أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٥ آب من كل عام ذ

١
غزة ومحمود درويش ..... الغائب الحاضر

بم وصف محمود درويش غزة ؟

" مدينة البؤس والباس"

كنت أظن أن محمود درويش كتب في 1973 عن غزة بوحي من زيارته لها قبل 1970 ، وسأكتشف أنه لم يزرها إلا في 1996 وزار مخيماتها وسرعان ما غادرها .
في حرب غزة كان محمود درويش ، من خلال أشعاره ، هو الأديب الفلسطيني الأكثر حضورا . حاضر في غيابه . هل ما أقوله صحيح ؟

مقال الأحد القادم في الأيام الفلسطينية ، وفي الأهرام المصرية ، ربما ! عن حرب غزة ومحمود درويش ، لعلني أوفق في كتابته ويروق للأهرام .
٢٠١٤

٢
قال لي:

كلما أنعمت النظر في حكامنا العرب وفي رؤساء مؤسساتنا ، حتى الجامعية منها ، تذكرت قصة توفيق زياد " كيف أصبح الحمار شيخا للعسكر " من مجموعته القصصية الفولكلورية " حال الدنيا " .
قلت له الصبر والتين هذه الأيام متوفران ، عليك بالصبر .
٢٠١٤

٣
قال لي :
ألا ترى إلى فلان لا صوت له الآن . ما عاد يهش أو يكش !
قلت له :
- إنما عاد إلى ما كان عليه ، فما كان يوما يهش أويكش .
قال لي :
- بعض الناس لا شخصية لهم . الكرسي هو الذي يحكم ، لا قوة شخصيتهم . أنظر إليه قبل عشرين عاما فأشفق عليه . لقد كان مهملا ولا أحد يلتفت إليه ، ولما تمكن استشرس ، وها هو يعود إلى ما كان عليه . لا يهش ولا يكش إلا أمام الضعفاء الخانعين ، أما أمام من هم أكبر منه فهو مثلما كان : " لا يعلو له صوت ولا يقدر إلا أن ينفذ ".
قلت له :
- اليوم اشتريت كيلو المايا بثمانية شواكل وما إن سرت عشرين مترا حتى كان بائع آخر ينادي :
" كيلوين بعشرة " .
هذه هي الدنيا ؛ مواقع تترتب عليها المواقف .
٢٠١٤

٤
يا رئيس البلدية :

أعتقد أن السيد غسان الشكعة رئيس بلدية نابلس يقول الحقيقة حول ثقافة عدم الدفع لدى أبناء شعبنا .
كان معاذ شريدة هذا الصباح يحاوره حول أوضاع البلدية وأزمة الكهرباء وأزمة الماء ، وقد تعرضا إلى فواتير الماء والكهرباء ، وأتى السيد الشكعة إلى قضية ثقافة عدم الدفع ، وقال :
" إن صندوق البلدية كان أمس يعاني من نقص 13 مليون شيكل وأكثر .
هناك كثيرون بإمكانهم أن يدفعوا ولكنهم لا يدفعون . أنا مع ما قاله السيد الشكعة بهذا الخصوص ، وحين أنظر في أمور من أعرف أدرك أن حب الاستكساب جزء من تكويننا :
" - اللي ببلاش كثر منه " ، ثم : " البلدية تأتيها نقود "
ثم :
إنهم هم يسرقون ، فلماذا لا نسرق ،
وهكذا نتحول إلى لصوص ، و نبرر تحولنا إلى سراقين وحرامية بحجة أن الكبار أيضا لصوص ، ما نحن إلا لصوص صغار . هذا هو حال لسان من لا يدفعون الفواتير .
لا تظنوا أنني لا أدفع الفواتير ، إنني أدفع فواتيري وفواتير أخرى لغيري أيضا . إنما أنا أكتب عن لسان حال من لا يدفعون ، ولا تعني كتابتي أنني أتبنى رأي من لا يدفعون وأنني أدافع عنهم.على العكس :
-" - أنا مع الدفع ".

إنما على رأي فيروز : طعميهم على حسابك بيصير عندك شعبية ، و (وراءك الجبهة الشعبية ) . فقط اطعمهم على حسابك ، وادفع الفواتير عنهم وشوف ؟
ويبدو ان رئيس البلدية لا يريد مسامحتهم ، حتى يكسب شعبيتهم . يبدو !
٢٠١٤

٥
أن تجلس في مقهى كبار السن :

أن تجلس في مقهى كبار السن يعني أن تصغي إلى حديث عن أموات المدينة هذا النهار ، وعن زواج غير موفق ، وعن مشاكل أسرية ، وعن بعض متاعب أصحاب المحلات وربما عن مساعدات لترميم البيوت منذ الاجتياح في 2002 .
أن تجلس في مقهى كبار السن يعني أن تتذكر فدوى طوقان تكتب عن مدينة نابلس وعاداتها وتقاليدها وسخرية كبار السن وغمزهم ولمزهم وطول لسان بعضهم معا .
أن تجلس في مقهى كبار السن في نابلس يعني أن تصغي إلى اللهجة النابلسية في بكارتها قبل أن تهذبها المدارس وتصقلها .
اليوم كان الحديث عن العيادات واﻷدوية . هل اﻷدوية كلها متوفرة في عيادات المدينة ؟
دواء السكري ودواء الضغط ودواء الدهنيات المرتفعة .
( اليوم ذهبت إلى العيادة وأحضرت دواء السكري أما دواء الدهنيات فلم يكن متوفرا . غدا أحضره لك . غدا سأذهب مبكرا وأحضر الدواء لي ولك ) هكذا كان الجالسون على المقهى يتحدثون معا وأنا كنت أشرب قهوة مرة كالعلقم وأراقب المارة .
في ألمانيا يكون اﻷمر مختلفا قليلا : الصوت منخفض والرواد يهمسون همسا وهم يتكلمون أما هنا في نابلس فلا أسرار في المدينة .

٦
في ذكراه :

محمود درويش وحضوره في الرواية

بقلم : عادل الاسطة

ترك محمود درويش أثرا كبيرا في الشعر العربي ، وقد لفت هذا أنظار الدارسين ، فأنجزوا عن تأثيره دراسات وكتبوا مقالات ، تماما كما كتب الدارسون دراسات ومقالات عن تأثر الشاعر بمن سبقه من الشعراء .
وظاهرة تأثر الشاعر بمن سبقه وتأثيره فيمن سيأتي بعده ، أو في معاصريه ، ظاهرة معروفة توقف أمامها الدارسون ، وهي مما يكترث له المنهج الاجتماعي /الماركسي في النقد .
وفي حياة الشاعر عكفت دارسة فلسطينية من اللد ، تدرس في إحدى الجامعات الإسرائيلية ، على إنجاز رسالة تحت عنوان

" تأثير محمود درويش في الوعي الفلسطيني ".

والموضوع عموما طريف ولافت ، وقد أنجزت فيه مقالة طويلة نشرتها في جريدة " الايام الفلسطينية " ، وكان يمكن أن يتوسع فيها .
والقاريء للنصوص الروائية الفلسطينية واللبنانية يلحظ حضور الشاعر فيها بشكل لافت ، ويبدو .....
تقرؤون بقية المقال في جريدة "الايام " الفلسطينية ،يوم الأحد في
7/8/2016

٧
قال لي أحد معارفي :
- دخلك في 10 سنوات لا يصل إلى أجرة ميسي الأسبوعية .
- ماذا نقول في صفقة نيمار الأخيرة ؟
اللهم لا حسد فأنت موزع الأرزاق .
تذكرت قول الشاعر :

وكم ميسي يعد بألف رجل
وكم مليون تمر بلا حساب .
6/8/2017

٨
كلما التقيت يساريا سابقا و سألته عن أحواله وما آل إليه وجدتني أكرر :
"بعض يسار صار للسلطة طباخا" ، وربما تذكرت كتاب المرحوم ناهض حتر عن المرحوم الملك حسين " لماذا نحبه ؟ " - أظن - .
اليساريون يبررون تصالحهم مع الأنظمة ومنها السلطة الفلسطينية ، زاعمين أن البديل ليس أسوأ وحسب ، بل هو السوء بعينه .
غالبا ما تجد اليساريين القدامى في مناصب رفيعة أو عالية ، وغالبا ما يتحدثون عن الآخرين حديثا يتنافى وشعاراتهم القديمة ويرون في الإدارات التي يتعاملون معها إدارات أفضل بكثير من " الحثالة " .
طبعا أنا لا أصمت ، وغالبا ما أقول لهم :
- " إن الإدارات التي تمدحونها هي التي تحرك " الحثالة !!!؟ " .
أحيانا أجدني أترحم على مظفر النواب حيا وسأترحم عليه ميتا .
أكرر :
- " بعض يسار صار للسلطة طباخا " .
ومن السلطة السلطة الفلسطينية أيضا ، وليس الكلام مقتصرا على الأنظمة العربية .
منذ أربع خمس سنوات وأنا أتابع الرواية العربية وأرصد تحولات اليسار فيها .
" كأن اليمين أشد ذكاء "
كتب مظفر النواب أيضا .
/5 / 8/ 2017

٩
نابلس اليوم عامرة - أدام الله عمارها - ومكتظة بالبشر .
ربما يعود السبب إلى قبض الرواتب والاستعداد للعام الدراسي . ربما .
أطرف ما سمعته ولفت نظري ونظر بعض الباعة والمارة هو النداء الآتي
- " شوال البطاطا بعشرة شيكل وكيلو النواشف بمئة شيكل ".
يا خسارة البطاطا مع أنها أكثر فائدة وأقل ضررا .
الجميلات هن الجميلات . كتب محمود درويش ، ويبدو أن النواشف من فصيلة الجميلات .
5/8/2016

١٠
خليل النعيمي وصموئيل شمعون "عراقي في باريس " وسلوى النعيمي "برهان العسل" ٧ :

لفت خليل النعيمي نظري إلى أن النسخة التي أهداها إلي هي من الطبعة الرابعة الصادرة في العام ٢٠١٠ وأن الرواية كانت صدرت في ثمانينيات القرن الماضي ، وعليه فإن بعض الأحكام التي خلصت إليها نتيجة عدم التفاتي إلى هذا كانت خاطئة ، ما دفعني لأن أعيد النظر فيها وأصوبها .
عدم الالتفات إلى تاريخ صدور الطبعة الأولى والاعتماد على الطبعة الرابعة قد يوقع القاريء بمزيد من الأخطاء ، فإن كان مثلا قرأ " القطيعة "
بعد قراءة سيرة صموئيل شمعون "عراقي في باريس " ٢٠٠٩ ورواية سلوى النعيمي "برهان العسل " ٢٠٠٧ فإنه - أي القاريء - قد يقول إن خليل النعيمي كتب ما كتب مقلدا وأنه في جرأته لم يأت بجديد ، ولكن القاريء ، حين يعرف أن "القطيعة " كتبت قبل" عراقي في باريس " و"برهان العسل " ، سيكون له رأي مغاير ، وسيرى أن صموئيل شمعون وسلوى النعيمي قد يكونان تأثرا في باب الجرأة بخليل النعيمي .
رأى بعض دارسي السيرة الذاتية الروائية في سيرة صموئيل شمعون سيرة ذاتية جريئة ترتقي إلى سيرة ( هنري ميلر ) " مدار الجدي " ، ورأى نقاد آخرون في رواية سلوى النعيمي رواية من أجرأ الروايات العربية في مقاربة موضوع الجنس .
إن مقاربة المحرمات في الرواية العربية كانت تجر على أصحابها ويلات عديدة "الثالوث المحرم ؛ الجنس والسياسة والصراع الطبقي " ، ويقارب خليل النعيمي في "القطيعة " اثنين من هذه المحرمات هما الجنس والصراع الطبقي .
لقد عدت إلى كتابي "عراقي في باريس "و"برهان العسل " لأقرأ بعض صفحاتهما وأقارن ما ورد فيهما بما ورد في "القطيعة " فلاحظت أنهما لم يتجاوزاها في هذا الشأن كثيرا . والسؤال هو : لماذا اشتهرت السيرة والرواية؟
حين تعرفت إلى خليل النعيمي في رام الله وتجادلنا قصصت عليه قصة عكست شغف بعض القراء برواية سلمى النعيمي . كنت في مكتبة شروق في رام الله وجاء شخص يسأل عن "برهان العسل " وروي لي أن قارئا أوصى على نسخة منها من لندن بالبريد المستعجل وكلفته أجرة البريد عشرين دينارا أردنيا - أي ثلاثين دولارا ، وكنت شخصيا حصلت على نسخة منها وأنا في عمان وفرها لي صاحب مكتبة سرا .
لم أقرأ الأعمال الكاملة لخليل النعيمي لأعرف إن كان كتب شيئا عن حياته في باريس ، ولا أعرف إن كانت أية من رواياته نقلت إلى الفرنسية ، ولكني أعرف أن "عراقي في باريس " ترجمت إلى الفرنسية، ومؤلفها الذي عاش أيضا في باريس كتب عن حياته هناك .
لقد أعلمتني لوسيان بترجمة السيرة وقالت لي إنها قرأتها بالفرنسية ، ولوسيان كانت موظفة في المعهد الفرنسي في نابلس قبل أن يغلق .
٢٠١٩

١١
لماذا قتل قابيل أخاه هابيل؟
هل قتله من أجل النعجة أم قتله لأنه كان مخابرات إسرائيلية أم قتله لأنه كان ينسق مع الأمن الوقائي الفلسطيني ويفشي أسراره أم قتله لأنه خالف أوامر الله ودخل البيت في غياب أهله؟
يبدو أن في داخل كل منا قابيل ، ويبدو أن كثيرين منا هابيل بطريقة أو بأخرى .
مساء الخير
٥آب ٢٠١٩

١٢
الست كورونا : سيبك مني وشوف شو صار في بيروت ( ٤٣ )

الست كورونا قالت لي :
- عف عني وشوف لك شغلة غيري . شوف شو صار في بيروت . عدد القتلى والجرحى في ساعات يفوق عدد القتلى الذي سببته لكم في فلسطين ولبنان معا في نصف عام ، وحتى المصابون بفايروسي سرعان ما تشافوا .
السيد ابراهيم ملحم في حديثه عن جائحة كورونا يعلن عن عدم فتح صالات الأعراس وبيوت العزاء .... خوفا من ... حدادا على ضحايا انفجار بيروت ، ويبدو أن سمعي من السكري به صمم ، وعلى الرغم من صوت الناطق الرسمي الجهوري إلا أنه لم يحقق ما حققه شعر المتنبي :
" أنا الذي نظر الأعمى إلى أدبي
وأسمعت كلماتي من به صمم " .
لا رغبة في الكتابة ، فمشهد انفجارات بيروت يقول أكثر مما تقوله الكلمات . إنه عصر الصورة .
سوف أعيد قراءة قصيدة محمود درويش " بيروت " .
٥ آب ٢٠٢٠

١٣
البحث عن حل عشيري / عشائري :

بين وقت وآخر أتابع ما يجري في مدينة الخليل ، فأصغي إلى أشرطة يتحدث فيها المصلحون عل الله يزيل عن خليل الرحمن الهم ويكشف الغم ، فتعود المياه إلى مجاريها وينعم المواطنون بالهدوء وراحة البال .
مما قرأته أن عشائر المدينة تستنجد بالعشائر الأردنية وبالملك عبدالله ليساعدوهم في إيجاد حل يحقن الدماء ويعيد الاستقرار إلى المدينة وسكانها .
فجأة وأنا أشاهد بعض الأشرطة وجدتني أعقب عليها ، طالبا من عشائر الخليل أن يحلوا الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بهذه الطريقة .
معروف أن قسما من يهود دولة إسرائيل قدموا من العراق واليمن وسوريا والمغرب العربي ومصر ، ولا شك أن هؤلاء عرب أقحاح ، فلماذا لا نبحث عن أصولهم العشائرية ونسأل شيوخهم أن يتدخلوا في حل الصراع من جذوره أيضا بطريقة عشائرية .
لجأت إسرائيل في بداية تأسيسها إلى الإفادة من يهود البلدان العربية للتعامل مع الفلسطينيين وكسب ودهم من خلال مراعاة عاداتهم وتقاليدهم ، وأظن أن المرحوم الشيخ محمد علي الجعبري طلب من الإسرائيليين ، حين احتلوا الخليل في حرب حزيران ١٩٦٧ ، أن يراعوا عادات السكان وتقاليدهم في التعامل معهم ، حتى يسود الأمن والاستقرار وتهدأ الأحوال ولا يستثار الناس فتحدث مجازر .
ويقال إن دولة إسرائيل أخذت بوصيته .
صارت الخليل في الأيام الأخيرة مثل غزة . صارت منطقة منكوبة .
وأمس قال لي أبو وضاح إن عدد المقتولين في الضفة الغربية ، برصاص إسرائيلي ، سنويا ، يعادل عدد المقتولين في غزة في حربها الأخيرة ، فلماذا نصمت ؟
رصاصة في الرأس يصوبها ابن العم الجندي الإسرائيلي ، ابن سارة ، فيهوي الفلسطيني ابن هاجر كأنه هندي أحمر اصطيد ، والهندي الأحمر كان فرجة واصطياده كان متعة وكان يتم بقصد تخليص الطبيعة من أوضارها واعشابها وحيواناتها .
لا حل للصراع الفلسطيني الإسرائيلي إلا الحل العشائري ، فلنسارع ولنبحث ، قبل فوات الأوان ، عن زعماء عشائر يهود البلدان العربية ، والله الموفق وهو المستعان به وبعده شيوخ العشائر .
٥ آب ٢٠٢١ .

١٤
محمود درويش بعد ثلاثة عشر عاما من الغياب :

عادل الأسطة

الاثنين ٩ آب تصادف الذكرى الثالثة عشرة لرحيل الشاعر محمود درويش ، وفي الشهر نفسه تمر ذكرى رحيل ناجي العلي وعبد اللطيف عقل وسميح القاسم .
خطر ببالي أن أمعن النظر في علاقتي بأشعار الشاعر بعد غيابه وفي أثناء حياته . هل خفتت بعد الرحيل قياسا إلى ما كانت عليه في زمن حضوره ؟
قبل وفاته كنت أنتظر أشعاره الجديدة ، لأدرسها في ضوء السابقة ، بالإضافة إلى اقتباساتي الكثيرة منها في مقالاتي التي تعالج موضوعا فلسطينيا يجد في قصائد الشاعر ما يعززه ، وبعد وفاته تلاشى الدافع الأول ولم ينقطع الثاني ، بل لقد قوي واشتد ، ويستطيع من يتساءل عن دقة كلامي العودة إلى ما نشرته للتأكد من الأمر .
الأسئلة التي لازمتني في الأيام الأخيرة هي :
- ماذا بقي من أشعار الشاعر بعد وفاته ؟
- أي أشعاره كان لها حضور أكثر ؟
- ما هو تأثير إنتاجه الشعري والنثري في الأدب العربي في السنوات الثلاث عشرة الأخيرة ؟
وإن نظرت إلى اقتباساتي الشخصية من إنتاجه بعامة فيمكن أن أقول مطمئنا إن نصوصا مثل " صمت من أجل غزة " وقصائد ديوان " وردأقل " وقصيدتي " إن أردنا " و " أنت منذ الآن غيرك " وقصائد ديوان " حالة حصار " وقصيدة " في القدس " وقصائد أخرى قليلة كانت الأكثر اقتباسا ، وكانت قصائد ديوان " سرير الغريبة " الأقل اقتباسا ، بل إنها كانت نادرة الحضور في الذهن وفي النص المكتوب .
من المؤكد أن ثمة فارقا كبيرا في الموضوع بين القصائد الأكثر اقتباسا والقصائد الأقل اقتباسا ، فالأولى قاربت الموضوع الوطني الفلسطيني والثانية قاربت موضوعا إنسانيا عاما يمس الفلسطيني وغير الفلسطيني وهو الغزل والحب ، ولسوء حظنا وواقعنا ، نحن الفلسطينيين ، فقد ظل الاحتلال واللجوء والشتات والانقسام يحول بيننا وبين ممارسة حياة تمكننا من التفرغ للحياة وشؤونها المختلفة .
ما سبق تلخصه أسطر الشاعر في ديوان " حالة حصار " الذي كتبه إبان انتفاضة الأقصى بعد ثلاث سنوات من كتابته ديوان " سرير الغريبة " الذي كتبه إبان مرحلة السلام :
" كتبت عن الحب عشرين سطرا
فخيل إلي
أن هذا الحصار
تراجع عشرين مترا ! ... "
ومنذ رحيل الشاعر لم يختلف في أوضاعنا الكثير ، فكلما تقدمنا خطوة إلى الأمام عدنا إلى الوراء خطوات ، ولم تصدق ، حتى اللحظة ، نبوءة توفيق زياد حين كتب بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ :
" كبوة هذي وكم يحدث أن يكبو الهمام ،
إنها للخلف خطوة
من أجل عشر للأمام "
ولم تكن الهزيمة كبوة همام . لقد كانت كبوة نظام لم يتغير نحو الأفضل .
حوصرت غزة بعد رحيل الشاعر وشنت عليها عدة حروب ، وفي كل حرب يحضر نصه النثري " صمت من أجل غزة " ، وازداد الانقسام حدة فظللنا نستحضر " أنت ، منذ الآن ، غيرك " ، وأطلت العشائرية برأسها أكثر فرددنا " إن أردنا " أن نصير شعبا ، فما علينا إلا أن ننسى تعاليم القبيلة فينا ، وحين اندلعت الحروب في غزة وتوترت الأوضاع في الضفة الغربية واستشهد كثيرون وسار الآباء في جنازات الأبناء وزغردت الأمهات وهن يودعن أبناءهن أسعفتنا قصائد " حالة حصار " ( ٢٠٠٢ ) أكثر من بقية قصائد الشاعر السابقة واللاحقة ، ومؤخرا ، حين قتل جنود الاحتلال في بيت أمر محمد مؤيد العلامي وحيد والده وشاهدنا الأب يبكي ابنه ، استحضرنا أيضا قصيدة الشاعر في رثاء محمد الدرة ، ومقطع " لا تصدق زغاريدهن وصدق أبي حين ينظر في صورتي باكيا " من " حالة حصار " .
وأتذكر أيضا ما هو مهم .
لطالما لفت نظري قصائد الشاعر التي استلهم فيها رموزا شعرية عربية مثل امريء القيس وأبي تمام والمتنبي وأبي فراس وقد كتبت عنها مطولا وصرت أفكر إصدار كتاب في الموضوع بعد أن أتمه بدراسة قصيدتين من ديوان " سرير الغريبة " ، وكلما قرأتهما وجدت مسافة بيني وبينهما لم تقم يوم قرأت قصائد " رحلة المتنبي إلى مصر " و " من روميات أبي فراس " و " امرؤ القيس " و " خلاف ، غير شخصي ، مع امريء القيس " وبعض قصائد ديوان " لا تعتذر عما فعلت " التي استحضر في قسم منها بعض أبيات الشاعر العباسي أبي تمام .
أيعود الأمر إلى أن الشاعر تكلف كتابة ديوان " سرير الغريبة " ولكنه كتب القصائد المشار إليها من دم قلبه ، هو الشاعر الذي نشأ على الهم الوطني ، أم أن الأمر يعود إلى مبالغاتي في التركيز على أدب القضية ؟
حقا إن سؤال ماذا بقي في أيامنا من الشاعر وشعر المقاومة الفلسطينية لهو سؤال يستحق أن يثار من جديد ، وقد أثير من قبل مرارا . ويبقى سؤال آخر مهم وهو :
- ما تأثير محمود درويش ناثرا في النثر الفلسطيني والعربي ؟
ولعل هذا يحتاج إلى مقاربة خاصة ، علما بأنني غالبا ما كنت أشير في مقالاتي التي عالجت فيها كتبا تأثر مؤلفوها فيها بأسلوب محمود درويش النثري إلى الموضوع . هنا أشير إلى ما كتبته عن كتاب باسم الخندقجي " نرجس العزلة " والقيتها في نادي حيفا الثقافي وقد نشرت في مواقع الكترونية عديدة ، وإلى ما كتبته عن رواية الكاتب الأردني أمجد ناصر " حيث لا تسقط الأمطار " التي نشرت في موقع " عرب ٤٨ : فسحة ثقافية " .
أما عن حضور الشاعر الطاغي في الأعمال الروائية العربية فقد كتبت عنه في كتابي " أسئلة الرواية العربية : أولاد الغيتو ، اسمي آدم ، لالياس خوري " ٢٠١٨ الصادر عن دار الآداب ، وفي كتابي " صورة الفلسطيني في الرواية العربية " ٢٠٢٢ .
( مقالتي الأحد ٨ آب في جريدة الأيام الفلسطينية )
٥ آب ٢٠٢١

١٥
محمود عباس في قصص محمود شقير " نوافذ للبوح والحنين " ( ٦ )

يحضر محمود عباس الرئيس الفلسطيني لمناطق السلطة الفلسطينية في قصص محمود شقير الأخيرة ، ومن قبل كان ياسر عرفات يذكر في العديد من الروايات .
منذ شتيمته للصين " ك ..س أخت الصين " وتكراره عبارة " احمونا " صار الرئيس يحضر أكثر وأكثر موضعا للكتابة في وسائل التواصل الاجتماعي ، بل وصارت عباراته تتداول في مقاطع تصويرية وتمثيلية وفي ( ريلز ) .
إلى جانب الرئيس حضرت شخصيات من الطرف الآخر وأكثرها بنيامين نتنياهو وافيخاي درعي ، والأخير يحضر أيضا في قصص " نوافذ للبوح والحنين " كشخصية موضع تندر .
يكتب شقير عن رهوان الذي يطلب من الكاتب محمد أن يقدمه لفضائية لكي يصول ويجول على شاشتها كما يشاء ، وكان من قبل طلب منه أن يقدمه ليغني في حفل استقبال غناء ، بل وطلب طلبات عديدة لا تخطر ببال سوي ، أللهم إلا إذا كان " يتهبل / يتباله " و " يسوقها " أو " يتخوت " كما كتبت من قبل .
يبتسم محمد لاستخدام رهوان بعض مصطلحات سبق أن تلفظ بها الرئيس عباس في الجمعية العامة للأمم المتحدة " ولم أكن متأكدا من حقيقة نواياه ، فهو في الغالب يخلط الجد بالمزاح والبراءة بالخبث " .
هل صحيح ما تقوله في الرئيس عباس بعض الجهات الإسرائيلية من أنه أخطر من الرئيس السابق ياسر عرفات ، أم أنه رئيس لا حول له ولا قوة كما يرى أكثر أبناء الشعب الفلسطيني ، وكما يصرح أحيانا هو .
أحيانا كثيرة أربط بين الرئيس عباس والكاتب إميل حبيبي ، فالأخير كان يكرر بأنه كان يتغابى وأنه لم يغامر في قيادته في الحزب بقضية شعبه ، لكي يحافظ على بقائهم في الأرض ، وإلا لكانت فلسطين صارت اندلسا ثانية .
الأمر فيه وجهات نظر .
٥ / ٨ / ٢٠٢٣

١٦
يوميات غزة ( ٣٠٤ ) :
ابني مش شهيد مجهول . ابني إله اسم ( ابني ليس شهيدا مجهولا . إبني له اسم )

قبل يومين أدرجت على صفحتي شريط فيديو لوالدة الشهيد خالد سائد الشوا تتحدث فيه عن ابنها .
عندما شاهدت الأم جسد ابنها مسجى قرأت " شهيد مجهول " فاعترضت قائلة :
- أنا ابني مش شهيد مجهول . أنا إبني إله اسم . اسمه خالد سائد الشوا . إحنا مش أرقام .
كانت الأم تحكي وهي تبكي فقد ابنها الذي عرفنا عنه أنه الذكر الوحيد في عائلته بين بضعة بنات ، وقد قال عنه أبوه إنه شهم يساعد الجيران ، فقد كان ، ساعة استشهد ، عائدا من مهمة مساعدة جارة لهم .
يا إلهي ! غالبا ما يكون مآل الذكر الوحيد بين إناث قاسيا ، وغالبا ما يتحسر الناس ، وهم يتحدثون عنه ، حين تلم به حادثة موت . هل قرأ أحد منكم الجزء الأول من سيرة الكاتبة الفلسطينية المقيمة في الأردن سحر خليفة وعنوانه " روايتي لروايتي " ؟
كان لسحر أخ وحيد بين عدة بنات فدلعه الأب واعتنى به باعتباره حامل اسم شجرة العائلة . اشترى له سيارة وتركه يسوقها بحرية وكانت النهاية حادث سير مروع جعله قعيدا بقية عمره تتحسر عائلته عليه .
قبل يومين ثلاثة أدرجت قصيدة محمود درويش " ذباب أخضر " من كتاب " أثر الفراشة : يوميات "( ٢٠٠٨ ) ونصها :
" المشهد هو هو . صيف وعرق ، وخيال يعجز عن رؤية ما وراء الأفق ، واليوم أفضل من الغد ، لكن القتلى هم الذين يتجددون ، يولدون كل يوم . وحين يحاولون النوم يأخذهم القتل من نعاسهم إلى نوم بلا أحلام . لا قيمة للعدد ، ولا أحد يطلب عونا من أحد . أصوات تبحث عن كلمات في البرية ، فيعود الصدى واضحا جارحا : لا أحد . لكن ثمة من يقول : " من حق القاتل أن يدافع عن غريزة القتل " . أما القتلى فيقولون متأخرين : " من حق الضحية أن تدافع عن حقها في الصراخ " . يعلو الأذان صاعدا من وقت الصلاة إلى جنازات متشابهة : توابيت مرفوعة على عجل ، تدفن على عجل ... إذ لا وقت لإكمال الطقوس ،؛فإن قتلى آخرين قادمون مسرعين من غارات أخرى . قادمون فرادى أو جماعات ... أو عائلة واحدة لا تترك وراءها أيتاما وثكالى . السماء رمادية رصاصية والبحر رمادي أزرق ، أما لون الدم فقد حجبته عن الكاميرا أسراب من ذباب أخضر !"

قبل قليل قرأت أن هناك اجتياحا واسعا لمدينتي : نابلس ، وشاهدت شريط فيديو لسوق الخضار وقد أشعل الإسرائيليون فيه النار .
يبدو أن احتراق غزة بدأ يمتد بوتيرة متسارعة أكثر وأكثر .
هل تخطط الدولة العبرية لحرب خاطفة على غرار ٥ / ٦ / ١٩٦٧ ؟
الأصوات فيها تتعالى وأمس دعا ( افيغدور ليبرمان ) إلى ذلك .
هل نترحم على المشير عبد الحكيم عامر قائد الجيش المصري في حينه ؟!
٥ / ٨ / ٢٠٢٤ ،
لا
٥ / ٦ / ١٩٦٧ .

١٧
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
ذباب .. ذباب أخضر ... ذباب أزرق

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

أنا من مواليد الخيام في العام ١٩٥٤ وأنفقت من عمري ما لا يقل من ٢٠ عاما في مخيم عسكر القديم وعاما في مخيم الحسين في عمان .
عندما كان نيسان يشرف كان الذباب يحط معه ، فكنا نردد " نيسان شهر الدبان " ومع التقدم في أشهر الصيف كنا نعاني من الذباب معاناة كبيرة ، فلم يكن لأكثر البيوت شبابيك بمناخل تمنع الذباب والبعوض من الدخول إليها . في تلك الأيام استخدم الناس ، للتقليل من إزعاج الذباب ، البشاكير والمكشات والشريط اللاصق . هل يذكر أي منكم الشريط اللاصق ؟
غالبا ما كان آباؤنا يشترون شريطا لاصقا يعلقونه في وسط الغرفة ، لكي يقترب منه الذباب ويلصق به ، وهكذا كنت ترى مئات الذبابات معا .
في أيلول ١٩٨٢ ، بعد اليوم التالي لمذبحة شاتيلا وصبرا ، زار الكاتب الفرنسي ( جان جينيه ) شاتيلا ، ليتفقد الأحوال ويكتب عنها ، وهو ما قرأناه في نصه " أربع ساعات في شاتيلا " .
رأى ( جينيه ) الجثث ملقاة في الشوارع يقتات عليها الذباب ، فكتب :
" لكن ، ما أكثر الذباب . كنت ، إذا رفعت المنديل ، أو الجريدة العربية الموضوعة فوق رأس ميت ، أزعجه ، فكان وقد أغضبته إشارتي ، تأتي جماعاته لتحط فوق ظهر يدي ، محاولة أن تقتات منها .... إن الصورة الشمسية لا تلتقط الذباب ، ولا رائحة الموت البيضاء والكثيفة .. " .
كان الذباب لكثرته يحلق فوق ركام القماش الوردي الذي قام مرافقه الشاب الذي يدله على نكال الموتى هو من وضع القماش على وجه المرأة الفلسطينية القتيلة ويديها ووضع أيضا قطعة كرتون خشن على ساقيها " ولم يحل هذا دون انتشار رائحة قوية " لكنها لم تكن كريهة . وخيل إلي أن الرائحة والذبابات متعودان علي " .
حين يصف ( جينيه ) فلسطينيا ميتا في أحد الزقاق يأتي أيضا على الذباب :
" تجويفة يده الممدودة نحو السماء . فمه المفتوح . فتحة بنطلونه الذي ينقصه الحزام : كأنها خلايا كان الذباب يقتات منها " .
في العام ٢٠٠٨ نشر محمود درويش كتابه " أثر الفراشة : يوميات " وفيه كتب عن الفراشة والبعوضة كما لاحظنا ، وكتب أيضا تحت عنوان " ذباب أخضر " . لم ألتفت إلى النص الأخير كما التفت إلى دال " الفراشة " في شعره بعامة ، ونص " البعوضة " بخاصة ، ويبدو أنني قرأت " ذباب أخضر " قراءة عابرة ، وحين كثرت ، في الأسبوعين الأخيرين ، أشرطة الفيديو عن الذباب الأزرق الذي كتب عنه بعض أبناء قطاع غزة عدت إلى " ذباب أخضر " وكتبت عنه غير باحث عن المدلول الذي رمى الشاعر إليه ، وعندما ألمحت قارئة جيدة لشعر درويش إلى المقصود تأملت النص في مكانه وموقعه من النصوص الأخرى وتمنيت لو أن الشاعر أدرج الزمن الكتابي له ، فلربما جعلنا نطمئن إلى تأويل ما دون غيره . عندما ربطت النص بالواقع الفلسطيني تذكرت أن الذين يمنعون تصوير ضرب فلسطينيين هم أفراد جيش الاحتلال الذين يرتدون اللباس ذا اللون الأخضر .
في هذا الصيف اللاهب ، بل ومنذ بدأ النزوح من شمال غزة إلى خانيونس فرفح عانى النازحون من إزعاج الذباب ، فكان عدوا آخر لهم .
في مقابلة حديثة مع الكاتب الغزي الساخر أكرم الصوراني يقول :
" منذ نزحت النزوح الأول من غزة إلى خانيونس كنت أتردد كل ليلة في الكتابة عن يوميات الحرب ، وكل ليلة أضع على وجهي البشكير للوقاية من ذباب الشتاء وما تيسر من صراصير - وهو بالمناسبة ذباب غبي وبليد جدا ، لا يقل بلادة عن الغسيل الذي ننشف من الخوف ، وهو لا ينشف ، والقصف لشدة العنف ليلا والذباب أيضا ، ولا أسوأ من الليل المليء بالقصف والذباب إلا انقطاع النت بين الفينة والأخرى ... " .
هل الذباب الأزرق هو الجن الأزرق ؟
انتشر في غزة في الفترة الأخيرة ذباب أزرق آذى الصغار والكبار ، وكان منظر الأطفال الرضع من آثار لسعاته مرعبا ، فقد بان على جلودهم ، وقد كتب عنه ، في ٣٠ / ٧ / ٢٠٢٤ ، الخبير بالصحة الجسدية الدكتور الغزاوي رياض عواد معرفا به :
" نوع من الذباب له بطن أزرق وطبقة برتقالية طويلة على جانب الرأس ، كبير الحجم ما يقارب ضعف حجم الذبابة المنزلية و زنه مميز ومزعج . ..يتغذى على الجيف والجثث المتعفنة التي تعتبر المكان المفضل لإقامته وتكاثره ، ما يجعله من أكثر الحشرات نقلا للأمراض ، وقد اشتهر بأنه ذباب المقابر . تنجم عن إصابته التهابات تصل إلى الاكزيما ، وإذا وقع على الطعام سبب مشاكل في الجهاز الهضمي وإسهالا ، وأيضا التهابا في العيون . ويقول الدكتور رياض ان رجال الأمن غالبا ما هددوا المعتقلين بإخفائهم دون أن يعلم مكانهم حتى الذباب الأزرق .
للكاتب الفرنسي ( جان بول سارتر ) مسرحية عنوانها " الذباب كتبها في العام ١٩٤٣ . في المسرحية يغزو الذباب المدينة التي تآمرت فيها الزوجة مع عشيقها وقتلا الزوج وأرادا التخلص من الابن الذي نجا ، وحين كبر وعاد إلى المدينة لاحظ الذباب يغزوها .
هل ستغزو الحشرات والقوارض والزواحف والفيروسات فلسطين بسبب ما يرتكب فيها من جرائم ؟
كم من مقال سابق في هذه التداعيات كتبته أتيت فيه على تسميم المياه وانتشار الأوبئة والبعوض والفيروسات ؟!
الآن يغزونا الذباب وقد يخربش الذباب الإلكتروني حياتنا .

الاثنين والثلاثاء والأربعاء ٥ و ٦ و ٧ / ٨/ ٢٠٢٤ .
( دفاتر الأيام / جريدة الأيام الفلسطينية ١١ / ٨ / ٢٠٢٤ ) .

١٨
يوميات غزة ( ٣٠٤ )

عدو القتلى من الجانبين : العدو المشترك

يتذكر كثيرون من محبي محمود درويش وقراء شعره قصيدته " سيناريو جاهز " .
- ما مدلول الأفعى التي هاجمت الطرفين في الحفرة ؟
اختلف قراء القصيدة في الموقف منها حين توقفوا أمام الدال " أفعى " ومدلوله الرمزي .
ما علينا !
في " أثر الفراشة " التي يبدو أنها كتبت في فترة قريبة من " سيناريو جاهز " يكتب محمود درويش إحدى يومياته تحت عنوان " عدو مشترك " ويتضح مدلول العبارة في نهاية اليومية . إنه الموت .
حين تنتهي الحرب وتذهب إلى جهة القيلولة يمضي المحاربون من الطرفين إلى صديقاتهم متعبين وخائفين على كلامهم من سوء التفسير : انتصرنا لأننا لم نمت وانتصر الأعداء لأنهم لم يموتوا ، وتكون الهزيمة لفظة يتيمة ليس لها أب .
ما الذي أنقذ المحارب الفرد الذي ليس جنديا بحضرة من يحب ؟
إنه عينا محبوبته المصوبتان إلى قلبه ، فلولاهما لاخترقت رصاصة قلبه . أو إنه حرصه ألا يقتل فقتل غيره . أو أنه خاف عليها من موته فنجا ليطمئنها على نفسه . أو لأن البطولة مفردة لا يستخدمها الناس إلا على المقابر . أو أنه في المعركة لم يفكر بالنصر بل فكر بالسلامة والنمش على ظهرها . أو لأن الفرق بين السلامة والسلام وغرفة نومها ضيق . أو إنه حين عطش وطلب الماء من عدوه فلم يسمعه نطق باسمها فارتوى ...
" المحاربون من الجهتين يقولون كلاما متشابها بحضرة من يحبون . أما القتلى من الجانبين ، فلا يدركون إلا متأخرين أن لهم عدوا مشتركا هو : الموت . فما معنى ذلك ؟ ما معنى ذلك ؟ " .
عندما ألقى الشيخ حسن نصر الله خطابه الأول بعد ٧ أكتوبر قال إن أربعة ملفات دفعت المقاومة إلى ما أقدمت عليه :
- ملف الأقصى
- ملف الأسرى
- ملف الحصار / حصار قطاع غزة .
- ملف الاستيطان في الضفة الغربية التي تهود على قدم وساق .
في تلك الأيام تحدث كثيرون عن حقول الغاز في البحر الأبيض المتوسط أمام شاطيء غزة ، وأما أنا فكررت ما قاله الرئيس المصري المرحوم حسني مبارك عما طلبه منه رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) ، وهو إعطاء جزء من صحراء سيناء لفلسطينيي غزة ليهاجروا إليها ، وما اقترحه أيضا على الملك الأردني عبدالله : إقامة مخيمات في المملكة لاستقبال فلسطينيي الضفة الغربية فيها . إن الحلم الصهيوني هو إقامة دولة يهودية لليهود .
يتساءل الشاعر : ما معنى ذلك؟ ما معنى ذلك ؟
وأنا أقرأ اليوم مقال الدكتور عبد المجيد سويلم في جريدة الأيام الفلسطينية " اغتيالات ومعلومات ، حروب الرد والردع
والمواجهات .. " عرفت قليلا من معنى ذلك . ( Abdel Majeed Sweilem ) .
الحرب ليست حرب إسرائيل وحدها . إنها حرب الولايات المتحدة الأمريكية أيضا ولهذا هرع الرئيس الأمريكي ( جو بايدن ) في أيام الحرب الأولى إلى الدولة العبرية ومثله هرع المستشار الألماني والرئيس الفرنسي و ...

٥ / ٨ / ٢٠٢٤

١٩
غزة 669 :
مصافحة المرأة ( ويتكوف )

شريط الفيديو اللافت أمس ، عدا أشرطة فيديو أهل غزة يقنصهم جيش الاحتلال الإسرائيلي قرب مركز توزيع المساعدات ، بلا رحمة وبلا أدنى خلق ، شريط الفيديو اللافت أمس هو الشريط الذي طلب منه ناشط من المرأة التي صافحت المبعوث الأمريكي ( ويتكوف ) في مركز توزيع المساعدات ، أن تروي قصة المصافحة ، ليدافع الناشط عما جرى معها - أي عن المصافحة .
كل ما في الأمر هو أن المرأة التي تركت زوجها المريض وأبناءها في الخيمة لتحضر لهم الطحين ، رأت أن تضحي بنفسها لتحيا عائلتها ، فصافحت ويتكوف .
طلب الجندي من المرأة أن تتقدم ليتحدث معها ( ويتكوف ) . فتشوا حقيبتها وذهبت إلى رسول العناية الإلهية الأمريكية ، فلامها على ما يبدو من لامها ، إذ كيف تصافح قاتلا أو من يقف مع القتلة ؟
بدت ردود الأفعال طبعا مختلفة ، كما حدث من قبل في ١٩٩٣ ، حين رفع أبناء فصائل غصون الزيتون ، لجنود الجيش ، تأييدا للسلام الذي لم يبدأ . هل أكتب عن تعزية عرفات وغيره يوم مقتل ( رابين ) رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق ؟
وغالبا ما يثار الجدل حول حكايات كهذه .
المرأة تريد الطحين ، ولم تطلب هي لقاء ( ويتكوف ) أو مصافحته . هو من طلب أن يصغي إلى فلسطيني من الحاضرين .
شريط الفيديو هذا ربما تدوول أكثر من شريط آخر أو أشرطة أخرى يبدو فيها الفلسطينيون مذلين مهانين رعاعا همجا ، وإظهارهم بهذا الشكل مقصود طبعا ، وأمس أدرجت شريطا كان جيش الاحتلال الإسرائيلي يطلق النار على طوابير طالبي المساعدات ، فيقنصهم ، ما ذكرني بقصيدة محمود درويش " خطبة الهندي الأحمر ، ما قبل الأخيرة ، أمام الرجل الأبيض " ، وقد حورت في العنوان لتشابه الحالة بين الفلسطينيين والهنود الحمر " خطبة الفلسطيني الحنطي ، ما قبل الأخيرة ، أمام الرجل الإسرائيلي " .
حالة تعبانة ، وبعض قراء العبارة يطلب مني أن أستبدل مفردة تعبانة ب " خريانة " .
٥ / ٨ / ٢٠٢٥
عادل الاسطة

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...