أحمد الشيخ - في سؤال العبودية الطوعية

مفهوم "القابلية للاستعمار" كما عرضه مالك بن نبي، وجعل من تفكيكه آلية تفكيره الحضاري في كتابه (شروط النهضة؛ 1948)، هو تطبيق خارجي (بين الدول) لنفس المفهوم الذي نَحَتَه إيتيان دو لابويسي (Étienne de La Boétie) عام 1574: "العبودية الطوعية" في كتابه (Le Discours de la servitude volontaire).
دول ما بعد الاستعمار في بلداننا (التي تصر نخبنا على تسميتها بالدولة الوطنية) هي التعبيرة المُثلى عما يمكن تسميته بـــمشروع "فرض الانخراط الطوعي" على الجماعة التي تسميها (عبثًا) بالشعب أو بالمواطنين في مشروعها الهيمني. يتراوح ذلك "الفرض" بين الالزام القسري العنيف والانخراط الواعي (أو بالأحرى المعلن) في العلاقة بذلك المشروع. يُلتجَأُ إلى الوسيلة الأولى في العادة عندما يستحيل الفتق عن الرتق بين عامة الناس المكونين لساحة الهيمنة (أي حدود الدولة) وبين الحكّام، وخاصة عندما يختل فضاء توفير الحد الأدنى من قوت الناس الذي يسمح لهم بالحياة. يسخط هؤلاء بصوت عال وتخرج تعبيراتهم عن الضبط؛ أما العبودية الطوعية فساحتها الرئيسية في البدء هي ساحة النخب التي شرعنتْ للحاكم الذي استبد بالسلطة حُكمه، وغضّت الطرف عن أول سقطة أخلاقية في ذلك الاستبداد تحت أي غطاء أو تبرير، وسعتْ إلى "الاستفادة" من ذلك الانخراط الطوعي لتحصيل فوائد ومصالح خاصة، يجعلها المستبد نفسه بعد ذلك أداة فعّالة لاستدامة ذلك القبول الواعي وتوسيع دوائره واعتماده حجة أخلاقية بديلة عن استبداده اللاأخلاقي. وكلما كانت دوائر تلك النخب أوسع (يُطلق عليها اليوم "المجتمع السياسي") والمصالح المشتركة أكثر عمقا وتعقيدا داخل "المجتمع" كلما كان مشروع الاستبداد أكثر هيمنة وامتدادا، وما يُسمّى "بالعبودية الطوعية" أكثر جلاء.
إن سقوط (أو إسقاط) بوصلة القيم الهادية لتشكّل الجماعة (وهذه العملية من فعل تلك النخب حصرًا) هو الخطوة الأولى الضرورية لما نلحظه من رفض متزايد لعموم الناس في بلداننا لدعوات النخب بدعم معارضتها للسلطات المستبدة. ولا يعني ذلك تجريد مطلق لهؤلاء من عقلانية مخصوصة في موقفهم ذاك (أنظر تحليلات آصف بايات في استشرافه لانتفاض الناس في ما يُسمى بــ"ثورات الربيع العربي")، بل إشارة إلى ضرورة إعادة النظر في الأسئلة الرئيسية: سؤال الانسان الفرد، سؤال الدولة، سؤال القيم المؤسسة ... الخ.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...