حميد بركي - قراءة في نص شعري للشاعرة سارة الزوين

كاللحنِ في الماءِ..
للنَّارنْجِ تسبيحُ..
ريحٌ منَ الخوفِ تطفو فوقها روحُ..!

كالأغنياتِ السُّكارى..
حين تسرقنا من ثقبِ نايٍ..
كأنَّ النايَ.. مبحوحُ

هذي المرارةُ في الأشياءِ مقلقةٌ..
تفنى اللغاتُ
ولا تفنى التباريحُ..

نذوقُ طعمَ شتاتٍ ليس يشبهنا..
ونشبهُ الموتَ..
طعمُ الموتِ مفضوحُ !!

نبقى يتامى..
رماديّينَ يَلفحنا وجهُ الحياةِ..
ووجهُ الحلمِ مطروحُ !

نمدُّ لليلِ أسراراً لِيصحَبَنا في رحلةِ الدمعِ
حيثُ الجرحُ مفتوحُ

في آخرِ الرعشةِ السمراءِ أحجيةٌ..
زرٌّ غليظٌ عن الأنّاتِ مكبوحُ !

كقلبِ يونسَ من بطنِ الظلامِ يرى
في مدمعِ البحرِ ما أبقى له نوحُ..

لا روحَ في النارِ..
هذا الرقصُ مصطنعٌ..!
ووحدهُ الشكُّ عند البوحِ مسموحُ..

هنا شفاهٌ من الأحزانِ متخمةٌ..
تفدي الجراحَ..
وكم يفديكَ مجروحُ..!

حتى تصيحَ بما أوتيتَ من وجعٍ :
يا ممسكَ القلب!
هذا القلبُ مقروحُ..





بمشهد شعري يفيض بالرهافة والغموض، حيث تشبّه الشاعرة حضورها أو تجربتها بـ اللحن في الماء، وهي صورة تقوم على المفارقة؛ فاللحن لا يُرى، والماء لا يحتفظ بالصوت، مما يوحي بجمال عابر وهشاشة لا تقبل الثبات. ثم يضفي على الطبيعة بعدًا روحيًا بقولها: «للنارنج تسبيح»، فيمنح الموجودات قدرة على التعبير عن قدسيتها، غير أن هذا الصفاء لا يلبث أن ينقلب إلى قلق، إذ تصبح الروح طافية فوق ريح من الخوف، فتغدو النفس معلقة بين الطمأنينة والاضطراب، وتنتقل إلى صورة الأغنيات السكارى التي تستلب الإنسان من واقعه، غير أن الناي الذي يُفترض أن يكون أداة للبوح يبدو مبحوحًا، وكأن الصوت نفسه أصابه الإنهاك، حيث تتحول الموسيقى من رمز للصفاء إلى علامة على الانكسار، فلا يعود الغناء قادرًا على تخفيف وطأة الألم،
ثم تتسع دائرة الإحساس بالحزن حتى تشمل العالم كله، فتقول الشاعرة: «هذي المرارة في الأشياء مقلقة»، فلا تعود المرارة إحساسًا فرديًا، بل تصير صفة تلازم الوجود. ويؤكد هذا المعنى بقوله: «تفنى اللغات ولا تفنى التباريح»، ليقرر أن الكلمات مهما بلغت من البلاغة تعجز عن احتواء التجربة الإنسانية حين يبلغ الألم منتهاه.
وتواصل تصوير اغتراب الإنسان عن ذاته في قولها: «نذوق طعم شتات ليس يشبهنا»، فالشتات هنا ليس تفرقًا في المكان، وقد تشتت في الهوية والوجدان، حتى يصل إلى المفارقة المؤلمة في قوله: «ونشبه الموت»، وكأن الحياة فقدت معناها، وأصبح الإنسان يعيش صورة من الموت وهو ما يزال حيًا.
ويتعزز هذا الشعور في قولها: «نبقى يتامى رماديين»، فاليتْم هنا روحي ووجودي، واللون الرمادي يرمز إلى ضياع اليقين وغياب الوضوح، بينما تقسو الحياة على الإنسان في صورة «يلفحنا وجه الحياة»، في الوقت الذي يبقى فيه الحلم مطروحًا وعاجزًا عن النهوض، ثم تجعل الليل موطنًا للأسرار والدموع، فيمد إليه الإنسان ما يختزنه من وجع، حيث يبقى الجرح مفتوحًا لا يعرف الالتئام، وكأن الألم قدرٌ دائم لا ينتهي.
وفي قولها: «في آخر الرعشة السمراء أحجية» تتحول التجربة الإنسانية إلى لغز يستعصي على الفهم، ثم تأتي صورة «زرٌّ غليظ عن الأنات مكبوح» لتجسد الألم المحاصر في الداخل، فلا يجد سبيلًا إلى الانفراج أو التعبير، وتستحضر شخصية يونس عليه السلام بوصفها رمزًا للإنسان المحاصر في ظلمات الحياة، فترى في قصته صورة للصبر والانتظار والرجاء، و البحر فضاءً يجمع بين المحنة وإمكانية الخلاص.
ثم يبلغ النص ذروة رؤيته حين تقول: «لا روح في النار»، فتنفي عن النار عنصرها الحيوي، ويصف الرقص بأنه مصطنع، وهو كشف عن عالم فقد صدقه وأصالته، ولم يبق فيه سوى مظاهر خاوية لا تعكس حقيقة ما يعتمل في الداخل.
وتختتم بنداء بالغ التأثير: «يا ممسك القلب، هذا القلب مقروح»، وهو اعتراف صريح بجرح داخلي عميق، حيث يتحول القلب إلى رمز للإنسان المثقل بالألم، ويغدو البوح آخر وسيلة لمواجهة عالم يزداد قسوة وغربة، وتقدم القصيدة في مجملها رؤية إنسانية عميقة تقوم على استحضار الألم بوصفه تجربة وجودية، وتوظف شبكة واسعة من الصور والرموز والانزياحات اللغوية لتصوير اغتراب الإنسان، وعجز اللغة عن الإحاطة بالوجع، وبحث الروح الدائم عن معنى وسط عالم يزداد غموضًا ووحشة.
كما يمكن ان نطل على النص من الجانب الآخر حيث تزخر القصيدة بصور بيانية كثيفة، يغلب عليها الطابع الاستعاري، حتى تبدو التجربة الوجدانية وكأنها تُبنى من خلال شبكة من الرموز والإيحاءات، وقد أشار عبد القاهر الجرجاني إلى أن سر البلاغة ليس في الألفاظ المفردة، وإنما في طريقة نظمها وإقامة العلاقات بينها، فقال في دلائل الإعجاز: «ليس النظم إلا أن تضع كلامك الوضع الذي يقتضيه علم النحو»، وهو ما يظهر في هذه القصيدة التي تجعل الصورة وسيلة للكشف عن المعنى العميق لا مجرد وسيلة للزينة اللفظية.
في قولها: «كاللحن في الماء» تشبيه بليغ قائم على صورة مستحيلة، إذ يجعل اللحن كأنه يذوب في الماء، وهي صورة توحي بالهشاشة والزوال وسرعة الانفلات من القبض، كما تحمل بعدًا إيحائيًا يتجاوز المعنى الحرفي، وفي قولها: «للنارنج تسبيح» استعارة مكنية؛ إذ شُبِّه النارنج بإنسان يسبح، فحذف المشبه به وأبقى لازمًا من لوازمه وهو التسبيح، وفيها تشخيص للطبيعة وإضفاء للحياة على الجماد.
وفي قوله: «ريحٌ من الخوف تطفو فوقها روح» استعارتان؛ الأولى في جعل الخوف ريحًا، وهي استعارة تصريحية، إذ صُرح بالمشبه به وحذف المشبه، والثانية في إسناد الطفو إلى الروح، فكأن الروح جسم مادي يطفو على سطح الماء، وهي استعارة مكنية تقوم على تجسيد المعنى المجرد، وفي قوله: «الأغنيات السكرى» استعارة مكنية، إذ أُسند السكر إلى الأغنيات، والسكر من صفات الإنسان، وفيها تشخيص للموسيقى حتى أصبحت كائنًا حيًا يفقد اتزانه.أما قولها: «تسرقنا من ثقب ناي» ففيه استعارة مكنية أيضًا، حيث جُعلت الأغنيات سارقًا يختطف الإنسان من واقعه، وهي صورة توحي بقوة تأثير الفن في النفس.
وفي قولها: «الناي مبحوح» استعارة مكنية، لأن البحة من صفات الإنسان، وأُسندت إلى الناي، فصار الناي كائنًا حيًا يئن ويتعب.
وفي قولها: «المرارة في الأشياء» استعارة تصريحية؛ إذ جعل المرارة، وهي في الأصل طعم، صفة للأشياء كلها، لينقل الإحساس النفسي إلى العالم الخارجي.
وفي : «تفنى اللغات ولا تفنى التباريح» كناية عن عجز اللغة عن استيعاب الألم، فالمراد قصورها أمام عمق التجربة الإنسانية.
وفي : «نذوق طعم شتات» استعارة مكنية؛ إذ جعل الشتات شيئًا يُذاق، فانتقلت صفة الذوق الحسي إلى معنى نفسي مجرد، وهو من باب تراسل الحواس.
وفي قولها: «طعم الموت مفضوح» استعارة مكنية، إذ جعل للموت طعمًا يُعرف ويُفتضح، وفيها تجسيد للموت حتى صار محسوسًا.
وفي : «نبقى يتامى» كناية عن فقدان السند الروحي والطمأنينة، وليس المراد اليتم الحقيقي.
أما: «يلفحنا وجه الحياة» استعارة مكنية، إذ صُورت الحياة بإنسان له وجه يلفح الناس، وفيها تشخيص للحياة وإبراز لقسوتها.
وكذلك : «وجه الحلم مطروح» استعارة مكنية، إذ جعل للحلم وجهًا يُطرح ويُلقى، وفيها تصوير لضياع الآمال.
وفي : «نمد لليل أسرارًا» استعارة مكنية، فقد جعل الليل شخصًا تُمد إليه الأسرار ويصاحب الإنسان، وهو من التشخيص الذي يكثر في الشعر الحديث.
أما قولها: «رحلة الدمع» ففيه استعارة تصريحية، إذ شُبهت المعاناة برحلة لها بداية وامتداد.
وفي قوله: «الجرح مفتوح» كناية عن استمرار الألم وعدم اندماله، فالمراد جرح النفس لا الجرح الحسي.
وفي قولها: «في آخر الرعشة السمراء أحجية» استعارة، إذ جُعلت الرعشة مكانًا له آخر، وكأنها طريق ينتهي إلى لغز.
وفي قوله: «زرٌّ غليظ عن الأنات مكبوح» استعارة مكنية، إذ شُبه الكبت بزرٍّ يغلق منافذ الأنين ويمنعه من الخروج.
وفي قوله: «كقلب يونس من بطن الظلام» تشبيه تمثيلي، وفي الوقت نفسه تناص مع قصة يونس عليه السلام، يستحضر معنى الضيق والرجاء معًا.
وفي قولها: «في مدمع البحر» استعارة مكنية، إذ جعل البحر ذا مدمع يبكي، وهو من أجمل صور التشخيص في القصيدة.
وفي قوله: «لا روح في النار» استعارة تصريحية، إذ أُسندت الروح إلى النار، ثم نُفيت عنها، للدلالة على خواء الحركة وفقدانها حقيقتها.
وفي قوله: «هذا الرقص مصطنع» كناية عن الزيف الاجتماعي والتكلف في المشاعر والسلوك.
وفي : «الشك عند البوح مسموح» كناية عن غياب اليقين وهيمنة الحيرة في لحظة الاعتراف.
وفي قولها: «شفاه من الأحزان متخمة» استعارة مكنية، إذ جُعل الحزن طعامًا يملأ الشفاه حتى تتخمهما، وفيها تجسيد للحزن.
وفي قوله: «تفدي الجراح» استعارة مكنية، إذ صُورت الجراح كأنها أشخاص يحتاجون إلى من يفديهم.
وفي قوله: «يا ممسك القلب» كناية عن الله سبحانه وتعالى، أو عن القدرة المطلقة التي تملك مصير الإنسان، وهي من الكنايات الراقية التي تفتح باب التأويل.
أما قولها: «هذا القلب مقروح» فهو استعارة تصريحية، إذ جعل القلب جرحًا ماديًا، والمراد شدة الألم النفسي. وقد قرر السكاكي في مفتاح العلوم أن الاستعارة أبلغ من الحقيقة؛ لأنها «تنقل السامع من المعنى المألوف إلى صورة أشد تأثيرًا»، وهذا ما يتحقق في هذه القصيدة، إذ لم تلجأ الشاعرة إلى التقرير المباشر، وقد بنت تجربتها على الاستعارة والتشخيص والتجسيد والكناية، فجاءت الصور متآزرة في رسم عالم يسوده القلق والاغتراب والألم، ويغدو فيه الرمز أقدر على التعبير من العبارة المباشرة.

حميد بركي

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...