ناعم زينب جيهان - الأمية الرقمية وإشكالية بناء الوعي في البيئة الاتصالية الرقمية

لم تعد الامية في العصر الرقمي تقاس بعدد من لا يجيدون القراءة والكتابة، بل بعدد من يستهلكون المعرفة دون أن يمتلكوا القدرة على مساءلتها. لقد نجح العالم في تقليص الامية الابجدية إلى حد بعيد، لكنه في المقابل أفرز شكلا أكثر تعقيدا يتمثل في الامية الرقمية؛ وهي ليست عجزا عن استخدام التكنولوجيا، بل عجز عن فهم منطقها، وآليات اشتغالها، وأنماط السلطة التي تمارسها على الوعي الفردي والجمعي.
ومن هنا، تبدو المفارقة لافتة. فكلما اتسعت شبكات الاتصال، تراجع مستوى التفكير لدى شريحة واسعة من المستخدمين. وكلما ازدادت وفرة المعلومات، تقلصت القدرة على التمييز بين المعرفة والضجيج. ولذلك، فإن الاعتقاد بأن الانتشار الواسع للتكنولوجيا سيقود تلقائيا إلى مجتمع أكثر وعيا، لم يعد سوى وهم كرسته الحتمية التكنولوجية، بينما يكشف الواقع أن التكنولوجيا لا تنتج الوعي من تلقاء نفسها، وإنما تعيد إنتاج الفوارق المعرفية بصورة أكثر تعقيدا.
لقد اختزلت كثير من السياسات التعليمية مفهوم التحول الرقمي في توفير الاجهزة والمنصات وربط المؤسسات التعليمية بالانترنت، وكأن تحديث البنية التحتية كفيل بإنتاج مواطن رقمي. غير أن هذا التصور يعكس فهما تقنيا ضيقا لمسألة هي في جوهرها قضية تربوية وثقافية وفلسفية. فالتحول الرقمي الحقيقي لا يقاس بعدد الاجهزة داخل المدارس، بل بقدرة المدرسة على بناء عقل يمتلك السيادة على التكنولوجيا، لا عقلا يخضع لمنطقها.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري التمييز بين التمكن التقني والتمكن المعرفي. فالاول يمنح الفرد القدرة على تشغيل التطبيقات، بينما يمنحه الثاني القدرة على تفكيك الخطاب الرقمي، وقراءة الانساق المضمرة داخله، وتحليل آليات الهيمنة الخوارزمية التي تعيد تشكيل الاهتمامات والاذواق والقرارات دون أن يشعر المستخدم بذلك. وهنا تحديدا تتجلى الامية الرقمية، ليس في الجهل باستعمال الادوات، وإنما في الجهل بالطريقة التي تستعمل بها الادوات عقولنا.
ولعل اخطر ما تفرضه البيئة السيبرانية المعاصرة هو انتقال السلطة من المؤسسات التقليدية إلى الخوارزميات. فهذه الاخيرة لم تعد مجرد تعليمات برمجية تنظم المحتوى، بل تحولت إلى فاعل سوسيوتقني يمارس سلطة رمزية على المجال العام، ويشارك في هندسة الوعي، وتوجيه الانتباه، وصناعة الاولويات، بل وحتى في اعادة تشكيل منظومة القيم. ومن ثم، فإن المستخدم الذي يعتقد أنه يختار ما يشاهده، قد يكون في الحقيقة يستهلك ما اختير له مسبقا وفق منطق اقتصاد الانتباه، حيث تتحول بياناته وسلوكه إلى سلعة داخل منظومة رقمية عابرة للحدود.
وتزداد خطورة هذا المشهد عندما يتعلق الامر بالطفل. فالطفولة المعاصرة لم تعد تنشأ داخل فضاء تربوي خالص، بل داخل بيئة هجينة تتقاطع فيها المدرسة والاسرة والمنصات الرقمية والذكاء الاصطناعي. ولم تعد عملية التنشئة الاجتماعية حكرا على الوالدين والمعلم، بل دخلت الخوارزميات بوصفها فاعلا تربويا غير معلن، يحدد ما يراه الطفل، وما يسمعه، وما يثير انتباهه، وما يتكرر امامه حتى يتحول إلى جزء من بنيته الادراكية. ومن هنا، فإن السؤال التربوي لم يعد: ماذا نعلم الطفل؟ بل: من الذي يربي الطفل فعلا؟
كما أن الذكاء الاصطناعي، على الرغم من الفرص التي يتيحها، يفرض تحديا معرفيا غير مسبوق. فحين يصبح الوصول إلى الاجابة أسرع من بناء السؤال، يصبح العقل مهددا بفقدان اهم وظائفه، وهي التفكير. والخطر الحقيقي لا يكمن في أن تنتج الآلة المعرفة، بل في أن يتوقف الانسان عن انتاجها. فالمعرفة ليست نتاجا للمعلومة، وإنما ثمرة للشك، والتحليل، والنقد، واعادة البناء.
لذلك، فإن مواجهة الامية الرقمية لا يمكن أن تختزل في دورات تدريبية حول استخدام التطبيقات، ولا في تحديث الوسائل التعليمية، لأن جوهر المشكلة لا يتعلق بالوسيلة، بل بالعلاقة التي يبنيها الانسان معها. نحن بحاجة إلى مشروع تربوي يعيد الاعتبار للتفكير النقدي، والوعي المعلوماتي، والمواطنة الرقمية، والمرونة المعرفية، ويؤسس لرأس مال معرفي قادر على مقاومة التضليل، واستعادة استقلالية العقل في زمن الهيمنة الخوارزمية.
إن الرهان الحقيقي اليوم ليس في امتلاك التكنولوجيا، بل في امتلاك القدرة على مساءلتها. وليس في تعليم الطفل كيف يستخدم الشاشة، بل كيف يفهم ما يحدث خلفها. فالمجتمعات لا تفقد حريتها حين تتخلف عن التكنولوجيا، وإنما حين تتوقف عن التفكير فيها.
وربما سيأتي يوم لا يكون فيه السؤال الاكثر اهمية: من يمتلك التكنولوجيا؟ بل: من ما زال يمتلك عقله في عصر تتنافس فيه الخوارزميات على تشكيل الوعي قبل تشكيل المعرفة.

ناعم زينب جيهان

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...