أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٨ حزيران من كل عام

١
كلام طالبتي التوجيهي :
أمس في الحافلة لم أتكلم ولم يتكلم السائق . طالبتا التوجيهي هما من تكلمتا. تحدثت إحداهما عن الامتحان ، فأشارت إلى أسئلة العامين المنصرمين وقالت لزميلتها :
- الانسان بحاجة إلى التفكير وإعمال عقله .السؤال القادم هذا العام هو كذا عن العالم العربي ، فمزاياه وسلبياته كانت موضع أسئلة في العامين المنصرمين . أنا درست المادة التي لم تكن موضع أسئلة .
أنا لم أعقب ولكني تذكرت مؤيد طالب الأدب العربي في الجامعة .
كان مؤيد يجمع أسئلة الامتحانات في الفصول المنصرمة ويصورها ويوزعها على الطلاب ليدرسوها ,وقد لاحظت هذا فأخذت أتفنن في وضع الأسئلة حتى أثنيه والطلبة عن التوقع .
الطريف أنني ما إن جلست في مكتبي حتى زارني مؤيد الذي تخرج في العام2003 ولم أره . ما الذي أتى به؟
أسأله عن سبب زيارته الجامعة اليوم وأخبره أنني تذكرته وأنا في الحافلة هذا الصباح .
سيعلمني مؤيد أنه قادم إلى الجامعة للتسجيل للماجستير ، فعمه وهو موظف في السعودية تبرع له بمصروفات إكمال تعليمه في الدكتوراه إن هو حصل على الماجستير .
أهي التلبثة؟
وأنا في التوجيهي كنت أدرس المادة كلها من ألفها إلى يائها ولم أكن أفعل ما فعلته الطالبة .أحيانا يرسب الطلاب لأنهم يفعلون ما فعلته الطالبة .
هل من نصيحة للطلاب؟
صباح الخير يل طلاب الجامعة ويا طلاب التوجيهي !
٢٠١٢
٢
رامي ليفي......يا فرحتك،رمضان قادم
العام الماضي باع مول رامي ليفي للفلسطينيين الكثير- طبعا في رمضان- ويبدو أن الغلة كانت وفيرة والربح سخيا.شهر غلال،وما مر عام والعراق ليس فيه جوع،على رأي السياب،وما مر عام ليس فيه في فلسطين بطالة وفقر،ولكن...
لكن مول رامي ليفي باع الكثير،حتى أن الرجل غدا مسلما،وقد طلب من الله أن يمد في عمر شهر رمضان ليغدو عاما:لو أن العام كله رمضان.فكيف لو كنت أنا أصوم؟من المؤكد أن رامي ليفي سيقول:لو أن العالم كله مسلمون ويصومون.
رمضان شهر صيام،واليوم قال لي أحدهم:هل شهر الوحام.كلنا غدونا ،أو سنغدو حبالى مثل المستوطنات الإسرائيلية،تكبر وتكبر وتكبر.
أنا لا ازايد،وأحيانا اشتري البضاعة الإسرائيلية،ولكن...
أسواق نابلس اليوم مليئة بعنب المستوطنات وبطيخها وشمامها-اه على الشمام اليهودي،واسألوا أبي في قبره-والدريق والخوخة و...و...والتمر الاسرائيلي و...
أكيد رامي ليفي سيصوم غدا وقد يصلي التراويح،ولعله أعلن إسلامه دون أن ندري.لعله
أم كلثوم تغني الآن من صوت النجاح "الأطلال"وانا أنتظر مباراة البرازيل،ومن المؤكد أن البضاعة الإسرائيلية تشجع البراز...يل،إذ ستتحول ،بعد ساعات من هضمها،إلى براز.....يلية أيضا.
وبالبطون ،يوما ما،يا جوليا بطرس،بالبطون ستحل المشكلة الفلسطينية الإسرائيلية،نعم وسنتوحد،نحن وهم،كما نتوحد في تاييد وتشجيع البراز...يل،وكما يتوحد برازنا وبرازهم في الأرض نفسها،
و..و...ورمضان كريم،والدنيا كما نعرفها،والأحباب كل في طريق
٢٠١٢
٣
28/6/1967
( حزيران الذي لا ينتهي )24
( تشوش الذاكرة ) :
( بين ريتا وعيوني ) :
الشاحنات الإسرائيلية تملأ شوارع المدينة . الإسرائيليون يتجولون في مدن الضفة.إنهم الفاتحون الجدد وقد أصابهم الغرور . لقد انتصروا ، وأخذنا نستقبلهم عارضين بضائعنا ، وهم يدفعون ويشترون فرحين .
في معسكر الجيش الأردني السابق ، في مخيم عسكر ، يركنون شاحناتهم ، ليتناولوا وجباتهم . فتيات يهوديات بضات ممتلئات ، يرتدين الملابس الصيفية الأنيقة التي تليق بالانتصار السريع السهل ، ونحن نتجول أيضا في المعسكر نصرخ على بضاعتنا ( ارتيك ، ارتيك توف ) .
في تلك الأيام كانت معامل الاسكيمو في نابلس تعمل ، معمل الأرز ومعمل الافرست /ركب . ( ما زال مصنع الارز يعمل ، وأما مصنع الافرست فقد أغلق ولا أدري متى ).
يتجولون في المعسكر ويجلسون بين الأشجار ، كما لو أنهم في نزهة . كما لو أن المعسكر لم يكن ، ذات يوم ، معسكرا لجيش سيحارب . أين الدبابات ، وأين المدافع ؟ ربما بقيت في الأغاني ، وربما كانت الحرب في الأغاني . ( مرحى لمدرعاتنا ،رمز القوة لبلادنا ، مرحى مرحى مرحى،مدفع وعيار كبير ...الخ )
أين نحن من الفتيات البضات الممتلئات الجميلات الانيقات ؟
ومع أنني كنت من أسرة لا تعد فقيرة فقرا مدقعا ، ومع أن أبي كان سائقا وأحوالنا عادية ، إلا أن المرء كان يلاحظ الفرق بين ثراء المحتلين وفقرنا . بين الملابس الأنيقة وبين ملابس ( البقج ) التي يرتديها أكثرنا .
وسأظل أتذكرها تلك الفتاة اليهودية البضة . وفيما بعد ، حين أقرأ أشعار محمود درويش ، سأكرر " والذي يعرف ريتا ، ينحني ويصلي لاله في العيون العسلية " . لقد كان فقرنا وبؤسنا ، في المخيمات ، وهو ناجم عن خروجنا من بلادنا في العام 1948 ، أمام الثراء الإسرائيلي ، لافتا ( ما متع اسرائيلي إلا بما جاع به فلسطيني ) .
فيما بعد ، وأنا أقرأ الأدبيات العربية وأبحث عن صورة اليهود فيها ، كنت أقرأ تصورات نمطية لهم ، منها أنهم يتسمون بالبخل ، ولم يخطر ببالي ، في حزيران 1967 ، أننا ، خلال فترة قصيرة ، سنعيش ، في بيوتنا ، على ال( التي ساخه)(altesache)التي سيبيعونها ، بل التي سيتخلصون منها . لقد أغرقت الضفة ، خلال فترة ، بالثلاجات ال ( امكور ) المصنوعة في اسرائيل ، وما من بيت أخذ يخلو منها . لقد احتوت بيوتنا زبالة الإسرائيليين ، وكان أهلنا يشترونها فرحين . لقد صار في بيوتنا ثلاجات .
( ارتيكا ، ارتيكا توف يا خواجة )
28/6/2016
٤
أجواء عيد :
اليوم أيضا ستظل الأجواء أجواء عيد .
في طفولتنا كنا نزعل كلما انتهى يوم .
فارقتنا عادة الزعل منذ كبرنا وصحونا على الخسارات وعشناها .
منذ حزيران 1967 عشنا نحن الخسارات وعاشها أهلنا منذ الخروج الكبير 1948 .
كنا نرتدي الملابس الجديدة ونفرح لها ، وكنا نذهب إلى السينما في المدينة فنفرح لركوب الباص وكانت همومنا أقل .
منذ حزيران 1967 ؛ حزيران الذي لم ينته ، اختلف لجيلنا كل شيء .
صباح الخير
خربشات 28/ 6/2017
٥
في العيد مشغول برسم خريطة لمسيرة شعرائنا صعودا وتراجعا ، تلقيا نقديا وتلقيا جماهيريا ؛ قراءة وحضور أمسيات وإعادة طباعة أعمال .
الأمر ليس سهلا بالطبع وتطبيق منهج ( برونتير ) الفرنسي في دراسة أشعار شاعر يبدو أمرا صعبا ومعقدا وليس فيه موضوعية ، ويبقى مجرد اجتهاد قابل للزيادة والتغيير ، بل ولصياغته من مداخلات الشعراء والاستعانة بها .
تصدر محمود درويش المشهد بلا منازع ؛ أمسيات وإعادة طباعة أعمال وتلقيا نقديا وترجمة . هذا لا خلاف عليه ولكن ماذا عن شعراء آخرين مثل أحمد دحبور ؟
هناك شعراء كثر جيدون ويستحقون ولكن ..
أحمد دحبور
عز الدين المناصرة
مريد البرغوثي
و ..و ..و ...
أحيانا يراجعني طلابي في تصحيحي أوراقهم فأقول لهم : - في التصحيح هناك بعض ظلم : إما انني أضفت لك علامة علامتين أو ظلمتك بعلامة علامتين .
هكذا أظلم بعض الشعراء أو يحظى آخرون بتعاطف .
28/ 6/2017
٦
أعتقد جازما أننا يجب أن نفكر جيدا في برامج الماجستير قبل أن نفكر في افتتاح برامج دكتوراه .
هناك ضعف علمي واضح فاضح لدى أعضاء هيئة التدريس يظهر في أبحاثهم وإشرافهم على رسائل الماجستير ، بل وفي تدريسهم ، عدا مناقشاتهم .
إن قاريء أبحاث الأساتذة ومناقش الرسائل التي يشرفون عليها يقول هذا ، ولا حاجة لأن تقوله لإدارة الجامعات ، هنا و في العالم العربي .
إنني على استعداد تام لمواجهة إدارة الجامعة بالأدلة الكافية .
٧
واسيني 29 : " هل كانت مي مثلية ؟ "
إن لم تخني الذاكرة ، وإن كنت ركزت جيدا في أثناء لقائي بالكاتب في يومي 11و12 من أيار ، في معهد القاسمي في باقة الغربية ، فإنني سمعت من واسيني ما يشير إلى ميول مثلية لدى مي .
في تقديمها لنفسها ، في بداية المخطوطة الافتراضية ، تأتي مي على تعلمها في مدارس الراهبات وفي الأديرة ، وترى أن أهلها حين أرسلوها لتتعلم هناك قتلوا الحياة فيها وقتلوها " لقد قتلني أهلي " ( 56 ) .
أرادت مي أن تحيا حياة طبيعية لا تخضع لأوامر دينية متشددة تقمع فيها رغبات الجسد الذي كان في بداية تفتحه " كنت أريد لهذا النهد أن يكبر بسرعة ، وينام في كف غير كفي " ( 57 ) .
من مدرسة اليوسفيات في الناصرة إلى داخلية مدرسة راهبات الزيارة في عينطورة ، كانت ترى وجهها وشفتيها وتتحسس نهديها المتفتحتين " ونهود صديقاتي النافرة ، وهي تهتز بغواية وشهوة ، باستدارات متقنة كأنها خرجت من بين يدي فنان " ( 57 ) وتستطرد مي - افتراضا - في الوصف والحديث عن حياة الفتيات في الدير والحرص عليهن من " أية لمسة ذكورية " .
الحرص على الفتيات من أية لمسة ذكورية ، وابتعاد الراهبات عن عالم الرجل ، أدى إلى الميل المثلي فوقعت بعض الراهبات في عشق الصغيرات .
في صفحات لاحقة ( 151 - 157 ) تأتي مي على الراهبة هيلينا وتقص عما جرى بينهما .
كانت الحياة في الدير تقوم على أن تكون لكل طالبة صغيرة أم ترعاها ، ولقد رعت هيلينا مي واهتمت بها وأخذت تعلمها العزف على البيانو ، ثم وقعت في حبها وأرادتها حبيبة قلبها في السرير :
" - أنا أمك في الدير ، وحبيبة قلبك في السرير .
- أنت أمي في الدير " ( 154 ).
كانت هيلينا تضغط ، وهي تعلم مي العزف ، على أصابعها ثم أخذت تمصها ، وذهبت إلى ما هو أبعد من ذلك ، فحممت مي واستلقت معها في السرير إلى أن ضبطتا معا ، ما أدى إلى طرد هيلينا من الدير ، وستعرف مي ، في وقت لاحق ، أن هيلينا انتحرت .
رفضت مي في البداية أن تكون لهيلينا في الليل في السرير ولما كانت تشتاق إلى حنان أمها فقد استسلمت .
هل أدى هذا إلى ميول مثلية لدى مي ؟
تتذكر مي هيلينا وقصتهما معا حين ترى الممرضة سوزان / بلوهارت ولكن علاقتهما معا ظلت علاقة احترام .
ثمة موطن في الرواية تعبر فيه مي عن علاقتها بالممرضة سوزان يشير إلى ميل مثلي لمي ، وإن كان الدافع لرغبة مي هو بحثها عن الحنان المفتقد :
" نظرت بلوهارت إلى وجهي البارد فامتلأ دفئا . مدت لي يدها الناعمة . تلمستها . تشتهيت تقبيلها . الوحيدة في هذا العالم الأصم من يهتم بي . .... أحب أصابع المرأة لأن بها شيئا من اللغة الخفية . لا أحب كثيرا أيدي الرجال لأني لا أرى فيها أية نعومة ، سوى المزيد من اليقين والخوف ، والعنف المبطن في شكل قبضة حديدية " ( 123 ) .
٢٠١٨
٨
غسان كنفاني ... والمخيم
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
في 12 حزيران كتبت إنعام الخفش على صفحة الفيس بوك الخاصة بها أن
غسان كنفاني
، لو بعث وقرأ أنها مازالت تكتب بالطريقة التي كتب فيها ، لسخر منها ومن كتابتها ؛ لأن غسان وما كتبه هو ابن مرحلته التاريخية وهي ابنة مرحلة تاريخية مختلفة عليها أن تكتب انطلاقا منها .
لو بعث غسان فهل سيكتب من وجهة النظر التي تبناها أم أنه سيكتب بطريقة مختلفة تتلاءم ومعطيات زماننا ؟
تعني الدارسة الآتي : عاش غسان في زمن مختلف فكتب ما كتب ، ومنذ استشهاده جرت في النهر مياه كثيرة مختلفة .
الدارسة تساءلت وماذا لو قرأ ما تكتب ولاحظ أنها ما زالت تتبنى أطروحاته ؟
أظن أنني عقبت بالآتي : يفضل أن يبقى على قناعاته وأن يواصل الكتابة التي قرأناها في أعماله .
وجهة نظري أننا كنا أكثر صدقا مع أنفسنا وأن الهزيمة لم تكن تمكنت منا ، لنبرر حلولا فرضها علينا ضعفنا وتشرذمنا وسوء الأوضاع في العالم العربي الذي يعيش اليوم أسوأ حالاته .
إنعام الخفش تنهي ما كتبت بأن عليها أن تكتب وفق معطيات زمنها ، ولهذا قررت أن تعمل تهوية لأفكارها .
في ليلة السابع والعشرين من حزيران وجدتني أسير في مخيم عسكر القديم .
حننت إلى شارع ذرعته مرارا ، أيام الصبا ، قبل أربعين عاما ، بصحبة الأصدقاء.
كان الشارع يؤدي إلى مدرسة البنات التي كانت محط أنظار كثيرين من المراهقين ، وكان في الليل أكثر هدوءا من شارع المخيم الرئيس المؤدي إلى نابلس ؛ أكثر هدوءا لأن السيارات العسكرية الإسرائيلية لم تكن تقترب منه ، هي التي كان الشارع الرئيس طريقا أساسيا لها قبل أن تشق إسرائيل طرقا خارجية أكثر أمنا .
كان السير على الشارع الرئيس مخاطرة غير محمودة العواقب ، خوفا من سيارات الاحتلال ومن السيارات و المركبات العامة ، ولذلك ابتعدنا عن الشر وغنينا له ، وصار الشارع الثاني شارعنا ، فكنت ليلا ترى شباب المخيم يذرعونه زرافات ووحدانا .
أحيانا كنا نسير على الشارع الداخلي ساعات طويلة ، ولم يكن أهل المخيم يحتجون .
لماذا لم يكونوا يحتجون ؟
ربما لأننا كنا أخلاقيين وربما لأن الشارع كان عريضا جدا وكانت البيوت تبتعد عنه أمتار .
قبل أن تغدو المراحيض جزءا من المنزل ، كان في الشارع مراحيض عامة ؛ قسم منها للرجال وقسم خاص بالنساء ، ولاحقا أزيلت هذه وتلك .
لم أذرع الشارع -كما ذكرت- منذ عقود ؛ وتحديدا منذ أربعين عاما ، فقد تركنا الإقامة في المخيم في العام 1978. ربما أكون عبرته مرة أو مرات لزيارة صديق أو لتعزية عائلة أو لرؤية بيت نسفه الإسرائيليون لانتماء أحد أفراد الأسرة إلى المقاومة والقيام بفعل مقاوم . ! ربما !
في ليل السابع والعشرين من حزيران وجدتني أسير في الشارع نفسه .أهو ضرب من الحنين ؟
قبل أقل من عامين شاركت في مؤتمر السرد الخامس الذي عقدته رابطة الكتاب الأردنيين في عمان . على هامش المؤتمر زرت جبل الحسين والمخيم الملاصق له . كنت قرأت رواية " رغبات ذلك الخريف " 2010 لليلى الأطرش التي أتت فيها على مخيم الحسين ووصفت هدم قسم من بيوته لشق طريق يؤدي إلى مدينة إربد . أردت أن أرى كيف أصبح المكان الذي عرفته جيدا في فترة دراستي في الجامعة الأردنية من 1972 حتى 1976 ومن 1980 حتى 1982 ولطالما سكنت في تلك المنطقة . الرواية حثتني على رؤية المكان ، ولم تكن الزيارة بدافع الحنين .
علاقتي بشارع مخيم عسكر القديم علاقة مختلفة . فترة المراهقة ومكان التنزه ليلا هربا من بيوت مساحتها صغيرة وسكانها كثر . بيوت تضيق بسكانها .
هل عرفت المكان ؟
كما لو أنني في مكان آخر مختلف كليا .
قبل 1978 كانت المساحات واسعة والارتدادات بين البيوت ملحوظة . كانت الأشجار تفصل أحيانا بين بيت وآخر ، ولم تكن البنايات العمودية قائمة ؛ لأنها كانت ممنوعة أصلا . الآن كل شيء اختلف ؛ البيوت متلاصقة والأشجار معدومة والزقاق الواسعة شبه منعدمة والشارع العريض غدا شارعا ضيقا ، ولا مساحات لملعب كرة طائرة . ومع ذلك لا تعدم رؤية طفل أو ثلاثة أو خمسة بطابة تتقاذفها أرجلهم .
كنت أردت أن أمر بمحاذاة مدرسة الإناث لأرى كيف صارت فوجدت الناس يحتفلون بزفاف ، وفضلت عبور زقاق فرعي . كما لو أنني لا أعرف المكان إطلاقا .
وأنا أذرع الشارع تذكرت سؤال إنعام الخفش واسترجعت بعض نصوص غسان كنفاني التي أتى فيها على المخيم .
لم يقم كنفاني في بيئة المخيم إطلاقا ، ولكنها كانت حاضرة في أعماله وأعتقد أنها حضرت لأسباب هي أنه لاجيء وأنه عمل في دمشق في مدارس وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين وأن أم سعد الشخصية الرئيسة في رواية " أم سعد " كانت من المخيم وحدثته كثيرا عن قسوة الحياة فيه ، ثم إن غسان في 50 القرن 20 زار غزة ومخيماتها .
للأسباب السابقة حضرت في قسم من أعماله بيئة المخيم . في " أم سعد " وفي "القميص المسروق " وفي قصص قصيرة أخرى ، ومن المؤكد أن صورة المخيم في الأعمال المشار إليها صورة قاسية غير مريحة على الإطلاق ، ولكنها تبدو أقل قسوة مما هي عليه الآن .
مرة سئلت : من تابع الكتابة عن المخيمات في لبنان بعد غسان كنفاني ؟ وأجبت : سامية عيسى في " حليب التين " .
ترى ماذا كان غسان سيكتب لو بقي على قيد الحياة ؟
الصورة تزداد قتامة .
٩
جوخة 40 :
جوخة الحارثي : الليلة الأربعون
لا أدري لماذا تذكرت كتاب " الإمتاع والمؤانسة " لأبي حيان التوحيدي ، وأنا أكتب هذه الفقرة ؟
لقد قررت فجأة أن أتوقف عن متابعة الكتابة . أهو الملل ، مللي أنا أم ضجر القراء ؟
سوف أتذكر أيضا بيت أبي نواس يخاطب النظام :
" فقل لمن يدعي في العلم فلسفة
حفظت شيئا وغابت عنك أشياء "
ولقد كتبت شيئا ولم أكتب أشياء ، وليس ما كتبته خاتمة القول في الرواية ، وكما يقول التفكيكيون ، فليس هناك قراءة نهائية لنص من النصوص ، وكل قراءة هي إساءة قراءه ، ومن يدري ، فقد أعود إلى الرواية فأكتب ما لم أكتبه ويستحق الكتابة مما غاب عني ، وقد أعود لأكتب ما أسأت قراءته ، فأكتب قراءة ثانية أهدم فيها القراءة السابقة .
إن ما كتبته في الليالي الأربعين كان قراءة دارس للنص لا قراءة قاريء ، ولقد كنت بدأت بقراءة الرواية قبل أن تفوز بجائزة مان بوكر ولم تأسرني ، ولم أكن الوحيد الذي ركن الرواية جانبا بعد القراءة الأولى ، فلقد عقب قراء كثر على ما كتبت وأبدوا رأيا مشابها .
أحد قراء المقالات ، وهو قاريء حصيف ، ربط بين الرواية ورواية ( غابرييل غارسيا ماركيز ) " مائة عام من العزلة " وقال إنه قرأ رواية ( ماركيز ) ولم يستمتع بها في قراءته الأولى ثم عاد وقرأها ثانية ، فاكتشف سحر عالمها . فهل حدث معي وأنا أقرأ رواية "سيدات القمر " ما حدث معه وهو يقرأ رواية الكاتب الكولومبي العالمي الذي فاز بجائزة نوبل للآداب على روايته المذكورة ؟
هل نتذكر ( ماكندو ) ونحن نقرأ عن " العوافي " ؟
تؤدي العزلة والانغلاق في رواية ( ماركيز ) إلى ولادة طفل بذنب خنزير ، إن لم تخني الذاكرة ، وتنتهي " سيدات القمر " بالتخلص من محمد الصغير المنغولي ، وكلتا الروايتين تحفلان بعالم غرائبي سحري ، وكلتاهما تكتبان عن مائة عام من حياة القرية .
عالم عجائبي غريب تملؤه الحكايات والأساطير ، ولكن جوخة الحارثي تستعير من ( ايزابيل اللندي ) الروائية الأمريكية اللاتينية مقولة عن غرابة الواقع الأغرب من الخيال ، فلم لا يحدث في عالم الواقع ما حدث في العوافي من أحداث وقصص وحكايات لا يصدقها قسم منا .
كنت أظن أن العوافي قرية موجودة على خريطة عمان ، ثم عرفت من مقابلة مع الكاتبة إنها قرية مخترعة ولكنها تمثل قرية عمانية ، وعرفت أن الكاتبة جمعت قصص روايتها مما سمعته من حكايات في بلدها وبحثت فوق ذلك في الأرشيف ، فالرواية تجمع بين القصص والحكايات وبين أحداث تاريخية مرت بها عمان .
أنهى أبو حيان كتابه بالليلة " الأربعين " ولسوف أتوقف مبدئيا عند الليلة الأربعين ، ولعلني قدمت إضاءات للرواية العربية الأولى التي فازت بجائزة مان بوكر للرواية العالمية ، ووقف اسم مؤلفة الرواية جوخة الحارثي إلى جانب أسماء عربية أخرى فازت بجوائز عالمية : نجيب محفوظ والطاهر بن جلون و ..
٢٠١٩
١٠
الست كورونا : ظلال المخيم ( ٩ ) :
أخذت الكورونا تلقي بظلالها على المدينة كما لم تفعل من قبل ، فمنذ نهاية آذار حتى منتصف حزيران خلت تقريبا من الإصابات ، ومنذ أسبوعين بدأت تتخذ منحى مختلفا ؟
كانت التوقعات أن موجة ثانية من الكورونا قد تأتي عنيفة في تموز و آب ، وها نحن في نهاية حزيران .
إغلاق أكثر من مشفى أو مستوصف لأيام قليلة تعقم خلالها لتعود من جديد تؤدي وظيفتها ، ثم إقامة حواجز بين أجزاء المدينة وإغلاق جزئي ليوم أو يومين ، وامتد الإغلاق إلى بعض قرى مجاورة ، واليوم تم إغلاق مخيم بلاطة للاجئين . أمس اكتشفت فيه حالة وصارت سبع حالات ، فعائلة المصاب كلها انتقلت العدوى إليها ، واليوم تضاعف العدد ، وبيئة المخيم تربة صالحة لكل شيء ؛ الثورة والفوضى والمشاكل الاجتماعية ، وهي بيئة تزود المدينة بالأيدي العاملة وقد تحقق بطولة دوري كرة القدم على مستوى الضفة الغربية ، واحتراف اللعب صار ظاهرة في بلادنا ، ولا أعرف إن كان هناك بين لاعبينا من ينعت بميسي ورونالدو ومحمد صلاح !
في الحافلة سألني السائق الذي يضع كمامة عن سبب عدم وضعي لها ، فأجبته إنها في الحقيبة ، ولكني حتى اللحظة لم استسغها علي فمي .
الحركة في نابلس شبه عادية وسائق سيارة الأجرة / التكسي الذي عدت في سيارته شرح لي سبب عدم تشديد الحكومة في هذه الأيام وسبب قبولها باتباع سياسة القطيع . السائق قال لي إن الشهر الثاني يكاد ينتهي ولم تصرف الحكومة الرواتب وهي تخاف من انفجار الأوضاع ، فقلة ما في الجيب قد يقود إلى انفجار . لقد اقترح أيضا أن يسهم كل قادر في الأسرة على مساعدة أقاربه المعدمين ، وذلك بإنشاء صندوق " وقفة عز " عائلي ، وكدت أسأله إن كان قرأ خربشاتي .
الأجواء صيفية بامتياز والعمال يصرون على شرب المياه الباردة وأنا أعلمهم أنني لا أضع الماء في الثلاجة ، وإنني أشربه ساخنا لقتل الفايروس ولأسباب صحية أخرى ، وأبتسم حين يتحدثون معلنين انهم ريفيون وليسوا مدنيين ، وأقول لهم إننا نجسد في عائلتنا الوحدة الوطنية تقريبا ؛ المدينة والريف والمخيم ، فهناك فتح وحماس ويسار ؛ هناك متدينون محافظون وشبه علمانيين ، ولذا يعلو صوتنا أحيانا ، علما بأنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة . هل صحيح حقا أنه لا صوت يعلو فوق صوت المعركة ؟
هناك صوت الرئيس محمود عباس وأصوات عزام الأحمد وعدنان الضميري وتوفيق الطيراوي وحسين الشيخ ، وهناك في غزة صوت اسماعيل هنية وصوت أبو عبيدة وصوت الناطق الرسمي باسم الحكومة ولم نعد نسمع صوت محمود الزهار ، ولا صوت للمعركة في ظل معمعة الأصوات هذه كلها ، فلقد غاب صوت المعركة منذ زمن كما غابت أصوات مشجعي كرة القدم في الملاعب الرياضية وصارت المباريات تجري مثل زواج زوجين ارتكبا فعلا شنيعا معيبا فضبضب الأمر .
أعراسنا في زمن الكورونا صارت أيضا كذلك .
الكورونا تلقي بظلالها على الحياة كلها ، كما لو أنها نكبة ١٩٤٨ أو هزيمة ١٩٦٧ أو اجتياح بيروت ١٩٨٢ أو اجتياح مدن الضفة الغربية في ٢٠٠٢ .
ماذا يفعل الناس في مخيم بلاطة في هذا الصيف اللاهب ؟
٢٨ حزيران ٢٠٢٠
١١
حالة تعبانة يا ليلى :
ثمة ملل ونوع من الاكتئاب ، فما يجري لا يسر الخاطر . صرنا نقرأ عن شبيحة فلسطينيين ونصغي إلى شعارات " بالدم بالروح نفديك يا رئيس " ، كما لو أننا في سوريا الشقيقة في ربيع ٢٠١١ " بشار الأسد أو لا أحد .. بشار الأسد أو إحراق البلد " ، وصرنا نخشى على المعارضين من مصير مشابه لمصير نزار بنات ، وغدت أشرطة الرئيس في فترة ولايته الأولى تتناقل لتبين أن كرسي الرئاسة كرسي يسحر ويغير كثيرا من الأشخاص حتى المثقفين منهم ، وذهبت قراءاتي لقصص أبو إبراهيم لاستنباط صورة له منها أدراج الرياح ، فالموقع يغير في الموقف و ... .
حالة تعبانة ، فما إن انتهينا من الحرب والاحتجاجات ضد الدولة الإسرائيلية حتى بدأنا احتجاجات ضد سلطتنا ، وثمة شرطة وقنابل غاز ونساء يضربن ورؤوس تكسرها الحجارة منذ أيام ( رابين ) .
في وصف حالتنا استعير عنوان كتابي " أدب المقاومة ... من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات " ، وقد تذكرته وأنا أقرأ رواية يحيى يخلف الأخيرة " الريحانة والديك المغربي " . قرأت رأي الروائي عادل فيما آل إليه " النهايات الحزينة " وقبل يحيى يخلف رفع أبو بشار العلم وأقر ببؤس أوسلو .
حالة تعبانة يا ليلى .
فازت بلجيكا وخسرت البرتغال ، والدنيا يومان يوم للبرتغال ويوم لبلجيكا
٢٨ حزيران ٢٠٢١
١٢
حراسة الذاكرة : في ذكرى الشاعر توفيق زياد
عادل الاسطة
تمر في الخامس من تموز ذكرى رحيل الشاعر توفيق زياد ، وغالبا ما لا يحتفل بها الفلسطينيون والعرب احتفالهم بذكرى غسان كنفاني . في ذكرى الثاني تكتب المقالات وقد تعقد الندوات وفي ذكرى الأول قد يكتب مقال أو مقالان أو ينشر خبر وقليلا ما تقام ندوة . وإن أردت أن أتذكر ما قمت به شخصيا في ذكرى رحيل الاثنين فإنني أعزز ما سبق . كتبت مقالات كثيرة في ذكرى غسان وشاركت في غير ندوة وقليلا ما كتبت في ذكرى وفاة توفيق ، والشيء نفسه يصلح لأن يقال عن ذكرى وفاة محمود درويش وسميح القاسم وعبد اللطيف عقل الذين تمر ذكرى رحيلهم في شهر آب . كل عام أكتب عن الأول وألتفت إلى الثاني والثالث كل بضعة أعوام ، ولا يقتصر هذا علي ، ففي ذكرى درويش تدبج المقالات ويعاد نشرها وقليلا ما يكتب عن القاسم ونادرا ما يتذكر عقل .
ما سبق حثني على التفكير في الأسباب : أتعود إلى جانب أدبي أم إلى فعل الاستشهاد أم إلى العلاقات الشخصية أم إلى الجهة السياسية التي تقف وراء كل واحد من هؤلاء أم إلى تقارب ذكرى كنفاني وزياد وتقارب ذكرى الثلاثة المذكورين أم أن المحتفين يرون أن احتفاءهم بواحد يعني احتفاءهم أيضا بالآخرين وأن ما ما يقومون به هو أقرب إلى فرض الكفاية ؟
عندما كتب درويش قصيدته " سنة أخرى فقط " لاحظ أنه تحول إلى شاعر رثاء فأراد أن يكتب قصيدة رثاء واحدة فقط . لقد أدرك أيضا أن الرثاء تعب من الضحايا ، وقد أخذ على شعره بعد مغادرته الأرض المحتلة أنه غدا شاعر رثاء لكثرة قصائده في الموضوع . وأنا شخصيا صرت ألاحظ أن كثيرا من كتاباتي صارت تحفل برحيل الرموز ، ما دفع مرة قارئا إلى التعبير عن ضجره ، فهي مقالات تلوك في أسماء محددة .
وأعود إلى السبب الذي يكمن وراء كتابتي عن كنفاني ودرويش أكثر من كتابتي عن زياد والقاسم وعقل وجبرا وفدوى وغيرهم وأرده إلى قوة تأثير نصوصهما في شخصيا وإلى ثرائها المعرفي وتفرغهما للأدب الذي صار مع القضية الفلسطينية قضيتهما الأدبية والحياتية والإنسانية ، ففي القضية الوطنية تتشابه علاقة الأسماء المذكورة بها وتتقارب وقد يكون بعض المذكورين أولى السياسة أكثر بكثير من الأدب ، بل إن الأمر كذلك .
حين نقارن اهتمام كنفاني بالأدب وتنوع إنتاجه فيه باهتمام زياد نلحظ ما سبق ، وحين نقارن عطاء درويش الشعري بعطاء زياد الشعري نلحظ أيضا ما سبق . كتب كنفاني القصة القصيرة والرواية والمسرحية والدراسة والمقالة وكثرت نصوصه في هذه الأجناس ، وقلت نتاجات زياد في القصة القصيرة أو المقالة الأدبية والدراسات وإن أصدر عدة دواوين شعرية ، ثم إنه انقطع عن كتابة الشعر لسنوات طويلة لتفرغه للعمل السياسي في الحزب ورئيسا لبلدية الناصرة .
كل ما سبق حقيقة ولكن تبقى هناك القيمة الأدبية وتفاوتها بينه وبين كنفاني وهذا ما جعلني أفكر مليا في طبيعة أشعار زياد . حقا إنني أنجزت عن مجموعته القصصية الفولكلورية " حال الدنيا "( ١٩٧٤ ) دراسة مطولة إلا أن ما كتبته عن أشعاره قليل جدا قياسا بما أنجزته عن أشعار درويش .
مرة كتبت مقالا عنوانه " توفيق زياد ناقدا " أتيت فيه على موقفه من مجموعتي درويش " أوراق الزيتون " و " عاشق من فلسطين " ورأيت أن ما كتبه يمثل خلاصة رأيه في الشعر وينطبق على أشعاره التي تبدو فنيا قصيدة واحدة تختلف مناسباتها وأنها - أي أشعاره - لا تدفع المرء إلى الكتابة المتعددة المتنوعة عنها ، وأنني إذا ما أردت أن أكتب عنها مرارا فسوف أكرر الكتابة .
يكتب زياد ، حين يتناول تعدد مدلولي الأب والقمر في المجموعتين ، ما يعزز الرأي السابق . كان درويش يستخدم الدال الواحد لغير مدلول ، فدال الأب ودال القمر لم يردا في المجموعة اللاحقة بالمعنى نفسه الذي وردا فيه في المجموعة السابقة ، وهذا ما لم يعجب زياد فخاطب درويش مقدما له النصائح الآتية :
" خلك على أبيك الأول يا محمود ! إنه حقيقي أكثر "
و :
" أنصحه أن لا يظلم القمر هذا الظلم الصارخ بل أن سلوكه معه . لا تحط عقلك في عقله يا محمود ! فهو طول عمره جميل ولا مقل له " ( أنظر مقالتي " توفيق زياد ناقدا: في الذكرى الثالثة لوفاة الشاعر " ( ١٩٩٧ ) في الأيام الفلسطينية ) .
كما لو أن نصائح زياد لدرويش تطلب منه ألا يتطور وأن يستخدم المفردة الواحدة استخداما يقتصر على معناها القاموسي ، وهذا ما لم يرق لاحقا لدرويش فكتب عن تجربته في الأرض المحتلة وعن موقفه من اللغة الشعرية " المهم أن القيمة الاستعمالية للغة يجب أن تتمرد باستمرار ، وإلا سيصبح الشعراء متشابهين " وأنه لو ظل يكتب على غرار قصائد " أوراق الزيتون " لكتب ديوانا واحدا مكررا ولما تطور شعريا " هل أن أكون صدى مكررا لما كنت ؟ هل أحافظ على الصورة القديمة ، أم أبحث عن لغة جديدة وقصيدة جديدة ؟" و " طالبني النقد الماركسي الرسمي بالعودة إلى ماضي ، وأي ماض كان لي ؟ وليس سوى كتاب واحد . عند كل ديوان أجد نقادا يطالبونني بالعودة إلى ديوان مضى ... " .
هل عرف السبب الذي من أجله احتفل بأسماء أكثر من أخرى ؟
كتب زياد القصيدة الواضحة التي تحتمل قراءة واحدة ، وكانت مجمل أشعاره كما لو أنها قصيدة واحدة ولم يكن يرى الشعر أكثر من تعبير عن موقف سياسي أو حزبي أو وطني ولم يكن ليهتم بسؤال مكانته شاعرا في خريطة الشعر الفلسطيني أو العربي أو العالمي ، ولم تكن أسئلة اللغة لتعنيه كثيرا ، ثم إنه مال إلى السياسة وانشغل بها عن الشعر ، و ... و .... والموضوع قابل للنقاش . .
الاقتباسات :
١ - أقوال توقيق زياد من مقالته التي أدرجها نبيه القاسم في كتابه " دراسات في الأدب المحلي " .
٢ - أقوال محمود درويش من مقابلتين أجريتا معه ونشرت واحدة في مجلة " الشعراء " تحت عنوان " المختلف الحقيقي " أجراها معه حسين البرغوثي وآخرون والثانية نشرت في مجلة " مشارف " أجراها معه عباس بيضون .
٣ - من مقالي " توفيق زياد ناقدا " ونشر في جريدة " الأيام الفلسطينية " ١٩٩٧ .
الثلاثاء والأربعاء
٢٨ و ٢٩ حزيران ٢٠٢٢ .
مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية في ٣ تموز ٢٠٢٢ .
١٣
رحيل عالم الاجتماع والروائي السوري حليم بركات :
في صفحة الروائي العربي اللبناني إلياس خوري Khoury Elias قرأت اليوم عن وفاة عالم الاجتماع العربي السوري حليم بركات .
ما من طالب علم اجتماع في جامعة النجاح الوطنية في سنواتها الأولى لم يتتلمذ على كتاب " المجتمع العربي المعاصر " فقد كان أحد مقررات القسم .
لا أعرف إن كان الروائيون الفلسطينيون في فلسطين المحتلة قرأوا أية رواية لبركات أو قرأوا تحليلاته الاجتماعية للرواية العربية ، ففي طبعة موسعة من الكتاب أفرد صفحات كثيرة لفن الرواية قمت شخصيا بتدريسها في مساق " موضوع خاص في الأدب العربي الحديث " وفيها يأتي على بعض رواياته .
ما من قاريء لأثر حرب حزيران في الرواية العربية إلا قرأ عن بعض رواياته ومنها " عودة الطائر إلى البحر " .
شخصيا قررت له رواية " طائر الحوم " التي يكتب فيها عن حياته الشخصية بجرأة نادرة ، فالكتابة عنده " اعتراف بأسرار مكبوتة " وعندما كتب الروائي النجدي عبد الرحمن منيف مقدمة لطائر الحوم لفت انتباهه ما كتبه حليم عن نفسه :
" تفرج يا حبيبي وشوف
حليم بركات عالمكشوف " .
في " طائر الحوم " يكتب الروائي عن الحمامة ومدلولها لدى العرب و ... .
في نص " ليل الضفة الطويل " أوردت نكتة رواها الفلسطينيون عن عضو الوفد الفلسطيني لمفاوضات السلام حنان عشراوي .
تقول النكتة :
افتقد الوفد الفلسطيني عضو الوفد المفاوض ح . ع فلما سأل أعضاؤه عنها أجاب أحد العارفين بتحركاتها :
- إنها ذهبت تبحث عن حمامة السلام .
لا أعرف إن كان الدكتور عمر القزق الذي كتب أطروحة الدكتوراه الخاصة به عن الأكاديميين الروائيين ، لا أعرف إن كان درس حليم بركات باعتباره من أوائل الأكاديميين العرب الذين كتبوا الرواية .
٢٨ / ٦ / ٢٠٢٣
١٤
غزة / لبنان ( ٢٦٦ ) :
العودة إلى العصر الحجري :
حيرنا الصهاينة في مزاعمهم وقد تكون حيرتنا ناجمة عن نظرتنا الساكنة التي لا تقرأ المكتوب مقترنا بزمن كتابته .
الصورة التي رسمها الأب المؤسس الروحي لفكرة الدولة اليهودية ( ثيودور هرتسل ) بدت زاهية : قطارات كهربائية من القدس إلى بيروت فدمشق وعبر الأردن إلى بغداد . شجر يوكالبتوس يزين الأرض التي أقفرها العرب وأفقروها وحولوها إلى خراب . تعايش رشيد بك مع اليهود القادمين وزيارات ورحلات وإن لم تنخرط فيها زوجة رشيد بك . الكنيس والكنيسة والجامع وحديقة البهائيين جنبا إلى جنب و ... و ... وأين أنت يا سويسرا وريفيرا ومصانع ألمانيا ؟
انتهت الحرب العالمية الأولى في أربع سنوات والثانية في ست سنوات وأما الحرب الصهيونية مع الفلسطينيين ، فما زالت ، منذ ستة وسبعين عاما ، تتقد . المدن تهدمت والجامعات والمشافي والصالات ومراكز الثقافة والدواوين صارت ركاما من الاسمنت المسلح وسويت قرى كثيرة بالأرض و ... و ... .
أمس صرح وزير الدفاع الإسرائيلي ( يوآف غالانت ) بأنه قادر أن يعيد لبنان إلى العصر الحجري وزغردي يا انشراح .
جمعة مباركة ومنذ ٧ أكتوبر حتى الآن لم تمر على أهل قطاع غزة جمعة مباركة واحدة حتى جمعتا العيدين .
٢٨ / ٦ / ٢٠٢٤
١٥
غزة 631 :
الأمور جاهزة : فشل المفاوضات
في صفحة أبو أحمد سمور قرأت المنشور الآتي :
" ويتكوف في القاهرة ،
والأمور جاهزة ومبشرة جدا ،
باقي فقط الإعلان عن فشل المفاوضات "
وقرأت التعليقات التي تفصح عن واقع أسود شبه يائس يعبر عنه بروح الفكاهة الساخرة والدعابة .
- لماذا لا تعلنها يا أبو أحمد ؟
- وما الجديد ؟ دائما كانت مبشرة وانتهت دائما أيضا بالفشل .
كانت ليلة أمس في غزة ليلة دموية ، فقد دفن بعض سكان الخيام ، نتيجة القصف الإسرائيلي ، أحياء ، وجرت محاولات إنقاذهم بوسائل بدائية ؛ تحديدا بالأيدي .
ما زالت أكياس الطحين والحصول عليها تشغل بال أهل قطاع غزة ، وأكثر أشرطة الفيديو تري وحشة الطريق ، وكثيرون يتحدثون عن قتلى يوميا وعن سرقات أيضا ، وما لفت نظري هو شريط فيديو واحد فقط يتحدث فيه شاب عن شرائه كيس طحين بمائة شيكل ، وقال إنه حصل عليه بهذا السعر لأن شباب وحدة " سهم " التابعة لحماس يطلقون النار على المستغلين . وأهل غزة أدرى !!
صور الأطفال الذين لم يبق منهم سوى عظامهم لفتت الأنظار . لقد قاربوا على الهلاك جوعا .
هل ستنتهي الحرب في غزة لتبدأ في الضفة ؟
منذ أيام والمستوطنون يعربدون ويحرقون ويهددون . من الخليل مرورا برام الله وقراها وليس انتهاء بنابلس ، ف الأغوار أيضا في خطر ، وسكانها يعانون ، وأما أنا ومن أتجادل معهم ، فغارقون في تحميل مسؤولية ما يجري لطرف ما . كل حسب انتمائه ، وليس لك إلا أن تترحم على الشاعر إبراهيم طوقان الذي قال :
في يدينا بقية من بلاد
فاستريحوا كي لا تطير البقية .
في ١ / ١٠ / ٢٠١٩ تقاعدت من عملي مدرسا جامعيا ، وبدلا من أتجول في هذا العالم وجدتني رهين الشقتين أكتب يوميات الكورونا ويوميات حرب طوفان الأقصى ، ولقد صرت أبرز كاتب يوميات في الأدب الفلسطيني . دقوا ع الخشب . لقد ذهب العمر هباء ، وكله أمام ما يجري في غزة يهون .
٢٨ / ٦ / ٢٠٢٥





[HEADING=2][/HEADING]

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...