حزين عمر - انطباعات فنية... أم كلثوم الأصل.. وأمهات كلثوم مزورات !! صراع الثنائيات .. مرض ثقافي مزمن!!

مرض اجتماعي وثقافي ؛ تفرد به العرب دون خلق الله: الثنائية!! لابد لكل فترة من اثنين متنافسين: في الشعر ؛ في الغناء؛ في الموسيقى ....وكأن الدنيا تضيق عن احتمال ثلاثة وخمسة ومائة من العباقرة في كل حين!!
لكن أم كلثوم كسرت القاعدة ..فلم تنافسها واحدة أو اثنتان ؛ بل كتيبة من المغنيات ؛ لم يكتفين بالمنافسة بل حاولن سرقة اسمها نفسه!!
هذا موضوع مقالتي (انطباعات فنية) اليوم بجريدة المساء.
#حزين_عمر
انطباعات فنية


--------------------

-----------------------------------------------------

كأنما الدنيا - باتس وجوه العرب!! أو كأنما الصراع والعراك أضحى إدمانا لديهم ؛ إن لم يكن في ميادين القتال المباشر بين القبائل ؛ فهو في ميادين الأدب والفن!!
من هذا العراك المتجذر في ثقافتنا العربية ؛ منذ أيام الجاهلية ؛ اصطناع شئ من الثنائية في مجال الشعر - فن العربية الأول - ففي ذاك الزمن المبكر وضع الناس اثنين من الشعراء في مواجهة وتنافس ؛ هما: أمير شعراء الجاهلية : امرؤ القيس ؛ وعلقمة بن عبدة الفحل .. كأنه لابد من "زعيم" مفرد للشعر ؛ وعلى الباقين الانسحاب من الميدان !!
حكم المرأة.. منحاز !!
هذا التنافس قاد الشاعرين : امرأ القيس وعلقمة ؛ إلى تحكيم "طرف ثالث" بينهما .. فاختارا معا زوجة امرئ القيس حكما ..وألقى كل من الشاعرين ما تيسر له من الشعر ؛ وانتظرا حكم المرأة تلك ؛ فكانت المفاجأة أن حكمت لعلقمة بن عبدة الفحل ؛ وقدمته على زوجها امرئ القيس الذي رفض حكمها ؛ واتهمها بعشق علقمة !! ثم طلقها ؛ فتزوجها علقمة!!
ويبدو أن اتهام امرئ القيس كان في محله!!- بزواج علقمة منها!!- وكذلك بأحكامنا النقدية في زمننا هذا والأزمنة التالية لتلك الواقعة الشعرية.. فامرؤ القيس بغير شك هو الأعلى إبداعا.
وما نتوقف عنده من هذه الواقعة - غير فكرة الثنائية - هو وجود المرأة الناقدة في ذاك الزمن البعيد ..وأكد هذا الوجود كذلك ما جرى بين الخنساء وحسان بن ثابت في سوق عكاظ ..وتقديم النابغة الذبياني للخنساء على حسان - رضى الله عنهما !! - فلما احتج حسان على حكم النابغة ؛ انبرت الخنساء مفندة شعره ؛ وقالت إنه" أخطأ " عشرة أخطاء في بيت واحد .. حين قال:
( لنا الجفنات الغر يلمعن في الضحى
وأسيافنا يقطرن من نجدة دما )
وراحت الخنساء تعدد له هذه "الأخطاء" ؛ في هذا البيت!! فكانت الناقدة الثانية - بعد زوجة امرئ القيس - في تاريخ الأدب العربي.
ومع العصر الأموي امتدت هذه الثنائية إلى شاعرين فحلين ؛ هما جرير والفرزدق ..وكما كان يقال في الموازنة بينهما: جرير يغرف من نهر ؛ والفرزدق ينحت من صخر!! لكنهما ظلا في الصدارة وركد آخرون ؛ وخاصة في معارك الهجاء بين الشاعرين ؛ وإن ظل (الأخطل) يسعى لمناطحتهما وقبول ما لا يقبل أي منهما ..فقد قيل إن أحد الأمويين طلب من جرير والفرزدق هجاء بني هاشم ؛ فرفضا؛ وقال له جرير: لا أهجو آل رسول الله ؛ لكن أدلك على فتى لسانه كلسان الثور !! إنه (الأخطل النصراني) ..وفعلا ؛ قبل الأخطل التغلبي ؛ وهجا الهاشميين !! ولم يطالب أحد برأسه ولا ادعى أحد أنه يثير فتنة طائفية !! فالرد على الكلام لا يحدث إلا بالكلام !!
وكان الشعراء حينها كوسائل الإعلام الحديثة لدينا : أكثرها مأجور ؛ وتقدم "الخدمة" لمن يدفع لها!!
ثم استقر الأمر في بدايات العصر العباسي لشاعرين عظيمين - على الرغم من وجود عظماء آخرين - هما بشار بن برد وتلميذه أبونواس ..وبعدهما أبوتمام والبحتري ..وفي الدولة الحمدانية في حلب كان التنافس بين المتنبي وأبي فراس الحمداني..وإن استقرت أحكام النقاد و المعاصرين لهما ؛ على تقديم المتنبي ..حتى الأمير سيف الدولة الحمداني نفسه - ابن عم أبي فراس - كان يقدم المتنبي !! .. لكن أبا العلاء المعري لم يناوشه أحد ؛ ولا ناوش أحدا.. لأنه كان طبقة وحده ؛ أو كان أمة وحده!!
ساكنة .. وألمظ
مع بدايات عصرنا الحديث لم تتخل عقولنا عن هذه الثنائيات ؛ لا في الشعر فحسب؛ بل كذلك في الفنون . فقد شهد عالم الغناء صراعا محموما بين الصوت "المسيطر" حينذاك: المغنية (ساكنة) التي كانت تتربع على عرش هذا الفن ؛ وتحتكر الشهرة في القطر المصري كله .. وفي مكانتها هذه راح صوت عذب ملائكي يصدح في الآفاق ..إنه صوت (ألمظ) ..ورأت ساكنة أن عرشها في خطر ؛ ويهتز من تحتها ؛ فاستخدمت الحيلة في معركتها تلك ؛ بأن ضمت ألمظ إلى فرقتها الغنائية ؛ لتستطيع التحكم فيها والسيطرة على صوتها وعلاقتها بالجمهور . لكن هذه الحيلة لم تصمد طويلا ..إذ تحول الاهتمام الجماهيري تدريجيا إلى ألمظ ؛ وراح ينصرف عن ساكنة ؛ التي تضعضع صوتها بحكم السن ..فانفصلت ألمظ عن فرقتها ؛ وأنشأت لنفسها فرقة مستقلة .. وأضحت هي "سيدة الغناء" حينذاك ؛ وفاكهة المجالس لعلية القوم .
ربما مر على ذكرى ألمظ قرنان من الزمان ؛ لكن الناس لا تنساها ..وهم لم يسمعوا صوتها ؛ ولم تتح لها التسجيلات حينها ..لكن حظها ساق لها من ينتج عنها فيلما سينمائيا خلدها؛ واستعاد بعض ألحانها عبر صوت لا أظنه كان مناسبا : وردة الجزائرية!!
ومع بدايات القرن العشرين ؛ وثنائية أحمد شوقي وحافظ إبراهيم في الشعر ؛ كانت منيرة المهدية مركز السلطة الفنية ..بل ونستطيع الادعاء أن لها سلطة سياسية كذلك : فقد كانت مهوى أفئدة الحكام : مصريين وإنجليزا محتلين ..وكلمتها مسموعة ..وساعدتها التكنولوجيا الحديثة على تسجيل أعمالها ونشرها ..لكن يبدو أن الدور الأكبر لمنيرة لم يكن هذا ؛ بل كان تمهيد الدروب ؛ وإعداد الأذواق لتلقي أرقى وأنقى وأقوى وأعذب الأصوات البشرية المعهودة ؛ ليست لدينا في مصر فحسب ؛ بل كذلك لدى الغرب ..إنها أم كلثوم..
أصل واحد ..وعدة صور!!
كانت الأقدار كلها كذلك تجهز الساحة لاستقبال هذا الصوت الخالد؛ الذي نرانا محظوظين لسماعه.. ولا نظن ناطقا باللغة العربية لم يستمع ؛ ويحفظ؛ ويطرب لأم كلثوم..ولا نظن غربيا - في حفلاتها الأوربية - قد استمع إليها ولم يذهل ..وهي مع هذه العبقرية الإلهية ؛ استقبلتها "بيئة صغرى" مواتية: أبوها المنشد الشيخ إبراهيم البلتاجي ..وزمنها كان الكتاب قبلة كل الأطفال ؛ فحفظت كتاب الله..وحين ضاقت عليها الدقهلية استقبلتها القاهرة ؛ واحتضنها سدنتها من الموسيقيين العظماء أمثال محمد القصبجي ..وفي خلال سنوات قلائل في القاهرة عشرينيات القرن الماضي ؛ أضحى الغناء الراقي والصوت الآسر يعني أم كلثوم..وذاع صيتها في كل مصر بدون منازع.
هذه الشهرة الواسعة ؛ مع عدم وجود أجهزة تليفزيون حينذاك ؛ وسوست لكثيرات من المغنيات بانتحال اسم أم كلثوم..وكل واحدة منهن تعلن عن حفلاتها في القاهرة وخارجها وتسمي نفسها "أم كلثوم" !! فيتهافت عليها الجمهور !! وأمام هذه الطوابير من المزورات ؛ راحت أم كلثوم تطبع منشورات وتوزعها ؛ مؤكدة فيها أنها هي وحدها أم كلثوم إبراهيم البلتاجي ؛ وأن الأخريات مزورات!! ثم طورت من دعايتها أو دفاعاتها !! ونشرت هذه الإعلانات في الصحف.
وشيئا فشيئا تكفل الزمن بتصفية الزيف ؛ ونخل التزوير؛ وتنقية الشوائب .. حتى لم يعد هنالك غير أم كلثوم: الست؛ كوكب الشرق؛ سيدة الغناء العربي ؛ حتى هذه اللحظة..بل ونراها تعود للحياة "الافتراضية" على مسارح فرنسا وأوربا بصفة عامة ؛ في حفلات على الهواء ؛ قدمت مؤخرا بآلية "الذكاء الاصطناعي" !!

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...