لحسن وحي - زريقة وهزيمة اللاواعي أو ( Technique de représentation psychologique )

بينما كنتُ أحصي أزقّة مدينة الدار البيضاء بحماري الحديدي، كمجنونٍ يبحث عن ظلٍّ منفلتٍ من قُبّة الصيف، أو كعاشقٍ يطارد طيفاً هاربًا من ظلال الظلال، وفي هدير المدينة أبصرتُ شابًّا بدويًّا، شاحبَ الملامح، قصيرَ القامة، غريبَ الشكل، مألوفَ الروح. كان وجهُه مستديرًا نسبيًّا، ذا بشرةٍ فاتحة، ويبدو شعرُه الخشنُ كثيفًا ومتماسكًا. اقتربتُ منه فجأةً، كمن يقترب من سرٍّ معروف، أو كمن يسير نحو بئرٍ مكشوف، وسألته: « أأنتَ " أيور" من القرية المباركة؟ »

قال: « نعم ».

فأتبعتُها بسؤالٍ آخر: « أَتاريخُ ميلادك كذا وكذا؟ »

قال: « صح »

ثم همستُ له بعد أن وضعتُ يدي على كتفه اليسرى: « أتتكلّم لغتي، لغة السماء، لغة ما وراء الإنسان .. لغة ما وراء الموت وما خلف الجسد.. »

قال: « نعم ولا..»

فكانت دهشتي أعظمَ من دهشته، وفيما هو يُخمِّن من أكون، سألته: « ألا تعرفني؟ » فقال: «لا»

فأجبته:« بل تعرفني، فأنا " زريقة " ، الشبيه السادس من الحروف المقدَّسة، الذي سُرقت منه العيون، وبقيت روحه تائهة تبحث عنك منذ مدّة أطول من ذيل فيل، في الزمن الاوغسطيني »

بعد دقائق من اللقاء، قادني " أيور" مباشرةً إلى وسط المدينة بكل ثبات، كأنّه يريد أن يتقاسم معي قصّةً ما، وهو يُلحّ عليّ أنّه منزعج المزاج، إذ أردف قائلًا:« لقد حاولتُ أن أتخلّص منك مرارًا وتكرارًا دون جدوى، كما تتخلّص مدن الصفح من سكانها هذه الأيام ... كيف عرفتَ اسمي وتاريخ ميلادي؟»

فكان ردّي: « خيرٌ للمدينة أن يهلك جانبٌ منها، على أن تهلك المدينة كلّها. فلم يكن هدفي إزعاجك قط، فقد أصرَّ ما كان يسيطر عليَّ أن يجرك إليَّ، كما جرّني إليه في تاريخنا القديم. أتتذكّر عبد النبي؟ »

فأجاب:« لم يسبق لي أن سمعت بهذا الاسم فيما مضى من الأمس الأزلي، بل إن مثل هذه الأسماء نادرة جدًّا في قبيلتي المباركة.»

فرددتُ موضِّحًا: « عبد النبي، من لا يعرفه! إنّه شخص وُلد شريرًا وسيبقى كذلك؛ فماهيّته سبقت وجوده. يكفي أن تفتح يديك وتتأمّل فيهما جيّدًا لتتذكّر عبد الشرّ لا عبد النبي. بل انظر إلى الخطّ العابر بين يديك، فستجد شيئًا من عبد النبي.»

فتح " أيور" يديه فلم يلمح سوى خطٍّ يمرّ من اليمنى إلى اليسرى، ويبدو أنّه لم يفهم قط. فقلتُ له في استغراب: «أَوَلَمْ تُحِسَّ بشيءٍ ما فور رؤيتك لي؟ أَلَمْ يختلج فؤادَك إحساسٌ غريب، وأنت ترمقني بعينيك المتوهجتين، وتصافحني بروحك قبل يديك؟»

فأجاب وملامحه مستقرة:« لم أحسّ بأيّ شيءٍ سوى نبضٍ خافتٍ في يدي اليمنى، أشبه بصعقةٍ خفيفةٍ من الكهرباء تمرّ من يدٍ إلى أخرى. في الحقيقة، أزعجني هذا الإحساس؛ إذ نادرًا ما شعرت به طوال حياتي.»

فقلت له:« دعني أخبرك سرًّا؛ إنّنا نحمل نفس تاريخ الميلاد، ونفس الاسم في لغة السماء، ونعشق الحرف ذاته والرقم نفسه... إنّنا نواجه المصير ذاته، والمعاناة نفسها، والمسرّات عينها: أرقٌ في الليل، وقشعريرةٌ غريبةٌ في النهار، رؤية أشباحٍ وطوابق هوائية هنا وهناك... وكم هو مؤلم أن يرى المرء ما لا يراه الآخرون، وكم هو أشدّ إيلامًا أن يحسّ الإنسان بما لا يحسّه الناس العاديون.. »

زاد فضول " أيور"، فلم يبرح مكانه، وأحسّ بشيءٍ ما بداخله يرفض تصديق ما كنت أبوح به، فقال لي: « أخبرني القصّة كاملة، وأرحني»

فقلت له مباشرةً: « عبد النبي، رجلٌ لا يستحق الوصف، ذات مساءٍ من مساءات القرية المباركة، أو قُل قبل أن يبتلع البحرُ سمكَه المظلم، وشمس الصيف الحارق. أوهم والدتك أنّه ابن عمّك " موسى" من القبيلة الملعونة. وكان عبد الشرّ يعلم علمًا واسعًا أنّك تمتلك هالةً خطيرةً جدًّا تهدّد وجوده وكيانه. فرافقك في حين غرة إلى خارج القبيلة، وقرأ عليك تعويذاتٍ خطيرةً جدًّا، سمحت له بأن ينقل تلك الهالة (الشاكرة) أو الطاقة الروحية/الحدس المفرط التي وهبتك السماء إياها. وبالفعل، نجح عبد الشر في سرقة هالتك الخطيرة. ومنذ ذلك الحين، وأنا أبحث عنك في هذه المدينة الكبيرة التي لا تعرف حدًّا ولا حدودًا، مدينةٍ تبتلع كلَّ شيءٍ ما عدا بؤس الناس وشرّهم..»

"أيور" وهو يعبث بخصلات شعره بأظافره، وعيناه تومضان بقلقٍ خفيٍّ كأنهما تنطقان: نحن نبحث عن الخلاص فقط. قال متسائلاً: أعبدُ النبي بهذه الخطورة؟ وهل سرق منك أنت أيضًا شيء من هذا القبيل؟

ابتسمتُ بمرارة وأجبته: من يستطيع التغلب على عبد النبي، كمن يوهم نفسه أنّه قادر على هزيمة القدر، لكن ذلك ليس سوى ضربٍ من الخيال المريض.

انصرف " أيور" بخطواتٍ متثاقلة، كأنّ الأرض تنسحب من تحت قدميه ببطء شديد، كما تنسحبُ تحت سلحفاةٍ أنهكها العيشُ وسطَ قيظٍ، وهو يحدّق في امتداد شاطئ عين ذياب. كانت عيناه تحاولان ترميم ما خلّفه عبد النبي من لعناتٍ وطعناتٍ، فيما ظلّ قلبه مشدودًا إلى لحظتين: أن يلتقي بي مجدّدًا، وأن يستعيد من عبد النبي هالته المسروقة، تلك التي سُلبت منه عنوةً. وقبل هذا كلّه، منحته عنوان بيت عبد النبي الكائن بدوّار كنون بمراكش الحمراء. وفي ذات اليوم، غادر أيور مسافرًا إلى حيث يوجد عبد النبي ليستردّ هالته المسروقة.

في سري، حجبتُ عن " أيور" نصف الحقيقة، كي لا يُصاب بمرض المعرفة؛ إذ إنّ الإفراط في كشف الأسرار قد يفتك بذاكرة وعقل المرء، ويحوّلهما إلى عبءٍ ثقيلٍ لا يُحتمل ولا يُتصوَّر.

رنّ هاتفي مرّاتٍ ومرّات، ففتحتُ عينيَّ التي تغيّر لونها منذ ليلةٍ حمراء كان ثمنها باهظًا: هالةُ عيوني. كان المتّصل صديقي عبد النبي، تاركًا وراءه رسالةً على الواتساب:

« أعتذر عن الاتصال بك مبكّرًا، صديقي " أيور". عندما تستيقظ، لا تنسَ كتاب ميتولوجيا إملوان، وكتاب الأقدم أطول من الطريق، وكتاب أحبولة الموت، وأقزام على عروش البوهتان.. صديقك المخلص عبد النبي»

لم أقرأ رسالةَ عبد النبي قط، إنّما رميتُ هاتفي بعيدًا، فهو مصدر كل الويلات واللعنات.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...