أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٦ حزيران من كل عام

١
شيء ما يسر الخاطر .. شيء ما يسوء الخاطر :

هذا الصباح وأنا دالف إلى الجامعة شعرت بسرور بالغ . ما الذي أدخل السرور إلى قلبي ؟
طبعا بركة الماء ونوافيرها وماؤها الأصفى من مياه بركة المتوكل في قصيدة البحتري . لو كنت شاعرا لربما كتبت قصيدة ولكن ..
ما الذي ساء الخاطر إذن في لحظات ؟
ما إن انتهيت من طباعة أسئلة الامتحان ورجعت إلى مكتبي قافلا ، حتى رأيت أحد الطلاب الجالسين على مقعد يرمي بعقب سيجارته على الأرض ، ولانني أحيانا لا أتركها تمر فقد بادرته قائلا :
- لو كنت في بيتكم هل كنت ستفعل هذاو؟
الشاب \ الطالب لم يكن قليل أدب ، فقد قال لي إنها وقعت سهوا وأنا لم أنته بعد من تدخين السيجارة .
هل الآمر يقتصر على الطلاب أم أن بعض الأساتذة يفعلون الشيء نفسه ؟
مرة كنت أحاضر في الأكاديمية - أنا محاضر في الحرمين لا خادم الحرمين - وقد اقترب مني يومها محام يواصل دراساته العليا وأخذ يتحدث معي .
ما إن انتهى من تدخين سيجارته حتى ألقى بعقبها على البلاط اللامع النظيف وفركها بحذائه .
قال لي ظالم المعلم :
- أنا أساعد بعض معارفي وأحيانا كثيرة أتردد في مساعدتهم ، لأنهم يحرقون نقودهم على السجائر ، فلماذا أساعد من يحرق نقودي ؟

صباح الخير يا وطن و .. صباح الخير يا جامعة ال ...
٢٠١٢

٢
عمان صباحا .... جامع الحسيني :

سوق خضار يبدو مازال غافيا
أبواب مسجد مغلقة
بقايا عمال ، ربما ، يبحثون عن فرصة عمل
نوافير مهملة ، ولا ماء فيها

وأنت

وأنت تجول تتجول تلتفت هنا أو هناك
هل رايت متشردين يفترشون الرصيف ؟
الثامنة فجرا ، ربما كانوا هنا ، ربما
عمان صباحا .
جامع الحسيني نائم ورواده ، الآن ، في منازلهم أيضا نائمون

سوق خضار ما زال قائما وغافيا وربما

بقايا خضرة
بقايا مكان ، وأنت .. أنت تبحث عن نافورة ماء ، عن حنفية ، ولكنها....

كلنا صرنا صدئين
مبنى الجامع ، وسوق الخضار هناك وأنا .. هنا صديء ، وأيضا هناك
والحياة تستمر منتصرين أو متهمين .
٢٠١٤

٣
أدب العائدين :
صورة اليهود:الواقع والمتخيل : المقالة العاشرة عن أدب العائدين ) :

كنت في كتابي " أدب المقاومة : من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " ( 1998/2007 ) توقفت أمام صورة اليهود في نصوص مرحلة السلام ، ودرست الموضوع في أدب المقيمين والعائدين والذين ظلوا في المنفى ( أحمد حرب وأحمد رفيق عوض/يحيى يخلف وزكريا محمد/توفيق فياض ) وخصصت مقالة طويلة لمحمود درويش ظهرت في الكتاب نفسه وعنوانها : " محمود درويش : بين ريتا وعيوني بندقية " ، ولم أنقطع عن متابعة صورة اليهود في النصوص التي صدرت بعد صدور الكتاب في ( 1998 ) وقد صدرت كتب عديدة : روايات وقصص قصيرة ودواوين ونصوص نثرية ، لم يخل أكثرها من الإتيان على الآخر : اليهودي / الإسرائيلي /الصهيوني . وقد أتيت في مقالة اﻷسبوع الماضي على ما ورد في أدبيات السواحري ومريد البرغوثي ومحمود شقير ، ولم يخل اﻷمر من جدل مع بعض اﻷدباء ممن كان لهم رأي فيما كتبته ، بخاصة القاص والروائي محمود شقير الذي كنت أتيت على قصته " شاربا مردخاي وقطط زوجته " وتوقفت أمام ظاهرة لافتة ، وهي أن سارد القصة - ويفترض أنه محمود شقير نفسه ، ما دام لا يوجد فيها ما ينفي أنه ليس هو_سارد القصة العليم / الآله يعرف عن اﻷسرائيليين أكثر مما يعرفه اﻷسرائيلييون عن الفلسطينيين ، فمردخاي كما يقول السارد : " ليس آلها لكي يعرف ما تخفيه سرائر الفلسطينيين " في حين يبيح هذا السارد لنفسه أن يدخل غرفة نوم مردخاي ، ويعرف ما جرى فيها تحت اللحاف.ولما استغربت هذا أجابني محمود شقير : إن اﻷمر يقوم على أساس التواطؤ بين الكاتب والمتلقي . وذكر لي عنوان رواية فازت بنوبل ساردها سارد عليم .
وأنا أتابع صورة اليهود في الأدب الفلسطيني كنت امايز بين أدب كتبه أدباء أقاموا في فلسطين وعرفوا اليهود ، وآخرين كتبوا عن اليهود ، دون أن تكون لهم صلة بيهود ، ذاهبا إلى أن هناك فرقا في الصورة ، حتى بين كاتبين ينطلقان من منطلق واحد وماركسي . فما من شك أن من يكتب عن تجربة معيشة تختلف كتابته عمن يكتب عن تصورات ذهنية ، ودرست سميح القاسم ( حيفا ) و أفنان القاسم ( باريس ).
في ذهني الآن كاتبان اثنان هما محمود شقير ومحمود درويش ، وكلاهما عرف الإسرائيليين والتقى ببعض أفراد منهم وحاورهم ، بل إنهما كانا لهما أصدقاء يهود وهما يأتيان على هذا في كتبهما ومقابلاتهما وحديثهما .

ثقرؤون البقية في اﻷيام الفلسطينية اﻷحد بتاريخ 28/6/2015

٤
26/6/1967

( حزيران الذي لا ينتهي ) 22

( تشوش الذاكرة )

( كله بليرة يا خواجة ) :

كل شيء غدا قابلا للبيع . هزمنا وجاؤوا . ماذا سيفعل الناس . أفواج الإسرائيليين تغزو مدن الضفة . ال ( باصات ) وال( تركات ) ، وهم يأتون جماعات جماعات ، والناس تريد أن تبيع ( كله بليرة يا خواجة ) . الاسكيمو( ارتيكا توف ) والعلكة ومطبقيات الأعراس .
في تلك الأيام انتقلنا من المخيم إلى المدينة ، وأقمنا في غرفتين لزوج خالتي . ربما هو الخوف الذي جعلنا نعود إلى المدينة ثانية ، وربما هو الاشتباكات الليلية ، وما ينجم عنها .
في النهار كان الأمر عاديا . كل شيء عادي ، وفي الليل يبدأ الرصاص يلعلع .
كانت خالتي تحتفظ بهدايا الأعراس ، من مطبقيات ، وكان لديها كم كبير منها . كلما حضرت عرسا احتفظت بالمطبقية ، وجاء أوان بيعها . و سأجد نفسي في شوارع نابلس ، وعلى دوار المدينة ، وقرب المشفى الوطني . سأجد نفسي اصرخ مع الصارخين ( كله بليرة يا خواجة،كله بليرة ) ، وكان ثمة من يسخر منا ، ويغمز ويلمز .
لقد بعت المطبقيات أكثرها ، وكنت أعود إلى خالتي بالليرات الوفيرة ، فتسر لها،ولم نكن نفكر فيما هو أبعد من البيع والعودة بالليرات . لم يكن ثمة وعي وطني. كأننا ، أكثرنا ، كنا مثل( غ . ق ) ، يعني مشاريع متعاونين ، بطريقة أو أخرى ، ولهذا عودة .
وما إن انتهيت من بيع مطبقيات خالتي حتى وجدتني أبيع العلكة الشائعة في حينه . اشتري علبة من العلكة وادور أصرخ مع الصارخين ، وربما بصوت رخو ، كما لو أن فيه مذلة . فها نحن نستجدي من المحتلين بعض ليراتهم واغوراتهم ( كله بليرة يا خواجة ، كله بليرة ) .
الشوارع مكتظة الإسرائيليين ، والناس في الشوارع تبيع . هل كنا نلتفت إلى نظراتهم ونقارنها بنظراتنا ؟ هل كنا نتساءل عن انكساراتنا وانتصاراتهم أم أننا كنا اصغر من ان ندرك معنى الهزيمة ؟
فيما بعد ساواصل مسيرتي التعليمية ، وسيدرسني أستاذ تاريخ شاب درس في بغداد وكان متحمسا جدا ووطنيا ويؤمن بالعرب والعروبة ، ولكن ما إن حلت الهزيمة حتى لجأ إلى الصمت ، ولم يعد يخوض في السياسة ، وكأنما غدا شعاره ( ما فيش فايدة،غطي لي راسي يا صفية ) ، وسيشار إلى الست يسرى صلاح ، وكانت موجهة للغة الانجليزية بالبنان ، فلقد رفضت ان تاخذ هوية اسرائيلية ، لأنها ظلت رافضة للاحتلال وغير مصدقة أنه وقع . وظلت الست يسرى صلاح تقيم في نابلس ، ولم تغادرها،حتى وفاتها .
( كله بليرة يا خواجة،كله بليرة ) ، وإذا كان الخواجة يملك نصف ليرة ، فماذا نحن فاعلون ؟ هل نعطيه النصف ؟
لقد أخذوا البلاد كلها بنصف ليرة ، ولا أدري إن كانوا دفعوها .
26 / 6 / 2016

٥
الرفاق حائرون :

كان عبد الحليم يغني .
" حبيبتي أنا من تكون " ؟
منذ ألقت الصهيونية حجرها في بئرنا ونحن نتساءل :
- وماذا بعد ؟
وما هو مصيرنا ؟
ومتى سنعود؟
وإلى أين نحن ذاهبون ؟
و ...
و " ...... ؟ "
و
" في انتظار غودو " ومعرفة اسم حبيبة ( .... ) من تكون ؟
فكركم :
- هل ستقع حرب جديدة في غزة ؟
ودائما في اسرائيل
يتساءلون :
- متى تقع الحرب القادمة ؟ متى ؟
ونحن صرنا مثلهم نتساءل :
- " متى تقع الحرب القادمة ؟ "
26 / 6 / 2017.

٦
أجواء عيد تماما :

سهر الناس حتى ساعة متأخرة ، وما زالوا نياما .
هدوء ولا صوت إلا زقزقة العصافير فالعصافير المعدنية نائمة أيضا .

٧
تكرار :

وما ينفع البنيان في غير أهله

إذا كنت تبني وغيرك يهدم.

٨
هل قرأ ( دوستوفسكي ) بيت الشاعر الجاهلي :
" فإما أن تكون أخي بحق /
فأعرف منك غثي من سميني " .
كتب ( دوستوفسكي ) " الإخوة الأعداء " .

٩
واسيني 27 : " حشرة ( كافكا ) "

كنت أتيت على جوزيف.ك في رواية ( كافكا ) وجوزيف زيادة في رواية واسيني .
في بعض مواطن الرواية يتذكر القاريء قصة ( كافكا ) " التحول / المسخ " .
يتحول غريغوري في "التحول "إلى حشرة ولا يتعاطف معه والداه ، وتشعر معه أخته ، ويتخلى عنه صاحب العمل .
حين يصاب الإنسان بمس أو مرض قد لا يجد من يقف إلى جانبه ، وفي مجتمع راسمالي يقدر فيه الفرد بمقدار ما يقدم قد يعامل المرء كما لو أنه حشرة يرغب الآخرون في التخلص منها .
لا شك أن هناك دلالات رمزية لقصة ( كافكا ) - أو على الأقل هكذا فسرها النقاد الماركسيون : إن ( كافكا ) يفضح المجتمع الرأسمالي.
يصحو ( غريغوري ) فيجد نفسه وقد تحول إلى حشرة ، فينفر منه الآخرون ، وتصاب مي بانهيار عصبي فتنعت بالمجنونة ويرسلها أقاربها إلى مستشفى المجانين/ العصفورية .
هناك تشعر مي بأنها ليست سوى حشرة :
" بحجة التغذية وباسم الحياة ،ألقاني أولئك الأقارب في دار المجانين ، أحتضر على مهل وأموت شيئا فشيئا كحشرة "( 59 ) " - يا ناااااااااااس . لست مجنونة . يا ناس . أنا مصابة فقط باكتئاب بسبب الفقدان ، لكني ما ضيعت عقلي " ( 60 ) .
ترى ما الفرق في النهاية بين تخلي والدي (وغربغوري ) عنه وبين تخلي أقارب مي عنها ؟
إنه المال والمصلحة ، فحين كان والدا شخصية ( كافكا ) يستفيدان منه كانا يرحبان به ، وحين ألم به عطب تخليا عنه.
كانت مي تملك المال والأملاك ولما أصابها انهيار عصبي وضعها أقاربها في العصفورية ورفضوا الاعتناء بها ولم يزرها إلا أقلهم .
هل ذهبت بعيدا في إجراء المقارنة ؟
العالم ل ( كافكا ) كان قاتما وأسود ، وحين درس طه حسين أدب ( كافكا ) درسه تحت عنوان " الأدب الأسود " .وهل يمكن إدراج رواية واسيني هذه تحت العنوان نفسه ؟
كانت حياة مي في سنواتها الخمس الأخيرة 1936 - 1941 قاسية وقاسية جدا ، وفي مواطن كثيرة من الرواية يستحضر المرء (.كافكا ) و بعض أعماله . مثلا حين تعرض مي على اللجنة يتذكر المرء الأجواء الكابوسية لدى ( كافكا ) ، ولربما استحضر المرء قصة زكريا تامر " الجريمة " ورواية صنع الله ابراهيم " اللجنة " التي تحفل أيضا بمشاهد كافكاوية .
٢٠١٨

١٠
يوميات عادل الأسطة :

لا أفكر ، وأنا أكتب ، في أن أكتب يومياتي .
هل أحذو حذو ( توماس مان ) ؟
إن لم تخني الذاكرة فإن مشرفتي على الدكتوراه ( روتراود فيلاندت ) جاءت على يوميات ( مان ) ذات لقاء أو محاضرة وقالت إنها مجرد كتابة لا تأتي غاليا بالجديد - أي إن ما فيها لا يثبر غالبا الدهشة ، والدهشة والمفارقة والسخرية والنقد اللاذع هو ما تقوم عليه خربشاتي .
أمس طلب مني الروائي والمترجم جمال أبو غيدا أن أكتب عن يومي .
أنا الآن في الإجازة اقرأ وأكتب وأستمتع بمشاهدة مباريات كرة القدم وأفكر في أمر السلطة الفلسطينية :
- لماذا لا تحجب مواقع البورنو بقرار ؟
الذين يراقبون الناس سيموتون هما ، وأنا أيضا سوف أموت مهموما . ببساطة لأنني أعيش أجواء كابوسية كافكاوية ، ولكني للأمانة مستمتع بوقتي ، وأنجز الكثير كما يلاحظ القراء .
اقرأ واسيني ومي ولا أكتب كما كتب ( مان ) :
- أصحو في الخامسة وأشرب الماء الفاتر فالقهوة وأنظف الساحة والمنزل وأفطر الفول أو الجبنة أو بيضة مسلوقة وأقرأ ثم أرد على مراسلاتي غالبا بملل ، وفي الظهيرة أسير في شوارع المدينة ، باتجاه شقتي الثانية فأستمع إلى فيروز ، وأصحح أوراق الطلاب بملل شديد و ..
في التاسعة أعود للبيت وحيدا خاليا إلا من الوحدة :
" يداي بغير أمتعة وقلبي دونما وردة ".
لماذا لا تحجب السلطة مواقع البورنو؟
الحياة روتين إلا لي ،حتى الآن على الأقل .
26 / 6 / 2018

١١
جوخة ٣٨ :
جوخة الحارثي : طرق القص وصعوبة القراءة

عادل الاسطة

حين أنظر في تعقيبات القراء على الكتابات السابقة ألحظ أن كثيرين كتبوا إنهم يجدون صعوبة في قراءة الرواية ، وأن قسما من القراء لم يواصل إتمام القراءة بسبب عدم التركيز وتشتت ذهنهم الناجم عن عدم سير الزمن سيرا خطيا ، وقد أتيت على شيء من هذا وقارنت بين " سيدات القمر " و " ما تبقى لكم " لغسان كنفاني .
كنت أصغيت إلى الروائية تتحدث في فضائية الجزيرة في برنامج " المشاء " عن روايتها ، كما أصغيت أيضا إلى مقابلات أخرى بعد فوزها بالجائزة ، وقد سئلت إن كانت تفكر في القاريء وهي تكتب : أيفهم ما تكتب أم لا يفهم ؟ أيجد صعوبة في القراءة أم لا يجد ؟
أجابت جوخة الحارثي محاورها قائلة إنها وهي تكتب لا تفكر في هذا ، فهدفها أن تكتب نصا تراعي فيه الجانب الفني والجمالي .
كان غسان كنفاني بعد نشر "ما تبقى لكم " لاحظ أن قلة من القراء يستطيعون فهمها وأن الكثرة منهم يجدون صعوبة في القراءة ، فقرر أن يكتب روايات أوضح وتصل إلى القاريء ، فهو لا يكتب من أجل النقاد فقط ، وقال إنه يمكن أن تكتب الأشياء العميقة بأسلوب بسيط وواضح ، فالبساطة لا تعني السذاجة ، وكتب بعد ذلك روايتين هما " أم سعد " و " عائد إلى حيفا " ، وكانتا موجهتين لقاريء الرواية ، فالرواية تكتب لجمهور عريض من القراء ، وكان كنفاني معنيا ككاتب ينتمي إلى شعب صاحب قضية ، كان معنيا بالتواصل مع الجماهير ، فهو يكتب عنها ولها .
ما عنى كنفاني بخصوص وصول رواياته إلى جمهور عريض من القراء لم يعن الكاتبة الحارثي .
من المؤكد أن تعقيبات القراء على المقالات ال ٣٧ السابقة مهمة جدا وقد تلتفت الكاتبة إليها لمساءلتها ، ولها بعد ذلك أن تقرر ، فقراء الرواية - أية رواية - هم الجمهور العريض ، والآن ما سبب صعوبة القراءة ؟
كنت أقرأ مع طلاب الماجستير ثلاث صفحات من " سيدات القمر " لتتبع أسلوب السرد وتوضيح مقولة " تعدد الأصوات " لهم ، ووجدتني أقارن بين الرواية ورواية كنفاني " ما تبقى لكم " وقلت للطلاب إنني يمكن أن أعيد طباعة كنفاني ، مع إضافات قليلة ، حتى تزول عنها صعوبة القراءة . وغالبا ما أقول الكلام نفسه لطلاب البكالوريوس أيضا . كل ما في الأمر أن أحدد المتكلم في الرواية وأكتب قبل كلامه جملة واحدة هي " قال حامد / قالت مريم /قال زكريا /قالت الصحراء " . وما لم يفعله كنفاني قامت به الحارثي فهي تكتب اسم المتكلم قبل إيراد كلامه ، وبخاصة أنها تلجأ إلى تداخل الأصوات وتعددها في الصفحة الواحدة ، وهذا التداخل يؤدي إلى تداخل الزمن الذي غالبا ما لا يتحدد القول فيه هنا .خذ مثلا الصفحتين ٢٨ و ٢٩ ، ففيهما ، ومثلهما صفحات أخريات ، تتداخل الأزمنة وتتعدد الأصوات ، ولكن الروائية تمهد للكلام بتحديد الجهة الصادر عنها . وعلى الرغم مما سبق تبقى قراءة الرواية صعبة ويبقى ملاحقة أحداثها وتتبع مصائر شخصياتها صعبا ومربكا ويحتاج إلى تركيز شديد .
وأنا احاضر تذكرت المرحوم الشاعر أحمد دحبور واستشهاده دائما برأي الشاعر الانجليزي ( ت.س.اليوت ) الذي اتهم شعره بالغموض .
كان ( اليوت ) يطلب من القراء أن ينفقوا ست ساعات في قراءة القصيدة التي يكتبخا في ستة أشهر وربما أكثر ، فالأمر يستحق من القاريء أن يبذل جهدا كما يبذل المؤلف جهدا في التأليف .
وعموما فإن طريقة القص التي لجأت إليها الروائية هي ما جعلت قراءة الرواية صعبة ومملة لقراء معينين .
لم توظف الكاتبة أسلوبا واحدا ولم تعرض أحداث روايتها بضمير واحد ، فقد وظفت غير طريقة معتمدة غير ضمير . لجأت إلى القص بضمير الهو والقص بضمير الأنا وأحيانا القص بضمير الأنا / أنت ، وتارة كان السارد معروفا محدد الملامح ، وطورا كان غير محدد الملامح ، وأحيانا في المقطع نفسه نلحظ الانتقال من ضمير إلى ضمير ثان . كل هذا ، بالإضافة إلى بنية الزمن المتداخل والمحطم حيث التقديم والتأخير والانتقال بين الأمكنة دون إشارات أو تمهيد أربك القراء .
بعض قراء مقالاتي عقبوا قائلين إنها - أي المقالات - هي ما جعلهم يفهمون الرواية .
في فترات سابقة كان المهتمون بالنقد يقولون إن وظيفة الناقد هي أن يفسر النص ويوضحه . ولقد كتب قسم من القراء إن من يستحق الجائزة هي مقالاتي فقد فهموا الرواية منها لا من قراءتهم العمل نفسه .
هل أتوقف أمام السرد أم أن الكتابة فيه ستبدو مملة للقاريء العادي غير المتخصص ؟
سوف أوجز كثيرا .
- في الصفحات ٧ حتى ١٣ نحن أمام سارد غير محدد المعالم يروي بضمير الغائب ، ومن المؤكد أنه ليس عبدالله .
- في المقطع الثاني ص ١٤ يتم السرد في بدايته بضمير الهو ثم ينتقل إلى ضمير الأنا حيث يروي عبدالله وفي نهاية المقطع يكون السرد بضمير الغائب .
- ص ٢٠ إلى ص ٢٦ لا تعرف هوية السارد .
- ص ٢٧ يتم السرد من خلال الضمير الأول ، حيث نقرأ سرد عبدالله وهو في الطائرة .
ولو انتقلنا إلى ص ١٩٠ حتى ص ١٩٦ فإن السرد يبدأ بالضمير الثالث ، ثم يتحول بعد سطر إلى الضمير الأول حيث نصغي إلى خالد يقص على أسماء ، وقد التفت طلابي إلى خطأ في ص ١٩٠ إذ ورد اسم علي والحوار كله هو بين أسماء وزوجها خالد .
وفي الصفحات التي يروي فيها عبدالله ، وهو في الطائرة ، يتحول السرد إلى الضمير الثاني حيث نقرأ لمخاطب / اسم فاعل وهو عبدالله ، يتوجه بخطابه إلى مخاطبة / اسم مفعول وهي المضيفة ( ص ٤٣ و ٤٨ و ٦١ ) .
كل ما سلف يرفده ، كما كتبت ، تعدد الأصوات وتداخلها .
فيما يخص الزمن فإن معاينته تتطلب دقة كبيرة ورسومات يمل القاريء منها .
إن الزمن في الروية يحدد في أماكن كثيرة ويبدو في أماكن غير محدد المعالم .
٢٠١٩

١٢
الست كورونا : الكمامة والقمامة ( ٧ )

لا جديد تقريبا في الحياة اليومية . هلع وقلق وخوف وشكوى من أوضاع اقتصادية سيئة تفتق الذهن عن سلوكات عجيبة غريبة ، قد يكون الاحتيال واحدا منها .
في يومية سابقة توقفت أمام شريط فيديو يري شابا يتظاهر أنه يبيع الكمامات يوقف جيبا فيه رجلان تبدو النعمة عليهما ، ويعرض الشاب عليهما الكمامات ، وتكون مرشوشة بمادة مخدرة ، فما إن يضعها الرجلان على الفم والأنف حتى يتخدرا ويسلبهما الشاب جهازين ، ويولي هاربا .
بيع الكمامات في السوق صار ظاهرة وأمس رأيت رجلا كبيرا يعرضها ملقاة على الأرض فوق كرتونة وينادي لتسويقها ، وشوارعنا نظيفة جدا جدا .
في المساء أرسل إلي الصديق Shafiq Yasin رسالة تروي قصة طريفة جدا ، ومحزنة جدا أيضا ، عما يفعله أحد سائقي العمومي بين طولكرم ورام الله .
السائق حريص على جيب ركابه ولا يريد أن يخالفهم الإسرائيليون ب ٥٠٠ شيكل وهم في الطريق ، ولهذا اشترى عددا من الكمامات ليزود بها ركابه الذين لم يرتدوا كمامة أو نسوها .
أحد الركاب قدر ما يقوم به السائق وأكبره ومدح الأخلاق الحميدة الإنسانية له ، وظل السائق كبيرا في نظر الراكب إلى أن وصل إلى رام الله .
ما إن هم الركاب بالنزول من الحافلة حتى جمع السائق الكمامات من الركاب ورتبها ليستخدمها ثانية فيعطيها ركابا آخرين ، ما أرعب الراكب وجعله يشعر بالخوف ، فكم راكب من قبل استخدم الكمامة ؟ وما الأمراض التي يمكن أن تنتقل إلى من يضع كمامة مستخدمة ؟
هل كان هذا السائق قرأ كتاب " البخلاء " للجاحظ وتوقف أمام قصة الشيخ وتفننه في استخدام المياه نفسها عدة استخدامات أولها الاستحمام بها وآخرها سقيها لحماره .
لا تعرف أنك من المبذرين إلا حين تسمع أخبار الصالحين ، والسائق واحد من الصالحين ، وربما ترك الحجر الصحي ، لمدة شهرين ، تأثيره عليه .
المزاج معكر والست كورونا تترك تأثيرها على سلوكنا وتصرفاتنا وتدفعنا إلى التفنن في الاحتيال والكسب والتكسب والاستكساب وآية المنافق ثلاث ... والبقية عندكم .
٢٦ حزيران ٢٠٢٠

١٣
إعلان براءة

تخلو صحف العالم العربي في هذه الأيام مما كانت تحفل به في خمسينيات القرن العشرين وستينياته وسبعينياته وثمانينياته ، بخاصة صحف الدول الملكية التي حسبت تقريبا على المعسكر الغربي .
في تلك العقود غالبا ما كان المرء يقرأ في الصحف إعلانات يتبرأ فيها بعض المواطنين ، ممن انضووا تحت لواء الحزب الشيوعي أو بعض المنظمات اليسارية ، من أحزابهم . وغالبا ما كان ذلك باتفاق مع المحققين الذين يقايضون السجناء بالإفراج عنهم - إن هم تخلوا عن انتمائهم السياسي ونشروا هذا علنا في الصحيفة الرسمية ، وكانت تضاف إلى عبارة الاستنكار عبارة ولاء لجلالة الملك وحكومته الرشيدة .
ما كان ينشر في الجرائد حول هذه الظاهرة وجد طريقه إلى النصوص الأدبية ، وما على القاريء إلا أن يتذكر بعض الروايات وبعض السير الذاتية التي كتبها مناضلون رفضوا التوقيع ، وهذه الكتب والسير معروفة ومشهورة عموما ، ويضاف إليها أولا وقبل كل نص قصيدة الشاعر العراقي مظفر النواب " براءة " التي كتبها باللهجة العامية العراقية ونشرت في أعماله الشعرية الكاملة الصادرة عن دار قنبر في العام ١٩٩٦ ، وغالبا ما قرأها الشاعر بصوته هو الذي اختلف مع حزبه ، ولكنه ظل وفيا له كما كتب في قصيدته " ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة " :
" وأوافيهم على بعد
وما عدنا رفاق " .
في قصيدته التي كتبها على لسان الأم ولسان الأخت بالعامية العراقية تتبرأ كلتاهما من الابن / الأخ الذي استنكر حزبه :
" يا بني
كلي ما اهدم حزب بيدي
بنيته ...
يا شعب
هذا ال تشوفه مو ابنا " .
ما الذي ذكرني بالفكرة والقصيدة ؟
في الفترة الأخيرة كنت أقرأ في " دفاتر فلسطينية " لمعين بسيسو و" شموس الغجر " لحيدر حيدر ، وقرأت عن المخبرين والمرتدين وتجادلت طويلا مع فلسطينيين في الأرض المحتلة ١٩٤٨ حول أسطر وردت في كتاب بسيسو ؛ أسطر أدرجتها على صفحتي ومنها ما يخص العائلة التي آوتها عائلة معين إذ صار أحد أفرادها ناصريا ولاحق معين الشيوعي وأخبر عنه ودل على بيته ، ومنها ما يتعلق بيساريين ارتدوا عن يساريتهم .
في " دفاتر فلسطينية " يكتب بسيسو عن تجربة الشيوعيين في السجون المصرية ويتوقف أمام مقايضة السجان السجين ، والفكرة نفسها تظهر في " الأقدام العارية " للمصري طاهر عبد الحكيم ، وقد هاجم معين المستنكرين هجوما عنيفا .
في روايات السجن مثل رواية عبد الرحمن منيف " شرق المتوسط " لا تغيب الظاهرة ، إذ يطلب من رجب ، الشخصية الأساسية في الرواية ، أن يستنكر حزبه ويوقع على ذلك حتى يسمح له بالسفر إلى فرنسا للعلاج ، ولا تغيب أيضا في رواية " شموس الغجر " ، فالشخصية الأساسية التي تتولى السرد تروي حكايتها وحكاية أبيها الرجل الذي كان علمانيا يساريا قرأ الماركسية وتثقف بها وربى أبناء أسرته تربية تحترم العقل والتحرر والتنوير وتعتمد على الذات والعمل في الأرض ، الرجل اختلف كليا بعد أن اعتقل وعذب ، ولم يخرج من السجن إلا بعد أن تبرأ من ماضيه وخضع لعملية غسيل دماغ من أبناء طائفته وصار مؤمنا يعيش في الماضي ويسير على خطى الأسلاف يقرأ كتبهم ويتصرف تصرفاتهم تماما ؛ في نمط حياتهم وفي نظرته إلى المرأة وتعامله معها ، ما يدفع ابنته التي أنشأها على الحرية والتنوير إلى الاختلاف معه والهرب من بيته .
هل عرفت فلسطين والأدبيات الفلسطينية هذه الظاهرة ؟ وهل خلت صحفنا من إعلانات البراءة ؛ براءة الأهل من أحد أفراد العائلة ؟

من المؤكد أن صحفنا لم تخل من " إعلان براءة " تتبرأ فيه عائلة من أحد أفرادها لسبب وطني أو اجتماعي ، وغالبا ما كان التبرؤ من العملاء والسماسرة وبياعي الأراضي أو لخروج شخص على العرف الاجتماعي خروجا لافتا .
هل كتب أدباؤنا قصصا وروايات وقصائد يتبرؤون فيها من المتساقطين ؟
هل كتب ذلك راشد حسين على لسان فتاة احتقرت خطيبها لأنه دفع مهرها من بيع أرضه :
" وبعت التراب المقدس يا أنذل العاشقين لتدفع مهري "
وهل هجا توفيق زياد أحد رفاقه لأنه ترك الحزب " المرتد " / " أنا من هذي المدينة " ؟
في قصة أكرم هنية " كل شيء وهذه النظرة بالذات " يكتفي أهل السمسار بمقاطعته ، ولكنهم لا يتبرأون منه .
مؤخرا انشغلت بالشاعر العراقي سعدي يوسف وما آل إليه . لا بد من كتابة خاصة .
٢٦ حزيران ٢٠٢٠




١٤
رحيل الشاعر فاروق مواسي :

انتقل إلى رحمة الله تعالى الصديق الشاعر فاروق مواسي .
له الرحمة ولآله وذويه الصبر والسلوان .
تعازي الحارة لآل الفقيد وأصحابه ومعارفه ، وإنا لله وإنا إليه راجعون .
خسرنا كاتبا ولغويا وباحثا كانت له صولات وجولات في عالم الأدب واللغة منذ عقود عديدة .

١٥
" أثر الفراشة "

إن أردنا ... ف " سنصير شعبا " :

متى سنصير شعبا ؟
سنصير شعبا ، يكتب محمود درويش ، حين نشتم السلطان وحاجب السلطان دون محاكمة .
وفي أثناء متابعة ما يجري ، فمعنى ذلك أنه ليس أمامنا إلا أن نردد عبارة عبد الحليم حافظ التي أجاب فيها من طالبه ، وهو يغني ، أن يعيد غناء مقطع راق لهم :
- لسه طويلة .

مما ورد أيضا في القصيدة نفسها " إن أردنا " :
- سنصير شعبا حين ننسى ما تقول لنا القبيلة ... حين يعلي الفرد من شأن التفاصيل الصغيرة .
و
- سنصير شعبا حين نحترم الصواب وحين نحترم الخطأ .

وأنا أتابع ما يجري من جدل حول اغتيال الناشط نزار بنات أجدني أكرر رد عبد الحليم حافظ :
- لسه طويلة
وأكرر أيضا سطرا شعريا آخر للشاعر نفسه :
- هنالك ليل أشد سوادا هنالك ورد أقل
وسينقسم الدرب أكثر وأكثر وسينشق مروان البرغوثي ويفصل ناصر القدوة و ... .
وماذا جر على الشعب الفلسطيني اغتيال نزار بنات أيضا ، عدا أن عائلته صارت بلا معيل فازداد يتامانا وثكلانا وأراملنا و ... ؟
أمس أصغيت إلى ثلاثة أشرطة حول الحدث ؛ واحد للسياسي نبيل عمرو وثان لسكلانص وثالث لناشط اختار اسم ماجد أبو شرار قناعا له ، والأخير من دورا بلد نزار ، ورأيت مقطعا من جنازة القتيل يسير فيها ابنه كفاح وهو يحمل رشاشا .
في شريطين من الأشرطة الثلاثة ثمة نزعة مازوخية مفرطة تجلد الذات الفلسطينية وتحتقرها احتقارا لا يقل عن احتقار مدير المدرسة الإسرائيلية ( رام كوهين ) للعرب ، وكنت كتبت عنه في " ذاكرة أمس ٧٩ / ٣ حزيران ٢٠٢١ " ، وفي مقطع الجنازة ما ذكرني بقصيدة أمل دنقل " لا تصالح " إلى أن يعود القتيل لطفلته الناظرة - يعني حرب قبائل ، والخليل مدينة تسود فيها العشائرية وقد نجحت في إفشال قانون الضمان الاجتماعي ... .
هل أقول إن الحق كل الحق يقع على محمود درويش لأنه وقع في خطأ نحوي فأسقط الفاء من جواب الشرط الذي اقترن بالسين ، والقاعدة النحوية تقول إن جواب الشرط يجب أن يقترن بالفاء في حالات ستة منها اقترانه بالسين ؟
سوف أحترم الصواب وسوف أحترم الخطأ وابريء الشاعر من دم نزار بنات ، ولكني لن أبريء ال .... !!
- لسه طويلة - أي والله !
٢٦ حزيران ٢٠٢١

١٦
الأصدقاء الأعزاء
تصل رسائل بالعبرية تقول " أريد مساعدتك " . أرجو عدم الرد عليها لأن هذه محاولة اختراق . لقد وصلتني قبل يومين رسالة من صفحة الباحث والكاتب صبري جريس وطلب مني أن أساعده بالتصويت له لمنصب سفير في الانترنت ولأنني أقرأ العبرية قليلا فقد ظننت أن الكاتب كتب بالعبرية التي لا أكتب فيها . طلب مني رقم هاتفي ليتصل به فطلبت رقم هاتفه ولم يرسله وسألته :
- لماذا لم تكتب بالعربية ؟ نحن نتراسل بالعربية . ويخيل إلي أن الهكر الإسرائيلي والموساد وراء الموضوع ، إذ كيف يطلب رمز المصادقة الثنائية؟
وانتبهت .
أرجو الانتباه إلى أنني لا أكتب بالعبرية .

١٧
( فتاة نابلس ٦ )

الكاتب والمؤلف الضمني والشخصيات :
من هو المؤلف الضمني لرواية " فتاة نابلس " للكاتب الأميركي ( DEAN DILLEY ) :

في فترات متأخرة باح لي غير صديق بأنه هو من أمد الكاتبة سحر خليفة بمعلومات عن عالم السجن الذي لم تعش فيه حيث لم تسجن ، وبأن الحوار بين الشخصيات الأيديولوجية في روايتيها " الصبار " و " عباد الشمس " كان يجري على لسانه وهو يجلس مع سحر .
ببساطة اتكأت سحر في كتابتها روايتيها على آخرين قصوا عليها كثيرا مما ورد في روايتيها ، وهكذا فإن فضيلتها تمثلت في الكتابة . كما لو أن من باحا لي هما المؤلف الضمني للروايتين . وهكذا يمكن أن نميز بين الكاتب والمؤلف الضمني ونأخذ بمقولة ( واين بوث ) .
كم من الوقت كنت أمضي مع طلابي وأنا أشرح فكرة المؤلف الضمني واختلافه عن الكاتب ؟ وكم كان الطلاب يؤمنون بها ، علما بأن منظر الرواية الجزائري عبد المالك مرتاض لم يقتنع بها .
الليلة وأنا أقرأ الفصل السادس من رواية " فتاة نابلس " أيقنت أن ( DEAN DILLEY ) هو كاتب الرواية وأن مؤلفها الضمني شخص آخر عاش قسما كبيرا من حياته في نابلس وعرف شوارعها ومشافيها وعادات أهلها وبنيتها الاجتماعية وجامعة النجاح الوطنية وطرق التدريس فيها واساتذتها ومصادر شهادات قسم منهم و ... و ... .
ويخيل إلي أن هذا المؤلف الضمني ميال للحياة الأميركية ومعجب بها إعجابا كبيرا وأنه في سبيل الإقامة في أميركا زود الكاتب بكم كبير جدا من المعلومات . إنه مثله مثل أمير الشخصية المحورية في الرواية .
طبعا يمكن أن أذهب إلى ما هو من ذلك فأربط بين هذه الرواية ورواية ( ليون أوريس ) " الحاج The Haj " a " التي كتبت أيضا بالإنجليزية .
إن لم يكن المؤلف الضمني للرواية فلسطينيا معجبا ايما إعجاب بأمريكا فإنه بالتأكيد شخص عمل في المخابرات الإسرائيلية في نابلس لديه ملفات كثيرة كان يدون فيها الكثير الكثير من المعلومات ثم أمد الكاتب بها .
خيال ... خيال شرقي . ليكن .
٢٧ / ٦ / ٢٠٢٣

١٨
غزة ( ٢٦٤ ) :
لسان حال أهل قطاع غزة

ل " أبو فراس " الحمداني قصيدة مطلعها :

" مصابي جليل والعزاء جميل
وظني بأن الله سوف يديل

جراح تحاماها الأساة مخوفة
وسقمان : باد منهما ودخيل

وأسر أقاسيه ، وليل نجومه ،
أرى كل شيء ، غيرهن ، يزول

تطول بي الساعات ، وهي قصيرة
وفي كل دهر لا يسرك طول

تناساني الأصحاب ، إلا عصيبة
ستلحق بالأخرى غدا وتحول

......
......
......

ومن لم يوق الله فهو ممزق
ومن لم يعز الله فهو ذليل

وما لم يرده الله في الأمر كله
فليس لمخلوق إليه سبيل "

ومصاب أهل قطاع غزة جليل ، وهم يعانون من الاحتلال والجوع والعطش والنزوح المتكرر والقتل اليومي والجراح والخذلان وتطول بهم ساعات الليل .
كم شكا أهل قطاع غزة من حلول الليل وطوله حيث لا كهرباء ولا ... ولا ... ولا ... !!؟؟

مقالي الأحد القادم لدفاتر الأيام الفلسطينية عنوانه " تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ : البعوض والحرب والشعر " وفيه أضمن بيت " أبو فراس " :

" جراح وأسر واشتياق وغربة

أحمل ! إني بعده لحمول " .
٢٦ / ٦ / ٢٠٢٤

١٩
غزة / نابلس ( ٢٦٤ ) :

يا حسرة لا أكاد أحملها

أجلس في الخامسة عصرا ، في اليوم الرابع والستين بعد المائتبن للمقتلة ، على رصيف شارع مزدهر في نابلس لعله أجمل شوارع المدينة وهو شارع منتزه العائلات . محل " ملك البوظة " للمرحوم ابن صفي علي ياسين من مخيم عسكر القديم وأمه من لاجئي حيفا في العام ١٩٤٨ .
أتأمل الأشجار الكثيفة الضخمة ، نوعا ما . التهم البوظة المدقوقة دقا باليد غير مكترث كثيرا لارتفاع نسبة السكر في الدم .
الناس يأتون ويذهبون . يجلسون قليلا أو يشترون ويواصلون سيرهم والحياة تسير بانتظام كأن لا شيء يحدث في غزة ، وفيما قرأته اليوم كتابة عن انتفاء وحدة الساحات . هل حقا لم تتحقق وحدة الساحات ؟
في منتصف الليلة الماضية تقريبا هز انفجار شرق المدينة حيث أقيم . قنبلة ألقيت على سيارة إسرائيلية وفي الصباح قرأت عن اقتحامات ، وفي نشرات الأخبار ما يحكي عن حرائق في مستوطنة ( كريات شمونة ) ، وأخبار اقتحام جنين وقلقيلية وطولكرم تطالعنا كل صباح في نشرات الأخبار ، وحزب الله يرتقي شهداؤه كل يوم .
لا شيء في المدينة الآن والحياة تسير كما العادة ، والدبابات الإسرائيلية ، كما في نشرة الأخبار ، تقتحم وسط رفح والقتلى والجرحى في عموم القطاع بالعشرات .
في الحافلة أراد السائق معرفة رأيي فيما يجري . عندما رآني وأقلني قال لي :
- كنت في سيرتك اليوم ، وها أنا أراك .
طوال الطريق لم أتكلم فقد تبرعت امرأة متدينة بالحديث . طلبت الإذن لتتكلم وتكلمت . لم تترك المجال ، حتى للسائق الذي أبدى تعاطفه مع حماس ، مع اعتراضه على ما قامت به في ٧ أكتوبر ، ليتكلم . ظلت تتكلم وتتكلم وتتكلم ، وكان كلامها من وجهة نظر إسلامية تعتمد على القرآن الكريم والأحاديث النبوية الشريفة ، وكانت بين الفينة والفينة تعرف بنفسها وبتخصصها .
- أنتم شرقي النهر وهم غربيه .
تحدثت المرأة عن قناعتها التي لم تتغير منذ عشر سنوات . قناعتها التي أثبتت الأيام صحتها وأكد على ذلك صاحباتها اللاتي قصت عليهن آراءها .
قالت المرأة إن الملك عبدالله يبني منذ فترة مخيمات في الأزرق لتهجير أهل الضفة الغربية إليها . مخيمات تستوعب مليونا ونصف المليون . قالت المرأة إننا سنهاجر إلى هناك حتى يهييء الله لنا قوما يحملون رايات سودا يأتون ليقاتلوا اليهود و ...و ... وتكلمت المرأة عن حرب صليبية استعمارية يشنها الغرب ضد المسلمين ، ولم تؤيد حركة حماس فيما أقيمت عليه ، فميزان القوى غير متكافيء .
وكنت أصغي والسائق يصغي حتى أنه نسي أن يعيد الي نصف شيكل لم أطالب به .
الجلسة في الشارع على الرصيف جميلة مريحة ، وغالبا ما أقرأ عن حسرات أهل قطاع غزة على أيامهم قبل ٧ أكتوبر . غالبا ما أقرأ عن مقارناتهم بين ما هم عليه الآن وما كانوا عليه من قبل ؛ في المأكل والملبس والمشرب والذهاب إلى البحر والشاليهات .
الحياة في نابلس تسير عادية . الشوارع مقبولة والحياة في غزة جحيم وكذلك في مستوطنة كريات شمونة .
هل سيتحقق كلام المرأة ونجد أنفسنا في مخيمات الملك عبدالله ؟
البوظة لذيذة ولا أعرف كم بلغت نسبة السكر في الدم ؟؟!!
٢٦ / ٦ / ٢٠٢٤

٢٠
غزة 629 :
وحرب غزة حربان ، بل ثلاث

حرب غزة حربان ؛ حرب الاحتلال وحروب اللصوص التجار والمافيا .
في صفحة ام ايمن الصوص قرأت عن سرقة شاحنات الطحين من عصابات " يا فرحة ما تمت ، أخذها الحرامي وطار " ، والخبر نفسه قرأته في صفحة محمد العطار " الحرامية والعصابات عملوا خطة رهيبة " . تركوا أول ٢٥ شاحنة تمر ثم سرقوا ال ٧٥ شاحنة الباقية .
منذ الأشهر الأولى للحرب صارت الحرب في غزة حربين .
أي جرأة رهيبة امتلكها المقاووم في خان يونس أول أمس حين ركض نحو الدبابة وألقى القنببلة بداخلها . لا يفعل في زمننا هذا عربي إلا غزاوي . جول جمال الغزاوي .
الناشط أسامة ابو الجود عقب على الصيغة الأولى قائلا لي إن هناك حربا ثالثة هي حرب الباعوض وسببها القمامة الملقاة في الطرقات والشوارع .
٢٦ / ٦ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...