيث ينكشفُ تصادمٌ يُعرّي انفصال السلطة عن قراءة الواقع، و يعلنُ رفضَ التمثيل الرسمي للمكان لصالح عيانِ المرارة والصمود في القحط؛ ويتحوّل هذا الاهتزاز إلى فجوة أنطولوجية بين التشكيلات الخطابية واللاخطابية، بين القول والرؤية، بين ما يُقال رسميًا من خطب تنمية ووعود تحديث وانتخابات وطقوس قبلية، وما يُعاش ماديًا من فقر مؤسسي، وجسد يخضع لتعديلات في القدرة على الفعل، وصمت تاريخي كثيف، وجغرافيا ترفض التثبيت؛ ولا تسدّ الرواية هذه الفجوة بسارد مهيمن أو حبكة خلاصية، بل تتركها مفتوحة لتوليد «تراجيديا المحايثة» التي تغرق في اليومي، في اللغة المتلعثمة، حيث " ...الرصاص حاكم .الرصاص قادم الرصاص قاتم، تمتمت ام زياد في أسى..."( ص 7) وفي الجسد الذي يتألم دون أن يجد من يسمعه، حيث يرد في مقطع سردي آخر " بكته امه بكاء شديدا حتى عميت، بكته امه حتى هزلت ،حتى لحبت عاشت بقية حياتها ،مثل تماضر، تشكو الحرب التي أذهبت نور عينيها وذهبت بنوارة قلبها، وحيدها الذي لم تلد غيره .
«نم حبيبي..وماذا أقول؟ »"(ص : 13) .
بهذا التأسيس، تنتقل الرواية من منطق التوثيق إلى منطق الأثر، حيث يحوّل السارد الجسدَ والذاكرةَ (الشفهية: قصص وحكايات .. ) والسمعَ إلى وسطاءَ أوليّين للوجود، ويصير الشكُّ والصمتُ والجلوسُ على الحافةِ تجربةً حدّية تبرز سطوح صيرورات متدفقة، مما يجعل العنوان نفسه جزءًا عضويًّا من خريطة الحركة والتوجّه، بوصلةَ وجودٍ تتّحول فيها الحياةُ نحو المجهول "ترك الدنيا وراء ظهره ....وينتابه قلق حاد على مستقبله الغامض .." (ص:3) لتعيشُه كاتجاهٍ متجدّدٍ في صيرورة مستمرة.
. طيحة أسا: الفوضى الحسية وتعليق الكرونولوجيا:
ينغمس الفصل الأول (`طيحة أسا – 4 يونيو 1979`) مباشرةً في فوضىٍ حسّيّةٍ تتقدّم فيها الأذنُ على العين، والصوتُ على الصورة، فتتداخل الصرخاتُ (`«اصح يا زباد، اصح يا زباد!»` ص 5) مع وابل الرصاص المتقطّع ودوي المدافع (`«فأمطروه بوابل من الرصاص الرصاص يستدعي الرصاص يجيب الرصاص الرصاص يحب الرصاص. الرصاص ..»` ص 8) في تيارٍ إدراكيٍّ يعلق الوظيفة التمثيلية للغة ومجالاً للتفكّر، و يفرضُ استجابةً عضويّةً فوريّة ؛هنا، يفكك السرد السببية الخطية للهجوم كسلسلة وقائع ، محولا أياه إلى تعليقٍ مفاجئٍ للزمن الكرونولوجي؛ إذ تتجمّد العيونُ (`«فرّك عينيه، زال ما علق بهما من أثر نوم عميق...ابصرت عيناه أثر رصاصة...حملق في الثقب...»` ص 5)، ويتقطّع النّفَسُ في الصدر، وتقفُ الأمُّ مشلولةً بين الصمت والصراخ (`«الحمد لله سلمت يا ولدي»` ص 5)، فيصير الجسدُ هو الأثرَ الأوّلَ للحدث قبل أن تتشكّل له كلمات؛ وتتحوّل عبارةُ تكرار الرصاص من زخّرفةٍ بلاغيّةٍ إلى `اهتزازٍ سرديّ` حيٍّ يكسر التناسق النحوي؛ إذ لا تُبنى الجملةُ على رابطٍ سببيٍّ بل على تراكمٍ صدميٍّ يعكس تشظّي الإدراك تحت وطأة المفاجأة والخطر، وكأنّ اللغةَ نفسها تتعثّر أمامَ كثافةِ اللحظة، وتصل إلى حد التعلثم، حيث الوسيلة للدفاع عن اللغة هي مهاجمتها ذاتها؛ حيث يقدّم الساردُ خط الهروبَ ، كقوة تدفعُ الأقدامَ العاريةَ إلى الجري عبر التراب دون وجهٍ محدّد (`«خرجوا بقضهم وقضيضهم من البيت العتيق...»` ص 5-6)، فيصير «الوادي» فضاءً حياً يستوعبُ آثارَ الصدمة ويحوّلها إلى ذاكرةٍ مكانيةٍ تسبقُ السردَ الرسميّ، الذي يجعل «الوادي» فقط مجرد خلفية جغرافية، (الرواية السجنية لبنت الجنرال أوفقير).
وبهذا، تروي الروايةُ وتنقلُ الحدث كأثرٍ إدراكيٍّ مكثّف يمرّ عبر السمع والبصر والجلد قبل أن يصلَ إلى صيرورات متدفقة، مزيحة بذلك «طيحة أسا» كخبرٍ عسكريٍّ أو منعطفٍ سياسيّ،ومؤسّسةً أيضا لخريطةٍ سرديةٍ ترفضُ التمثيلَ الكلاسيكيَّ لصالحِ نقلِ قوى الحياةِ التي تعبرُ الجسدَ كأثرٍ لا كمعلومةٍ؛ حيث الكتابة هنا تغدو «مغامرة صحية» أو «صحة صغيرة» تنبعث من الجرح ذاته، حيث لا يكتب الراوي ليشفي ذاكرته، بل ليصبح ليس طبيب نفسه، بل طبيب أعراض العالم، حيث أعراض الحروب ..كآلات حرب عاتية واستعمارية..." – قومي لقد جن الجزارون بدؤوا اعمال الذبح والسلخ في المسلخ قبل انبلاج الفجر ." ( ص:12) ملتقطًا السارد الحياة التي لم تستقر بعد، ومحولًا الانتظار والفراغ والألم والجراح إلى طاقة عبور و «صحة صغيرة» لا إلى انكفاء أو توقف.
. أطياف الطفولة: الانضباط الجسدي وتدفق الذاكرة:
يتأسّس فصل «أطياف الطفولة (1980-1986)» في رواية «الطلح لا يخطئ القبلة» لبوزيد الغلى على تيارٍ من الذكريات المتقطّعة التي تتوالى كأطياف تتراءى كصيرورة في سيولتها، دافعًا السرد بعيدًا عن الرواية الخطية لمرحلة زمنية مغلقة نحو فضاء إدراكي متشابك تتداخل فيه الأصوات والروائح والأجساد المتألمة في نسيجٍ يشتغل وفق إيقاع داخلي محايث لنبض الذاكرة الجسدية؛ وهنا، تمتدّ تدفقات الطفولة في الاسترجاع النفسي وتمتد إلى فضاءات الرعي في وادي الطلح والسدرة، حيث يتعلّم الجسد إيقاعات الصحراء والماء والظلّ قبل أن يتمفصل بشكل محايث عبر نظام الفصل الدراسي؛ وتتحول الألعاب إلى مختبرٍ أوليٍّ للصيرورات والتشكيل الرمزي للوجود الخام: حيث لعبة العرائس تتقاطع مع محاكاة الجنود، وتُحفظ مصطلحات القطع العسكرية بنفس الخشوع الذي تُحفظ به الآيات القرآنية القصيرة، وتُصنع الدبابات من علب السردين الفارغة كتجميعات مادية (Assemblages) تُعيد إنتاج علاقة الطفل بالسلطة والحرب والاستعمار.
وفي هذا السياق، تشتغل المدرسة كورشة للانضباط الجسدي والرمزي، حيث يتمفصل لسان جديد ويشتغل الصوت المحلّي في هامش الضجيج، ليصير الفصل الدراسي مختبرًا لتعليق الذات في توتر بين طاعة مفروضة وفضول يتدفق؛ وكما يروّج السارد: «لكن المعلم باغتنا قبل أن نحوز بغيتنا، وأنزل بنا العقاب، ضربني أكثر مما ضربه...»، إذ تتدفق الضربة كقوة مادية تمرّ عبر الطفل لتضعه ضمن شبكة أوسع من القوى والأصوات والحدود، التي تجسد الآلة المتصلة بالجسد والأرض والكلمة والسرعة؛ وتترك إصابات "زياد" في فروة رأسه بالحجر ندوبًا مادية تُقْرأ كخرائط وجودية تترك آثار عنف الطفولة والنظام التربوي على الجسد مباشرة، حيث يصير الفصل الدراسي «اقتصاد حافة» يحافظ على صيرورة الاستمرار في منحنى تكثيفه.
وينسحب هذا المنطق الماديّ على تصوير المرض والندرة (الاسعاف: الهلال الاحمر)، الذي يُقدّم هنا كسطح وجودي يفتح الجسد على العالم؛ فالجسد الصحراوي، بصيرورته الخفية والصامتة للمياه والظلّ والبرودة، يتحوّل إلى سطح نشط يترجم شحّ المياه وقصر الظلّ وبرودة الجدران إلى قدرة على الاستمرار في انفلاتها من رؤية فلسفية مسبقة، حيث تتدفق الرغبة بوصفها امتلاءً يفيض، ويطرح السؤال العميق في النص حول «ماذا يمرّ عبري؟»؛ ويتجسّد أكثر في تفكيك التمثيل المركزي بوضوح في أجواء المواسم التي تعبر المقاطع السردية كتدفقات جماعية في تفلتها من الفهم: "أجواء امكار أسا، وامكار سيدي الغازي بكلميم، وامكار تندوف، وامكار سيدي عمرو الاسريري باسرير، وامكار لقصابي"، ويتقاطع كل ذلك مع طقوس القبيلة في زاوية أسا ومشهد "النحيرة" (نحر الإبل) في موسم أيت "اعزى اوهدا"، حيث تشتغل هذه الطقوس كـ «هذيان كوني» ينظم الأجساد والأصوات والروائح في انفتاحها على أبعاد أوسع من اسم فردي أو حكاية عائلية ضيقة؛ وبهذه الصيغة، يتفكّك التمثيل السردي في رصد صيروريّ يثبت أن «الهذيان الكوني» هو تنظيم بلا قانون يمرّ عبر الأجساد واللغات والأزمنة، مقيمًا الوجود على حافة الانفتاح الدائم.
ويتجسد هذا التفكيك أيضًا في شخصية «زياد/السارد»، الذي يجسد ما يمكن ان نسميه «تركيبة الأبله» ككائن محايث للشرخ، يراقب ويتساءل ويمرض وينسحب أحيانًا، مقيمًا في فجوة التعرف الجاهز وكاشفًا هشاشة الأنساق الرمزية التي تفرضها السلطة المركزية أو التراث الجامد؛ وفي هذا الأفق، يشتغل الانسحاب أو التردد كخطّ هروب إبداعي ينفلت من تمركز الذات ويخرج من القوالب الجاهزة، محوّلًا العجز إلى قوة تأليفية والتردد إلى صيرورة متقطعة تتحرك في منحنى مغاير للمسار الخطي للتحقّق الذاتي؛ ويقدم السرد صيرورة تتجلى في التردد السياسي والعزلة الدراسية، حيث يثبت الأبله عجز التمثيل عن احتواء الحياة في كثافتها المتغيرة وتدفقاتها النشطة، وتتعمق هذه العزلة حين ينتقل السرد من فضاء الرعي والمواسم والمدرسة والهلال الأحمر إلى سفر الطفل إلى مدينة كلميم بفضاءاتها المتغيرة، ثم إلى داخلية المؤسسة التعليمية التي تعزله عن نبض الأرض والأهل، لتصير الجدران والأبواب الموصدة أسطحًا مادية أخرى ترسم آثار رغبة مقموعة وذاكرة جسدية متدفقة، في صيرورة تتأقلم وتنتج أشكالًا جديدة من المقاومة الصامتة.
وتمتد هذه الصيرورة من الذات الفردية (الطفل - صيرورة) إلى المشاهد العائلية والتاريخية التي تتكرّر في مقاطع سردية كآثار تمرّ عبر الحس في انفلاتها من الفهم، مما يحول السرد من رواية عن الماضي إلى استحضار لكيفية عيشه في الحاضر الجسدي؛ حيث يطل النص بمشاهد أخرى كغياب الأب، وحنان الأم المشوب بالقلق، ورحلة الأخ بحثًا عن الرزق، وكل هذه المشاهد تشتغل كتدفقات تاريخية وسياسية ومناخية تصوغ صيرورة-الطفل وتنفتح على أبعاد أوسع من ذاته الضيقة، حيث تصير كتابة الطفولة الخاصة عملية إنتاجية حقيقية تكمن في الوصول إلى «طفولة العالم»: كتجربة كونية تمرّ عبر الفصول والصراعات والهجرات والامبراطوريات (المرابطين ...) والأحداث الكبرى؛ ويتجلى هذا بوضوح في واقعة انفجار الألغام أثناء اللعب، الذي أودى بحياة الطفل إبراهيم الراعي، حيث يتحول فضاء البراءة المفترضة إلى نقطة تقاطع عنيفة مع إرث حرب الصحراء والاستعمار الفرنسي الذي امتد ظله حتى موريتانيا والصحراء الكبرى، ليُثبت السرد أن الحرب تعيد تشكيل ذاكرة المكان نفسه بموازاة قتل الأجسام؛ وكما يستحضر الراوي: «فجعنا ذات ظهيرة من تلك السنوات العجاف التي أحسسنا خلالها، ونحن صغار، ألا ناقة لنا ولا جمل في الحرب ومخلفاتها...»، إذ يرصد السارد «الطفل الذي يمثل العالم كله في لحظة إدراكه المباشر»؛ وفق بنية سردية تعكس هذا المبدأ بوضوح، في مقاطع متقاطعة وذكريات تتدفق كتيارات في انفلاتها من تفسير مركزي، محققة فكرة أن الكتابة عن الطفولة هي استقبال للتدفقات الحسية والوجدانية التي تعبر الإنسان.
ويدمج النص الروائي الانضباط الجسدي وتدفّق الذاكرة المتقطّع وصيرورة "الأبله" مع أفق واسع حول الرغبة والهذيان الكوني، حيث يتحوّل فصل "أطياف الطفولة" إلى خريطة لآلة إنتاجية لرغبة تصنع اتصالًا وتنتج تدفقات وترسم مسارات عبر الجسد والأرض واللغة؛ أما الألعاب العسكرية، والمواسم، ونحر الإبل، والعزلة الدراسية، وصدى الألغام، وكل ذلك يشتغل كـ «آلات إنتاج لاشعورية» تعيد تشكيل العلاقة بين الطفل والتاريخ والفضاء؛ ذلك أن الطفولة هنا تُكتب كتدفّق كوني عابر للذوات، والسارد يصبح قناة لرغبة تمرّ وتُنتج وتترك أثرها في نسيج الكون؛ وبذلك تغدو الرواية «اقتصاد حافة» صيروريًا، حيث الرغبة حياة، والطفولة عالم، واللاوعي فضاء نمرّ به ونمرّ عبره، كما تمرّ الرياح عبر الطلح الذي لا يخطئ قبلة الأرض في الصحراء، حاملًا معه أصواتًا وجروحًا وصمتًا يتراكم كمواد أولى لكتابة قادمة، حيث يتعلم الراوي أن البقاء هو قدرة على التنفس داخل الفراغ، وتحويل ندوب الرأس وصدى الألعاب وانفجارات الألغام إلى خريطة وجودية لا تخطئ قبلة الأثر بكثافته.
. على شفا الجماعة: الضبط الداخلي وصيرورة التشكك:
يُوظّف فصل «على شفا الجماعة (1986)» عتبةً دلاليةً متوترةً، تزيح جانبا فكرةَ استعادةِ توازنٍ روحيٍّ أو انتصارٍ معرفي، حيث تتجلى كفضاءٍ تتداخل فيه صيرورات الرغبة عبر التحرر من الانتماء مع آلياتِ الضبطِ الداخليّ؛ وتتحوّلُ بذلك منطقةُ «كلميم» ومحيطُها الصحراويّ (تيغمرت...) إلى مختبرٍ هجينٍ «لا مدينة ولا قرية»، يفضي ذلك ويُنتجُ تصدُّعَ النسيجِ القبليّ وانزياحَ الهويةِ بين عراقةِ المكانِ الحسانيّ وحداثةٍ مستوردةٍ في طور لم يكتمل ؛ ويبدأ هذا السطحُ بعودةِ صديقِ الطفولةِ «علوان» من «تيغمرت» بزيٍّ أبيضَ وهيئةٍ متديّنةٍ، لتُشكّلَ هذه العودةُ، بما يخلق لقاءَ الصداقةِ بينه وبين "زياد/السارد"، إعادةَ تمفصلٍ لخطابٍ يُعيدُ رسمَ حدودِ الانتماءِ عبرَ تصنيفٍ فقهيٍّ يُدرجُ الممارساتِ المحليةَ ضمنَ خانةِ «الجاهلية»، في حين يحاولُ الراوي خلقَ موضعٍ مؤقتٍ لاستمراريةِ الثقافةِ الحسانيةِ بوصفها فضاءً بيئياً وتاريخياً مركّباً. هنا، يخلخل النص مفهومُ الانتماءِ للجماعةِ كونه خلاصاً فردياً ليتجلى بوصفه «مشروعَ طاعةٍ جماعيّ» تُنظَّمُ بهِ الأرواحُ كما تُنظَّمُ الملفاتُ الإداريةُ، حيث ينكشفُ لاحقاً «برنامجُ التربيةِ» الذي يحوّلُ الممارسةَ الروحيةَ إلى جدولٍ زمنيٍّ مؤسّسيٍّ مقسَّمٍ بين صلاةِ الفجرِ، وصيامِ الاثنينِ والخميسِ، وحلقاتِ التفسيرِ ومجالسِ الذكرِ، و«حراسةِ» اللباسِ والهيئةِ الخارجيةِ، مما يُعيدُ تشكيلَ الجسدِ في سياقِ قوى متعارضةٍ وتدفقاتٍ متشابكةٍ تتجاوز الاستقرار في هويةٍ أو موقفٍ نهائي.
ويتجسّدُ هذا التنظيمُ عضوياً وحسيّاً في ثقلِ «الطاقية البيضاء» على الرأسِ، وصقيعِ «البرودةِ» في أطرافِ الأصابعِ أثناء قيامِ الليلِ، و«ثقلِ الأرقامِ» التي تُستبدلُ تدريجياً بالأسماءِ، واللجانِ التي تحلُّ محلَّ الروابطِ الإنسانيةِ، حيث يتمظهر الشكُّ بوصفه انزياحاً تنظيمياً يتحول إلى بنيةٍ لغويةٍ؛ ومن تطورَ ذات زياد نحو وعي أعلى إلى نقطةَ عبورٍ لقوى متعارضةٍ وتدفقاتٍ متشابكةٍ تزيح أي استقرار في هويةٍ أو موقفٍ نهائي؛ وفي هذا الفضاءِ، تنتقلُ اللغةُ من خطابِ الإيمانِ إلى خطابِ الإدارةِ، فتنزاح العباراتُ التي تردّدُها جلساتُ التربيةِ عبر الدعوةَ إلى تأمّلٍ أو محاسبةِ ذاتٍ مفتوحةٍ لتُصاغَ عبر عملية «العزلِ عن المؤثراتِ الخارجيةِ» و«طاعةِ النقيب/الشيخ/الإمام» و«حمايةِ الطريقة/المنهاج النبوي»، مما يحوّلُ الممارسةَ الدينيةَ من تجربةٍ روحيةٍ قابلةٍ للنموِّ إلى نسقٍ إجرائيٍّ يُعيدُ إنتاجَ السلطةِ ضمنَ إطارِ القداسةِ. ويمتدُّ هذا التحولُ ليشملَ التقابلَ المكانيّ والرمزيَّ الذي يتجلى في التردّدِ بين المسجدِ العتيقِ والمسجدِ الجديدِ، والجدلِ حول استخدامِ «التيمم» التقليديِّ مقابلَ الماءِ من الصنبورِ العصريِّ، والذي يحوّلُ الطهارةَ من ممارسةٍ فقهيةٍ مجرّدةٍ إلى ساحةِ تقاطعٍ بين الحرفيةِ الدينيةِ والضرورةِ المعيشيةِ ؛فيما يتحوّلُ اللونُ الأبيضُ في خطابِ الصديقِ "علوان" إلى علامةِ امتثالٍ وتوحيدٍ بصريٍّ، مقابلَ دلالاتِ الأزرقِ والأخضرِ بصفتهما ألواناً متجذّرةً في اللسانِ الحسانيِّ، ومرتبطةً بالبيئةِ الصحراويةِ والذاكرةِ القبليةِ المتوارثةِ، ليصبحَ الجسدُ حقلَ دلالاتٍ رمزيةٍ يحاولُ الخطابُ الوافدُ إعادةَ ضبطِه عبرَ ضوابطَ مرئيةٍ، في مقابلِ فتحٍ ضمنيٍّ لإمكاناتِ الجسدِ بوصفه حاملاً لآثارٍ بيئيةٍ واجتماعيةٍ تحتفظ بخصوصيتها ضمن سياقِها الحيّ.
ومع تصاعُدِ هذا التنظيمِ الداخليّ، يبدأُ الراويُ في رصدِ أولى علاماتِ التصدُّع؛ مزيحاً التمرّدَ الصريحَ ليتمظهر بوصفه «صمتاً داخلياً» يتّسعُ مع كلِّ قرارِ فصلٍ أو توجيهٍ يُتَّخذُ بـ«اسمِ اللهِ» و«حمايةِ الطريقة»، حتى يغدو الشكُّ اللغةَ الوحيدةَ التي تحتفظ بخصوصيتها خارج مصادرة الجماعة أو ترقيمها. وهنا، تتبلورُ «تركيبة الأبله»، بوصفها بنيةً سرديةً ووجوديةً تتجاوز السمةَ النفسيةَ لتجسّدَ صيرورةً مؤجَّلةً تتنفسُ في فضاءِ الجنوبِ المعلقِ بين تفكُّكِ البنيةِ القبليةِ وتعثرِ الحداثةِ المستوردةِ؛ حيث تنجرف الصيرورةُ بدلاً من الاختيار، ويؤجَّل المصيرُ بدلاً من بنائه، ويكتمل التصدّعُ في كونه قد حدث مسبقاً في صيروراتٍ تنتجُ في فضاءٍ ينزاح فيه الفهمَ أو الحسمَ، ليصبحَ الراويُ شاهداً محايثاً على فضاءِ "ما لم يحدث أبداً"، يكتبُ من قلبِ الفقدانِ متجاوزاً فكرةَ التعويضِ عنه، ويحوّلُ بذلك النسيانَ من ضعفٍ إلى بنيةٍ سرديةٍ تتجاوز إمكانيةَ الاستعادةِ، ويجعلُ الندمَ ينبني على اللافعلِ بدلاً من الخطأِ.
وبناءً على ذلك، يصبح السرد في فصلُ «على شفا الجماعةِ» انزياحا عن كونه مجرد استعادةَ عافيةٍ روحيةٍ أو حلاً أيديولوجياً، ليتجلى بوصفه بنيةً محايثةً للتصدّعِ؛ صيرورةٍ تنبثقُ من داخلِ الانكسارِ ذاتِه، وتتخذُ من الجرحِ فضاءً للإنتاجِ الدلاليِّ المستمرِّ متجاوزةً انتظارَ حكمٍ متعالٍ أو وعدٍ بالالتئامِ؛ فالجنوبُ هنا يتجاوز كونه جغرافيا تُوصَفُ ليصبح صيرورةً هشةً تستفهَمُ، وفضاءَ انفلاتٍ يخلقُ شكلاً سردياً جديداً يتنفسُ من الانقطاعِ، ويتكلّمُ بلغةِ المفارقةِ والسخريةِ؛ وتُوظَّفُ الرموزُ المكانيةُ (المساجدُ، الحماماتُ، المدارسُ، المقابرُ، رحبة زرع، رحبة الطين..) كخرائطَ ترسيمٍ تجسّدُ حالةَ «البرزخِ» التي يشيرُ إليها العنوانُ، بينما يُثري التناصُّ الثقافيُّ حضورَ الشعرِ الحسانيِّ، والأمثالِ، والدلالاتِ اللونيةِ، والممارساتِ اليوميةِ خريطةً سرديةً تُزاحُ بها الأحاديةُ، وتُخلقُ تجميعاتٌ متحولةٌ مركّبةٌ تفكك الاختزالَ والثباتَ.
ختاماً، يظلُّ فصلُ «على شفا الجماعةِ» نصّاً يُجسّدُ تجميعاتٍ حيةً للتحوُّلاتِ الصحراويةِ/الحسانيةِ في لحظةِ تشكُّلٍ معلقةٍ، في فضاءٍ يتجاوز العودةَ إلى القبيلةِ أو الوصولَ إلى الحداثةِ، ليتجلى ككتابةٍ من الشفا، من الحافةِ والحدّ، عبرَ كائنٍ أعزلَ تحميه صيرورةٌ مؤجَّلةٌ فحسب، ولغةٍ تتجاوز الطمأنينةَ لتشقَّ الجرحَ وتكشفَ عن إمكاناتٍ سرديةٍ لم تتشكّلْ بعد، لكنها حاضرةٌ في كلِّ تأجيلٍ، في كلِّ ندمٍ، وفي كلِّ كلمةٍ تُقالُ ثم تُنسى، لتكونَ الروايةُ فضاءً لإزاحةِ التمثيلِ الجاهزِ، وتحولاً وانفلاتاً جمالياً من صمتِ المراكز.
. أمواج الجماعة وعتبة الولادة: التردد الداخلي وخط الهروب الصامت:
يُشكّل الفصلان الرابع «أمواج الجماعة» والخامس «على وشك الولادة من جديد» في رواية بوزيد الغلى حقلين تدفقيين متجاورين، تتآلف فيهما شدات الانتماء الجماعي مع آليات الضبط الداخليّ، لتتجلى الجماعة لا ككيان مُغلق أو ملاذٍ ثابت، بل `«تجمُّعاً»` تسري فيه تموجات الشك كتيارٍ خفيٍّ يعيد تشكيل الذات من الداخل في صيرورة مستمرة. ويتجلى هذا التداخل في فضائي إعدادية تيغمرت وثانوية باب الصحراء بكلميم خلال ثمانينيات القرن العشرين، حيث تتحول المؤسسة التعليمية من حقلٍ للتعليم إلى فضاء لانزياح الخطابات، وساحةَ تعبئةٍ تتدفق فيها البدائل. وعنوان «أمواج الجماعة» لا يقتصر على الوصف الاستعاري للحركات الطلابية، بل يمتدّ ليصير تعبيراً عن شدة الحركة نفسها: موجاتٌ من اليقين والانتماء تتقاطع مع تياراتٍ من الريبة والانزياح، تاركةً وراءها رواسبَ عميقةً تشكّل ضفافَ تجميعات جديدةٍ قيد التشكّل.
في قلب هذا السياق، يتقاطع مسار السارد / زياد مع مسار صديق طفولته علوان في منطقة تجاور وتدفق، حيث يخترق علوان التجمع مبكراً فيتحول لسانه ومرجعيته ونمط حياته، ويظلّ السارد/ زياد في موقع التلقي المتأنيّ والمراقبة التي تسأل قبل أن تنتمي، محافظاً على تموضعٍ متغير. ويرصد النصّ أن التحول الأيدلوجي في الوسط الطلابي عمليةٌ تراكميةٌ تبدأ بلغة وطقوسٍ ومرجعيةٍ، وتنتهي بموقف، حيث يشتغل الإقناع عبر الانتماء العاطفيّ والشعور باليقين الجماعيّ. وتصبح الصداقة حيزاً للرنين الحسي-الفكري، حيث يتحول الحوار إلى اختبارٍ للانفلات ومساءلةٍ لليقين، وكشفٍ عن التوتر الدائم بين الانتماء الشخصي والفكريّ. هنا، يتحول السمع إلى إيقاعٍ جماعيٍّ يعزل الفرد داخله؛ فالهتاف المتكرّر، وصمت الراوي وسط الحشود، وثقل النصّ بين الأصابع، كلها تترجم التجربة إلى أثرٍ عضويٍّ يمرّ عبر الجسد قبل أن يُعقلَن. وتتشكل هذه الصيرورة عبر آلياتٍ متشابكةٍ تبدأ بالقراءة الخفية للكتيبات والمذكّرات خارج المقررات الرسمية، التي تُنقل سرّاً لتصبح فعلاً مقاوماً يفتح مسارات جديدة. ثم تنتقل من التنظير إلى الممارسة عبر الإضرابات والمواجهات، لتتجلى الأيدلوجيا كموقفٍ ماديٍّ وثمناً يُدفع ومسؤوليةً تُتحمل.
ومع ذلك، لا يستمرّ الراوي عبر الذوبان الكليّ في الموجة الجماعية، بل عبر تردّدٍ داخليٍّ يحافظ على تموضعٍ متغير؛ فالشك هنا `«خطّ هروب»` يبدأ من داخل الصمت، من اللحظة التي يتوقف فيها الجسد عن التكرار الآليّ ليصير سطحَ نشطٍ يكثف ويقيس شدات الوعد الجماعيّ. ويصوّر الفصل توزع التلاميذ والطلبة بين تجميع «جماعة الإصلاح» والتيار اليساري كظاهرة تدفق جماهيري، حيث يشتغل كل تجميع بتردد خاص: خطاب الجماعة يعتمد على المرجعية الدينية ومقاومة التغريب، ويجذب عبر اليقين والشعور بالرسالة، بينما يرتكز الخطاب اليساري على مفاهيم العدالة الاجتماعية والتحرر من الوصاية، ويجذب عبر النقد والحلم بالتغيير. ويقف زياد بينهما كسطح تسجيل لتدفقات متجاورة، حيث يرصد النص آليات اشتغال كل تجميع دون انحياز، مُبيناً كيف يميل اليسار نحو تفكيك البنى والقطيعة، بينما يميل الإسلام الطلابي نحو إعادة التمركز في أطر تنظيمية. فتتشكّل الصيرورة عبر رفض الانصهار الكليّ، والتمسّك بعقلٍ نقديٍّ يتجاور مع الانتماء في حالة تغير مستمر.
في الفصل الخامس، يتخلّى الراوي تدريجياً عن تموضع «الأنا» الثابت ليُطلق في داخله `«الصوت الثالث»` أو `«الشخص الثالث»`؛ صوتٌ يلاحظ ويفكّك سلطة التمثيل من الداخل، مما يحوّل السرد من خطابِ انتماءٍ إلى همسٍ فرديٍّ يتحرر من رهان اليقين. وتتحول اللغة من أداةِ نقلٍ عقائديٍّ إلى سؤالٍ مفتوح، إلى فراغٍ دلاليٍّ تتسرّب منه العبارات الجاهزة لصالح صمتٍ صيروري يحتفظ بكلّ ما مرّ. وتبدأ اللغة في الانزياح التدريجيّ من الخطاب الدعويّ إلى الإداريّ، لتصير الكلمة سطحاً يفصل بين الطاعة والريبة، في ما يشبه `«آلة حرب»` أيديولوجية تشتغل على تنقية التجمع وعزل الشوائب الفكرية. ومع ذلك، تتقاطع هذه الصيرورة مع تصور الذات كـ«تيار لا عضوي»، والهامش كتجربة حدّية لخطوط الانفلات، حيث لا مركز ولا هامش ثابت، بل جريان مفتوح يمرّ عبر الجسد والذاكرة والفضاء. وتغلق الرواية دائرة التجربة الطلابية لزياد مقدّمةً صيرورة في طور التشكّل تعترف بالتردد والخوف والانجذاب، مما يجعلها نصاً تكوينياً يستوعب كيف تتحول المدرسة إلى مختبر صيرورة، والأيدلوجيا من خطاب خارجي إلى تجربة داخلية.
فلا يقدم النصّ صيرورة زياد كـ «انتماء نهائي»، بل كـ «مسار مفتوح على السؤال»، مجسّداً في عنوانه فكرة أن «الأمواج» تأتي وتذهب، لكن الرمل الذي تتركه وراءها هو الذي يحدّد شكل الشاطئ الجديد. وبذلك، تظلّ الكتابة احتضاناً للشدات كشرطٍ للإصغاء وللتحوّل. حيث لا يظهر الخروج من الجماعة كتجاوزٍ أخلاقي، بل كتفكك لتجميع سابق وانبثاق تجميعات جديدة تعيد توزيع العلاقات بين الجسد واللغة والرغبة والذاكرة. ويظلّ زياد سطحاً لتدفق القوى التي تتشكل قابلة للتحول والنقد، محقّقة عمقاً سردياً وجدوى أدبية تكوينية تلامس أسئلة الفضاء التعليمي المعاصر، حيث لا مركز ولا هامش ثابت، بل جريان مفتوح يمرّ عبر الجسد والذاكرة والفضاء، ليصير الصمت حارساً لكلّ ما مرّ، والكتابة احتضاناً للجرح كشرطٍ للإصغاء للتحول.
. خارج الجماعة، فوق أديم الصحراء: الصيرورة كأفق مفتوح:
يختتم فصل «خارج الجماعة، فوق أديم الصحراء» مسارًا غير مكتمل، يتجاوز لحظة حسم أيديولوجي أو مصالحة نهائية مع الذات، حيث يفتح السرد على سطح جديد تتفكك فيه التجميعات السابقة لتفسح المجال أمام تشكل علاقات أخرى بين الجسد والذاكرة والمكان واللغة. يتعلق الأمر هنا بتحول ذاتي يتجاوز خروج الذات من وهم إلى حقيقة، أو من ضلال إلى وعي، إلى تحول يعيد رسم خريطة القوى التي كانت تنظم التجربة وتوجه تدفقاتها؛ في هذا الأفق تتجلى سنة 1996 كعلامة تتجاوز نهاية مرحلة وبداية أخرى، أو لحظة نضج أو اكتمال، إلى نقطة انعطاف تتغير فيها سرعات التدفقات التي تعبر السارد ؛مشكلة فضاء زمنيا متقطعا تقرأ فيه الأحداث بوصفها تحولات في أنماط الارتباط والتجميع؛ حيث تتراجع بعض الوصلات وتظهر أخرى، وتتغير مواقع الجسد داخل شبكات الرغبة واللغة والذاكرة.
ولذلك يظهر «الخروج من الجماعة» كتفكيك لتجميع سابق كان ينظم العلاقات بين الأجساد والخطابات والطقوس والإيقاعات اليومية، وكتشكل لتجميعات أخرى ترسم بسيولة لا تمتلك مركزًا ثابتًا ولا غاية نهائية. تنتج الجماعة و مغادرتها في حالتين متتاليتين كلتاهما من حالات إنتاج الحياة وتوزيع القوى داخلها؛ لذلك يتحول "أديم الصحراء" في هذا الفصل إلى سطح محايث لتسجيل الآثار. فالأرض العارية تظهر استمرارية الحياة في مستوى الظواهر والتدفقات المباشرة ، و تكشف أن الحياة لا تحتاج إلى عمق ميتافيزيقي لكي تستمر؛لأن ما يهم السرد ليس البحث عما يوجد خلف التجربة، بل ملاحقة ما يمر عبرها: الأصوات، والذكريات، والندوب، والترددات الدقيقة التي تتركها السنوات على الجسد.
ومن هذا المنظور، يتحول الشك من أزمة معرفية أو مرحلة انتقالية في طريق اليقين، إلى نمط من أنماط العيش داخل التعدد؛ منتجا القدرة على إبقاء التجربة مفتوحة أمام إمكانات جديدة. ولهذا ينتج الشك تكاثرا في المسارات؛ بدون حسم لا يفضي إلى جواب نهائي، بل إلى إعادة تركيب متواصلة للعلاقات التي تربط الذات بالعالم؛ لذلك تتخلى اللغة تدريجيًا عن وظيفة التفسير والتبرير، لتصبح مجالًا لالتقاط الحركات الدقيقة للصيرورة الجارية. حيث تشتغل الكتابة كآلة حساسة تسجل تغير الكثافات التي تعبر الأجساد والأمكنة والأزمنة، بعيدا عن إصدار أحكام على الماضي أو تصحيح مساراته ؛وهكذا تتحول الذاكرة من أرشيف مغلق إلى تدفق مستمر، وتصبح الكتابة نفسها جزءًا من الحركة التي تصفها.
وتظهر الصحراء، في هذا الفصل، كفضاء املس مفتوح يسمح بتكاثر خطوط الهروب وإعادة توزيع الاتجاهات. وتشتغل كوسطً تتقاطع فيه القوى وتتشابك فيه المسارات دون أن تستقر في مركز أو هوية نهائية؛ لذلك تستمر الرواية في إنتاج الحركة نفسها عبر التحول ، حيث تعاش الحياة كصيرورة مفتوحة ، تتغير مع كل اتصال جديد ، ومع كل أثر يتركه الجسد على أديم الصحراء، ويغدو الخارج مجالا لتكاثر الإمكانات، حيث تبدع الكتابة وتشتغل مشاركة في إنتاج العالم من جديد.
. الاتجاه كصيرورة لا كوجهة:
تتوزع رواية "الطلح لا يخطئ القبلة" للكاتب بوزيد الغلى في حقل من التوزيعات المستمرة للعلاقات بين الجسد والذاكرة والمكان واللغة، دون أن تستقر في يقين يُغلق المجال أو يحل محله؛ فالنص لا يطرح حقيقة بديلة، بقدر ما يفتح فضاءً لتوزيع العلاقات؛ حيث تتحرك الصحراء كوسط حامل للقوى والتأثيرات والاهتزازات، لا كموضوع يُحاط به سردياً؛ حيث يتشكل الطلح في النص كنقطة اتجاه تتبدل بتبدل الحركات، متحررة من ثبات الدلالة الرمزية، وتتأسس القبلة كتوتر دائم يربط بين إمكانات العبور المتعددة، بعيداً عن أي غائية؛ وفي هذا السياق، لا يُموضع الشك كمسار نحو اليقين، بل يتجلى ككيفية من كيفيات الإقامة في قلب التعدد، حيث تتجاور المسارات في تراكب لا يذوب في مركز.
وتُقرأ تجربة "زياد/السارد" كسلسلة من التحولات المتواترة التي تعيد تشكيل التجميعات التي يعبر منها الجسد والرغبة والذاكرة، في اتصال مستمر يوزع الحالات دون حصرها في ثنائيات؛ فكل حالة تتصل بما يجاورها في شبكة علاقات متجددة، دون أن تلغي ما يتصل بها؛ ولا تتجه الرواية نحو مصالحة أو خلاص، ولا تنتج هوية خالصة، بل تستمر في خط حركتها الخاص؛ تتخذ الصحراء في هيئة سطح مفتوح لتكاثر الآثار والاتجاهات وخطوط الهروب، متحررة من وظائف التطهير؛ وهكذا تشتغل الكتابة كحدث يشارك في إنتاج الواقع، حيث يتحول السرد إلى ممارسة للصيرورة؛ وبهذا المعنى، تظل الرواية مفتوحة على ما هو قيد التشكل، لا بانتظار نهاية، بل بجعل الحركة شكلها الأساسي، والتعدد شرطها الجمالي، والمحايثة أفقها السردي.

*المتن: الغلى بوزيد. رواية :الطلح لايخطىء القبلة ، مؤسسة باحثون للدراسات،الأبحاث والنشر والاستراتيجيات الثقافية.(2021) .
* المراجع باللغة العربية :
1.رشيد مود .رواية الصحراء : نحو رواية ممكنة - تفكير نقدي في الهامش والاهتزاز السردي. مؤسسة الموجة الثقافية للنشر والطبع.2026.
*المراجع باللغة الفرنسية :
1. Deleuze, G., & Guattari, F. *L'Anti-Œdipe. Capitalisme et Schizophrénie (1)*. Paris: Les Éditions de Minuit (1972).
2. Deleuze, G, & Guattari, F. *Mille plateaux. Capitalisme et Schizophrénie (2)*. Paris: Les Éditions de Minuit (1980).
3. Deleuze, G. *Foucault*. Paris: Les Éditions de Minuit (1986).
4. Deleuze, G. *Critique et Clinique*. Paris: Les Éditions de Minuit (1993).
5.(1983-1985). Ricœur, P. Temps et Récit (3 tomes). Paris: Seuil

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...