أ. د. عادل الأسطة - كاتب رسائل العشاق ، وكاتب رسائل أمهات الأسرى و آباء المهاجرين

في العشرين من حزيران الماضي قرأت منشورا للكاتب الغزي عمر حمش يأتي فيه على سؤال وجه إليه هو :
بمَن تأثرت مَن كُتّاب القصة القصيرة؟ فأجاب بأنه قد لا يجد إجابةً شافيةً ، فلم يكنْ يخطر بباله يوما أن يكون قاصّا .
عاش عمر بداياته في بيئةٍ تحلم بالعودة إلى البلاد ، وكان يراها قاب قوسين أو أدنى . في تلك البيئة ؛ بيئة اللجوء والفقر والتشرد ، تعرف على بداياته الأدبيّة ، إذ تكشّفت لمعلّم الصف الخامس الابتدائي بعض قدراته ، ووصل الأمر به أن يكتب عنوان موضوع التعبير على السبورة ويرمق عمر ، ويسأله :
- تستطيع ؟
فيهزّ عمر رأسه، ويخرج مواجها التلاميذ ، ليلقي خطبةً مرتعشة . ويذكر أن غالبية المواضيع كانت متعلقة بسرقة بلاده وبإصراره على الرجوع . كان ارتعاشه وقتها مختلطا بالخوف وبالحماسة . وبعدها صعد منصة الطابور ، ليلقي أشعارا لمعين بسيسو .
وجد عمر نفسه مشدودا للقراءة ، وبدأ رحلته فيها صغيرا . تدرج من مجلات الصغار إلى قصص أرسين لوبين، وشرلوك هولمز البوليسية، ثم كبر على روايات عالمية مترجمة ولم يكُ يهتم لأسماء كتّابها .. " كنا نتبادل الكتاب، فيصل كتابي لآخرين وتصلني كتب آخرين .. كان كتابي يطوف أرجاء المخيم، وأزقته الصغيرة، ثمّ يعودُ وقد دعكته الأيادي . تعرفتُ بعدها على الأدب المصري .. محفوظ .. ومحمد عبد الحليم عبد الله ..وبقية كبار تلك المرحلة .. كنتُ صبيّا يقرأ بنهم في ظلّ أي جدار من جدران أكواخ مخيمنا المتداعية..وربما كنتُ القاريء النهم الأهم من مجايلي .. "
وعن بدايات كتابته يقول :
" ربما بدأت تمريناتي الأولى وقتها مراهقا في رسائل الغرام الطفولية كتبتُ لكل صحبي في حارة مخيمي الصغيرة .. كان ظل الجدار مكتبي .. وكانوا يأتونني.. يسلموني وأسلّمهم .. يذهبون ويعودون .. وصبايا الحيّ لا يدرين أن "العاشق" كان في كل الحالات واحدا، ومن مفارقات تلك المرحلة أن بعضا منهن تزوجن، ليكتشفن أن الحبيب السابق كان مجرد أميّ .. غفر الرب لي" .
لفتت الفقرة الأخيرة انتباهي فكتبت منشورا عنوانه " هل كنت ذات يوم كاتب رسائل غرام لعشاق لم يحسنوا الكتابة ؟ " واقتبست الفقرة الأخيرة ، فحظي بإعجاب وتعليقات وكنت علقت على منشور عمر لافتا نظره إلى رواية واسيني الأعرج Waciny Laredj " مي .. ليالي ايزيس كوبيا " ( ٢٠١٨ )، وسألته إن كان قرأها .
لم التفت ابتداء لزمن منشور عمر وهو العام ٢٠١٥ ، وإلا لما كنت سألته ، فهو أسبق من زمن نشر الرواية ، وبالتالي فلا مجال للشك بأنه تأثر بها ، ولا أدري إن كان واسيني الأعرج قرأ شيئا لعمر ، عدا أن واسيني اعتمد على كتب مي في تأليف روايته عنها ، وهنا يثار سؤال :
- هل قرأ عمر في طفولته كتب مي .
أيا كان الأمر فإن تشابه التجارب يؤدي إلى تشابه الكتابة ، وهذا ما نعرفه منذ قرأنا المعلقات ، فأكثر الشعراء الجاهليين وقفوا على الأطلال ، وهكذا بدأوا قصائدهم بوصف الأطلال ، ونادرا ما شذ شاعر جاهلي ، مثل الشنفرى صاحب " لاميةالعرب " عن ذلك .
من المؤكد أن كاتب رسائل العشاق وجد في هذه المدينة أو تلك ، وفي هذه القرية أو تلك ، وفي هذا المخيم أو ذاك ، وفي هذه الحارة أو تلك ، وإن لم يوجد فإن الناس كانت تتبادل كتاب " رسائل العشاق " أو " رسائل المحبين " أو .. . وكنت شخصيا اشتريت في شبابي كتاب مصطفى صادق الرافعي " أوراق الورد " لكي أفيد منه في تعلم الكتابة أو لكي أنقل بعض عباراته في كتابة موضوعات الإنشاء .
في رواية واسيني نقرأ عن مي التي تعلقت بابن عمها جوزيف ، ولكن سفره إلى باريس وزواجه من فرنسية حالا دون ارتباطها به ، ما جعل عائلتها تفكر في تزويجها من أخيه نعوم الذي لم تكن تحبه، وتجبرها العائلة ، حتى لا يخرج الميراث إلى غرباء .
لم يكن نعوم متعلما وحين خطب مي التي درست في مدرسة داخلية كان يرسل إليها الرسائل ، فأحبت لغتها وأسلوبها ، دون أن تعرف أن كاتبها هو الفنان يوسف الحويك ، وهذا ما ستعرفه لاحقا ، وذلك حين تلتقي به مع أمين الريحاني .
كادت رسائل الحويك تدمر مي ، وسيعترف لها بعد أن يعتذر ، بأنه كان يكتب لنفسه وليس لها ، فقد كان وقتها على حافة الانتحار ، بسبب خسرانه المرأة التي أحبها .
هل كنت أنا ذات يوم كاتب رسائل عشاق ؟
في بداية ٨٠ القرن ٢٠ كتبت قصة " المرحلة " وأتيت فيها على كتابتي رسائل لامرأة أرملة تعيش ، في البلدة القديمة في نابلس ، وحيدة ، بعد أن أبعد بعض أبنائها وسجن بعضهم الآخر . لم تكن المرأة تتقن الكتابة ، فانتدبتني لهذه المهمة .
بعد ذلك بأربعة أعوام تقريبا كنت أزور أحد أنسبائنا . رجل طاعن في السن ومقعد غادر أبناؤه الكبار إلى أمريكا واستقروا فيها ، ومن بقي من أبنائه لم يكن يجيد الكتابة . كلما زرت الرجل طلب مني أن أجلس إلى جواره في سريره وطلب مني أن أكتب له ما سيمليه . وهكذا صرت كاتبه . هل كنت ذات نهار كاتب رسائل عشاق ؟
لا أظن أنني فعلتها ، فأنا لم أكتب في مراهقتي رسائل حب لمن أحببت .
قبل سنوات أصغيت إلى كاتبة حكت عن مراهقتها ومراهقة صديقاتها . كانت تستعير الكتب من المكتبة العامة وتنقل منها عبارات لتكون مادة رسائل ترسلها هذه أو تلك إلى صديقها .
ترى كم من كتابات بعض الأدباء تشبه رسائل العشاق المكتوبة لهم ، من آخرين أو منقولة من كتب ؟ غالبا ما تروق لي شخصيا الكتابات التي تصدر عن تجارب عاشها كتابها ، أما الكتابات التي لا تصدر عن تجارب فهي كتابات مفتعلة مزيفة ، وهذا رأي .
٦ و ٧ تموز ٢٠٢٦
عادل الاسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...