١
ذهن مشتت :
هابط من الحافلة ألتقي بموظف سابق من الجامعة . نسلم على بعضنا وأسأله عن أحواله .
- والله م هي زاااااابطة يا أستاذ . الحالة تعبانة وماسحة . أنهيت وظيفتي في العام 2000 والآن ؟
- بعين لله . أقول له ، ونفترق .
في هذه الأيام في شوارع نابلس يكثر السائلون . يتوسمون في الشخص الوسيم لخير ويخاطبونه :
- كل عام وأنت بخير يا حاج - أكثر كلمة لا أحبها لدلالاتها البعيدة لا القريبة .
هل يعرفون أنك لست حاجا ؟
ربما يظنون أني أشغل عشرين شخصا هنا وهناك ينشرون مقالاتي في الصحف العربيةالخليجية وأقبض منها - والله لم آخذ من أية دولة خليجية ، مقابل مقال ، أي قرش أو ريال أو دينار .
هل الحالة تعبانة يا ليلى ؟ - والمخاطبة ليست ليلى الأطرش - وإنما ليلى الأغنية ( حالة تعبانة يا ليلى / شغل ما فيش ) .
إن كنت أفهم تلميحات أختي حين تطلب مني الجرائد ، فإنني منشار أخذ من الجرائد كلها التي تنشر مقالاتي أو تعيد نشرها .
ماشي صيت غنى ولا صيت فقر . الحمد لله - لا أقصد رئيس الوزراء رامي الحمدالله وعفوا لسقوط الألف من بعض الكلمات .....
٢٠١٢
٢
" لا شيء يعجبني ".
العبارة لمحمود درويش . ذكرى رحيله على الأبواب وأيضا ذكرى رحيل د.احسا ن عباس والشاعر محمد القيسي . لتمتليء أرواحهم بالسكينة .
عمن سأكتب الأحد القادم ؟
لم يقل الشاعر :
" لا أحد يعجبني " .
قال : " لا شيء يعجبني " .
أمس بحثت عن الأعمال الشعرية الكاملة لمحمد القيسي في مكتبة جامعة النجاح فلم أجدها .
ربما وجب على جامعاتنا أن تؤسس مكتبة خاصة للإصدارات الفلسطينية !
ربما يجب !.
٣
غزة ثالث أيام العيد :
صباح دموي آخر بامتياز .
الاسرائيليون يقصفون مدرسة اونروا ، والموت جماعي ، والقتلى بالعشرات .
في الخامسة صباحا جاء الموت مجسدا برئيس وزراء اسمه ( بنيامين نتنياهو ) ، وهو ابن ابيه ولم يختلف عنه ، كما قال أبوه . لا يحب العرب إلا موتى .
في الخامسة فجرا والناس نيام ، وبعضهم يتوضأ لصلاة الفجر ، وآخرون يحلمون ، في الخامسة فجرا من ثالت أيام العيد تقصف قوات نتنياهو أطفالا ونساء ورجالا عزلا ، ومن تبقى على قيد الحياة يطلب من المقاومة أن تواصل الدفاع عن غزة وإلا تتراجع حتى فك الحصار .
ثالث أيام العيد :
- الأم التي مات من أفراد عائلتها عشرون وأكثر ، تقول :
-انا مع المقاومة ، وشهداؤنا للجنة وقتلاهم للنار ، ولو استطعت ان اقاوم لقاومت .
والعبارة : حسبنا الله ونعم الوكيل ، والمرأة التي فقدت ابنتها وأختها لم ينقذها سوى الوضوء .
وائل الدحدوح نقل المشهد من مشفى كمال عدوان .
و.... و ..
وثمة ما اوجع الاسرائيليين ، هذا ما يقوله هذا القصف الهمجي ..
و ...
وهذه هي الأرض القديمة الجديدة التي نشدها ( ثيودور هرتسل ) في تخيلاته .
انهض يا هرتسل من قبرك وانظر .
يبدو أن اسرائيل في ورطة ، وهذا ما عبر عنه بعض جنودها الجرحى الذين نجوا من موت ...
٢٠١٤
٤
هل أصدق كافكا ؟
( كافكا ) كاتب يهودي الديانة تشيكي المولد أثير حوله جدل في العالم العربي حتى أن بديعة أمين الكاتبة العراقية ألفت كتابا تساءلت فيه إن كان يجب إحراق كافكا ، وكتب الكاتب السوري عبده عبود في رسالة الدكتوراه فصلا عن الجدل حول كافكا في العالم العربي .
في الحرب الحالية على غزة تذكرت ( كافكا ) وقصته " أبناء آوى وعرب " وفيها عبارة مهمة وخطيرة وهي إن العداوة بين العرب وأبناء آوى هي في الدم .
هل أبناء آوى في القصة هم العرب؟
هل ثمة دلالات رمزية في القصة دفعت الكتاب العرب ﻷثارة الجدل حول كافكا ؟
أنا أتساءل :
- هل العداوة بيننا وبين أبناء آوى حقا في الدم؟
ماذا يجري في غزة الآن؟
ثمة دم يسيل . دم فلسطينيين ودم يهود .. والعرب واليهود أبناء عمومة والدم دم سامي لا سامي وآري و ..و .. وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ...
هل تخصصي أدب فلسطيني أم أدب عربي أم أدب مقارن ؟
سؤال سخيف .
هذا الصباح اتصل بي شاب قال لي إنه من رفح وسألني إن كنت كتبت دراسات عن التناص .
" إنت فين والحب فين " على رأي أم كلثوم و" شر البلية ما يضحك " .
٥
هستيريا إسرائيلية :
آخر اﻷخبار تقول :
جن أبناء العمومة الآن . إنهم يقصفون حي الشجاعية برا وجوا وهناك عشرات الشهداء والجرحى . ثمة عمليات إبادة جماعية والسبب هو أن إسرائيل غير قادرة على تحمل أعداد القتلى واستمرار الحرب .
هذا الوجه الحضاري لدولة أبناء العمومة الذين يتحدثون عن طهارة السلاح وعن أكثر جيش أخلاقي في العالم .
لقد كتبها معين بسيسو مبكرا :
إسرائيل لا تحتمل أن تجرح ﻷنها إن جرحت ماتت .
كان الناس يتسوقون في سوق الشجاعية وجاءهم الموت .
لم يبق في غزة حي آمن كما يقول تامر المسحال مراسل الجزيرة .
خربشات وإسرائيل في ورطة لأنها لا تفعل ما تفعله إلا إذا كانت في ورطة .
٢٠١٤
٦
الخليل والعشائرية : من موضوعات الرواية الفلسطينية
مشهور البطران في روايته الجديدة :
عادل الاسطة Adel Osta l
أقرأ في هذه اﻷيام في الرواية الجديدة للروائي مشهور البطرن " السماء قريبة جدا " 2015 وكنت قرأت له من قبل " آخر الحصون المنهارة " .
هل تذكرت وأنا أقف على العنوان رواية العراقية بتول الخضري التي صدرت في سلسلة كتاب في جريدة وكان عنوانها " كم بدت السماء قريبة " ! .
هل كانت رواية بتول هذه من قراءات مشهور ؟
وهل ثمة تشابه بين البطلين في رؤيتهما لقرب السماء ؟
أعتقد أن التشابه ليس في العنوان وحسب - المناص - فرؤية زيدون للشمس قريبة من اﻷرض لا تختلف عن رؤية ساردة الرواية هناك ، ومع ذلك فهناك اختلاف واضح في كل شيء ، عدا العنوان ورؤية الشمس .
فوق ما سبق ذكرتني رواية مشهور بروايتي جبرا " صيادون .... "و " السفينة " .
هناك مجتمع عشائري في بغداد وهناك مجتمع عشائري في الخليل ، وستجني العشيرة على أبنائها .
وأنا أقرأ جبرا لم أفهمه جيدا إلا في العام 2003 قبل بداية الحرب .
جمع صدام حسين شيوخ العشائر وطلب منهم دعمهم له ، فقرأت الفاتحة على العراق العلماني ولم أفاجأ بالهزيمة ، وبعدها رأيت دكتورا جامعيا عراقيا التقيت به في تموز 2001 في الجامعة اﻷردنية رئيسا لعشيرة من عشائر البصرة فقلت :
- نحن خارج التاريخ .
في رواية مشهور البطران كتابة عن العشائرية في الخليل ، ولطالما سمعت عن العشائرية هناك ولم يرق لي ما سمعته ، ولم يرق لي امتداح العشائرية هناك - امتدحت العشائرية في الخليل في فترة الفوضى التي عمت الضفة في 2006 / 2007 .
العشيرة تقدم خدمة للاحتلال وتنوب عنه في تصفية المقاومين ، فالثأر سمة أساسية من سمات المجتمع القبلي العشيري ، وأحفاد شيخ العشيرة يطالبون بدمه حتى لو كان متعاونا مع الاحتلال وخائنا ، ولا يستثنى من اﻷبناء واﻷحفاد إلا من درس في الغرب وعاد بوعي جديد مختلف . مع أن الوقائع تقول إن بعض الذين درسوا في بريطانيا وعادوا إلى الخليل ما زالوا يديرون مؤسسات كبيرة بعقلية زعيم العشيرة ، وحول هذا يحدثني زملاء ولا حرج .
مشهور البطران يقص بطريقة تقليدية كلاسيكية عن رموز مقاومة ثورية تسهم في النضال الوطني فتتعرض للمطاردة والسجن ومن ثم الاغتيال وهدم البيت.ولا تتعرض هذه للملاحقة من الاحتلال وحسب ، بل من أبناء العشيرة المتعاون رئسها مع الاحتلال .
ما لفت نظري في الرواية ما أورده الروائي عن البيت الذي بنته نبيلة زوجة المناضل زيدون وقد تعرض للهدم . أهكذا يبني المناضلون بيوتهم ؟
حتى لو لم تكن نبيلة ثورية فهي زوجة مناضل ومع ذلك تبني قصرا يكون مآله الخراب والهدم .
أنا شخصيا لم أستسغ هذا وكان يفترض أن تبني بيتا بسيطا متواضعا . زيدون ثوري راديكالي ونبيلة تفكر بطريقة مباهاة ومفاخرة ، مع أنها صابرة صامدة .
لم أنته من قراءة الرواية التي تبدأ بالكتابة عن طفولة زيدون يوم وقعت هزيمة حزيران 67 ثم انتقلت الرواية فجأة للعام 2000 واستمر زمنها الروائي حتى 2013 وانتهت باستشهاد زيدون على يد حفيد الهلالي الذي ثأر لجده فناب عن الاحتلال .
كأن هناك تحالفا ضمنيا بين شيوخ العشيرة والاحتلال وسيواصل عزت ابن زيدون الذي يدرس التاريخ مسيرة أبيه وجده
وسيحمل البندقية وسيصطاد ضابط مخابرات إسرائيلي وستنتهي الرواية بتمجيد المقاومة وهجاء العشائر والمتعاونين مع الاحتلال بقدر من الوعظ وضرب من التعليمية . أحداث رواية مشهور البطران تنتمي إلى أدب المقاومة التقليدي وما يشفع لها أن الفترة التي جرت فيها أحداث الرواية شهدت صداما عنيفا بين الفلسطينيين والإسرائيليين وهي مرحلة انتفاضة اﻷقصى .
٢٠١٥
٧
العصافير تزقزق معا .
عزف موسيقي جماعي
والأشجار هادئة فليس ثمة ريح ،
وأنا أستمتع بالموسيقى الأجمل .
كأنني في برلين في ( الفيلهرموني ) .
30/7/2016
٨
نقد أدبي :
أفكر في النقد الذي أكتبه عن رواية الكاتب العربي اللبناني إلياس خوري " أولاد الغيتو ، اسمي آدم " ، فأتذكر بعض النقاد التاثريين :
" النقد هو حوار بين أناس مثقفين " .
ما أكتبه هو خلاصة قراءات نقدية من أربعين عاما .
وروايته هي أيضا خلاصة قراءاته من أربعين عاما وأكثر .
30/7/2016
٩
( حزيران الذي لا ينتهي ) 65 :
( ذات يوم شتائي ماطر جدا )
في تشرين ثاني من العام 1978عينت معلما في مدارس وكالة غوث اللاجئين . تركت المدينة والتدريس فيها ، وفي أفضل مدارسها الثانوية ، وذهبت الى الغور ، حيث الحر الشديد صيفا والجو الدافيء شتاء ، وحيث أزمة المواصلات والحاجز المقام ما بين المدرسة ونابلس ، قرب معسكر النصارية الذي كان معسكرا للجيش الأردني وغدا معسكرا للجيش الإسرائيلي . وكان هذا بسبب الراتب الشهري ( كنا نحصل في الحكومة على راتب يعادل 65 دينارا أردنيا وانخفضت العملة الإسرائيلية فغدا يعادل 45 دينارا ، وكان راتب الوكالة الضعف وأكثر ) .
لقد ورثت إسرائيل من الأردن معسكراتها أيضا ، كما ورثت الأردن من بريطانيا بناياتها العسكرية التي أنشأتها هي ، وكما ورثت بريطانيا من العثمانيين سجن نابلس المركزي ، وورث هؤلاء كلهم الأرض بمن عليها ( كما لو أنهم كلهم عباد الله الصالحين ) ، وهكذا خلال أقل من قرن كنا عثمانيين ورعايا بريطانيين واردنيين وإسرائيليين ، ومنا من حصل على تقاعد من الحكومات الثلاثة الأخيرة ، فسبح بحمد بريطانيا والأردن وإسرائيل أيضا ، وربما قبض بعض الموظفين راتبا رابعا من السلطة ، بحجة أنهم كانوا ،زمن الاحتلال ، منتمين للثورة المباركة .
خذوا مثلا أنا .
حصلت على الهوية الإسرائيلية مع بلوغي السادسة عشرة في العام 1970، وعلى جواز سفر أردني في العام 1972 عندما ذهبت الى الجامعة الأردنية ودرست على حساب حكومة جلالة الملك المعظم الذي لم ألتق به ، مع أن الفرصة سنحت لي لزيارته في القصر ، والتسليم عليه ، واستلام جائزتي منه يدا بيد ، ولكني كنت عاقا ، ولم أجدد جواز سفري الأردني ، منذ العام 1977( هكذا حظيت بجنسيتن معا ) ، ولما سافرت إلى ألمانيا ، في العام 1987حصلت على وثيقة إسرائيلية وسافرت من مطار اللد،وهو مطار فلسطيني لا إسرائيلي ، حتى لو لم تعترف الحكومة الأردنية بهذا ، ولم تأخذ برأيي ، ثم لما شرفت السلطة الوطنية حصلت على جواز سفرها ، وهو يطابق الهوية الإسرائيلية ، مضمونا لا شكلا ، وظللت أجدده واستخدمه في السفر ، على الرغم من أنني ضد ( أوسلو ) ولم أشارك ، حتى اليوم ، في أية انتخابات ، ولم أكن مبدئيا مثل حماس التي رفضت ( أوسلو ) وعارضته ، ثم انضوت تحت لوائه ، ووافقت على عقد صلح مع إسرائيل ، مثل صلح الحديبية ، وسبقتها حركة فتح في هذا ، فقارنت بين ( أوسلو ) وصلح الحديبية .
ذات يوم ماطر جدا من العام 1978 عدت في سيارة عمومية من مدرسة العقربانية الإعدادية المختلطة ،مع سائق من مدينة نابلس ، وهو من آل بسطامي ، وأخذنا الحديث مآخذ شتى ، ولم أعد أذكر ما الذي قادنا إلى حزيران والهزيمة والنازحين ومخيماتهم الجديدة التي زرت ، لاحقا ، بعضها ، مثل مخيم شنلر ومخيم البقعة الذي خلده الشاعر العراقي مظفر النواب في قصيدته ( وتريات ليلية ) .
تحدث السائق عن نزوحه في حزيران 67 إلى الأردن وعمله سائقا هناك على الخطوط الداخلية ، وعن السبب الذي حدا به إلى العودة .
قال السائق إنه أقل ذات يوم ركابا بينهم شرطي أردني -حاشا وكلا أن اعمم شخصيا ، فالشرطي لا يمثل إلا نفسه - ، وأخذ هذا الشرطي يتحدث عن المخيمات الجديدة ووظيفته فيها ، وحمد الله على الهزيمة التي مكنته من إشباع غريزته مع بعض النازحات .
ولم يحتمل السائق ما قاله الشرطي فقرر أن يعود إلى نابلس ، ولو تسللا ، وترك الأردن وعاد ليموت في وطنه ، ولا أنسى قصة سميرة عزام " لأنه يحبهم " التي أتت على نكبة 1948 وتحول الفلسطينيين ، بعضهم ، إلى اوغاد وجواسيس ولصوص وبغايا . ( في الأردن أقام طلاب فلسطينيون علاقات مع فتيات أردنيات والعكس حصل أيضا والأمر يحدث ولسنا ملائكة ) .
ما قصه علي السائق سمعته من المرحوم الحاج أبو محمد طقاطق الذي كان أحد وجوه مخيم عسكر ، ويعرف أسرار المخيم وما تلا النكبة من أحداث عاشها المخيم ، فقد أخبرني قصة مشابهة . حدثني عن المرأة التي تقطن في مخيم الفارعة وكانت ، ذات يوم ، تأخرت عن العودة إلى مخيمها وحل المساء ، ولم تجد حافلة تعيدها إلى المخيم ، فحاول شرطي أردني أن يستغلها في الفخارة القريبة من المخيم ، فاستطنبته بالله ، وأفصحت له عن سبب تأخرها ، هو الذي ظن أنها ، لتأخرها ، إمرأة ساقطة ) . ( هل كان الشاعر العراقي مظفر النواب سمع قصصا مثل هذه فكتب سطره : ويزيد عمان على الشرفة يستعرض أعراض سباياكم ، ويوزعهن كلحم الضأن لجيش الردة؟ )
في العام 1978 تعرفت إلى الناقد الشفوي المرحوم محمد البطراوي ، وزرته في بيته ، ونمت فيه ، صحبة القاص المرحوم محمد أيوب من خان يونس ، وكان البطراوي يرعى الأدباء الناشئين . وقد اقترح علي أن أكتب خمس قصص عن المخيم ، ليصدرها مع خمس قصص أخرى ، أيضا عن المخيم ، للقاص غريب عسقلاني ، حتى نبرز صورتين للمخيم ، صورة مخيم في غزة ، وصورة مخيم في الضفة ، وأعطيت القصص التي كانت تسجيلية بالدرجة الأولى إلى الناقد ، ولم تصدر المجموعة ، ولما لم أكن أملك نسخة منها ، فقد ضاعت القصص ، وبعض ما أكتبه هنا كنت كتبته هناك - أي فيها ، أي في القصص .
30/7/2016
١٠
يهود اليهود :
في مقالة ( أوري أفنيري ) " سياسة إسرائيل الغبية تجاه غزة " ( الأيام الفلسطينية 27 تموز 2010 ) يربط الكاتب بين طائرات أطفال غزة الورقية لحرق مزروعات المستوطنات وبين مشاعل ثعالب ( شمشون ) ، فقد كان الأخير يطلق ثعالبه المربوطة أذيالها بمشاعل إلى حقول ال ( فلسطن ) لحرقها .
هل ما يمارسه الأطفال يمارسونه بالغريزة أم أنهم قرأوا العهد القديم وتعلموا درس ( شمشون ) ؟
إن تعلمنا من اليهود دروسهم ، وإن تمكنا منهم ذات يوم ، فسوف نكرر معهم ما فعلوه بنا . أرجح هذا .
هل سنصبح ذات يوم نازيين ؟
لا أمتلك إجابة وكله في علم الغيب ، ولو كنت رئيس وزراء إسرائيل لقرأت مقالة ( أفنيري ) جيدا وطبقت ما فيها :
- فك الحصار
- فتح سوق العمل لأهل غزة.
- نفق أرضي أو طريق علني بين غزة والضفة .
- تحسين حياة الفلسطينيين
وفوق ما سبق عودة اللاجئين بدل عمال الصين و .. و ...
هل أنا صاح أم ما زلت أحلم ؟
30 تموز 2018
١١
إلى طلاب الماجستير ممن يرغبون في تسجيل مساق "موضوع في الأدب العربي الحديث شعرا أو نثرا " ٢٠١٩ - ٢٠٢٠ .
مبدئيا أرجو قراءة الروايات الآتية
- نجيب محفوظ
ثرثرة فوق النيل
- الطاهر وطار
الزلزال
-عبد الرحمن منيف
شرق المتوسط
-غسان كنفاني
ما تبقى لكم
وأرجو القراءة حول أسلوب تيار الوعي في الرواية العربية من كتب النقد الأدبي النظرية والنظر في كتاب د.محمود غنايم "تيار الوعي في الرواية العربية "
١٢
خليل النعيمي والقاريء الفلسطيني في فلسطين ١ :
فاز الروائي السوري من عام تقريبا بجائزة محمود درويش .
لا أعرف إن كان كتابنا في فلسطين قرأوا بعض رواياته ، ولا أعرف إن كانت أي دار نشر فلسطينية في فلسطين أعادت طباعة عمل أدبي له .
هذا العام في هذا الشهر حل الروائي العربي السوري ضيفا على فلسطين في ملتقى الرواية العربية الثاني في رام الله ، والتقيت به وتعرفت إليه وتحاورت معه .
كان يفترض أن أكون ، لكونه فاز بجائزة محمود درويش ، قرأت عملا روائيا له ، وكان يفترض بدور النشر ، أو بمؤسسة محمود درويش ، أن تعيد طباعة بعض أعمال الفائزين ولو بطبعة محدودة حتى نتعرف إلى النتاج الأدبي والفكري لمن فازوا بجائزة معتبرة وحتى تقنعنا لجنة الجائزة بصواب قرارها فتسكت ألسنتنا وتخرسها إن اعترضنا .
ما علينا !
لا أعرف إن كانت جلسة واحدة مع الروائي كافية لإصدار حكم عليه . أهديت الروائي نسخة من نصي " ليل الضفة الطويل " واقترحت عليه أن يرشح لي عملا من رواياته حتى أقرأ له ، فأهداني رواية " القطيعة " .
قرأت للروائي نصوصا نشرها على صفحته عن زياراته للمدن ، فهو جوال ويكتب عن المدن التي يزورها نصوصا تدرج تحت جنس "أدب الرحلات " ، والصحيح أنها راقت لي .
بدأت أقرأ رواية " القطيعة " الصادرة طبعتها الرابعة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت في ٢٠١٠ ، وكانت طبعتها الأولى صدرت في ثمانينات القرن العشرين .
لا أريد أن أصدر حكم قيمة على ما قرأت.
الدكتور خليل جراح دماغ ودرس الفلسفة ودراسة الفلسفة تنعكس بوضوح في روايته التي يكتب فيها عن طفولته في ١٩٥٨ ويورد في الوقت نفسه ، وبحرف أسود غامق آراء فلسفية ، فيجتمع في روايته زمنان ؛ الزمن المسترجع وهو زمن الطفولة والزمن الكتابي وهو زمن الحاضر بوعي الحاضر - أي ثمانينات القرن العشرين .
والصحيح أنني فكرت كثيرا وما زلت أفكر في أمر روايته ، فلا أذكر أنني قرأت روايات يتشابه أسلوب كتابتها ؛ لغة وصياغة ، مع أسلوب روايته. ربما تذكرت غالب هلسة في "الوقوف على الأطلال " و"الخماسين " ، وحاولت أن استرجع روايات اختلفت لغة كتابتها عن لغة نجيب محفوظ ويوسف القعيد وحنا مينه مثلا . تذكرت اميل حبيبي و "المتشائل " وبقية رواياته ، وتذكرت جمال الغيطاني و "الزيني بركات " ، ومع ذلك ظلت لغة خليل النعيمي وطريقة قصه شبه مختلفة عن كل ما ذكرت .
هل شدتني الرواية؟
وأنا أقرأ عن تلقي أعماله قرأت أن تلقيها غير لافت ، وليست رواياته عموما الأكثر مبيعا . بحثت عن مراجعات نقدية لرواية "القطيعة " فما وجدت سوى مراجعتين ، وهذا غريب لرواية صدرت منها أربع طبعات خلال ثلاثين عاما .
ربما هناك طروحات ورسائل أكاديمية ! ربما !
والصحيح أن روايته تصعب بعض مفرداتها على القاريء وتتطلب منه أن يعود ليبحث عنها في القواميس ، وربما يسأل عنها بعض أبناء البيئة السورية .
يحفر خليل النعيمي ، وهو المقيم في باريس ، في روايته التي كتبها في ثمانينات القرن العشرين ، يحفر في طفولته ويكتب عنها بعد أكثر من عشرين عاما بوعي زمن الكتابة . هنا يتذكر المرء جبرا وسيرته "البئر الأولى " ١٩٨٥ فقد استرجع فيها سنوات طفولته من ١٩٢٥حتى ١٩٣٢ تقريبا .
أعتقد أن قاريء "القطيعة " سيجد صعوبة في قراءتها لافتقادها عنصر التشويق حتى وإن استعاض الكاتب عنه بتوتير اللغة .
ما زلت حائرا حقا أمام رواية خليل النعيمي.
من من كتابنا في فلسطين قرأ له؟
١٣
الست كورونا : نابلس أمس ( ٣٧ )
كانت الحركة التجارية في نابلس يوم أمس مزدهرة ، وكانت الأسواق عامرة ، ومن كان يسير في الأسواق قال :
- إن الكورونا صارت ذكرى .
وربما أضاف :
- إن وضع الكمامة صار نوعا من العادة ، فقد ألفها بعض الناس وراقت لهم .
وربما الذين يقولون إن ظلالها - أي الكورونا - ما زالت موجودة هم أولئك الذين يفتقدون المقاهي والجلوس فيها أو أولئك الذين حددوا موعدا قريبا لعرسهم .
ولأنني اعتدت ألا أسير في الشوارع فترة طويلة ، فقد أفدت شخصيا من الجلوس في البيت بقراءة فصل من رسالة ماجستير ورسالة ماجستير كاملة قراءة نهائية لوضع اللمسات الأخيرة عليها .
غابت عن المراسلات معي أمس أشرطة الفيديو المتعلقة بالكورونا ، وحلت محلها بطاقات التهاني بعيد الأضحى المبارك ، وهي بطاقات زاهية مفرحة قسم منها مقاطع أغان لفيروز وأم كلثوم ومن المؤكد أننا الليلة سنصغي إلى صوت كوكب الشرق " أم كلثوم " : " يا ليلة العيد " .
أنظر إلى الحديقة وأمعن النظر في الخروفين اللذين بقي لهما ٢٣ ساعة وبضع دقائق . إنها ساعاتهما الأخيرة وبعد ذلك ستمتليء بلحمهما البطون وسيأكل ( الذين آمنوا من طيبات ما رزقناكم ) والقول من كتاب الله ، والضمير يعود إليه سبحانه وتعالى .
كم سنة هجرية مر على إعدام الرئيس العراقي صدام حسين ؟
ومنذ سنوات وأنا أفكر في الكتابة عن رواية الكاتب التركي الساخر عزيز نيسين " سرنامة : وقائع احتفال رسمي " فقد كنت أقرأها في فترة إعدام الرئيس العراقي ، وهي تأتي على حفل إعدام ، وقد ذكرتني ببطل رواية ( فرانز كافكا ) " المحاكمة " يوسف . ك ، وبطلها يعيش في ورطة مثل ورطة الشعب الفلسطيني .
يوم قرأتها تساءلت :
- هل لترجمة هذه الرواية علاقة بإعدام الرئيس صدام حسين ؟ وكنت توقفت أمام الصفحات ١٣٢ - ١٤٦ .
وكما توحد الناس في الرواية لمشاهدة مشهد الإعدام وزالت الفروق الطبقية بين الأغنياء والفقراء ، فإن الست كورونا لم تميز أيضا بين غني وفقير في الإصابة .
٣٠ تموز ٢٠٢٠
١٤
أنا والجامعة : الأبحاث وجودتها ونوعيتها وعقدة الخواجا ( Impact Factor ) ( ٤٤ )
عندما تقدمت بأبحاثي للحصول على الترقية لم تكن الجامعة تشترط التنويع في مكان النشر ؛ خارج الوطن أو داخله ، أو في العالم العربي أو في العالم غير العربي ، ولم أكن سمعت بمصطلح ( Impact Factor ) .
لقد نشرت أبحاثي كلها في مجلة جامعة النجاح الوطنية ، وكانت الجامعة ترسل الأبحاث العلمية المقدمة للنشر فيها إلى أعضاء هيئة تدريس في العالم العربي ، وغالبا ما كانوا من الجامعات الأردنية ، والسبب يعود إلى أن الجامعات الفلسطينية في حينه كانت تخلو من أساتذة برتب علمية عالية . هل تختلف قيمة بحث يحكمه أستاذ في جامعة عربية - إن نشر في مجلة جامعة النجاح الوطنية - عن قيمته إن نشر في مجلة الجامعة الأردنية مثلا ، ومحكمه هو عضو هيئة تدريس في الأخيرة ؟
حين نادت الجامعة بضرورة التنويع في مجلات النشر أبديت رأيي السابق ، ذاهبا إلى أن أكثر أبحاثنا - وإن نشرت في جامعة النجاح الوطنية - قرأها محكمون من جامعات عربية . إن ما اشترطته جامعة النجاح لم يكن مقنعا عموما ، وما زال غير مقنع ، والأكثر إقناعا هو أن يرسل البحث لصاحب الاختصاص فيه وللمتمكن علميا ، وبعد ذلك لا أهمية لمكان نشره حتى لو نشر في صحيفة أو لم ينشر أصلا .
حصلت على الترقية على أبحاث نشرتها كلها في مجلة جامعة النجاح ؛ أبحاث حكم أكثرها في الأردن وأقلها في جامعات الأرض المحتلة ، ولم أنشر أي بحث في أي مجلة عالمية ، وإن كانت أبحاثي الأكثر اقتباسا ، منها ، من باحثين أجانب ، وإن كنت الأكثر مرجعية للدارسين في دراسة الأدب الفلسطيني .
من باب التشديد والصرامة صارت الجامعة تطلب من المتقدمين بأبحاثهم للحصول على الترقية أن يكونوا نشروا في مجلات " Impact Factor " ، وهذه مجلات غالبا ما تنشر الأبحاث فيها باللغة الانجليزية ، وأكثر أعضاء هيئة التدريس في أقسام اللغة العربية وبعض أقسام أخرى في كلية الآداب لا يتقنون الإنجليزية ، وهذا يعني استحالة ترقيتهم إلا إذا كتبوا أبحاثا مشتركة مع مدرسي قسم اللغة الإنجليزية . يكتب المتخصص في الأدب العربي البحث ويترجمه المتخصص في قسم اللغة الإنجليزية ، وينشران البحث معا على أنه بحث مشترك .
والحقيقة أنني كنت أسخر من قرار الإدارة بهذا الخصوص ، إذ ليس بالضرورة أن " كل افرنجي ابرنجي " و " ليس كل ما يأتي من الغرب يسر القلب " ، علما بأنني درست في الغرب وأفدت من دراستي هناك الكثير الكثير ، وعلما بأنني أشدد وأكرر على أنه ما كان لي أن أفيد من المناهج الوضعية والاجتماعية والبنيوية لو لم أدرس في ألمانيا ، وأنه ما كان يمكن لي أن أكتب العديد من الأبحاث بالطريقة التي كتبتها لو لم أفد من بعض القواميس والمعاجم المتخصصة المكتوبة بالألمانية .
وعلما أيضا بأنني ترجمت بعض الدراسات التي كتبها مستشرقون ألمان عن الأدب الفلسطيني وكان لي عليها بعض المآخذ ، وقد أتيت على هذا في كتابي " في مرآة الآخر : الاستشراق الألماني والأدب الفلسطيني " .
كانت مجلة الجامعة تعهد إلي بتحكيم بعض الأبحاث العلمية المكتوبة باللغة الإنجليزية وتتناول أعمالا أدبية فلسطينية ، ولم أكن أعتذر عن التحكيم ، فيمكن فهم أكثر ما هو مكتوب ، ومرة عهد إلي بتحكيم بحث في الأدب المقارن يركز على شاعرة فلسطينية وروائية عبرية / إسرائيلية ، ولحسن الحظ أنني قرأت للأخيرة ، بالألمانية ، بعض كتبها وترجمت رسالة ماجستير عن الأولى ، وكان رأيي أن البحث يحتاج إلى تعديلات جوهرية ، فالباحث الذي كتب عن الشاعرة الفلسطينية ، وهو فلسطيني ، اعتمد على ترجمات قصائدها إلى الإنجليزية ، ولم يعد إلى النص الأصلي بالعربية ، كما أنه اعتمد على مراجع ثانوية درست سيرة الشاعرة ، ولم يعد إلى السيرة نفسها ، وفوق ذلك أغفل يوميات الروائية العبرية المكتوبة أصلا بالإنجليزية .
لقد طلبت من كاتب البحث إجراء التعديلات ، وحين لم يجرها رفضته ، وكان أن أرسله إلى مجلة أجنبية وهي مصنفة على أنها ( Impact Factor ) وأجيز ، مع أنه يحفل بأخطاء منهجية .
ومرة حكمت ترقية لعضو هيئة تدريس في جامعة أردنية ، وكان من بين الأبحاث بحث منشور باللغة الانجليزية ، وقد حفل البحث بأخطاء معرفية ومنهجية جمة ، علما بأنه أجيز في مجلة عالمية . ويخيل إلي أن صلة محكمي البحثين بالأدب العربي صلة عابرة جدا .
غالبا ما أستشهد بالمثل الشعبي " أعط خبزك لخبازه لو حرق نصفه " ، ولهذا لا أثق شخصيا بسبعين بالمائة من الأبحاث المحكمة ورسائل الماجستير والدكتوراه في عالمنا العربي ، لضعف المشرفين عليها ولضعف لجان مناقشتها وهو ما كتبت عنه من قبل .
كنت ذهبت إلى أن الحلقة ٤٣ قد تكون الأخيرة ، وأحيانا لا بد من استدراكات .
٢٠٢٠
١٥
لا تصدق زغاريدهن وصدق أبي :
" الشهيد يحذرني : لا تصدق زغاريدهن
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا
كيف بدلت أدوارنا يا بني
وصرت أمامي ؟
أنا أولا
وأنا أولا "
وأنا أشاهد شريط الفيديو الذي بكى فيه مؤيد العلامي ابنه محمدا ، وهو من بيت أمر في قضاء الخليل ، عادت بي الذاكرة إلى بضع قصص لأطفال فلسطينيين ظلت عالقة بالذاكرة ، وإلى المقطع الشعري السابق من ديوان محمود درويش " حالة حصار " .
والأطفال هم محمد الدرة ومحمد أبو خضير وهدى أبو غالية وأحمد الدوابشة .
قتل الأول في حضن أبيه ، وأحرق الثاني بعد خطفه ، ونجت الثالثة على شاطيء البحر في غزة بعد أن أبادت قذيفة إسرائيلية عائلتها ، ونجا أحمد بعد أن أحرق والداه وأخوه الرضيع علي .
أنجب مؤيد العلامي ابنه محمدا بعد ست سنوات من الزواج أنفق خلالها دم قلبه ليفرح بطفل ، وحين أفقدت رصاصة جندي محتل الفتى محمدا حياته فقد الأب قطعة من قلبه ، بل فقد قلبه ، وهو من نطق بهذا .
كان الطفل جالسا في سيارة أبيه على مدخل قريته ينتظر أباه فباغته الموت .
لم يودع الأب ابنه بالزغاريد . لقد ودعه وداع من فقد مهجة قلبه ، وهذا ما ذكرني بمقطع درويش المقتبس " وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا " ، ولقد نظر الأب في وجه ابنه وهو مسجى في المشفى فاقدا الحياة .
هل كان أبو العلاء المعري يهذي حين قال :
" تعب كلها الحياة ، فما أعجب إلا من راغب في ازدياد ؟ "
الصديق خليل حمد كتب في صفحته عن الكورونا معتبرا من لا يتطعم شخصا مقدما على الانتحار ، وأنا علقت على إحدى مقطوعاته بأنني لم أتطعم ، فرد علي بإطناب مبينا خطأ عدم تلقحي ، وأنا صار النهار والظلم عندي مستويين ، كأني لا أنتفع بناظري على رأي المتنبي الذي قال في عتاب سيف الدولة :
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم .
صار الواحد منا عدميا لامباليا برما بالحياة غير فرح بها ، فلا لذة ولا سرور ولا طمأنينة ولا هداة بال ولا أفق ولا ... ولا تحرير أي شيء حتى غزة وأريحا ، ويبدو أن المتشائمين في العام ١٩٩٣ حين أضافوا أخيرا إلى الشعار المطروح " غزة وأريحا أولا " كانوا في تشاؤمهم متفائلين ، فغزة المحررة محاصرة والحياة فيها تحت الصفر ، وأريحا ما زالت محتلة .
الله المستعان به ، وكان الله في عون مؤيد العلامي من بيت أمر ، وكان الله في عون زوجته ، لفقدانهما فلذة كبدهما .
٣٠ تموز ٢٠٢١ .
١٦
للتو اشتعلت جبهة المساكن الشعبية الشرقية للمساهمة في تحرير الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس من الاحتلال الإسرائيلي .
لقد قال الشاعر :
" بالتوجيهي نرفع بيوتا لا عماد لها
وبالجهل نهدم بيوت العز والكرم " .
كم سيجني المستوطنون والتجار من أثمان الرصاص والمفرقعات ؟!
تجوع يا سمك !!
١٧
نابلس والنميمة :
في الشهر الماضي كتبت عن رواية المحامي الأمريكي ( DEAN DILLEY ) " Nablus Girl " ( ٢٠٢٢ ) وتوقفت أمام ما قالته الممرضة هالة ، أم إحدى الشخصيات الرئيسة في الرواية " أمير ، عن النميمة في المشفى بين الممرضات والأطباء - الذين يسمون أطباء .
ولأن كاتب الرواية أميركي ، وهناك تحفظات كثيرة على ما كتبه عن نظرته إلى المستوطنين وكيف عدهم جيرانا للفلسطينيين ، ولأننا حين نقرأ روايته نقرؤها برأي مسبق عن نظرة الغربيين إلينا ، متذكرين غسان كنفاني وكتابه " في الأدب الصهيوني " وإدوارد سعيد وكتابه " الاستشراق " ، فإننا نتشكك فيما صدر عنه وننظر إلى كتابته نظرة غير بريئة .
أول أمس أنهيت قراءة رواية سحر خليفة " الجسر " ( ٢٠٢١ ) الصادرة قبل عام من صدور رواية ( ديللي ) " فتاة نابلس " . اقرأوا ما كتبته عن المجتمع الفلسطيني في نابلس :
" قال السائق : هذه المعلمة أميرة الضابط . اسمها أميرة الضابط ؟ قال السائق ، وهو نابلسي كالعادة ، بشهية عارمة للقيل والقال والنميمة : أهل نابلس يسمونها الست أميرة الضابط لأنها مثل الضابط . اسمها وأصلها وفصلها ومن هي وماذا تعمل ؟ قال السائق : الست أميرة هي معلمة الإنكليزية في مدرسة الزهراء الثانوية واسمها كالطبل في نابلس . ابنة عائلة محترمة وهي محترمة ومحبوبة ... " ( ١٨١ ) .
لقد ذهبت وأنا أكتب عن رواية ( ديللي ) أن روايات سحر خليفة قد تكون إحدى مرجعياته . ثمة تقاطع كبير في الصورة عن نابلس وأهلها وعلاقاتهم .
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٣
١٨
محمود شقير في " نوافذ للبوح والحنين " : خلط الجد بالهزل ( ٢ )
يصدر محمود شقير النافذة الثانية من مجموعته القصصية " نوافذ للبوح والحنين " بمقولة للكاتب الكولومبي ( غابرييل جارسيا ماركيز ) هي :
" الحياة (...) لا تكمن عظمتها إلا في أدبية ما نكتبه عنها "
ويمكن أن تؤول العبارة تأويلات عديدة ، ويمكن الانتباه إلى " عظمة الحياة " و " أدبية ما نكتبه عنها " .
مقابل العظمة هناك الضعة ، والعظمة تتحقق في أدبية الكتابة ، وما لم تكتب الحياة كتابة أدبية فلن تتحقق لها العظمة ، ولا أعرف ما هو السياق الذي قال فيه ( ماركيز ) ما قال ، عدا أن إنجاز الأدبية والإقرار به قد يختلف من ناقد إلى آخر ومن عصر إلى عصر مختلف وربما من شعب إلى شعب آخر .
هل قصد محمود شقير أن الحياة إن لم تكتب كتابة أدبية لا تتحقق لها العظمة ؟
ويبقى سؤال الأدبية موضوع نقاش .
ثمة عبارتان استوقفتاني في النافذة الثانية ؛ الأولى هي ما قاله محمد عن رهوان " بدا عليه أنه نسي الأمر تماما ، أو أنه تقصد أن يتخوت علي " والثانية " تأملت وجهه مليا ، ولم أعرف فيما إذا كان جادا أم هازلا في دعواه " .
إن الفعل " يتخوت " والمقولة " إذا كان جادا أم هازلا " هما ما يرسخان في الذهن بعد قراءة النافذة الثانية . إنهما مفتاح شخصية رهوان . هل كان في طلباته من محمد يتخوت عليه وهل كان حقا جادا أم هازلا ؟
كان الجاحظ من الأدباء الذين يخلطون الجد بالهزل ، وفي الأدب العالمي الكلاسيكي قمم أدبية تركت لنا شخصيات خالدة صارت شخصيات أدبية بامتياز . " دون كيشوت " للإسباني ( سرفانتيس ) و " الجندي الطيب شفيك " للتشيكي ( ياروسلاف هاتشيك ) ، ورهوان ليس بعيدا عنهما ، وقد تناص محمود شقير مع هذين العملين في مجموعته " احتمالات طفيفة " . إن رهوان خارج من رحمهما ، فهو يشبه الأول في أوهامه ، وهو يشبه الثاني في سرعة استجابته وتنفيذه دون اعتراض لما يطلبه منه محمد .
يريد أن يكون مرافقا لماريا زخاروفا ويطمح أن يكون مرافقا لرجب طيب أردوغان و .. و .. وحين يحتار محمد في أمره يقول له بهدوء وثبات :
- يا رهوان . اشرب قهوتك ولا تدعني أراك .
ويشرب رهوان قهوته باستعجال وينهض ويستدير و " مضى خارجا من دون كلام " .
هل تحققت أدبية الأدب بأن جعل القاص من شخصيات الواقع شخصيات أدبية ، فصار رهوان صنو دون كيشوت والجندي شفيك ؟
إن خلدت شخصية رهوان في الاذهان وصارت شخصية أدبية مثل الشخصيتين المذكورتين فإن محمود شقير يكون جسد مقولة ( ماركيز ) .
ليس تصدير النافذة بعبارات مقتبسة لأدباء عالميين أو لمفكرين أو سياسيين أو صوفيين أو حتى من كتابات الكاتب نفسه عبثا . من المؤكد أنه ليس اقتباسا تزيينيا أو إظهارا لقدرات أو مفاخرة . ثمة صلة بين التصدير وما يليه وعلينا أن نبحث عنها . هل ستلفت شخصية رهوان انتباهنا إلى مثيلاتها في حياتنا ؟
لم يبق شخص احتككت به في الثلاثين سنة الأخيرة إلا حاول أن يتخوت علي أو أن يمثل دورا ، فكان ينطق ، واحتار أنا في كلامه : أجاد هو ام هازل ؟! وقد دفعني هذا إلى كتابة سلسلة خربشات جمعتها معا عنوانها " خفة الكائنات غير المحتملة "
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٣
١٩
غزة ( ٢٩٨ ) :
غزة تدافع عن نفسها ... غزة تعبر عن نفسها
اليوم الثلاثمائة للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة يقترب - والحرب الدائرة في غزة تستعر كل يوم وأكثر ، ولا مفردات جديدة . الأسماء تتغير والقتلى يرتفع عددهم والجرحى في ازدياد والنزوح يتواصل والناس المحشورة المحصورة - قبل بداية الحرب في مساحة ٢ بالمائة من فلسطين - تحشر من جديد في مساحة أصغر ، وغزة تباد . غزة تدافع عما تبقى منها ، وغزة تحكي عن معاناتها بالكلمة والصورة وما نكتبه لا يقدم الآن ولا يؤخر ولا يكاد ، إذا ما قورن بالصور من هناك وكتابات الكتاب من هناك ، ما نكتبه يحكي شيئا وتغيب عنه أشياء وأشياء وأشياء .
المقاتلون يقاتلون ويصورون نماذج مما يقومون به وليس في ذهنهم إلا ممارسة فعلهم ، والمواطنون يكتبون حكاياتهم من واقع تجربتهم ولا يضغط الآن عليهم إلا التعبير عن قسوة حياة النزوح ومتطلبات الحياة اليومية ، والصورة التي يظهر فيها المقاومون مقاومتهم تشعر المتابعين من خارج غزة بالعزة والفخار ، والصورة التي تظهر في كتابات أبناء غزة أو في الأشرطة التي تعرض عنها تبكي وتشعر بالعار والخزي والعجز .
أمس عرضت صورة لرجل شاب نازح مصاب بقدمه يمشي برجل واحدة ، هي اليسار ، على عكاز ، فيما يمسك ابنه الصغير سنا بقدمه اليمنى يرفعها حتى يواصل الاثنان نزوحهما المتواصل منذ عشرة أشهر ( الشريط مدرج في صفحتي ) .
صار ما أكتبه عن غزة ، مقارنة بما يكتبه أبناؤها في وصف تراجيديتهم / مأساتهم هناك ، لا يذكر .
يبدو أن الحرب طويلة ، وصوت معارضي أحداث ٧ أكتوبر بدأ يعلو ويطالب من أشعل النيران باطفائها، مهما كلفه الأمر . ولا مجال للإصغاء لنجاة الصغيرة تغني " ارجع إلي " ، فالذين ارتقوا لن يعودوا ، والذين نزحوا لم يسمح لهم ، حتى اللحظة ، بالعودة إلى ركام بيوتهم يقفون على أطلالها ويعيدون تعميرها ، والحكاية طويلة ، وما قاله الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في معلقته ، وقد أوردته في يوميات سابقة ، يستحضر ، في ذهن قارئه ، باستمرار . هل هو ما يعنيه محمود درويش في قوله :
" سنعلم أعداءنا نماذج من شعرنا الجاهلي " . ربما يقول معارضو ٧ أكتوبر :
- الأولى أن يعلمه لمن بدأ الحرب !
ما بين تردادنا لمقولات مقرة عن شرعية مقاومة المحتل وشعورنا الأخوي الإنساني لما يكابده أهلنا في غزة صرنا في حيص بيص وفي المنطقة الوسطى التي أنكر نزار قباني وجودها في الحب . هل أنكر وجودها في الحرب ؟!
كان الله في عون أهل قطاع غزة .
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٤
٢٠
هذه الرسالة من رقم غير محفوظ . احذر من التصيد الاحتيالي عبر الرسائل النصية والاحتيال .
٢١
الدكتور يوسف عبد الحق ( أبو شداد ) في ذمة الله :
انتقل إلى رحمة الله تعالى اليوم ابن قرية دير استيا الدكتور يوسف عبد الحق المدرس سابقا في جامعة النجاح الوطنية والنشيط نقابيا وثقافيا ، فقد كان من المساهمين في تأسيس نقابة العاملين في الجامعة ومن مؤسسي المنتدى التنويري الثقافي في مدينة نابلس ، وقد رأس المنتدى لسنوات عديدة عمل خلالها على تنشيط الحركة الفكرية والحركة الأدبية في المدينة ، ولطالما أغنى حضوره الندوات والأمسيات النقاش فيها ، عدا أنه كان يقف وراء أكثرها بحكم علاقته الواسعة الممتدة مع المساهمين فيها .
كان الدكتور يوسف صاحب موقف ورأي ينحاز إليه انحيازا كليا لا يهادن فيه ولا يساوم ، وقد عرف عنه هذا كل من تعامل معهم .
رحم الله الدكتور يوسف وأسكنه فسيح جناته ، ولابنه شداد ولبقية أسرته تعازي ا
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٤
٢٢
غزة ( ٢٩٩ ) :
إنها الحرب قد تثقل القلب
يبدو أننا لن ننام في هذه الليلة الساخنة .
إنها الحرب تأتي من جديد .
لقد كان المستشار الألماني يردد :
" ألمانيا فوق الجميع "
وهنا ، هناك من يتغنى بالشعب المختار والدم الصافي النقي ، تماما كما حذر المستشار الفتيات الألمانيات من إقامة علاقات مع غير الألمان ، حتى يحافظ على نقاء العنصر الألماني ، ولكن ماذا حدث بعد ثمانين عاما أو أقل ؟
من كل خمسة أطفال ألمان يولدون هناك في هذه الأيام ، هناك مولودان من زواج مختلط . لم يبق دم ألماني صاف تماما .
جن جنون المستشار فتوسع في الحرب وأرسل الجيوش إلى روسيا ، فقضى الروس عليها وقوضوا دولته .
يبدو أننا في هذه الليلة لن ننام . سننتظر ونترقب ونتابع الأخبار . هل ستكون حيفا مقابل الضاحية أم ستكون تل أبيب أم سيمر الليل ويأتي نهار كأن شيئا لم يكن ، كما حدث من قبل يوم أرسلت إيران طائراتها المسيرة ردا على الاعتداء على مقر لها في دمشق ، وكما حدث في اليمن يوم ردت إسرائيل بقصف ميناء الحديدة ؟
لطالما اقتبست من قصة توفيق فياض " الحارس " المثل الشعبي :
" مجنون رمى حجر في بير وأربعين عاقل مش قادرين يطولوه "
و
" هذه المرة كل عقال الأرض ما راح يطولوه " .
وإسرائيل هي الحجر الملقى في العالم العربي .
أعتقد أن وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق ( موشه دايان ) أذكى بعشرات المرات من رئيس الوزراء الحالي ووزيريه ( بن غفير ) و ( سموترتش ) . لقد كان يعي أن ما يحيط بدولته بعد طرد الفلسطينيين من مدنهم وقراهم في العام ١٩٤٨ لن يشعر الإسرائيليين بالراحة ، ولذلك كان دائما يرسل جواسيسه إلى المخيمات الفلسطينية ليصغوا إلى ما يقوله اللاجئون .
ورحم الله الشاعر توفيق زياد الذي كتب بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ :
" والذي يسلب حقا بالقتال
كيف يحمي حقه يوما
إذا الميزان مال ؟"
وعاجلا أم آجلا سيميل الميزان .
" دبرها يا مستر دل
بركن على إيدك تنحل "
ويبدو أنه لا مستر دل ولا مستر روجرز ولا مستر كيسنجر ولا مستر فيليب حبيب أو حتى مستر بلينكن ، يبدو أنهم غير قادرين على حلها .
أمس غزا الذباب الأزرق خيام النازحين في القطاع ، فكتب عن خصائصه ، في صفحته ، الدكتور رياض عواد Riyad Awad وبعض سكان الخيام أيضا .
من أين يتلقاها أهل قطاع غزة ؟!
" لسة طويلة " على رأي عبد الحليم حافظ ، طويلة ولها قرون ، كما يقول أبناء شعبنا .
هل ستشتعل الجبهة اللبنانية في هذه الليلة ؟
أيضا إسرائيل منهكة جدا والدليل تصريح قادتها عن فعلتهم في الضاحية :
" إذا لم يرد حزب الله ، فإن الحرب لن تندلع " .
والكل يشعر بالضجر والملل إلا المقاومين الفلسطينيين في الأنفاق . هكذا يبدو أو أن تقديري خاطيء .
٣١ / ٧ / ٢٠٢٤
٢٣
غزة 663 :
صوت من غزة :
الكاتب تيسير عبد يكتب عن المساعدات .
تيسير يعيش في غزة . هنا يكتب عن المساعدات عبر الجو والبر ويرى أنها ليست سوى أكذوبة ، لذر الرماد في عيون العالم ، ويقصد منها التقاط الصور ؛ للقول للعالم ان إسرائيل تسمح للمساعدات بالدخول لتبرئتها ، وكذلك لتبرئة الحكام العرب أمام شعوبهم بأنهم أرسلوا مساعدات .
الصوت من محلل سياسي غير حمساوي إطلاقا ، من داخل قطاع غزة .
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٥
٢٤
الكاتب الشهيد سليم النفار : فوانيس المخيم
لم أكن أعرف إن الشاعر سليم النفار المنحدرة أصول عائلته من يافا يكتب الرواية . كنت أقرأ له بعض قصائد ينشرها هنا وهناك ، وحين ارتقى في الأشهر الأولى للحرب " طوفان الأقصى " مع أفراد عائلته وعائلة أخيه لم أرثه ؛ لأنني لم أعش مع نصوصه أولا ، ولأنني لم ألتق به شخصيا .
ماذا أكتب عن كاتب لم أقرأه جيدا ولم أتعرف إليه شخصيا سوى أنه أحد ضحايا الحرب . هكذا ذكرته في يومياتي منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، وعندما كتبت عن أدباء شهداء كتبت عنه كتابة عابرة اعتمدت فيها على معلومات عامة .
سوف أقرأ له في اليومين الأخيرين روايته الأولى " فوانيس المخيم " الصادرة عن مكتبة كل شيء في حيفا في العام ٢٠١٨ والتي وفر لي منها نسخة الصديق الحيفاوي المحامي حسن عبادي Hassan Abbadi مشكورا .
تقع الرواية في ٢١٠ صفحة وتتكون من إضاءة وعشرين فانوسا وإهداء وكلمة تمهيد :
" هذه الرواية
هذه الرواية بعوالمها المختلفة ، تلامس حياة حقيقية لأبناء المخيم هناك .
ليس بالضرورة أن تكون الأسماء الواردة هي ذاتها في الواقع ، وإن تشابهت فهو تشابه عرضي ، غير أنها بواقعها وأحلامها ، هي ذات المناخ ذلك الذي كان هناك .
منذ مطلع سبعينيات القرن المنصرم حتى الثمانينيات أحاول رصد الواقع والأحلام التي كانت في صدور الناس ، وخيباتهم التي تعلو بفعل انحرافات الفعل السياسي .
إنها سيرة المكان بأهله ، الذين ما زالوا يقبضون على جمر الأحلام " .
هناك أي مخيم فلسطيني قرب اللاذقية في سوريا في سبعيننيات وثمانينيات القرن العشرين ، والكتابة / الزمن الكتابي / في وقت لاحق - أي وهو في غزة بعد عودته إليها ، وزمن النشر هو ٢٠١٨ كما لاحظنا ، وليس هناك دليل على زمن الكتابة وإن كان هناك إشارات داخل المتن الحكائي إلى زمن متأخر ؛ إشارات يمكن تلمسها .
أما الإهداء فهو :
" إليهم جميعا
اهلي في ذلك المخيم
الحالمون بعودة إلى وطن
لم تنطفيء شموعه بعد في ضلوعهم " .
وإن كنت عشت في مخيم فلسطيني في فترة السبعينيات والثمانينيات فستشعر أن الكتابة عن المخيم في الرواية لا تختلف كثيرا عنها في المخيمات الفلسطينية .
ولأن سليم النفار من أصول يافاوية ، فإنك إن كنت يافاويا فستقرأ عن أهل يافا في مخيمك الذي عشت فيه ، ولكي لا أبالغ أو أتجنى فإنني هنا أحيل إلى رواية الروائية وفاء أبو شميس Wafa Abushmais " من أجل عينيك الخضراوين " التي كتبتها عن مخيم بلاطة قرب نابلس ، ووفاء تنحدر أيضا من أصول يافاوية . كأن هناك صلة ما بين الروايتين ، ما يذكرنا بما تعنيه كلمة بنية " الصلة بين " .
ابحث عن صورة يافا وأهلها في الروايتين فلن تجدها مختلفة ، وابحث عن علاقة المخيم بالمدينة في الروايتين فلن تجد كبير فارق ، علما بأن المخيم الذي يكتب عنه سليم هو كما أشرت في سوريا والمخيم الذي تكتب عنه وفاء هو في نابلس ، وتاريخ صدور الروايتين متقارب جدا ، فقد صدرتا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وتدور أحداثهما في النصف الثاني من القرن العشرين ( صدرت رواية وفاء في العام ٢٠١٦ قبل عامين من صدور رواية سليم )
في الإضاءة يكتب سليم :
هناك أو هنا ، فلن تختلف كثيرا تفاصيل الحكاية ، تلك التي حملها اللاجئون في سني الاغتراب .
مخيمان مختلفان في مواقع الجغرافيا : مخيم الشاطيء الصغير المكتظ باللاجئين على ساحل غزة ، والذي يقع غرب المدينة وعلى شاطئها تماما ، ومخيم العائدين أو الرمل الجنوبي أو حي القدس ، كلها أسماء لمخيم يقبع في قعر اللاذقية السورية ، من جهتها الشرقية ، حيث الساحل الرملي الممتد إلى حدود النهر " الكبير الشمالي " ، هناك سكن اللاجئون من حيفا ويافا وعكا ، ومن قرى عين غزال واجزم وجبع والطيرة والطنطورة و .... " .
أعتقد أن علينا أن نقرأ سليم النفار روائيا لنعرف شخصيته من خلال روايته وهذا ما قد أفعله لاحقا . طبعا علينا ألا ننسى كتابات عاطف ابوسيف وأحمد عمر شاهين وسمير إسحق عن يافا ، وكنت كتبت عن حضور يافا في بعض الروايات الفلسطينية مقالين نشرتهما في جريدة الأيام الفلسطينية .
فوانيس المخيم وإن كتبت في غزة إلا أنها تحكي عن حياة الفلسطينيين في المنفى ؛ في سورية ولبنان وترتد بالذاكرة إلى الحياة في يافا قبل العام ١٩٤٨ فتحكي عن موسم النبي رئوبين ، وهو موسم لم تخل أكثر الروايات التي أتت على الحياة في يافا من الكتابة عنه
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٥
٢٥
غزة 663 :
الأدباء والحرب
في صفحة الكاتب طلعت قديح تقرأ :
" # تعبت
فشلت في أن أكون لص مساعدات ، واخترت أن أرجع بخفي حنين ، وكياني يبكي .
منهارون يا رب .
حتى ما يسد الرمق بطعم الكآبة . "
وفي صفحة يسري الغول تقرأ :
" كل من يذهب لسرقة الشاحنات لص ، مهما كان المبرر ، ولولا هؤلاء ما فقدنا خيرة شبابنا ممن يعملون على تأمين الطعام .
كلنا جوعى ، فتعالوا لنعزز القيم والأخلاق بيننا وبين جيراننا وأقاربنا وأصدقائنا "
و
" نحن جوعى يا الله ..
وأطفالنا جوعى أكثر ،
ينامون على بطون خاوية ، ويمشون ب أجساد أنهكها الانتظار ..
السماء تمطر وعودا ،
والأرض تفيض خيبة .
ولا أحد يشبع اليوم إلا اللصوص ،
أولئك الذين سرقوا الشاحنات قبل أن تصل .
يا الله ،
كل الأبواب مغلقة "
وقبل أيام قرأت قصة رجل مقتدر كان غالبا ما يوزع الحلوى على الأطفال ويعطيهم ما تجود به نفسه . لم يكن المال ينقصه ، ولكنه جاع ولم يجد ما يأكله ، فبكى .
في غزة يموت الناس قتلا وجوعا وكمدا ، فأسباب الوفاة هناك كثيرة " من بينها وجع الحياة " والعبارة للشاعر محمود درويش :
" فإن أسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة " .
كيف لجائع أن يكتب رواية ؟ قد يكتب فقرة أو قصيدة أو مقالة أو .. .
الأدباء في غزة ، كما أهلها ، يموتون كمدا وحزنا وجوعا والكل في الهوى سوا ...
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٥
ذهن مشتت :
هابط من الحافلة ألتقي بموظف سابق من الجامعة . نسلم على بعضنا وأسأله عن أحواله .
- والله م هي زاااااابطة يا أستاذ . الحالة تعبانة وماسحة . أنهيت وظيفتي في العام 2000 والآن ؟
- بعين لله . أقول له ، ونفترق .
في هذه الأيام في شوارع نابلس يكثر السائلون . يتوسمون في الشخص الوسيم لخير ويخاطبونه :
- كل عام وأنت بخير يا حاج - أكثر كلمة لا أحبها لدلالاتها البعيدة لا القريبة .
هل يعرفون أنك لست حاجا ؟
ربما يظنون أني أشغل عشرين شخصا هنا وهناك ينشرون مقالاتي في الصحف العربيةالخليجية وأقبض منها - والله لم آخذ من أية دولة خليجية ، مقابل مقال ، أي قرش أو ريال أو دينار .
هل الحالة تعبانة يا ليلى ؟ - والمخاطبة ليست ليلى الأطرش - وإنما ليلى الأغنية ( حالة تعبانة يا ليلى / شغل ما فيش ) .
إن كنت أفهم تلميحات أختي حين تطلب مني الجرائد ، فإنني منشار أخذ من الجرائد كلها التي تنشر مقالاتي أو تعيد نشرها .
ماشي صيت غنى ولا صيت فقر . الحمد لله - لا أقصد رئيس الوزراء رامي الحمدالله وعفوا لسقوط الألف من بعض الكلمات .....
٢٠١٢
٢
" لا شيء يعجبني ".
العبارة لمحمود درويش . ذكرى رحيله على الأبواب وأيضا ذكرى رحيل د.احسا ن عباس والشاعر محمد القيسي . لتمتليء أرواحهم بالسكينة .
عمن سأكتب الأحد القادم ؟
لم يقل الشاعر :
" لا أحد يعجبني " .
قال : " لا شيء يعجبني " .
أمس بحثت عن الأعمال الشعرية الكاملة لمحمد القيسي في مكتبة جامعة النجاح فلم أجدها .
ربما وجب على جامعاتنا أن تؤسس مكتبة خاصة للإصدارات الفلسطينية !
ربما يجب !.
٣
غزة ثالث أيام العيد :
صباح دموي آخر بامتياز .
الاسرائيليون يقصفون مدرسة اونروا ، والموت جماعي ، والقتلى بالعشرات .
في الخامسة صباحا جاء الموت مجسدا برئيس وزراء اسمه ( بنيامين نتنياهو ) ، وهو ابن ابيه ولم يختلف عنه ، كما قال أبوه . لا يحب العرب إلا موتى .
في الخامسة فجرا والناس نيام ، وبعضهم يتوضأ لصلاة الفجر ، وآخرون يحلمون ، في الخامسة فجرا من ثالت أيام العيد تقصف قوات نتنياهو أطفالا ونساء ورجالا عزلا ، ومن تبقى على قيد الحياة يطلب من المقاومة أن تواصل الدفاع عن غزة وإلا تتراجع حتى فك الحصار .
ثالث أيام العيد :
- الأم التي مات من أفراد عائلتها عشرون وأكثر ، تقول :
-انا مع المقاومة ، وشهداؤنا للجنة وقتلاهم للنار ، ولو استطعت ان اقاوم لقاومت .
والعبارة : حسبنا الله ونعم الوكيل ، والمرأة التي فقدت ابنتها وأختها لم ينقذها سوى الوضوء .
وائل الدحدوح نقل المشهد من مشفى كمال عدوان .
و.... و ..
وثمة ما اوجع الاسرائيليين ، هذا ما يقوله هذا القصف الهمجي ..
و ...
وهذه هي الأرض القديمة الجديدة التي نشدها ( ثيودور هرتسل ) في تخيلاته .
انهض يا هرتسل من قبرك وانظر .
يبدو أن اسرائيل في ورطة ، وهذا ما عبر عنه بعض جنودها الجرحى الذين نجوا من موت ...
٢٠١٤
٤
هل أصدق كافكا ؟
( كافكا ) كاتب يهودي الديانة تشيكي المولد أثير حوله جدل في العالم العربي حتى أن بديعة أمين الكاتبة العراقية ألفت كتابا تساءلت فيه إن كان يجب إحراق كافكا ، وكتب الكاتب السوري عبده عبود في رسالة الدكتوراه فصلا عن الجدل حول كافكا في العالم العربي .
في الحرب الحالية على غزة تذكرت ( كافكا ) وقصته " أبناء آوى وعرب " وفيها عبارة مهمة وخطيرة وهي إن العداوة بين العرب وأبناء آوى هي في الدم .
هل أبناء آوى في القصة هم العرب؟
هل ثمة دلالات رمزية في القصة دفعت الكتاب العرب ﻷثارة الجدل حول كافكا ؟
أنا أتساءل :
- هل العداوة بيننا وبين أبناء آوى حقا في الدم؟
ماذا يجري في غزة الآن؟
ثمة دم يسيل . دم فلسطينيين ودم يهود .. والعرب واليهود أبناء عمومة والدم دم سامي لا سامي وآري و ..و .. وظلم ذوي القربى أشد مضاضة ...
هل تخصصي أدب فلسطيني أم أدب عربي أم أدب مقارن ؟
سؤال سخيف .
هذا الصباح اتصل بي شاب قال لي إنه من رفح وسألني إن كنت كتبت دراسات عن التناص .
" إنت فين والحب فين " على رأي أم كلثوم و" شر البلية ما يضحك " .
٥
هستيريا إسرائيلية :
آخر اﻷخبار تقول :
جن أبناء العمومة الآن . إنهم يقصفون حي الشجاعية برا وجوا وهناك عشرات الشهداء والجرحى . ثمة عمليات إبادة جماعية والسبب هو أن إسرائيل غير قادرة على تحمل أعداد القتلى واستمرار الحرب .
هذا الوجه الحضاري لدولة أبناء العمومة الذين يتحدثون عن طهارة السلاح وعن أكثر جيش أخلاقي في العالم .
لقد كتبها معين بسيسو مبكرا :
إسرائيل لا تحتمل أن تجرح ﻷنها إن جرحت ماتت .
كان الناس يتسوقون في سوق الشجاعية وجاءهم الموت .
لم يبق في غزة حي آمن كما يقول تامر المسحال مراسل الجزيرة .
خربشات وإسرائيل في ورطة لأنها لا تفعل ما تفعله إلا إذا كانت في ورطة .
٢٠١٤
٦
الخليل والعشائرية : من موضوعات الرواية الفلسطينية
مشهور البطران في روايته الجديدة :
عادل الاسطة Adel Osta l
أقرأ في هذه اﻷيام في الرواية الجديدة للروائي مشهور البطرن " السماء قريبة جدا " 2015 وكنت قرأت له من قبل " آخر الحصون المنهارة " .
هل تذكرت وأنا أقف على العنوان رواية العراقية بتول الخضري التي صدرت في سلسلة كتاب في جريدة وكان عنوانها " كم بدت السماء قريبة " ! .
هل كانت رواية بتول هذه من قراءات مشهور ؟
وهل ثمة تشابه بين البطلين في رؤيتهما لقرب السماء ؟
أعتقد أن التشابه ليس في العنوان وحسب - المناص - فرؤية زيدون للشمس قريبة من اﻷرض لا تختلف عن رؤية ساردة الرواية هناك ، ومع ذلك فهناك اختلاف واضح في كل شيء ، عدا العنوان ورؤية الشمس .
فوق ما سبق ذكرتني رواية مشهور بروايتي جبرا " صيادون .... "و " السفينة " .
هناك مجتمع عشائري في بغداد وهناك مجتمع عشائري في الخليل ، وستجني العشيرة على أبنائها .
وأنا أقرأ جبرا لم أفهمه جيدا إلا في العام 2003 قبل بداية الحرب .
جمع صدام حسين شيوخ العشائر وطلب منهم دعمهم له ، فقرأت الفاتحة على العراق العلماني ولم أفاجأ بالهزيمة ، وبعدها رأيت دكتورا جامعيا عراقيا التقيت به في تموز 2001 في الجامعة اﻷردنية رئيسا لعشيرة من عشائر البصرة فقلت :
- نحن خارج التاريخ .
في رواية مشهور البطران كتابة عن العشائرية في الخليل ، ولطالما سمعت عن العشائرية هناك ولم يرق لي ما سمعته ، ولم يرق لي امتداح العشائرية هناك - امتدحت العشائرية في الخليل في فترة الفوضى التي عمت الضفة في 2006 / 2007 .
العشيرة تقدم خدمة للاحتلال وتنوب عنه في تصفية المقاومين ، فالثأر سمة أساسية من سمات المجتمع القبلي العشيري ، وأحفاد شيخ العشيرة يطالبون بدمه حتى لو كان متعاونا مع الاحتلال وخائنا ، ولا يستثنى من اﻷبناء واﻷحفاد إلا من درس في الغرب وعاد بوعي جديد مختلف . مع أن الوقائع تقول إن بعض الذين درسوا في بريطانيا وعادوا إلى الخليل ما زالوا يديرون مؤسسات كبيرة بعقلية زعيم العشيرة ، وحول هذا يحدثني زملاء ولا حرج .
مشهور البطران يقص بطريقة تقليدية كلاسيكية عن رموز مقاومة ثورية تسهم في النضال الوطني فتتعرض للمطاردة والسجن ومن ثم الاغتيال وهدم البيت.ولا تتعرض هذه للملاحقة من الاحتلال وحسب ، بل من أبناء العشيرة المتعاون رئسها مع الاحتلال .
ما لفت نظري في الرواية ما أورده الروائي عن البيت الذي بنته نبيلة زوجة المناضل زيدون وقد تعرض للهدم . أهكذا يبني المناضلون بيوتهم ؟
حتى لو لم تكن نبيلة ثورية فهي زوجة مناضل ومع ذلك تبني قصرا يكون مآله الخراب والهدم .
أنا شخصيا لم أستسغ هذا وكان يفترض أن تبني بيتا بسيطا متواضعا . زيدون ثوري راديكالي ونبيلة تفكر بطريقة مباهاة ومفاخرة ، مع أنها صابرة صامدة .
لم أنته من قراءة الرواية التي تبدأ بالكتابة عن طفولة زيدون يوم وقعت هزيمة حزيران 67 ثم انتقلت الرواية فجأة للعام 2000 واستمر زمنها الروائي حتى 2013 وانتهت باستشهاد زيدون على يد حفيد الهلالي الذي ثأر لجده فناب عن الاحتلال .
كأن هناك تحالفا ضمنيا بين شيوخ العشيرة والاحتلال وسيواصل عزت ابن زيدون الذي يدرس التاريخ مسيرة أبيه وجده
وسيحمل البندقية وسيصطاد ضابط مخابرات إسرائيلي وستنتهي الرواية بتمجيد المقاومة وهجاء العشائر والمتعاونين مع الاحتلال بقدر من الوعظ وضرب من التعليمية . أحداث رواية مشهور البطران تنتمي إلى أدب المقاومة التقليدي وما يشفع لها أن الفترة التي جرت فيها أحداث الرواية شهدت صداما عنيفا بين الفلسطينيين والإسرائيليين وهي مرحلة انتفاضة اﻷقصى .
٢٠١٥
٧
العصافير تزقزق معا .
عزف موسيقي جماعي
والأشجار هادئة فليس ثمة ريح ،
وأنا أستمتع بالموسيقى الأجمل .
كأنني في برلين في ( الفيلهرموني ) .
30/7/2016
٨
نقد أدبي :
أفكر في النقد الذي أكتبه عن رواية الكاتب العربي اللبناني إلياس خوري " أولاد الغيتو ، اسمي آدم " ، فأتذكر بعض النقاد التاثريين :
" النقد هو حوار بين أناس مثقفين " .
ما أكتبه هو خلاصة قراءات نقدية من أربعين عاما .
وروايته هي أيضا خلاصة قراءاته من أربعين عاما وأكثر .
30/7/2016
٩
( حزيران الذي لا ينتهي ) 65 :
( ذات يوم شتائي ماطر جدا )
في تشرين ثاني من العام 1978عينت معلما في مدارس وكالة غوث اللاجئين . تركت المدينة والتدريس فيها ، وفي أفضل مدارسها الثانوية ، وذهبت الى الغور ، حيث الحر الشديد صيفا والجو الدافيء شتاء ، وحيث أزمة المواصلات والحاجز المقام ما بين المدرسة ونابلس ، قرب معسكر النصارية الذي كان معسكرا للجيش الأردني وغدا معسكرا للجيش الإسرائيلي . وكان هذا بسبب الراتب الشهري ( كنا نحصل في الحكومة على راتب يعادل 65 دينارا أردنيا وانخفضت العملة الإسرائيلية فغدا يعادل 45 دينارا ، وكان راتب الوكالة الضعف وأكثر ) .
لقد ورثت إسرائيل من الأردن معسكراتها أيضا ، كما ورثت الأردن من بريطانيا بناياتها العسكرية التي أنشأتها هي ، وكما ورثت بريطانيا من العثمانيين سجن نابلس المركزي ، وورث هؤلاء كلهم الأرض بمن عليها ( كما لو أنهم كلهم عباد الله الصالحين ) ، وهكذا خلال أقل من قرن كنا عثمانيين ورعايا بريطانيين واردنيين وإسرائيليين ، ومنا من حصل على تقاعد من الحكومات الثلاثة الأخيرة ، فسبح بحمد بريطانيا والأردن وإسرائيل أيضا ، وربما قبض بعض الموظفين راتبا رابعا من السلطة ، بحجة أنهم كانوا ،زمن الاحتلال ، منتمين للثورة المباركة .
خذوا مثلا أنا .
حصلت على الهوية الإسرائيلية مع بلوغي السادسة عشرة في العام 1970، وعلى جواز سفر أردني في العام 1972 عندما ذهبت الى الجامعة الأردنية ودرست على حساب حكومة جلالة الملك المعظم الذي لم ألتق به ، مع أن الفرصة سنحت لي لزيارته في القصر ، والتسليم عليه ، واستلام جائزتي منه يدا بيد ، ولكني كنت عاقا ، ولم أجدد جواز سفري الأردني ، منذ العام 1977( هكذا حظيت بجنسيتن معا ) ، ولما سافرت إلى ألمانيا ، في العام 1987حصلت على وثيقة إسرائيلية وسافرت من مطار اللد،وهو مطار فلسطيني لا إسرائيلي ، حتى لو لم تعترف الحكومة الأردنية بهذا ، ولم تأخذ برأيي ، ثم لما شرفت السلطة الوطنية حصلت على جواز سفرها ، وهو يطابق الهوية الإسرائيلية ، مضمونا لا شكلا ، وظللت أجدده واستخدمه في السفر ، على الرغم من أنني ضد ( أوسلو ) ولم أشارك ، حتى اليوم ، في أية انتخابات ، ولم أكن مبدئيا مثل حماس التي رفضت ( أوسلو ) وعارضته ، ثم انضوت تحت لوائه ، ووافقت على عقد صلح مع إسرائيل ، مثل صلح الحديبية ، وسبقتها حركة فتح في هذا ، فقارنت بين ( أوسلو ) وصلح الحديبية .
ذات يوم ماطر جدا من العام 1978 عدت في سيارة عمومية من مدرسة العقربانية الإعدادية المختلطة ،مع سائق من مدينة نابلس ، وهو من آل بسطامي ، وأخذنا الحديث مآخذ شتى ، ولم أعد أذكر ما الذي قادنا إلى حزيران والهزيمة والنازحين ومخيماتهم الجديدة التي زرت ، لاحقا ، بعضها ، مثل مخيم شنلر ومخيم البقعة الذي خلده الشاعر العراقي مظفر النواب في قصيدته ( وتريات ليلية ) .
تحدث السائق عن نزوحه في حزيران 67 إلى الأردن وعمله سائقا هناك على الخطوط الداخلية ، وعن السبب الذي حدا به إلى العودة .
قال السائق إنه أقل ذات يوم ركابا بينهم شرطي أردني -حاشا وكلا أن اعمم شخصيا ، فالشرطي لا يمثل إلا نفسه - ، وأخذ هذا الشرطي يتحدث عن المخيمات الجديدة ووظيفته فيها ، وحمد الله على الهزيمة التي مكنته من إشباع غريزته مع بعض النازحات .
ولم يحتمل السائق ما قاله الشرطي فقرر أن يعود إلى نابلس ، ولو تسللا ، وترك الأردن وعاد ليموت في وطنه ، ولا أنسى قصة سميرة عزام " لأنه يحبهم " التي أتت على نكبة 1948 وتحول الفلسطينيين ، بعضهم ، إلى اوغاد وجواسيس ولصوص وبغايا . ( في الأردن أقام طلاب فلسطينيون علاقات مع فتيات أردنيات والعكس حصل أيضا والأمر يحدث ولسنا ملائكة ) .
ما قصه علي السائق سمعته من المرحوم الحاج أبو محمد طقاطق الذي كان أحد وجوه مخيم عسكر ، ويعرف أسرار المخيم وما تلا النكبة من أحداث عاشها المخيم ، فقد أخبرني قصة مشابهة . حدثني عن المرأة التي تقطن في مخيم الفارعة وكانت ، ذات يوم ، تأخرت عن العودة إلى مخيمها وحل المساء ، ولم تجد حافلة تعيدها إلى المخيم ، فحاول شرطي أردني أن يستغلها في الفخارة القريبة من المخيم ، فاستطنبته بالله ، وأفصحت له عن سبب تأخرها ، هو الذي ظن أنها ، لتأخرها ، إمرأة ساقطة ) . ( هل كان الشاعر العراقي مظفر النواب سمع قصصا مثل هذه فكتب سطره : ويزيد عمان على الشرفة يستعرض أعراض سباياكم ، ويوزعهن كلحم الضأن لجيش الردة؟ )
في العام 1978 تعرفت إلى الناقد الشفوي المرحوم محمد البطراوي ، وزرته في بيته ، ونمت فيه ، صحبة القاص المرحوم محمد أيوب من خان يونس ، وكان البطراوي يرعى الأدباء الناشئين . وقد اقترح علي أن أكتب خمس قصص عن المخيم ، ليصدرها مع خمس قصص أخرى ، أيضا عن المخيم ، للقاص غريب عسقلاني ، حتى نبرز صورتين للمخيم ، صورة مخيم في غزة ، وصورة مخيم في الضفة ، وأعطيت القصص التي كانت تسجيلية بالدرجة الأولى إلى الناقد ، ولم تصدر المجموعة ، ولما لم أكن أملك نسخة منها ، فقد ضاعت القصص ، وبعض ما أكتبه هنا كنت كتبته هناك - أي فيها ، أي في القصص .
30/7/2016
١٠
يهود اليهود :
في مقالة ( أوري أفنيري ) " سياسة إسرائيل الغبية تجاه غزة " ( الأيام الفلسطينية 27 تموز 2010 ) يربط الكاتب بين طائرات أطفال غزة الورقية لحرق مزروعات المستوطنات وبين مشاعل ثعالب ( شمشون ) ، فقد كان الأخير يطلق ثعالبه المربوطة أذيالها بمشاعل إلى حقول ال ( فلسطن ) لحرقها .
هل ما يمارسه الأطفال يمارسونه بالغريزة أم أنهم قرأوا العهد القديم وتعلموا درس ( شمشون ) ؟
إن تعلمنا من اليهود دروسهم ، وإن تمكنا منهم ذات يوم ، فسوف نكرر معهم ما فعلوه بنا . أرجح هذا .
هل سنصبح ذات يوم نازيين ؟
لا أمتلك إجابة وكله في علم الغيب ، ولو كنت رئيس وزراء إسرائيل لقرأت مقالة ( أفنيري ) جيدا وطبقت ما فيها :
- فك الحصار
- فتح سوق العمل لأهل غزة.
- نفق أرضي أو طريق علني بين غزة والضفة .
- تحسين حياة الفلسطينيين
وفوق ما سبق عودة اللاجئين بدل عمال الصين و .. و ...
هل أنا صاح أم ما زلت أحلم ؟
30 تموز 2018
١١
إلى طلاب الماجستير ممن يرغبون في تسجيل مساق "موضوع في الأدب العربي الحديث شعرا أو نثرا " ٢٠١٩ - ٢٠٢٠ .
مبدئيا أرجو قراءة الروايات الآتية
- نجيب محفوظ
ثرثرة فوق النيل
- الطاهر وطار
الزلزال
-عبد الرحمن منيف
شرق المتوسط
-غسان كنفاني
ما تبقى لكم
وأرجو القراءة حول أسلوب تيار الوعي في الرواية العربية من كتب النقد الأدبي النظرية والنظر في كتاب د.محمود غنايم "تيار الوعي في الرواية العربية "
١٢
خليل النعيمي والقاريء الفلسطيني في فلسطين ١ :
فاز الروائي السوري من عام تقريبا بجائزة محمود درويش .
لا أعرف إن كان كتابنا في فلسطين قرأوا بعض رواياته ، ولا أعرف إن كانت أي دار نشر فلسطينية في فلسطين أعادت طباعة عمل أدبي له .
هذا العام في هذا الشهر حل الروائي العربي السوري ضيفا على فلسطين في ملتقى الرواية العربية الثاني في رام الله ، والتقيت به وتعرفت إليه وتحاورت معه .
كان يفترض أن أكون ، لكونه فاز بجائزة محمود درويش ، قرأت عملا روائيا له ، وكان يفترض بدور النشر ، أو بمؤسسة محمود درويش ، أن تعيد طباعة بعض أعمال الفائزين ولو بطبعة محدودة حتى نتعرف إلى النتاج الأدبي والفكري لمن فازوا بجائزة معتبرة وحتى تقنعنا لجنة الجائزة بصواب قرارها فتسكت ألسنتنا وتخرسها إن اعترضنا .
ما علينا !
لا أعرف إن كانت جلسة واحدة مع الروائي كافية لإصدار حكم عليه . أهديت الروائي نسخة من نصي " ليل الضفة الطويل " واقترحت عليه أن يرشح لي عملا من رواياته حتى أقرأ له ، فأهداني رواية " القطيعة " .
قرأت للروائي نصوصا نشرها على صفحته عن زياراته للمدن ، فهو جوال ويكتب عن المدن التي يزورها نصوصا تدرج تحت جنس "أدب الرحلات " ، والصحيح أنها راقت لي .
بدأت أقرأ رواية " القطيعة " الصادرة طبعتها الرابعة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت في ٢٠١٠ ، وكانت طبعتها الأولى صدرت في ثمانينات القرن العشرين .
لا أريد أن أصدر حكم قيمة على ما قرأت.
الدكتور خليل جراح دماغ ودرس الفلسفة ودراسة الفلسفة تنعكس بوضوح في روايته التي يكتب فيها عن طفولته في ١٩٥٨ ويورد في الوقت نفسه ، وبحرف أسود غامق آراء فلسفية ، فيجتمع في روايته زمنان ؛ الزمن المسترجع وهو زمن الطفولة والزمن الكتابي وهو زمن الحاضر بوعي الحاضر - أي ثمانينات القرن العشرين .
والصحيح أنني فكرت كثيرا وما زلت أفكر في أمر روايته ، فلا أذكر أنني قرأت روايات يتشابه أسلوب كتابتها ؛ لغة وصياغة ، مع أسلوب روايته. ربما تذكرت غالب هلسة في "الوقوف على الأطلال " و"الخماسين " ، وحاولت أن استرجع روايات اختلفت لغة كتابتها عن لغة نجيب محفوظ ويوسف القعيد وحنا مينه مثلا . تذكرت اميل حبيبي و "المتشائل " وبقية رواياته ، وتذكرت جمال الغيطاني و "الزيني بركات " ، ومع ذلك ظلت لغة خليل النعيمي وطريقة قصه شبه مختلفة عن كل ما ذكرت .
هل شدتني الرواية؟
وأنا أقرأ عن تلقي أعماله قرأت أن تلقيها غير لافت ، وليست رواياته عموما الأكثر مبيعا . بحثت عن مراجعات نقدية لرواية "القطيعة " فما وجدت سوى مراجعتين ، وهذا غريب لرواية صدرت منها أربع طبعات خلال ثلاثين عاما .
ربما هناك طروحات ورسائل أكاديمية ! ربما !
والصحيح أن روايته تصعب بعض مفرداتها على القاريء وتتطلب منه أن يعود ليبحث عنها في القواميس ، وربما يسأل عنها بعض أبناء البيئة السورية .
يحفر خليل النعيمي ، وهو المقيم في باريس ، في روايته التي كتبها في ثمانينات القرن العشرين ، يحفر في طفولته ويكتب عنها بعد أكثر من عشرين عاما بوعي زمن الكتابة . هنا يتذكر المرء جبرا وسيرته "البئر الأولى " ١٩٨٥ فقد استرجع فيها سنوات طفولته من ١٩٢٥حتى ١٩٣٢ تقريبا .
أعتقد أن قاريء "القطيعة " سيجد صعوبة في قراءتها لافتقادها عنصر التشويق حتى وإن استعاض الكاتب عنه بتوتير اللغة .
ما زلت حائرا حقا أمام رواية خليل النعيمي.
من من كتابنا في فلسطين قرأ له؟
١٣
الست كورونا : نابلس أمس ( ٣٧ )
كانت الحركة التجارية في نابلس يوم أمس مزدهرة ، وكانت الأسواق عامرة ، ومن كان يسير في الأسواق قال :
- إن الكورونا صارت ذكرى .
وربما أضاف :
- إن وضع الكمامة صار نوعا من العادة ، فقد ألفها بعض الناس وراقت لهم .
وربما الذين يقولون إن ظلالها - أي الكورونا - ما زالت موجودة هم أولئك الذين يفتقدون المقاهي والجلوس فيها أو أولئك الذين حددوا موعدا قريبا لعرسهم .
ولأنني اعتدت ألا أسير في الشوارع فترة طويلة ، فقد أفدت شخصيا من الجلوس في البيت بقراءة فصل من رسالة ماجستير ورسالة ماجستير كاملة قراءة نهائية لوضع اللمسات الأخيرة عليها .
غابت عن المراسلات معي أمس أشرطة الفيديو المتعلقة بالكورونا ، وحلت محلها بطاقات التهاني بعيد الأضحى المبارك ، وهي بطاقات زاهية مفرحة قسم منها مقاطع أغان لفيروز وأم كلثوم ومن المؤكد أننا الليلة سنصغي إلى صوت كوكب الشرق " أم كلثوم " : " يا ليلة العيد " .
أنظر إلى الحديقة وأمعن النظر في الخروفين اللذين بقي لهما ٢٣ ساعة وبضع دقائق . إنها ساعاتهما الأخيرة وبعد ذلك ستمتليء بلحمهما البطون وسيأكل ( الذين آمنوا من طيبات ما رزقناكم ) والقول من كتاب الله ، والضمير يعود إليه سبحانه وتعالى .
كم سنة هجرية مر على إعدام الرئيس العراقي صدام حسين ؟
ومنذ سنوات وأنا أفكر في الكتابة عن رواية الكاتب التركي الساخر عزيز نيسين " سرنامة : وقائع احتفال رسمي " فقد كنت أقرأها في فترة إعدام الرئيس العراقي ، وهي تأتي على حفل إعدام ، وقد ذكرتني ببطل رواية ( فرانز كافكا ) " المحاكمة " يوسف . ك ، وبطلها يعيش في ورطة مثل ورطة الشعب الفلسطيني .
يوم قرأتها تساءلت :
- هل لترجمة هذه الرواية علاقة بإعدام الرئيس صدام حسين ؟ وكنت توقفت أمام الصفحات ١٣٢ - ١٤٦ .
وكما توحد الناس في الرواية لمشاهدة مشهد الإعدام وزالت الفروق الطبقية بين الأغنياء والفقراء ، فإن الست كورونا لم تميز أيضا بين غني وفقير في الإصابة .
٣٠ تموز ٢٠٢٠
١٤
أنا والجامعة : الأبحاث وجودتها ونوعيتها وعقدة الخواجا ( Impact Factor ) ( ٤٤ )
عندما تقدمت بأبحاثي للحصول على الترقية لم تكن الجامعة تشترط التنويع في مكان النشر ؛ خارج الوطن أو داخله ، أو في العالم العربي أو في العالم غير العربي ، ولم أكن سمعت بمصطلح ( Impact Factor ) .
لقد نشرت أبحاثي كلها في مجلة جامعة النجاح الوطنية ، وكانت الجامعة ترسل الأبحاث العلمية المقدمة للنشر فيها إلى أعضاء هيئة تدريس في العالم العربي ، وغالبا ما كانوا من الجامعات الأردنية ، والسبب يعود إلى أن الجامعات الفلسطينية في حينه كانت تخلو من أساتذة برتب علمية عالية . هل تختلف قيمة بحث يحكمه أستاذ في جامعة عربية - إن نشر في مجلة جامعة النجاح الوطنية - عن قيمته إن نشر في مجلة الجامعة الأردنية مثلا ، ومحكمه هو عضو هيئة تدريس في الأخيرة ؟
حين نادت الجامعة بضرورة التنويع في مجلات النشر أبديت رأيي السابق ، ذاهبا إلى أن أكثر أبحاثنا - وإن نشرت في جامعة النجاح الوطنية - قرأها محكمون من جامعات عربية . إن ما اشترطته جامعة النجاح لم يكن مقنعا عموما ، وما زال غير مقنع ، والأكثر إقناعا هو أن يرسل البحث لصاحب الاختصاص فيه وللمتمكن علميا ، وبعد ذلك لا أهمية لمكان نشره حتى لو نشر في صحيفة أو لم ينشر أصلا .
حصلت على الترقية على أبحاث نشرتها كلها في مجلة جامعة النجاح ؛ أبحاث حكم أكثرها في الأردن وأقلها في جامعات الأرض المحتلة ، ولم أنشر أي بحث في أي مجلة عالمية ، وإن كانت أبحاثي الأكثر اقتباسا ، منها ، من باحثين أجانب ، وإن كنت الأكثر مرجعية للدارسين في دراسة الأدب الفلسطيني .
من باب التشديد والصرامة صارت الجامعة تطلب من المتقدمين بأبحاثهم للحصول على الترقية أن يكونوا نشروا في مجلات " Impact Factor " ، وهذه مجلات غالبا ما تنشر الأبحاث فيها باللغة الانجليزية ، وأكثر أعضاء هيئة التدريس في أقسام اللغة العربية وبعض أقسام أخرى في كلية الآداب لا يتقنون الإنجليزية ، وهذا يعني استحالة ترقيتهم إلا إذا كتبوا أبحاثا مشتركة مع مدرسي قسم اللغة الإنجليزية . يكتب المتخصص في الأدب العربي البحث ويترجمه المتخصص في قسم اللغة الإنجليزية ، وينشران البحث معا على أنه بحث مشترك .
والحقيقة أنني كنت أسخر من قرار الإدارة بهذا الخصوص ، إذ ليس بالضرورة أن " كل افرنجي ابرنجي " و " ليس كل ما يأتي من الغرب يسر القلب " ، علما بأنني درست في الغرب وأفدت من دراستي هناك الكثير الكثير ، وعلما بأنني أشدد وأكرر على أنه ما كان لي أن أفيد من المناهج الوضعية والاجتماعية والبنيوية لو لم أدرس في ألمانيا ، وأنه ما كان يمكن لي أن أكتب العديد من الأبحاث بالطريقة التي كتبتها لو لم أفد من بعض القواميس والمعاجم المتخصصة المكتوبة بالألمانية .
وعلما أيضا بأنني ترجمت بعض الدراسات التي كتبها مستشرقون ألمان عن الأدب الفلسطيني وكان لي عليها بعض المآخذ ، وقد أتيت على هذا في كتابي " في مرآة الآخر : الاستشراق الألماني والأدب الفلسطيني " .
كانت مجلة الجامعة تعهد إلي بتحكيم بعض الأبحاث العلمية المكتوبة باللغة الإنجليزية وتتناول أعمالا أدبية فلسطينية ، ولم أكن أعتذر عن التحكيم ، فيمكن فهم أكثر ما هو مكتوب ، ومرة عهد إلي بتحكيم بحث في الأدب المقارن يركز على شاعرة فلسطينية وروائية عبرية / إسرائيلية ، ولحسن الحظ أنني قرأت للأخيرة ، بالألمانية ، بعض كتبها وترجمت رسالة ماجستير عن الأولى ، وكان رأيي أن البحث يحتاج إلى تعديلات جوهرية ، فالباحث الذي كتب عن الشاعرة الفلسطينية ، وهو فلسطيني ، اعتمد على ترجمات قصائدها إلى الإنجليزية ، ولم يعد إلى النص الأصلي بالعربية ، كما أنه اعتمد على مراجع ثانوية درست سيرة الشاعرة ، ولم يعد إلى السيرة نفسها ، وفوق ذلك أغفل يوميات الروائية العبرية المكتوبة أصلا بالإنجليزية .
لقد طلبت من كاتب البحث إجراء التعديلات ، وحين لم يجرها رفضته ، وكان أن أرسله إلى مجلة أجنبية وهي مصنفة على أنها ( Impact Factor ) وأجيز ، مع أنه يحفل بأخطاء منهجية .
ومرة حكمت ترقية لعضو هيئة تدريس في جامعة أردنية ، وكان من بين الأبحاث بحث منشور باللغة الانجليزية ، وقد حفل البحث بأخطاء معرفية ومنهجية جمة ، علما بأنه أجيز في مجلة عالمية . ويخيل إلي أن صلة محكمي البحثين بالأدب العربي صلة عابرة جدا .
غالبا ما أستشهد بالمثل الشعبي " أعط خبزك لخبازه لو حرق نصفه " ، ولهذا لا أثق شخصيا بسبعين بالمائة من الأبحاث المحكمة ورسائل الماجستير والدكتوراه في عالمنا العربي ، لضعف المشرفين عليها ولضعف لجان مناقشتها وهو ما كتبت عنه من قبل .
كنت ذهبت إلى أن الحلقة ٤٣ قد تكون الأخيرة ، وأحيانا لا بد من استدراكات .
٢٠٢٠
١٥
لا تصدق زغاريدهن وصدق أبي :
" الشهيد يحذرني : لا تصدق زغاريدهن
وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا
كيف بدلت أدوارنا يا بني
وصرت أمامي ؟
أنا أولا
وأنا أولا "
وأنا أشاهد شريط الفيديو الذي بكى فيه مؤيد العلامي ابنه محمدا ، وهو من بيت أمر في قضاء الخليل ، عادت بي الذاكرة إلى بضع قصص لأطفال فلسطينيين ظلت عالقة بالذاكرة ، وإلى المقطع الشعري السابق من ديوان محمود درويش " حالة حصار " .
والأطفال هم محمد الدرة ومحمد أبو خضير وهدى أبو غالية وأحمد الدوابشة .
قتل الأول في حضن أبيه ، وأحرق الثاني بعد خطفه ، ونجت الثالثة على شاطيء البحر في غزة بعد أن أبادت قذيفة إسرائيلية عائلتها ، ونجا أحمد بعد أن أحرق والداه وأخوه الرضيع علي .
أنجب مؤيد العلامي ابنه محمدا بعد ست سنوات من الزواج أنفق خلالها دم قلبه ليفرح بطفل ، وحين أفقدت رصاصة جندي محتل الفتى محمدا حياته فقد الأب قطعة من قلبه ، بل فقد قلبه ، وهو من نطق بهذا .
كان الطفل جالسا في سيارة أبيه على مدخل قريته ينتظر أباه فباغته الموت .
لم يودع الأب ابنه بالزغاريد . لقد ودعه وداع من فقد مهجة قلبه ، وهذا ما ذكرني بمقطع درويش المقتبس " وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا " ، ولقد نظر الأب في وجه ابنه وهو مسجى في المشفى فاقدا الحياة .
هل كان أبو العلاء المعري يهذي حين قال :
" تعب كلها الحياة ، فما أعجب إلا من راغب في ازدياد ؟ "
الصديق خليل حمد كتب في صفحته عن الكورونا معتبرا من لا يتطعم شخصا مقدما على الانتحار ، وأنا علقت على إحدى مقطوعاته بأنني لم أتطعم ، فرد علي بإطناب مبينا خطأ عدم تلقحي ، وأنا صار النهار والظلم عندي مستويين ، كأني لا أنتفع بناظري على رأي المتنبي الذي قال في عتاب سيف الدولة :
وما انتفاع أخي الدنيا بناظره
إذا استوت عنده الأنوار والظلم .
صار الواحد منا عدميا لامباليا برما بالحياة غير فرح بها ، فلا لذة ولا سرور ولا طمأنينة ولا هداة بال ولا أفق ولا ... ولا تحرير أي شيء حتى غزة وأريحا ، ويبدو أن المتشائمين في العام ١٩٩٣ حين أضافوا أخيرا إلى الشعار المطروح " غزة وأريحا أولا " كانوا في تشاؤمهم متفائلين ، فغزة المحررة محاصرة والحياة فيها تحت الصفر ، وأريحا ما زالت محتلة .
الله المستعان به ، وكان الله في عون مؤيد العلامي من بيت أمر ، وكان الله في عون زوجته ، لفقدانهما فلذة كبدهما .
٣٠ تموز ٢٠٢١ .
١٦
للتو اشتعلت جبهة المساكن الشعبية الشرقية للمساهمة في تحرير الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس من الاحتلال الإسرائيلي .
لقد قال الشاعر :
" بالتوجيهي نرفع بيوتا لا عماد لها
وبالجهل نهدم بيوت العز والكرم " .
كم سيجني المستوطنون والتجار من أثمان الرصاص والمفرقعات ؟!
تجوع يا سمك !!
١٧
نابلس والنميمة :
في الشهر الماضي كتبت عن رواية المحامي الأمريكي ( DEAN DILLEY ) " Nablus Girl " ( ٢٠٢٢ ) وتوقفت أمام ما قالته الممرضة هالة ، أم إحدى الشخصيات الرئيسة في الرواية " أمير ، عن النميمة في المشفى بين الممرضات والأطباء - الذين يسمون أطباء .
ولأن كاتب الرواية أميركي ، وهناك تحفظات كثيرة على ما كتبه عن نظرته إلى المستوطنين وكيف عدهم جيرانا للفلسطينيين ، ولأننا حين نقرأ روايته نقرؤها برأي مسبق عن نظرة الغربيين إلينا ، متذكرين غسان كنفاني وكتابه " في الأدب الصهيوني " وإدوارد سعيد وكتابه " الاستشراق " ، فإننا نتشكك فيما صدر عنه وننظر إلى كتابته نظرة غير بريئة .
أول أمس أنهيت قراءة رواية سحر خليفة " الجسر " ( ٢٠٢١ ) الصادرة قبل عام من صدور رواية ( ديللي ) " فتاة نابلس " . اقرأوا ما كتبته عن المجتمع الفلسطيني في نابلس :
" قال السائق : هذه المعلمة أميرة الضابط . اسمها أميرة الضابط ؟ قال السائق ، وهو نابلسي كالعادة ، بشهية عارمة للقيل والقال والنميمة : أهل نابلس يسمونها الست أميرة الضابط لأنها مثل الضابط . اسمها وأصلها وفصلها ومن هي وماذا تعمل ؟ قال السائق : الست أميرة هي معلمة الإنكليزية في مدرسة الزهراء الثانوية واسمها كالطبل في نابلس . ابنة عائلة محترمة وهي محترمة ومحبوبة ... " ( ١٨١ ) .
لقد ذهبت وأنا أكتب عن رواية ( ديللي ) أن روايات سحر خليفة قد تكون إحدى مرجعياته . ثمة تقاطع كبير في الصورة عن نابلس وأهلها وعلاقاتهم .
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٣
١٨
محمود شقير في " نوافذ للبوح والحنين " : خلط الجد بالهزل ( ٢ )
يصدر محمود شقير النافذة الثانية من مجموعته القصصية " نوافذ للبوح والحنين " بمقولة للكاتب الكولومبي ( غابرييل جارسيا ماركيز ) هي :
" الحياة (...) لا تكمن عظمتها إلا في أدبية ما نكتبه عنها "
ويمكن أن تؤول العبارة تأويلات عديدة ، ويمكن الانتباه إلى " عظمة الحياة " و " أدبية ما نكتبه عنها " .
مقابل العظمة هناك الضعة ، والعظمة تتحقق في أدبية الكتابة ، وما لم تكتب الحياة كتابة أدبية فلن تتحقق لها العظمة ، ولا أعرف ما هو السياق الذي قال فيه ( ماركيز ) ما قال ، عدا أن إنجاز الأدبية والإقرار به قد يختلف من ناقد إلى آخر ومن عصر إلى عصر مختلف وربما من شعب إلى شعب آخر .
هل قصد محمود شقير أن الحياة إن لم تكتب كتابة أدبية لا تتحقق لها العظمة ؟
ويبقى سؤال الأدبية موضوع نقاش .
ثمة عبارتان استوقفتاني في النافذة الثانية ؛ الأولى هي ما قاله محمد عن رهوان " بدا عليه أنه نسي الأمر تماما ، أو أنه تقصد أن يتخوت علي " والثانية " تأملت وجهه مليا ، ولم أعرف فيما إذا كان جادا أم هازلا في دعواه " .
إن الفعل " يتخوت " والمقولة " إذا كان جادا أم هازلا " هما ما يرسخان في الذهن بعد قراءة النافذة الثانية . إنهما مفتاح شخصية رهوان . هل كان في طلباته من محمد يتخوت عليه وهل كان حقا جادا أم هازلا ؟
كان الجاحظ من الأدباء الذين يخلطون الجد بالهزل ، وفي الأدب العالمي الكلاسيكي قمم أدبية تركت لنا شخصيات خالدة صارت شخصيات أدبية بامتياز . " دون كيشوت " للإسباني ( سرفانتيس ) و " الجندي الطيب شفيك " للتشيكي ( ياروسلاف هاتشيك ) ، ورهوان ليس بعيدا عنهما ، وقد تناص محمود شقير مع هذين العملين في مجموعته " احتمالات طفيفة " . إن رهوان خارج من رحمهما ، فهو يشبه الأول في أوهامه ، وهو يشبه الثاني في سرعة استجابته وتنفيذه دون اعتراض لما يطلبه منه محمد .
يريد أن يكون مرافقا لماريا زخاروفا ويطمح أن يكون مرافقا لرجب طيب أردوغان و .. و .. وحين يحتار محمد في أمره يقول له بهدوء وثبات :
- يا رهوان . اشرب قهوتك ولا تدعني أراك .
ويشرب رهوان قهوته باستعجال وينهض ويستدير و " مضى خارجا من دون كلام " .
هل تحققت أدبية الأدب بأن جعل القاص من شخصيات الواقع شخصيات أدبية ، فصار رهوان صنو دون كيشوت والجندي شفيك ؟
إن خلدت شخصية رهوان في الاذهان وصارت شخصية أدبية مثل الشخصيتين المذكورتين فإن محمود شقير يكون جسد مقولة ( ماركيز ) .
ليس تصدير النافذة بعبارات مقتبسة لأدباء عالميين أو لمفكرين أو سياسيين أو صوفيين أو حتى من كتابات الكاتب نفسه عبثا . من المؤكد أنه ليس اقتباسا تزيينيا أو إظهارا لقدرات أو مفاخرة . ثمة صلة بين التصدير وما يليه وعلينا أن نبحث عنها . هل ستلفت شخصية رهوان انتباهنا إلى مثيلاتها في حياتنا ؟
لم يبق شخص احتككت به في الثلاثين سنة الأخيرة إلا حاول أن يتخوت علي أو أن يمثل دورا ، فكان ينطق ، واحتار أنا في كلامه : أجاد هو ام هازل ؟! وقد دفعني هذا إلى كتابة سلسلة خربشات جمعتها معا عنوانها " خفة الكائنات غير المحتملة "
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٣
١٩
غزة ( ٢٩٨ ) :
غزة تدافع عن نفسها ... غزة تعبر عن نفسها
اليوم الثلاثمائة للمقتلة والمهلكة وحرب الإبادة يقترب - والحرب الدائرة في غزة تستعر كل يوم وأكثر ، ولا مفردات جديدة . الأسماء تتغير والقتلى يرتفع عددهم والجرحى في ازدياد والنزوح يتواصل والناس المحشورة المحصورة - قبل بداية الحرب في مساحة ٢ بالمائة من فلسطين - تحشر من جديد في مساحة أصغر ، وغزة تباد . غزة تدافع عما تبقى منها ، وغزة تحكي عن معاناتها بالكلمة والصورة وما نكتبه لا يقدم الآن ولا يؤخر ولا يكاد ، إذا ما قورن بالصور من هناك وكتابات الكتاب من هناك ، ما نكتبه يحكي شيئا وتغيب عنه أشياء وأشياء وأشياء .
المقاتلون يقاتلون ويصورون نماذج مما يقومون به وليس في ذهنهم إلا ممارسة فعلهم ، والمواطنون يكتبون حكاياتهم من واقع تجربتهم ولا يضغط الآن عليهم إلا التعبير عن قسوة حياة النزوح ومتطلبات الحياة اليومية ، والصورة التي يظهر فيها المقاومون مقاومتهم تشعر المتابعين من خارج غزة بالعزة والفخار ، والصورة التي تظهر في كتابات أبناء غزة أو في الأشرطة التي تعرض عنها تبكي وتشعر بالعار والخزي والعجز .
أمس عرضت صورة لرجل شاب نازح مصاب بقدمه يمشي برجل واحدة ، هي اليسار ، على عكاز ، فيما يمسك ابنه الصغير سنا بقدمه اليمنى يرفعها حتى يواصل الاثنان نزوحهما المتواصل منذ عشرة أشهر ( الشريط مدرج في صفحتي ) .
صار ما أكتبه عن غزة ، مقارنة بما يكتبه أبناؤها في وصف تراجيديتهم / مأساتهم هناك ، لا يذكر .
يبدو أن الحرب طويلة ، وصوت معارضي أحداث ٧ أكتوبر بدأ يعلو ويطالب من أشعل النيران باطفائها، مهما كلفه الأمر . ولا مجال للإصغاء لنجاة الصغيرة تغني " ارجع إلي " ، فالذين ارتقوا لن يعودوا ، والذين نزحوا لم يسمح لهم ، حتى اللحظة ، بالعودة إلى ركام بيوتهم يقفون على أطلالها ويعيدون تعميرها ، والحكاية طويلة ، وما قاله الشاعر الجاهلي زهير بن أبي سلمى في معلقته ، وقد أوردته في يوميات سابقة ، يستحضر ، في ذهن قارئه ، باستمرار . هل هو ما يعنيه محمود درويش في قوله :
" سنعلم أعداءنا نماذج من شعرنا الجاهلي " . ربما يقول معارضو ٧ أكتوبر :
- الأولى أن يعلمه لمن بدأ الحرب !
ما بين تردادنا لمقولات مقرة عن شرعية مقاومة المحتل وشعورنا الأخوي الإنساني لما يكابده أهلنا في غزة صرنا في حيص بيص وفي المنطقة الوسطى التي أنكر نزار قباني وجودها في الحب . هل أنكر وجودها في الحرب ؟!
كان الله في عون أهل قطاع غزة .
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٤
٢٠
هذه الرسالة من رقم غير محفوظ . احذر من التصيد الاحتيالي عبر الرسائل النصية والاحتيال .
٢١
الدكتور يوسف عبد الحق ( أبو شداد ) في ذمة الله :
انتقل إلى رحمة الله تعالى اليوم ابن قرية دير استيا الدكتور يوسف عبد الحق المدرس سابقا في جامعة النجاح الوطنية والنشيط نقابيا وثقافيا ، فقد كان من المساهمين في تأسيس نقابة العاملين في الجامعة ومن مؤسسي المنتدى التنويري الثقافي في مدينة نابلس ، وقد رأس المنتدى لسنوات عديدة عمل خلالها على تنشيط الحركة الفكرية والحركة الأدبية في المدينة ، ولطالما أغنى حضوره الندوات والأمسيات النقاش فيها ، عدا أنه كان يقف وراء أكثرها بحكم علاقته الواسعة الممتدة مع المساهمين فيها .
كان الدكتور يوسف صاحب موقف ورأي ينحاز إليه انحيازا كليا لا يهادن فيه ولا يساوم ، وقد عرف عنه هذا كل من تعامل معهم .
رحم الله الدكتور يوسف وأسكنه فسيح جناته ، ولابنه شداد ولبقية أسرته تعازي ا
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٤
٢٢
غزة ( ٢٩٩ ) :
إنها الحرب قد تثقل القلب
يبدو أننا لن ننام في هذه الليلة الساخنة .
إنها الحرب تأتي من جديد .
لقد كان المستشار الألماني يردد :
" ألمانيا فوق الجميع "
وهنا ، هناك من يتغنى بالشعب المختار والدم الصافي النقي ، تماما كما حذر المستشار الفتيات الألمانيات من إقامة علاقات مع غير الألمان ، حتى يحافظ على نقاء العنصر الألماني ، ولكن ماذا حدث بعد ثمانين عاما أو أقل ؟
من كل خمسة أطفال ألمان يولدون هناك في هذه الأيام ، هناك مولودان من زواج مختلط . لم يبق دم ألماني صاف تماما .
جن جنون المستشار فتوسع في الحرب وأرسل الجيوش إلى روسيا ، فقضى الروس عليها وقوضوا دولته .
يبدو أننا في هذه الليلة لن ننام . سننتظر ونترقب ونتابع الأخبار . هل ستكون حيفا مقابل الضاحية أم ستكون تل أبيب أم سيمر الليل ويأتي نهار كأن شيئا لم يكن ، كما حدث من قبل يوم أرسلت إيران طائراتها المسيرة ردا على الاعتداء على مقر لها في دمشق ، وكما حدث في اليمن يوم ردت إسرائيل بقصف ميناء الحديدة ؟
لطالما اقتبست من قصة توفيق فياض " الحارس " المثل الشعبي :
" مجنون رمى حجر في بير وأربعين عاقل مش قادرين يطولوه "
و
" هذه المرة كل عقال الأرض ما راح يطولوه " .
وإسرائيل هي الحجر الملقى في العالم العربي .
أعتقد أن وزير الدفاع الإسرائيلي الأسبق ( موشه دايان ) أذكى بعشرات المرات من رئيس الوزراء الحالي ووزيريه ( بن غفير ) و ( سموترتش ) . لقد كان يعي أن ما يحيط بدولته بعد طرد الفلسطينيين من مدنهم وقراهم في العام ١٩٤٨ لن يشعر الإسرائيليين بالراحة ، ولذلك كان دائما يرسل جواسيسه إلى المخيمات الفلسطينية ليصغوا إلى ما يقوله اللاجئون .
ورحم الله الشاعر توفيق زياد الذي كتب بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ :
" والذي يسلب حقا بالقتال
كيف يحمي حقه يوما
إذا الميزان مال ؟"
وعاجلا أم آجلا سيميل الميزان .
" دبرها يا مستر دل
بركن على إيدك تنحل "
ويبدو أنه لا مستر دل ولا مستر روجرز ولا مستر كيسنجر ولا مستر فيليب حبيب أو حتى مستر بلينكن ، يبدو أنهم غير قادرين على حلها .
أمس غزا الذباب الأزرق خيام النازحين في القطاع ، فكتب عن خصائصه ، في صفحته ، الدكتور رياض عواد Riyad Awad وبعض سكان الخيام أيضا .
من أين يتلقاها أهل قطاع غزة ؟!
" لسة طويلة " على رأي عبد الحليم حافظ ، طويلة ولها قرون ، كما يقول أبناء شعبنا .
هل ستشتعل الجبهة اللبنانية في هذه الليلة ؟
أيضا إسرائيل منهكة جدا والدليل تصريح قادتها عن فعلتهم في الضاحية :
" إذا لم يرد حزب الله ، فإن الحرب لن تندلع " .
والكل يشعر بالضجر والملل إلا المقاومين الفلسطينيين في الأنفاق . هكذا يبدو أو أن تقديري خاطيء .
٣١ / ٧ / ٢٠٢٤
٢٣
غزة 663 :
صوت من غزة :
الكاتب تيسير عبد يكتب عن المساعدات .
تيسير يعيش في غزة . هنا يكتب عن المساعدات عبر الجو والبر ويرى أنها ليست سوى أكذوبة ، لذر الرماد في عيون العالم ، ويقصد منها التقاط الصور ؛ للقول للعالم ان إسرائيل تسمح للمساعدات بالدخول لتبرئتها ، وكذلك لتبرئة الحكام العرب أمام شعوبهم بأنهم أرسلوا مساعدات .
الصوت من محلل سياسي غير حمساوي إطلاقا ، من داخل قطاع غزة .
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٥
٢٤
الكاتب الشهيد سليم النفار : فوانيس المخيم
لم أكن أعرف إن الشاعر سليم النفار المنحدرة أصول عائلته من يافا يكتب الرواية . كنت أقرأ له بعض قصائد ينشرها هنا وهناك ، وحين ارتقى في الأشهر الأولى للحرب " طوفان الأقصى " مع أفراد عائلته وعائلة أخيه لم أرثه ؛ لأنني لم أعش مع نصوصه أولا ، ولأنني لم ألتق به شخصيا .
ماذا أكتب عن كاتب لم أقرأه جيدا ولم أتعرف إليه شخصيا سوى أنه أحد ضحايا الحرب . هكذا ذكرته في يومياتي منذ ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ ، وعندما كتبت عن أدباء شهداء كتبت عنه كتابة عابرة اعتمدت فيها على معلومات عامة .
سوف أقرأ له في اليومين الأخيرين روايته الأولى " فوانيس المخيم " الصادرة عن مكتبة كل شيء في حيفا في العام ٢٠١٨ والتي وفر لي منها نسخة الصديق الحيفاوي المحامي حسن عبادي Hassan Abbadi مشكورا .
تقع الرواية في ٢١٠ صفحة وتتكون من إضاءة وعشرين فانوسا وإهداء وكلمة تمهيد :
" هذه الرواية
هذه الرواية بعوالمها المختلفة ، تلامس حياة حقيقية لأبناء المخيم هناك .
ليس بالضرورة أن تكون الأسماء الواردة هي ذاتها في الواقع ، وإن تشابهت فهو تشابه عرضي ، غير أنها بواقعها وأحلامها ، هي ذات المناخ ذلك الذي كان هناك .
منذ مطلع سبعينيات القرن المنصرم حتى الثمانينيات أحاول رصد الواقع والأحلام التي كانت في صدور الناس ، وخيباتهم التي تعلو بفعل انحرافات الفعل السياسي .
إنها سيرة المكان بأهله ، الذين ما زالوا يقبضون على جمر الأحلام " .
هناك أي مخيم فلسطيني قرب اللاذقية في سوريا في سبعيننيات وثمانينيات القرن العشرين ، والكتابة / الزمن الكتابي / في وقت لاحق - أي وهو في غزة بعد عودته إليها ، وزمن النشر هو ٢٠١٨ كما لاحظنا ، وليس هناك دليل على زمن الكتابة وإن كان هناك إشارات داخل المتن الحكائي إلى زمن متأخر ؛ إشارات يمكن تلمسها .
أما الإهداء فهو :
" إليهم جميعا
اهلي في ذلك المخيم
الحالمون بعودة إلى وطن
لم تنطفيء شموعه بعد في ضلوعهم " .
وإن كنت عشت في مخيم فلسطيني في فترة السبعينيات والثمانينيات فستشعر أن الكتابة عن المخيم في الرواية لا تختلف كثيرا عنها في المخيمات الفلسطينية .
ولأن سليم النفار من أصول يافاوية ، فإنك إن كنت يافاويا فستقرأ عن أهل يافا في مخيمك الذي عشت فيه ، ولكي لا أبالغ أو أتجنى فإنني هنا أحيل إلى رواية الروائية وفاء أبو شميس Wafa Abushmais " من أجل عينيك الخضراوين " التي كتبتها عن مخيم بلاطة قرب نابلس ، ووفاء تنحدر أيضا من أصول يافاوية . كأن هناك صلة ما بين الروايتين ، ما يذكرنا بما تعنيه كلمة بنية " الصلة بين " .
ابحث عن صورة يافا وأهلها في الروايتين فلن تجدها مختلفة ، وابحث عن علاقة المخيم بالمدينة في الروايتين فلن تجد كبير فارق ، علما بأن المخيم الذي يكتب عنه سليم هو كما أشرت في سوريا والمخيم الذي تكتب عنه وفاء هو في نابلس ، وتاريخ صدور الروايتين متقارب جدا ، فقد صدرتا في العقد الثاني من القرن الحادي والعشرين وتدور أحداثهما في النصف الثاني من القرن العشرين ( صدرت رواية وفاء في العام ٢٠١٦ قبل عامين من صدور رواية سليم )
في الإضاءة يكتب سليم :
هناك أو هنا ، فلن تختلف كثيرا تفاصيل الحكاية ، تلك التي حملها اللاجئون في سني الاغتراب .
مخيمان مختلفان في مواقع الجغرافيا : مخيم الشاطيء الصغير المكتظ باللاجئين على ساحل غزة ، والذي يقع غرب المدينة وعلى شاطئها تماما ، ومخيم العائدين أو الرمل الجنوبي أو حي القدس ، كلها أسماء لمخيم يقبع في قعر اللاذقية السورية ، من جهتها الشرقية ، حيث الساحل الرملي الممتد إلى حدود النهر " الكبير الشمالي " ، هناك سكن اللاجئون من حيفا ويافا وعكا ، ومن قرى عين غزال واجزم وجبع والطيرة والطنطورة و .... " .
أعتقد أن علينا أن نقرأ سليم النفار روائيا لنعرف شخصيته من خلال روايته وهذا ما قد أفعله لاحقا . طبعا علينا ألا ننسى كتابات عاطف ابوسيف وأحمد عمر شاهين وسمير إسحق عن يافا ، وكنت كتبت عن حضور يافا في بعض الروايات الفلسطينية مقالين نشرتهما في جريدة الأيام الفلسطينية .
فوانيس المخيم وإن كتبت في غزة إلا أنها تحكي عن حياة الفلسطينيين في المنفى ؛ في سورية ولبنان وترتد بالذاكرة إلى الحياة في يافا قبل العام ١٩٤٨ فتحكي عن موسم النبي رئوبين ، وهو موسم لم تخل أكثر الروايات التي أتت على الحياة في يافا من الكتابة عنه
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٥
٢٥
غزة 663 :
الأدباء والحرب
في صفحة الكاتب طلعت قديح تقرأ :
" # تعبت
فشلت في أن أكون لص مساعدات ، واخترت أن أرجع بخفي حنين ، وكياني يبكي .
منهارون يا رب .
حتى ما يسد الرمق بطعم الكآبة . "
وفي صفحة يسري الغول تقرأ :
" كل من يذهب لسرقة الشاحنات لص ، مهما كان المبرر ، ولولا هؤلاء ما فقدنا خيرة شبابنا ممن يعملون على تأمين الطعام .
كلنا جوعى ، فتعالوا لنعزز القيم والأخلاق بيننا وبين جيراننا وأقاربنا وأصدقائنا "
و
" نحن جوعى يا الله ..
وأطفالنا جوعى أكثر ،
ينامون على بطون خاوية ، ويمشون ب أجساد أنهكها الانتظار ..
السماء تمطر وعودا ،
والأرض تفيض خيبة .
ولا أحد يشبع اليوم إلا اللصوص ،
أولئك الذين سرقوا الشاحنات قبل أن تصل .
يا الله ،
كل الأبواب مغلقة "
وقبل أيام قرأت قصة رجل مقتدر كان غالبا ما يوزع الحلوى على الأطفال ويعطيهم ما تجود به نفسه . لم يكن المال ينقصه ، ولكنه جاع ولم يجد ما يأكله ، فبكى .
في غزة يموت الناس قتلا وجوعا وكمدا ، فأسباب الوفاة هناك كثيرة " من بينها وجع الحياة " والعبارة للشاعر محمود درويش :
" فإن أسباب الوفاة كثيرة من بينها وجع الحياة " .
كيف لجائع أن يكتب رواية ؟ قد يكتب فقرة أو قصيدة أو مقالة أو .. .
الأدباء في غزة ، كما أهلها ، يموتون كمدا وحزنا وجوعا والكل في الهوى سوا ...
٣٠ / ٧ / ٢٠٢٥