أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١٤ تموز من كل عام

١
الليلة لم أنم جيدا :
لقد لاحظت وأنا أعد النسكفيه في الحادية عشرة أن هناك جهة ما دخلت شقتي وعبثت بمرطبان العسل .
هل هؤلاء مسلمون ؟
يصلون ويتجسسون على إخوانهم .
اللعبة بدأت منذ 1991 ولما تنته .
أهل مخبرون .
أصدقاء مخبرون .
زملاء مخبرون ( ما ينطق من قول إلا عليه رقيب عتيد ).
يصلون ويكذبون .
يصومون ويتجسسون .
أي إسلام هذا ؟
هو ذا ما يجري في سورية .
هذا نحن .
في المؤسسة ثمة من يراقب بريدي الإلكتروني ويشطب بعض المراسلات .
مراسلاتي مع جامعة حفصة .
هذا حقا عالم كابوسي كافكاوي .
٢٠١٢
٢
إلى الرئيس أبو مازن والسيد ياسر عبد ربه
جرأة اللاجيء الفلسطيني من مخيم جباليا :
يورد ( بنيامين نتنياهو ) في كتابه " مكان بين الأمم / مكان تحت الشمس " أنه في فترة هدوء نسبي في انتفاضة ١٩٨٧ ، وهو في مخيم جباليا ، انفرد عن معظم الجنود الذين رافقوه ، وتجول برفقة مترجم ، في أزقة المخيم . وبالقرب من أحد المباني الاسمنتية التقى عربيا طاعنا في السن ، وأجرى معه الحديث الآتي :
- من أين أنت ؟
- من المجدل .
- ومن أين أولادك ؟
- من المجدل .( توقعت أن يكون أولاده من أبناء جيلي لذلك من المحتمل أن يكونوا من مواليد المجدل حقا )
- ومن أين أحفادك ؟
- من المجدل .
- هل ستعود إلى المجدل ؟
- إن شاء الله .( يحل السلام ونعود إلى المجدل ) .
وقلت أنا أيضا إن شاء الله أنت تزور المجدل ونحن نزور جباليا . لكن ابتسامته تلاشت دفعة واحدة وقال :
- نحن نعود إلى المجدل ، وأنتم تعودون إلى بولندا . ص٢٣٨ .
٢٠١٤
٣
في 1982 كتب مريد البرغوثي :
" طال الشتات وعافت خطونا المدن
وأنت تمعن بعدا أيها الوطن
كأن عشقك ركض نحو تهلكة
ونحن نركض لا نبطي ولا نهن
يقول من لم يجرب ما نكابده
كان أجملهم بالموت قد فتنوا "
وهذه قصيدة من أجمل قصائد مريد .
٢٠١٤
٤
هذا المساء ......... توفيق عكاشة والمذيعة . فلسطين
ساق الله على أيام جمال عبد الناصر وأغاني تلك الفترة : " أنا العطشان ماليش مييا إلا فلسطين " .
اليوم أصغيت إلى رداحة مصرية هي توفيق عكاشة والمذيعة التي لم يقل ردحها عن ردحه . أصبح الفلسطينيون عبئا على العالم العربي الذي هو عبء على العالم وعلى نفسه .
نحن نحب المشاكل ونفتعلها ونحن سبب العلل كلها ، ويبدو أن قضيتنا ما عادت تهم أحدا .
علينا أن نعي هذا وعلينا ألا نصرخ : يا وحدنا !
علينا أن نعود أنفسنا على هذا .
منذ زمن وأنا اقول :
- لا تتأملوا خيرا من العالم العربي الذي تتعاطف معنا شعوبه ولا يكترث حكامه إلا لكراسيهم ، ولأنهم أصلا لا يقوون على فعل شيء إلا قمع شعوبهم . علينا أن نعتاد على : " يا وحدنا " ، فالعالم العربي غارق في همومه ومشاكله وفقره وبؤسه و ... و .. وحكامه .
٢٠١٤
٥
خفة الكائنات غير المحتملة : 2
في المقامة الساسانية لبديع الزمان الهمذاني يطلب أبو الفتح ، وهو يمثل دور متسول ، يطلب من شخص ما طعاما وكسوة ولباسا و .. " ومشطا وليفا به يزور الكنيفا " ، وبعد طلبات كثيرة يخاطب أبو الفتح الرجل قائلا :
" رضيت منك بهذا
ولم أرد أن أحيفا "
أي أن أزيدا .
من المؤكد أن مدننا تعج هذه اﻷيام بمتسولين يطرقون أبواب التجار يطلبون منهم المعونات : صدقات . زكاة أموال . مساعدات .
بعض هؤلاء الفقراء يشترطون ما يذكر بالمثل الشعبي " شحاد وبشرط " - أي ويشترط .
ما عليك إلا أن تسير في اﻷسواق لترى هذه الظاهرة التموزية /الرمضانية . هل أنا معها أم ضدها ؟
أنا أدفع ضرائب للدولة ولن أعترض إذا ما خصصت 1 بالمائة من راتبي لهؤلاء الفقراء والمتسولين وأفضل ألا أعطيهم شخصيا وقد أحتج وأقول :
- لتذهب إليهم رواتب الوزراء الذين عادوا إلى وظائفهم ويتقاضون ، الآن ، راتبين .
بعض المتسولين ممثلون مثل أبي الفتح اﻷسكندري يتسولون ﻷن هناك سذجا يمكن خداعهم ، وهؤلاء قسم منهم ليس بحاجة ، ولكن ما دام بعض الناس حمقى ومغفلين ويسهل خداعهم ، فلماذا نتوانى عن خداعهم . هذا هو لسان حال متسولين . هؤلاء خفيفو ظل . ربما !
إنهم كائنات غير محتملة .
٢٠١٥
٦
حارة اليهود :
أجمل ما في حارة اليهود ليس إبراز صورة حارة اليهود في مصر .
أجمل ما في حارة اليهود دور هالة صدقي وجمال تمثيلها وبراعتها .
أجمل
ما في حارة اليهود الروح المصرية في مواجهتها الحياة .
حقا إن أخمل ما في حارة اليهود زينات التي تدخل السرور والفرح إلى الروح والقلب .
الليلة تم عقد قران زينات على من تحب ولكن يبدو أن قدر بعض الناس هو أن يجدوا العظم في الشوربة .
٢٠١٥
٧
( حزيران الذي لا ينتهي ) 47 :
( القصر الذي تحول إلى مكتب عمل " ليشكة ")
لم ندق قصر بسمان ، بل ذهب أكثرنا إليه زاحفا .
ولقد أردنا ، أو هكذا قيل ، أن نرمي اليهود في البحر ، فرمونا في الصحارى ، ومتنا في الخزانات ، وألقت قياداتنا بنا في مكبات النفايات ، وسلبتنا بعض ما لدينا ، وعادت إلى خزاناتها وقصورها ،كما لو لم يحدث شيء على الإطلاق . ومن بقي منا على قيد الحياة ، بعد النكبة والهزيمة ، تكفلت به الحروب الأهلية التي لا تنتهي .لا تنتهي .لا تنتهي . يا إلهي مثل خطوات حامد في رواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " 1966.كما لو أن غسان كان ذا نبوءة ، فما زال حامد يعبر صحراء النقب ، وينتقل من صحراء إلى صحراء ، حتى وصل به الأمر إلى صحراء القطب المتجمد الشمالي ، كما كتبت الروائية سامية عيسى في روايتها " خلسة في كوبنهاجن " 2013 .
حقا طلع صيتنا واشيع أننا سنرمي اليهود في البحر ، واننا خاطبنا السمك ليتجوع ، وفعلها الإسرائيليون ورمونا في الصحارى ، فقد كانت الذئاب تنتظر ، وكانت مكبات النفايات أيضا تنتظر ، وكانت شرطة الحدود العربية تستفسر عن سر رحلات أبي الخيزران إلى البصرة ، فما أرخص اللحم العربي .
في حزيران 1973عدت إلى نابلس لأنفق الإجازة السنوية ، وقد غدوت طالبا جامعيا . هل حننت إلى خبز أمي وقهوة أمي ، فآثرت عدم الدراسة في الفصل الصيفي ؟ ام أن الأمر كان يعود إلى أن الحكومة الأردنية لم تكن تدفع لنا رواتب البعثة في أشهر الأجازة الثلاثة ، بل وكانت لا تدفع لنا من شهر حزيران إلا نصف المبلغ ؟حكومة بخيلة أو أنها كانت حكومة فقيرة ، لأنها تقف على أطول خط مجابهة مع العدو الإسرائيلي ، وبالتالي كانت توفر المال لشراء السلاح؟لست أدري .
في نابلس أخذت اتسكع في الشوارع وأذهب إلى مكتبة بلدية نابلس أتصفح الجرائد التي كانت تصدر في الضفة الغربية ، فلم تكن الصحافة العربية تصل إلى فلسطين ، ولم تكن أيضا صحافة الحزب الشيوعي الاسرائيلي ( راكاح )توزع في الضفة ،ووهي جريدة الاتحاد ومجلة الجديد ، بل إن كل من كانت هذه الصحافة في حوزته ، كان يعاقب ، إذا ما ألقي القبض عليه وهي معه . كانت إسرائيل تسمح لصحفها ومجلاتها الصادرة عن الأحزاب الصهيونية بالتوزيع ، بل وكانت تنشر لكتاب من الضفة ينشرون فيها ، وتدفع لهم مكافآت .
فكرت أن أعود وأعمل معاونا ، أي ( كونترول ) باص أو أن أبيع الاسكيمو والتمرية ، وغالبا ما كنت أبيع التمرية في الصباح المبكر ، وفي العاشرة صباحا أذهب إلى مصنع الاسكيمو لأخذ علبة بيع الاسكيمو واتجول في شوارع المخيم .
في الثالثة فجرا كنت أذهب إلى المدينة مع أول ( باص ) ، مع المرحوم ( أبو الشكر) ، لأحجز لدى بائع التمرية دورا ، و آخذ حصتي على صينية ، وأعود إلى المخيم أنادي " سخنة يا تمرية "، وغالبا ما كنت اريح عشرة قروش من وراء بيع التمرية ومثلها من وراء بيع الاسكيمو ، وهكذا أذهب إلى السينما ، وأشتري ملابس المدرسة ، وأوفر على أبي .
في صيف ذلك العام 1973 حدث ما لم نكن نتوقعه ، فقد انزلقت الحافلة التي يعمل عليها أخي درويش في وادي الباذان العميق وتوفي ، وكان عمره 23عاما ، وقد حزنت عليه ، وكان حزني مضاعفا ، فقد كان ، خلال عامي الدراسي الأول في الجامعة الأردنية ، يزورني ، باستمرار ، في مخيم الحسين ، وأحيانا كان يبيت عندي ، بل إنه كان يحضر لي بعض الطعام الذي تعده أمي وترسله معه . كان درويش ينقل الحجارة والبرتقال والخضروات من الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية ، وكان ذا شخصية محبوبة ، بل وكانت له علاقات مع فتيات يهوديات يعملن على الجسر ، وقد احببنه لوسامته اللافتة .
بموت أخي فقد أبي مصدر رزق يعينه على الإنفاق على العائلة ، وهكذا وجدتني أبحث ، في الإجازة ، عن عمل في فلسطين المحتلة 1948. وقد اشتغلت في منجرة لمدة أربعين يوما ، ولكنني لم أعمل عن طريق مكتب العمل ( الليشكة ) ، وقد حاولت ولم أفلح .
دخلت القصر الملكي أكثر من مرة ، من أجل الحصول على تصريح عمل رسمي في فلسطين ، ثم يئست . أما كيف ؟ فذلك أن القصر الذي بني ليقيم فيه المرحوم الملك عبدالله ، تحول بعد نكبة 1948 إلى مقر لبلدية نابلس ، وبعد هزيمة 1967 إلى مكتب إصدار تصاريح للعمال الذين يريدون العمل في الداخل ، أي إلى مكتب ( ليشكة ) .
منذ طفولتي وأنا أسمع الناس يتحدثون عن قصر الملك عبد الله هذا ، فقد أتم بناؤه ، وأراد الملك أن يقيم فيه ، حين يزور نابلس ، ولكن قتل الملك في القدس ، على يد عشو ، حال دون ذلك ، وفي لحظات النقمة على النظام الأردني ، كان الناس يكررون الأغنية ( بنى القصر ، وما خشوا ، تسلم إيدك يا عشو ) . ومن قتل في القصر هو جندي إسرائيلي كان بحرسه ليلا ، فقد هاجمه رجال المقاومة و أردوه قتيلا ، وغالبا ، بعد أن أحضر التمرية ، ما كنت ، وأنا انتظر ال( باص ) أشعر بالخوف . إذ ماذا لو جن الجندي وهييء له أنني أراقبه . أو أنني أريد قتله .
هل حدثت هزيمة حزيران في العام 1967 أم أنها حدثت في العام 1948 وظلت تتجدد مثل طائر الفينيق ، مثل تموز ، مثل طائر العنقاء . يا لنا من بؤساء ، فلقد خربت دولة إسرائيل حياة الشعب الفلسطيني وسممت علاقاته مع العرب أيضا
14/7/2016 .
٨
( حزيران الذي لا ينتهي ) 48 :
( عام الحسم الذي تأخر )
مر عامان ونحن ننتظر ما كان يعد به الرئيس أنور السادات : عام الحسم . ولما تأخر الحسم عن موعده كثيرا فقد غدا الرئيس موضع سخرية ، وبدأ حزيران يكبر أكثر وأكثر ، ويطول أكثر وأكثر ، مثل ليل العاشقين الذي كتب عنه المتنبي :
ليالي بعد الظاعنين شكول
طوال ، وليل العاشقين طويل .
وبفقدان أخي أخذ الحزن يكبر ، ولم يحسمها السادات لننشغل بأمر جديد يطغى على الحزن الخاص .
أخذ أخي الثاني عدنان يعمل سائقا على شاحنة كبيرة ، ومرة ذهبت معه إلى ميناء أسدود ، ليحضر حمولة لتاجر نابلسي لاحظ أنني وأخي حزينان ، ولما كان الحديث ذا شجون ، فقد قصصنا عليه قصة أخي الكبير . واسانا الرجل وقال لنا إن الحزن مثل قطعة صابون جديدة ، يصغر مع الأيام ويذوب . ولعله كان يتحدث عن تجربة ، فمع مرور الأيام يخف الحزن ، وربما يخف أيضا لأن مصائب أخرى تتوالى فتحل محل المصيبة السابقة .
ومع ذلك فقد زرع موت أخي الحزن في نفسي وولد لدي الخوف الذي بدأ يكبر مع الزمن ، وسيطر علي لفترة من الوقت ، فكلما تأخر أخي عن موعده دب الرعب في قلبي وتذكرت أخي الراحل ، بل وغالبا ما كنت أذهب إلى سوق الخضار في عمان ، في مخيم الوحدات ، لأسأل عنه إن تأخر ، وكان ، عادة ، يأتي إلى عمان يوما بعد يوم .
غالبا ما يسألني الناس السؤال التالي : لماذا لا ليس لديك سيارة ، وأنت أحوالك ميسورة؟ويفاجأون حين أخبرهم بأنني ، حتى اللحظة ، لا أملك رخصة سياقة ، ويزدادون استغرابا ، إذ أغلب أهلي من الذكور يسوقون أو لأعمالهم صلة بالسيارات .
كان أخي الراحل يعلمني السياقة صباحا ، حين كان يسوق ال( باص ) الذي يسوقه أبي ما بين نابلس ومخيم عسكر ، وكان للمرحوم عمر خالد ، وهو من نابلس . ولما حدث حادث انزلاق السيارة وفقدنا أخي تكونت لدي عقدة من السياقة ، وهكذا لم أفكر في تعلمها على الإطلاق . واكتشفت ، فيما ، بعد ، حين غدوت كاتبا ، وتحديدا في السنوات الأخيرة ، أن عدم الحصول على رخصة هو نعمة من النعم للكاتب ، إذ أن ركوب الحافلات العمومية يمده بكم كبير من المعلومات التي قد يوظفها في كتابته ، عدا أنه ، أي الكاتب ، يظل على صله بهموم الناس ومشاكلهم وقريبا من تفكيرهم ، ويظل ملما بما يجري في مدينته .
في نهاية أيلول سأغادر الضفة إلى عمان ثانية ، وهذه المرة لن اسكن في مخيم الحسين ، فقد أجرت صاحبة الغرفتين غرفتيها ، وكان علي أن أبحث عن سكن جديد . ولما أنفقت وقتا طويلا في البحث عن سكن ، دون جدوى ،فقد استقر بي الرأي أن أسكن مع الزميل فارس أسعد في وادي الحدادة ، أنا وهو والزميل علي الشافعي ، من شويكة ،قرب طولكرم ، وطالب اسمه وجيه كان يدرس علم النفس والتربية ، وهو من كفر راعي أو يعبد ، قرب جنين . والغرفتان اللتان أقمنا فيهما مثل بيت جحا حقا . كل غرفة لها بابان ، باب من الخارج وباب من الداخل يطل على الساحة وكان صاحبهما يقيم في شقة أسفل الغرفتين ، والمزعج فيهما هو الدرج الذي يؤدي إليهما . وذات ليلة ، ونحن نحتفل معا ، وكنا طلبنا من صاحب الدار إذنا بالاحتفال الذي طال ، خرج صاحبهما بمسدسه يهددنا وطلب منا الرحيل فورا ، ولكن فارس كان ذا لسان يسحب السم من الأفعى ويرقصها ، وهكذا اعتذر للرجل الذي سرعان ما نسي ما حدث وطالبنا بألا نكرر ما حدث ( ........ ) .
في تشرين من العام الدراسي 1973 /1974 حدثت حرب تشرين ، ولم نكن لنصدق الأمر ، فها هو عام الحسم يأتي ، وها هو الرئيس أنور السادات يبر بوعده ويخوض الحرب ، وها نحن نصبح محللين سياسيين كبارا .
ما من أحد فينا لم يكن يصغي وحسب ، بل إننا كنا نبدي آراءنا ونحن لا نعرف خمسنا من طمسنا . وذات ليلة من ليالي الحرب ، وأنا أسير مع صديق لي في شوارع عمان نتناقش في شأن الحرب خرجت مني عبارة فيها ضرب من الكفر ، ولم أكن انتبهت إلى شرطي كان يسير وراءنا ، وقد أصغى إلى العبارة .
كما لو أن الشرطي أراد أن يشارك في حرب رمضان ، وها هو يجد ضالته في وفي عبارتي ، وقد قرر اقتيادي إلى مخفر الشرطة ، ليعاقبني ، فبدلا من أن أصلي لله ، في هذا الوقت ، لينصر الله العرب ، ها أنا أكفر ، وكفري هذا قد يقود إلى الهزيمة ، وحاولت أن أشرح للشرطي الأمر وأوضحه ، وأبين له لغو الكلام ، وبعد أخذ ورد تركني وأمري ، ولم أكن أعرف أن عبارتي كانت المسؤولة لاحقا عن ثغرة الدفرسوار التي غيرت مجرى الحرب وأعطت إسرائيل ورقة قوية للمفاوضات التي وافق الرئيس السادات بموجبها على وقف الحرب ، وعدم مواصلتها لتحرير فلسطين . وهكذا توقفت معركة الدبابات التي قيل إن مصيرها سيقرر مصير دولة اسرائيل ، فإذا ما انتصر المصريون فيها غدت الطريق إلى تل أبيب سالكة .
يا لي من شاب متهور لا يقدر الظروف ، ولا يحسن الكلام ، ولا يجلب إلى قومه إلا المصائب والهزائم . أنا النحس ولم أكن أدري ، ففي حزيران 1967 كنت المسؤول عن سقوط قلقيلية ، وكنت من الطابور الخامس ، وقد سترها الله فلم يلطمني الشرطي كفا ، كما فعل أبو محمود صبرة في حزيران .
وأخيرا جاء عام الحسم الذي لم يحسم ، حتى اللحظة ، أي شيء .
14/7/2016
٩
أسبوع كنفاني و أسبوع الكنافة:
احتفلنا الأسبوع الماضي بذكرى غسان كنفاني فكتبنا و قرأنا عنه.
أعلنت نتائج التوجيهي فبدأت احتفالات الناجحين- اللهم زد وبارك-.
في مكان العمل نجح أربعة أبناء لزملائي والكنافة على الأبواب.
يبدو أنني في الأسبوع القادم مضطر لتناول دواء السكري تناولا مضاعفا.
في لغة الرمز ،كما كتبت في "ليل الضفة الطويل " غدا الحمص حماسا والفول فتحا والجبنة جبهة والشاي شيوعيا والزعتر رمزا للطبيعة.
هل الكنافة غدت من آل كنفاني؟ في العرف النابلسي لسدر الكنافة دلالات لا ضرورة لذكرها.
من يرغب فى دراسة لغة الإشارة لا بد أن يقرأ بعض نصوصي القصصية.
14/ 7/2017
١٠
الهباش :
صلاة الجمعة تمنع في الأقصى وتقام في المسجد الحرام وفي المسجد النبوي ، وهذا شيء خطير .
نحن لا نحارب اليهود في دينهم لكي يمنعونا من الصلاة في الأقصى .
علة العلل هو الاحتلال وإذا أراد العالم السلام لهذه المنطقة فعليه أن يذهب إلى السبب / العلة .
كل التوتر سببه الاحتلال و آن الأوان للعالم الحر ومنظماته ودوله أن تجلب الأمان لمؤسساتنا وليبقى الأقصى موئل سلام .
المسجد الأقصى جزء من عقيدتنا وديننا ويجب أن يبقى مفتوحا للمسلمين لتأدية صلواتهم فيه .
ج 2
مدينة الخليل فلسطينية للأبد .
هكذا أعلنت اليونسكو ؟
هل حق الشعب الفلسطيني في دولته بدعة ؟
نحن بالدبلوماسية الهادئة نثبت حقوقنا و ...و ...
( طبعا الدبلوماسية الهادئة تعني سياسة أبو مازن وقد دعا الهباش إلى أبي مازن وأن يرزقه بطانة صالحة ) مثل الهباش وكثيرين من اليساريين والفتحاويين الثوريين السابقين ... إلخ
١١
شجاعة الماجن أبي نواس :
راقت لي قصة أوردها نزيه الأحدب مقدم برنامج " فوق السلطة " عن الخليفة المأمون وأبي نواس .
جمع المأمون الشعراء وألقى على مسامعهم قصيدة ركيكة وسألهم عن رأيهم فيها فمدحوها إلا أبا نواس حيث أجاب المأمون حين خاطبه :
- يا شاعر ما رأيك فيها ؟
أجابه بأنها ركيكة ولا بلاغة فيها .
غضب المأمون وسجن أبا نواس مع الحيوانات في اسطبل لمدة شهر .
عاد المأمون وقرأ قصيدة ثانية ، فمضى أبو نواس باتجاه الباب ، فسأله المأمون :
- إلى أين يا شاعر ؟
فأجابه أبو نواس :
- إلى الاسطبل يا حضرة الخليفة .
ضحك المأمون وعفا عن الشاعر .
١٢
سائق الحافلة "زيارة الرملة " :
في الخامس من تموز استقللت الحافلة من وسط عمان إلى طبربور . سائقها جده من الرملة ولد فيها وهجر منها في العام 1948 وهو الآن في التسعين من العمر ، والحفيد لا يتجاوز الثلاثين .
سألت السائق :
-هل زرت الرملة؟
فأجاب بالنفي ، وسألته إن كان جده زارها ، فأجابني:
-نعم ، زارها قبل أربع سنوات .
سألته عن صحة جده ، فأجابني بأنه- أي جده - بصحة جيدة ، ولكنه منذ عاد من زيارة الرملة اختلف .
الجد استبد به الحنين ، فاستخرج تأشيرة دخول من السفارة الإسرائيلية في عمان وعاد إلى الرملة زائرا.
السائق حدثني عن حياة جده وعائلته في الرملة . كانت الحياة بسيطة: بضع دجاجات وبقرة ومساحة من الأرض للزراعة .
هل قرأ الجد رواية غسان كنفاني "عائد إلى حيفا" وشعر بالندم ؟ وما الذي أمرضه: الندم أم عدم عثوره على الرملة في الرملة؟
والسائق يتحدث عن بساطة حياة جده وعائلته في الرملة تذكرت " طللية البروة"لمحمود درويش :
"كنا طيبين وسذجا ".
-كنا طيبين وسذجا!!!
14/7/2018
١٣
الست كورونا : حالة مثل مؤخرة حمودة ( ٢١ ) :
حول إلي الشاعر راضي عبد الجواد نكتة عن الفتح والإغلاق والتذبذب بينهما ملخصها أن فتاة اتصلت بأبيها تطلب منه أن يحضر معه الموز لأن أخاها حمودة أصيب بإسهال ، فلما أكل حمودة الموز أصيب ، بعد ساعة ، بالإمساك ، فاتصلت الفتاة بأبيها ثانية وطلبت منه أن يحضر الشمام ، والسبب أن حمودة أصيب بالإمساك .
النكتة أقرب إلى التشبيه التمثيلي ، فنحن في الأسابيع الأخيرة عشنا حالة مد وجزر بين إغلاق وفتح - فتح المحلات ، لا حركة فتح .
شريط ثان حوله إلي الصديق المحامي ماهر فتحي بسطامي يبين حالة بعض التجار في مدينة رام الله ، فالتاجر الذي يشكو ويصرخ بصوت عال يقسم أنه يحرك السوق ب 15 مليون شيكل ، ولكنه لا يملك في جيبه سوى 20 شيكلا ، ويضع اللوم على البنوك ، فهي لا يهمها - كما قال - إلا المرابح ، ويعلن المتحدث أنه ليس ضد السلطة الفلسطينية أو حكومتها ، فهو يحترم الدكتور محمد اشتية ويضعه على رأسه .
أول أمس تتبع فلسطيني بسيارته سيارة فلسطينيين تحمل رقم السلطة وهي تسير في تل أبيب وتقف في يافا ، وزعم الرجل - ولست متأكدا - أنها سيارة مسؤولين في التنسيق الأمني ، ولم يبرهن بالدليل القاطع .
كل الحق على حمودة المصاب بالإمساك والإسهال في اليوم نفسه . كل الحق على الموز والشمام .
حالة تعبانة يا ليلى . رواتب ما فيش . حركة ما فيش .
١٤ تموز ٢٠٢٠
١٤
يحيى السنوار ٩
أدب المقاومة وأدب الحركة الأسيرة
أين يمكن إدراج رواية " الشوك والقرنفل " في أثناء دراستها ؟
أهي نموذج لأدب السجون أم نموذج لأدب المقاومة ؟ أم هي نموذج لكليهما ، فلا فصل بين أدب السجون الفلسطيني وأدب المقاومة ؟
ما من أسير فلسطيني كتب نصا إلا أتى فيه تقريبا على تجربته في السجن الذي زج به بعد انضوائه تحت لواء فصيل من فصائل المقاومة .
منذ ستينيات القرن العشرين كتب الأدباء عن تجاربهم في السجن ، بل منذ كتب عوض قصيدته الشهيرة على جدران سجن عكا ، فكان من أوائل من دشن هذا النوع من الكتابة بعد اسكندر الخوري البيتجالي في روايته " الحياة بعد الموت " التي صورت في جزء منها السجن في زمن الأتراك العثمانيين .
عوض كتب قصيدته مباشرة قبل أن يشنق . لقد كتبها على جدار سجن عكا الرهيب الذي أعدم لاحقا فيه جمجموم والزير وحجازي وصور إبراهيم طوقان في قصيدته " الثلاثاء الحمراء " قصتهم .
ولم تنقطع الحكاية في الأزمنة اللاحقة ؛ زمن الاحتلال الإسرائيلي وزمن الحكم الأردني وزمن الحكم المصري و ... ولم أقرأ حتى اللحظة نصوصا عن السجن الوطني .
جزء من " الشوك والقرنفل " يصور حياة الأسرى في السجون الإسرائيلية وبخاصة معتقل النقب الذي كان له حضور في أعمال أدبية سابقة منها رواية السجين هشام عبد الرازق " الشمس في معتقل النقب " أو ما شابه ، وقد عالجت موضوعا خطيرا هو التحقيق مع بعض المعتقلين بحجة التعامل مع الاحتلال ، وهذا موضوع قاربه يحيى السنوار في روايته أيضا .
وجزء من " الشوك والقرنفل " يعالج موضوع تجنيد العملاء وظاهرة الإسقاط ، وهذا موضوع خاض فيه بالتفصيل أيضا حسام زهدي شاهين في روايته " زغرودة الفنجان " و هيثم جابر في روايته " الشهيدة " ووليد الهودلي في قصصه " وهكذا أصبح جاسوسا " و ... . وأمر طبيعي أن تتشابه موضوعات كتابات الأسرى وأن تسود روح المقاومة فيها ، وإذا ما سئلنا عن أدب مقاومة في الأدب الفلسطيني بعد أوسلو ، بالمفهوم الكلاسيكي لأدب المقاومة ، فإن ما كتبه الأسرى يعد مثالا بارزا عن وجوده وبكثرة .
في " الشوك والقرنفل " نقرأ ما يشبه الأدب التسجيلي . إن الرواية في جانب كبير منها تبدو رصدا للعمليات المسلحة التي قامت بها الحركة الإسلامية بشقيها ؛ حماس والجهاد الإسلامي ، بل وتبدو تمجيدا لبطولات أبرز رموزها الذين قاوموا الاحتلال من عماد عقل إلى يحيى عياش اللذين يذكران بالاسم ، كما تذكر عملية إبعاد رموز هذه الحركة إلى لبنان ومرج الزهور .
تنتهي الرواية باستشهاد الشخصية الرئيسية فيها وهو إبراهيم الصالح ، إذ تقصف طائرة الأباتشي الإسرائيلية سيارته ، ويشيع جثمانه بجنازة مهيبة يحمل فيها طفلاه السلاح ، وهذا فعل رمزي وإشارة دالة إلى مواصلة النضال حتى يكون هناك حل عادل للقضية الفلسطينية ولمأساة اللاجئين الفلسطينيين في الوطن والمنافي .
أمس وأنا أقرأ في كتاب رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق ( بنيامين نتنياهو ) " مكان تحت الشمس / مكان بين الأمم " توقفت أمام ما ورد في فصل " حصان طروادة " .
يروي ( نتنياهو ) أنه في الانتفاضة الأولى في أثناء خدمته في مخيم جباليا ، في فترة هدوء نسبي ، تجول في أحد أزقة المخيم فرأى رجلا طاعنا في السن يجلس قرب جدار ، فسأله :
- من أين أنت ؟
- من المجدل ؟
- وأولادك ؟
- من المجدل .
- وأحفادك؟
- من المجدل أيضا .
وهنا تمنى ( نتنياهو ) أن يعم السلام وأن يزور الرجل المجدل وأن يزور ( نتنياهو ) جباليا .
ولكن هذا الكلام لم يرق للاجيء فابتسم ابتسامة تعبر عن عدم الرضا ، إذ إنه يحلم بالعودة إلى المجدل ورحيل ( نتنياهو ) إلى بولندا .
الحكاية طويلة ، والكتابة عن " الشوك والقرنفل " وأبو إبراهيم السنوار قد تطول ، ولكني أشعر أن القراء ملوا من القراءة في الموضوع نفسه .
أمس كان ذكرى استشهاد الشاعر عبد الرحيم محمود في معركة الشجرة في العام ١٩٤٨ ، والشجرة هي قرية ولادة فنان الكاريكاتير الفلسطيني الشهيد ناجي العلي .
١٤ تموز ٢٠٢١
١٥
فتاة نابلس ٢٣ :
الاخطبوط الصهيوني
هل نحن مخترقون إلى هذا الحد ؟ هل الصهيونية اخطبوط بحجم الأرض ؟
راودني السؤالان السابقان وأنا أقرأ ما سيترتب على الشاب النابلسي أمير إن رفض أن يلعب لعبة نقل الأموال التي قد تؤدي إلى سجنه أو قتله وقد تؤدي إلى بعض ثراء .
كاترين المسؤولة عنه تطلب منه أن يلعب اللعبة ، وفجأة تظهر Fiona التي دربته واختفت كأنها كانت شبحا . تطلب Fiona منه أيضا أن يلعب اللعبة ، وهكذا يتصل برشيد اللبناني ويبلغه بموافقة البنك على إتمام الصفقة ، والسؤال هو لماذا خضع ووافق ؟ والإجابة تكمن في تهديد Fiona له .
إن لم يلعب اللعبة فإن تمديد إقامته في دبي لن يتم وسيعود إلى نابلس خاوي اليدين وسيكتشف كذبه على أمه هالة وأخته سارة والفتاة التي يحبها عائشة ، وليت الأمر يقتصر على هذا .
عندما هاتفته أخته سارة طالبة منه أن يسرع إجراء معاملاتها لتلتحق به في نيويورك تهدده بأنه إن لم يف بوعده لها فستعمل في مستوطنة حيث حصلت على فرصة عمل وهذا ما يرعبه . إن عملها هناك سيجعل منها عميلة وساقطة أخلاقيا . ولقد أخفت عليه على ما يبدو أنها أخذت تعمل لدى عائلة إسرائيلية في المستوطنات ، وهذا ما يعرفه من Fiona التي على ما يبدو كانت تعرف عنه وعن عائلته كل شيء وتصرفت بناء على هذا .
كانت ل Fiona صلة بالمستوطنة وهي من وفرت فرصة العمل لسارة . لقد هددت Fiona أمير بأنها ستخطف سارة ولن يعرف عنها شيئا ، وواصلت تهديدها له بالتركيز على حلمه وهو العمل في شارع وول ستريت في BURR ACHESON ، وعندما حاول الاتصال بعمه جابر ليتحدث معه بأمره وما جرى معه لا يرد ، ويبدو أنه تم قطع الاتصال عنه بقصد ، وهكذا يجد أمير نفسه منخرطا في اللعبة . ولكن ماذا عنه وعائشة الدجاني ؟
هل الصهيونية ودولة إسرائيل أخطبوط حقا ؟
" You may be willing to spend the rest of your life in occupied Palestine , though personally , I can't think of anything worse .That's your choice. But consider your family .
....
I remember what you told me about your sister , Sara. About how important she is to you ..." .
إنه أسلوب المخابرات الإسرائيلية تماما .
عندما كتبت كتابي " حزيران الذي لا ينتهي : شظايا سيرة " أتيت على مساومة رجل المخابرات الإسرائيلية لي على الوظيفة إن حرضت الطلاب وكتبت تحت عنوان " طي.. النبي ولسان ضابط المخابرات " وما كتبته لا يذكر أمام ما سمعته من أسرى وما قرأته لقسم منهم حول المساومات التي تعرض لها شخوصهم . حسام شاهين في " زغرودة الفنجان " ووليد الهودلي في " وهكذا أصبح جاسوسا " مثالا .
٢٠٢٣
١٦
غزة ( ٢٨٢ ) :
الصمت ، إزاء ما جرى ويجري ، عار
هل اختلفت مجزرة أمس في مواصي خان يونس عن المجازر المرتكبة بحق أهل قطاع غزة منذ ٨ أكتوبر ٢٠٢٣ اليوم الذي تلا ٧ أكتوبر ؟
لم نشاهد حتى اللحظة فلسطينيا مقاوما واحدا رفع الراية البيضاء مستسلما لجنود جيش الاحتلال الإسرائيلي ، فالإسرائيليون الأسرى الثلاثة الذين تمكنوا من الإفلات من الأسر ورفعوا أيديهم للجنود الإسرائيليين تمت تصفيتهم . والمدنيون الفلسطينيون في مناطق شمال قطاع غزة ممن رفعوا رايات بيضا دلالة على أنهم مدنيون وليسوا مقاتلين لم يلقوا مصيرا مختلفا عن مصير الإسرائيليين الثلاثة . هل أصبحت الأماكن التي عدتها إسرائيل آمنة ، ودعت سكان غزة المدنيين للتوجه إليها ، مناطق آمنة ؟
أمس وأنا أكتب عن عار البشرية كلها إزاء ما يجري وعن جان بول سارتر و " عارنا في الجزائر " غاب عن ذهني ما كتبه الأديب الألماني ( غونتر غراس ) في سنواته الأخيرة تحت عنوان " ما يجب أن يقال " . لقد تساءل غراس :
لماذا أصمت ؟
وكتب عن الغرب وازدواجية معاييره وأشار إلى أن ماضي بلاده النازي لا ينبغي أن يحول بينه وبين قول الحقيقة بخصوص امتلاك السلاح النووي لكل من إسرائيل وإيران وبخصوص إنكار حق الشعب الفلسطيني .
أعيد هنا إدراج ترجمتي لقصيدة غراس وأتساءل في الوقت نفسه إن كان الآن هناك كاتب ألماني بحجمه عبر عن رأي مشابه ، والأهم من هذا هو :
- لماذا صمت أكثر كتابنا عما يجري منذ ٧ أكتوبر
١٤ / ٧ / ٢٠٢٤
١٧
غزة 647 : اصطادوا الفتى ، أمس ١٣ / ٧ / ٢٠٢٥ ، وهو يبحث عن ماء :
أمس كان الرجل يحمل جثة ابنه الفتى ويهذي ، فالفتى لم يكن يحمل بندقية أو علما أخضر .
ذهب الفتى اليافع ، ليحضر الماء إلى أسرته ، حتى ترتوي العائلة وتطبخ الأم إن كان هناك ما يمكن أن تطبخه ، فالجوع ، في هذه الأيام ، يفتك بأهل قطاع غزة كما لم يفتك بهم من قبل ، وأنا أحكي عما قرأته في صفحات بعض نشطاء سكان القطاع الباقين .
كان الأب يتساءل :
- ماذا فعل ابني ؟ ذهب ليحضر لنا الماء فاصطادوه .
شريط الفيديو الذي ترك أثرا نفسيا عميقا في نفسي هو الشريط الذي يري رجلا وابنه جالسين قرب جدار . بدا جسداهما منهكين وقد فتك بهما الجوع ؛ فلا طعام ولا مال .
عندما جلس قربهما شاب ونقدهما حوالي خمس ورقات مالية من فئة المائة شيكلا ، حمد الرجل الشاب ودعا له بالخير والبركة وطول العمر ، فقد مرت أيام لم يتناول فيها الخبز ، ولم يكتف الرجل بالدعاء للشاب ، فقد التقط يده وقبلها وطلب من ابنه أن يفعل الشيء نفسه .
بالتأكيد يمكن أن يقرأ مشاهد الشريط ما ظهر فيه قراءات عديدة مختلفة متباينة ، ولكن ما لن يختلف عليه هو هيئة الرجل وابنه ، فقد أنهكهما الجوع وقلة ما في اليد .
الأوضاع المعيشية في غزة لم تعد تخفى على أحد حتى على الدول الأوروبية التي ضغطت على الدولة الديموقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط من أجل إدخال المساعدات إلى القطاع ، وإلا ... !!
سننتظر ونرى إن نجحت أوروبا في ضغطها ...
حالة تعبانة يا ليلى !
وما أراني أكتب إلا معادا مكرورا
١٤ / ٧ / ٢٠٢٥
١٨
هوامش من وحي ما يجري في غزة : أراض للمقايضة
عادل الأسطة
في ٧ / ٧ / ٢٠٢٥ قرأت في صفحة الناشط الغزاوي أبو أحمد سمور الآتي :
" مطلوب كيلو سكر وأوقية قهوة نظيفة ، مقابل قطعة أرض 300 متر على شارع 10 م في الشيخ رضوان " فعلقت :
" من أطرف ما قرأت .. وهذا يستحق كتابة مقال ، فهو يستحضر قصصا شخصية ومسلسلات عن نكبة ١٩٤٨ ، بل ورواية ربيع جابر " أمريكا " . وأرجح أن قطعة الأرض هذه كانت قبل طوفان الأقصى تساوي نصف مليون دولار " .
ما كتبته في ٨ / ٧ لفت انتباه القراء فعلق عبد الكريم عاشور المقيم في غزة " ههههههشارع عشرة لا يمكن الوصول إليه هذه الأيام " ، وأما من لا يعرف غزة مثل مها خوري المقيمة في فلسطين ١٩٤٨ فعقبت " معقول!؟ " . أما الكاتب في جريدة الأيام الفلسطينية الدكتور عبد المجيد سويلم فعقب : " فعلا يستحق . جميل " .
الخبر استثار في ذاكرتي شخصية أبو عايد في مسلسل الكاتب وليد سيف الفلسطيني ابن باقة الشرقية " التغريبة الفلسطينية " واستثار أيضا قصصي مع زملائي في الجامعة ممن أولعوا بشراء الأراضي وسخروا مني ، لأنني لم أتاجر بالتجارة السهلة التي تضاعف المال أضعافا مضاعفة تفوق مكافأة نهاية الخدمة التي استمرت ٣٧ عاما .
كان أبو عايد يشتري الأراضي ، لأن مكانة المرء الاجتماعية في الريف تتحقق ، في جانب كبير منها ، بمقدار ما يملك من أراض . كان يشتريها كلما سنحت له فرصة ، ولم يكن يرى في التعليم عاملا يحقق المنزلة التي يحققها مقدار الأرض التي يمتلكها .
شعر أبو عايد بالفخر والزهو ، فترفع عن فقراء القرية وسكانها العاديين ، وعد نفسه مختلفا ، وبين عشية وضحاها طرده الإسرائيليون من قريته مع بقية سكانها ، فوجد نفسه لاجئا ، بلا مأوى وبلا طعام وبلا شراب ، ووجب عليه أن ينتظم بالدور ، حتى يحصل على بعض ما تمنحه الهيئات الدولية للاجئين .
استكثر الوضع الجديد ، فكيف ينتظم الدور مع من كان يترفع عليهم ، ثم وجد نفسه واحدا من الطابور ، فالأرض وما تثمره ضاعت وضاع معها مجده القديم .
وغالبا ما تذكرته وغالبا ما ذكرت به أحد زملائي .
في الجامعة تعرفت إلى زملاء شغفوا بشراء الأراضي ، لدرجة انهم اقترضوا المال من البنوك بفوائد ليشتروا قطعة هنا وأخرى هناك . لم يكونوا يتصرفون برواتبهم ليعيشوا حياة سهلة رغدة ، فجزء منها يخصم للسداد ، وهكذا ضيقوا على أنفسهم وعلى أسرهم . أحيانا كنت أصغي إلى روايات عن نمط حياتهم لا تليق بهم ، فنابلس مدينة لا أسرار فيها والكل فيها يعرف أخبار الآخرين ويرويها فيتم تناقلها بسرعة ، واسألوا سحر خليفة ، أو اقرأوا روايتها " باب الساحة " ، وكنت شخصيا أتيت على هذا فيما يخصني في نصي " ليل الضفة الطويل " ( ١٩٩٣ ) . تستبيحك المدينة وتغدو سيرتك على كل لسان حتى لتردد سطر محمود درويش " ستروى أساطير عني " ولم يكن عبثا أن صدرت النص في مسودته بالقصيدة التي ورد السطر فيها .
كم سنة عاش هؤلاء الزملاء عيشة الفقير ، حتى يسددوا ما عليهم من قروض ، ليثرى أبناؤهم ؟ .
" يعيشون فقراء ويموتون أغنياء " عبارة سمعتها عن أبناء مدينة فلسطينية معينة ؛ لأنهم ينشغلون في حياتهم بالكد وجمع المال ولا يستمتعون به ، فيكون من نصيب الورثة .
هل غاب عن ذهني أن المصارف والبنوك التي أودع فيها رصيدي ، من رواتبي ، قد يلم بها ما ألم بالمصارف والبنوك في أمريكا في فترة الكساد العالمي في العامين ١٩٢٩ / ١٩٣٠ ، وبالتالي قد أجد نفسي بين عشية وضحاياها خاوي الوفاض ، بلا تعريفة واحدة أو قرش أدفع به عني غائلة الجوع والبرد والعري ؟
لن أنسى صورة ذلك الشاب الغزاوي التاجر الذي نزح في بداية الحرب من شمال قطاع غزة إلى جنوبه ، بناء على طلب جيش الاحتلال الإسرائيلي . كان الشاب تاجرا منعما يضع رأس ماله في متجره الفاخر وفي البنك أيضا . لم يكن يحمل النقود أو يخزنها مكتفيا ببطاقة الصراف الآلي ، وحين عز وجود الصراف غدت البطاقة مجرد بطاقة لا تسمن ولا تغني من جوع . لقد اضطر أيضا أن ينتظم في الدور ، مثل أبو عايد في المسلسل ، إلى حين يفرجها الله ، وقد يكون الشاب غادر قطاع غزة عبر معبر رفح ودفع خمسة آلاف دولار رشوة .
لا يغيب عن ذهني ، وأنا أتابع صفحات أبناء قطاع غزة ، رواية ربيع جابر " أمريكا " الصادرة في ٢٠٠٩ ، وفيها يأتي على ما مرت به أمريكا في العامين ١٩٢٩ و ١٩٣٠ من كساد وإفلاس بنوك ، حيث فقد المدخرون أموالهم وهاموا في الشوارع على وجوههم ولم يملكوا ما ينفقون به على أنفسهم . يومها لاذ من اشترى الأرض والعقار بالأرض عله يزرعها ويأكل من غلالها ، ولكن الطريف أن المزارعين لم يجدوا من يشتري منهم محصولاتهم فكبوها ولم ينتفعوا بها .
هل كان زملائي على صواب وأنا على خطأ ؟
في غزة لم يبق لأهلها أرض ولم يبق مدخرات وفي كثير من أشهر الحرب جاع الناس حتى عجنوا علف الحيوانات ، والآن الجوع يضرب أطنابه ولا يجدي مال ولا أرض لطرد غائلته .
حالة تعبانة يا ليلى !
( الاثنين والأربعاء والجمعة والسبت ١٤ و ١٦ و ١٨ و ١٩ / ٧ / ٢٠٢٥ )
عادل الاسطة
١٨
١٩
غزة 647 :
وسكتت شهرزاد عن الكلام المباح
لا أدري إن كان هناك مجال للكتابة بعد مشاهدة الشريط المدرج . هل سأقوى على مواصلة كتابة اليوميات ؟
أهل غزة يعيشون الجحيم ولكن ما يصبرهم هو إيمانهم بأن من فقدوهم صعدوا إلى الجنة .
تخيلوا بدلا من حفاضة البامبرز التي لا يملك ثمنها يحفض الصحفي محمد الدلو ابنه ب شرايط ولما عز وجودها حفضه ب كيس نايلون !
روى محمد ل فضائية " الجزيرة- مباشر " و " المسائية " قصة عائلته النازحة من الشجاعية إلى حي الزيتون في غزة . استشهد أخوه ولم يدفنه ولم يودعه .
تلقى أول أمس خبر وفاة أبيه معلم الرياضيات وحين وصل المشفى لقى أفراد أسرته وقد ارتقوا ، باستثناء أخيه عمر وأخته وأمه الجرحى " بلا مفاوضات بلا نيلة .. النفس ما ضلش فيها حيل .. القتل بالجملة واليهود لا يفرقون بين الحجر والشجر والبشر " .
محمد استدان ألف دولار للقبور . حتى الدفن يحتاج إلى مال يستدينونه .
والكتابة لا تغني عن المشاهدة ...
١٤ / ٧ / ٢٠٢٥
٢٠

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...