أ. د. عادل الأسطة - العودة إلى عبد الرحمن منيف: "سيرة مدينة". زوبعة في الأردن

قرأت في صفحات التواصل الاجتماعي ، في تموز ٢٠٢٦ ، لأصدقاء من الأردن ، ما كتبوه ، بحدة ، عما تفوه به الوزير الأردني السابق جواد العناني ، حول عمان في بداية خمسينيات القرن العشرين ، بخاصة عن بيوت الخلاء فيها ، معتمدا على ما قالته له أمه حين صوت لصالح قرار أبيه في السفر إلى عمان والاستقرار فيها ، ووجدتني أبدي رأيا عله يخفف من حدة الكتابة ، علما بأنني سخرت قليلا من الأمر ، ففي الوقت الذي تباد فيه غزة وتتعرض الضفة الغربية لهجمات المستوطنين ، ينشغل الكتاب والمثقفون العرب بمقابلة يروي صاحبها فيها ذكرياته ، وينشغلون أيضا بموضوع الكاتب المصري طارق إمام الذي دعته رابطة الكتاب الأردنيين للمشاركة في مؤتمر السرد ، ثم ألغت دعوتها ، لاكتشافها - كما تقول - أنه كاتب يطبع مع الإسرائيليين .
في الشريط الذي تحدث فيه الدكتور لاحظت أنه حكى أيضا عن عدم وجود دور سينما في الخليل . يعني مقابل ما قاله عن بيوت الخلاء في عمان ، وقد عد كلاما سلبيا ، فقد ذكر أن المدينة فيها دور سينما تفتقدها مدينته ، وهذا كلام إيجابي لصالح عمان .
ولأن الفضول أحيانا يستبد بالمرء ، للوصول إلى الحقيقة ، وكنت عشت في عمان ، فقد عدت إلى كتابي " حزيران الذي لا ينتهي " لأقرأ عن البيوت التي سكنت فيها هناك بين عامي ١٩٧٢ و ١٩٧٦ . لقد شبهتها يوم كتبت عنها في ٢٠١٦ ببيوت جحا ( لقد أقمت بالفعل في غرف حماماتها منفصلة عنها ) ، وتذكرت كتاب عبد الرحمن منيف " سيرة مدينة : عمان في الأربعينات" الصادر في ١٩٩٤ واشتريت نسخة منه في العام ١٩٩٩ ، و قررت أن أعود إليه لكي أقرأه من جديد ، فقد يكون وصف فيه بيوت عمان وبيوت الخلاء فيها .
رأيت في " سيرة مدينة " كنزا ثمينا ، وكنت أشرت إليه حين كتبت عن رواية الكاتب " أم النذور " ( زمن الكتابة ١٩٧٠ / زمن النشر ٢٠٠٥ ) ، وهي روايته الأولى ولم ينشرها في حياته ( الأيام الفلسطينية " في ذكرى عبد الرحمن منيف " ٣١ / ١ / ٢٠٠٦ ) .
"لقد توقفت مرتين أمام تمهيد الكاتب الذي أتى فيه على سبب الكتابة وأوضح فيه أيضا أنه يعتمد على الذاكرة ، فكتب إن الكتاب " يحاول أن يستعيد ملامح مكان في زمن معين ، اعتمادا على الذاكرة ، والذاكرة مهما حاول الإنسان الدقة والأمانة ، خداعة ، شديدة المكر ؛ لأنها تقول الأشياء التي تعنيها ، ما تعتبره أكثر أهمية ، ضمن مقاييسها الخاصة "، ويذهب منيف إلى أن كتابه لا يدعي " أنه تاريخ لعمان بالوقائع والأرقام ، إذ لم يعتمد على المراجع والمصادر ، ليس استهانة بها ، وإنما ارتأى قراءة أخرى موازية من خلال عيني إنسان عاش ذلك الزمن في ذلك المكان. " وفوق هذا كله لا يلزم أحدا برواية ، فهو يتساءل " والمدينة أية مدينة ، هل لها صورة واحدة يراها الجميع بنفس الطريقة " و " هل من حق الكاتب أن يجبر الآخرين على رؤية الأماكن والبشر كما رآهم هو ، أو كما أحب أن يراهم " .
أذهلني ما في الكتاب من تفاصيل يوردها منيف بعد مرور ما لا يقل عن ٤٦ عاما من غيابه عن المكان. ( ولد منيف في عمان في العام ١٩٣٣ وغادرها إلى بغداد ، ليدرس في جامعتها في ١٩٤٨ ). وتحس وأنت تقرأ في الكتاب أن مؤلفه ذو ذاكرة حديدية كأنه يكتب عما يجري في لحظة الكتابة .
الذهول الذي أصابني سرعان ما تضاءل حين عدت إلى رواية " أم النذور " ، ففيها يحكي مؤلفها عن طفولته في عمان ، وقد كتبها في ١٩٧٠ - يعني إن الفاصل الزمني بين إقامة الكاتب في المدينة وكتابته عن فترة إقامته ليس ٤٦ عاما بل حولي ٢٠ عاما على الأكثر .
" سيرة مدينة " كتاب كتبه من عاش في المدينة في طفولته وتعلم في كتاتيبها ومدارسها وعاش في بيوتها وعرف ناسها وأجواءها ومطرها وطبيعتها وكيف أخذت تتشكل . ويبدو أنه بدأ يكتبه في بداية سبعينيات القرن العشرين .
ثمة فارق بين من عاش ورأى وأبصر ومن اعتمد على كتابة غيره . لعلني لا أجافي الحقيقة .
بعد أن كتبت فقرة عن الكتاب وعمان فيه تساءلت عن صورتها في روايات كتاب ولدوا بعد منيف ، وكتبوا في ثمانينيات القرن العشرين واسترجعوا صورتها ، وعرفت من طارق عودة أن هاشم غرايبة ( ١٩٥١ ) كتب رواية " الشهبندر" (٢٠٠٣) وأن سميحة خريس ( ١٩٥٦) كتبت "دفاتر الطوفان"( ٢٠٠٣ ) وأن زياد قاسم ( ١٩٤٥) كتب في " أبناء القلعة " ( ١٩٨٨ )،ومحمد أزوقة ( ١٩٤٢) في " الثلج الأسود" و" موارس البركة " ( ١٩٨٨) .
وعرفت من سعادة سوداح ، وهو مثقف فلسطيني متابع ، أن المهندس محمد رفيع أصدر كتابا عنوانه" ذاكرة المدينة " ( ثلاثة أجزاء ٢٠٠١ ) ، فتواصلت معه وأعلمني أن "منيف " كان صديقا له ،وأنه اطلع على مخطوط كتابه قبل وفاته بأشهر ،وأنه صدم بما فيه من معلومات . وقد كتب الشاعر حسين جلعاد عن الكتاب مقالا نشره في مجلة " كتاب " رأى فيه أن المؤلف اعتمد على الوثائق وأن الكتاب يعيد الاعتبار إلى تفاصيل لا نلتفت إليها عادة ، وهو لا يكتفي بتوثيق الحجر ، ولكنه يناقش معنى العمارة والهوية ويحاور الأفكار ويقرأ أسوار البيوت وبواباتها بوصفها تعبيرا عن علاقات الإنسان بمدينته .
هل كان للجدل الذي أثير من مبرر ما دام ثمة كتاب عن المدينة في ثلاثينيات وأربعينيات وخمسينيات القرن العشرين؟
مع أنني شاركت في الجدل الذي سخرت منه ، فقدز أعادني لقراءة كتاب منيف ثانية ، وعرفني المتداخلون بروايات وصف فيها أصحابها عمان في تلك الحقبة ، ولعل الدارسين ينظرون في صورة المدينة في كتابات من كان شاهدا / منيف ،وكتابات من وثق من خلال الأرشيف / رفيع ،وكتابات من ولد بعد منيف بعشر سنوات ، على الأقل، وكتب أعمالا روائية .

...

مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ٢ آب ٢٠٢٦
عادل الأسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...