أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٦ آب من كل عام

١
في مقهى الميناوي تجاذبت ، أنا وأبو زيد وأبو سلطان صاحب المقهى ، الحديث .
أبو سلطان رجل ودود هاديء في السبعين من عمره وأبو زيد في الخامسة والستين وأنا في بداية الثامنة والستين .
ثلاثتنا أتينا على مطعم التاج وصاحبه جدوع الذي كتبت عنه قصة " بائع الفلافل " في العام ١٩٧٩ ، ثم عرجنا على حرب حزيران الأولى ؛ حرب ١٩٦٧ ، فهناك حرب حزيران الثانية ، وهي حرب بيروت ١٩٨٢ .
استشهدت ( ابريزة ) والدة أبو سلطان في أثناء دخول القوات الإسرائيلية مدينة نابلس . كانت على الشرفة ، فقنصها قناص ، وبعد ٢٦ عاما قنص قناص إسرائيلي آخر حفيدتها ( ابريزة ) وهي على الشرفة أيضا ، وكانت الحفيدة في التاسعة عشرة من عمرها ، ومن العائلة نفسها استشهد شابان أيضا .
أبو سلطان قص على مسامعي قصة طريفة عن لافتة رفعها مواطن نابلسي صاحب محل أحذية رحب فيها بالحاكم " أحذية ... ترحب ب ... " وكنت سمعت الطرفة وأنا في عاصمة عربية " أحذية الشعب ترحب ب ... " . هل كان الكندرجيان بسيطين جدا وقصدا تبيان حبهما لسيادة الحاكم أم أنهما كانا ماكرين خبيثين ؟
صارت الحكاية تروى للسخرية من الحاكم وصارت تروى على معناها الخبيث الماكر الساخر .
وماذا عن جدوع ؟
في حرب ١٩٦٧ كان جدوع يحمل بندقية إنجليزية قديمة تطلق رصاصة واحدة ثم تعبأ لتطلق الثانية . ماذا ستفعل هذه البندقية بالدبابات الإسرائيلية التي احتلت نابلس ؟
كان جدوع مؤمنا أن الرصاصة التي قد لا تخترق الباب ستدمر الدبابة ، ولقد جلس على درج بناية ينتظرها .
هل اختلفنا ثلاثتنا على تحديد اليوم الذي دخلت فيه القوات الإسرائيلية جبل النار ؟
إنها الذاكرة ، فثلاثتنا تجاوز الخامسة والستين و ...
قلت لأبو سلطان إنني سأكتب حكاية ( ابريزة ) الأم و ( ابريزة ) الحفيدة ، وشربنا الشاي والماء وواصلنا الحكي . واصلنا حكايتنا التي لا نمل من روايتها وكنابتها وتكرارها . حكاية حزيران الذي لا ينتهي .
٢٠٢٠
٢
مدخل نابلس..وشجر الدفلى :
أمس صباحا تحدثت مع السائق عن الحافلات العمومية وأسعارها وجدواها وحوادث السير وشجر الدفلى .
من السائق تعلمت شيئا عن شجر الدفلى .
قال لي :
- شجر الدفلى شجر سام جدا وقد عرفت هذا وأنا في اﻷردن على ضفة النهر . أكل منه الجمل فتسمم ، وهكذا نحره أصحابه قبل أن ينفق .
وتابع :
- إن الانسان إذا جلس قرب الدفلى لساعتين فإنه يتسمم .
من السائق عرفت أيضا أن شجر الدفلى مسؤول عن حوادث الطرق شرقي المدينة .
قال لي السائق :
- انظر . بين كل شجرة نخيل زينة وشجرة هناك شجرة دفلى ، وهذه تحول دون الرؤية ، وهذا يتسبب في حوادث الطرق .
سألت للسائق :
- لم لا تحتجون ؟
فأجابني :
- هذه مسؤولية البلدية وشرطة المرور . في اسرائيل حين يقع حادث يجري تحقيق بشأنه لتحديد السبب وعليه يتصرفون . لو كان حادث سيارتكم وقع في اسرائيل لقطعت أشجار الدفلى . لماذا لا نتعلم من اليهود؟
وأنا أكتب عبارته اﻷخيرة تذكرت د . قاسم في إحدى قصص غسان كنفاني
" - انظر إلى اليهود ". هكذا يقول اﻷب لابنه الذي ترك القرية إلى المدينة متخليا عن قريته التي تحتاج إلى علمه .
" انظر إلى اليهود ".
أظن أنني كتبت في دفاتر اﻷيام عن منح رخص السيارات أيام (حاييم ) في زمن الاحتلال و منحها في زمن السلطة . تشديد ورخاوة .
٢٠١٤
٣
ضد الاعتداء على أستاذ جامعي :
لا أعرف حيثيات ما جرى أمس مع د . عبد الستار قاسم أستاذ العلوم السياسية في جامعة النجاح . كل ما عرفته أنهم أمس أطلقوا النار عليه .
قبل يومين التقيت ب د . عبد الستار وسألته عما جرى معه قبل أيام فأخبرني أن هناك شابا من مخيم بلاطة اعتدى عليه وسط المدينة ، ولما سألته عن السبب أوضحه لي وقال " إنهم مستاؤون من لهجة خطابي ومن عدم نعت الرئيس محمود عباس وأنا أتكلم بعبارة السيد الرئيس ، واكتفائي بالقول : محمود عباس " .
هل ما سبق مبرر كاف للاعتداء على أستاذ جامعي ؟
لطالما تحدثت مع معارف لي بشأن د . قاسم وقلت :
- ردوا على لهجته بلهجة مماثلة وعلى آرائه بآراء . الفكرة مقابل الفكرة واللهجة مقابل اللهجة ، أما أن تستخدموا العنف فهذا لا يليق بكم .
مشكلة مخاطبة أشخاص بارزين مثل الرئيس أبي مازن حاف هي مشكلة الفصائل أيضا التي ربت أفرادها على إهانة معارضي الفصيل وجعلهم يتمادون في عدم اعتبار شخصيات لها اعتبارها . حتى أساتذة الجامعات المشاكسون تعرضوا للإهانة والبهدلة وعدم الاحترام من بعض الطلاب المدفوعين من فصائلهم ، فلماذا تعترض الفصائل بعضها على سلوك د.عبد الستار وكانت هي ترسل أفرادها لمخاطبة أساتذتهم بطريقة غير لائقة ؟
ثمة خلل في اﻷخلاق . الفصائل وغيرها مسؤولة عنه . و على الرغم من هذا فأنا ضد الاعتداء على د.قاسم وغيره .
٢٠١٤
٤
جامعة النجاح:
في تصنيف هونج كونج لم تكن جامعة النجاح من بين أفضل 1000جامعة في العالم.
في التصنيف الإسباني احتلت المرتبة 83 من بين الجامعات العالمية وكانت أفضل جامعة عربية.
ربما أوضح لنا خبير المعايير التي تعتمد هنا وهناك وأي التقويمين أفضل؟
بالانتظار.
٥
من سيكتب هذا العام في ذكرى سميح القاسم .
العام الماضي أعطيت محمد الريشة مقالا لينشره في مجلة مشارف مقدسية ، فلم ينشره ، ولم أقرأ أي مقال في الذكرى الأولى لرحيل الشاعر .
إذا عرف السبب بطل العجب ( لماذا لم ينشر مقالي ؟ )
عموما سأقوم بنشر المقال ، وهو نص المداخلة التي ألقيتها في جامعة بيت لحم .
5 /8 /2016
٦
( فسولت له نفسه قتل أخيه ) ، فدخل إلى بيته في غيابه و ...
لماذا سولت له نفسه قتل أخيه؟
- قابيل أنت اليوم قاتل !
هل السطر الأخير لبدر شاكر السياب أم أنه لشاعر آخر ؟
حدث في مدينة فلسطينية أن دخل الأخ إلى بيت أخيه في غيابه وقتل زوجته وأولاده ؟
إني رأيت في المنام اني اذبحك .........
فانظر ماذا ترى !
كوابيس منتصف الليل قسم الخرافات و الأساطير الآخرون هم الجحيم .
6/8/2017
٧
تينة أبو رياض وتينة الشاعر وتين (كوبنهاجن )
عادل الأسطة
منذ أصبت بالسكري ما عدت آكل التين بلا حساب. صرت أشتري الكيلو وأتناول منه حبة أو اثنتين أو ثلاث حبات يوميا ، ومنذ استدللت على شجرة تين جارنا " أبو رياض " كففت عن شراء التين . الشجرة مزروعة قرب بيت الجار ، ومن يقف أمامها لا يسبب حرجا لنفسه ولآل " أبو رياض" ، فهي في الشارع العام قرب سور المدرسة ، ومع ذلك يظل المرء يتحسب ولا بد من استشارة الرجل وأخذ الأذن منه ، حتى لا يعد مد اليد سرقة أو اعتداء على حرمة البيت ، على الرغم من أننا علمنا الأخلاق الإسلامية التي تجيز لنا تناول الثمار ، من الحقل ، لأكلها ولكن لا لأخذها معنا .
أبو رياض سائق سيارة عمومي حسن المعشر ، وأنت إلى جانبه تحدثه ويحدثك بهدوء .
وأنا ألتقط حبات التين عن الشجرة تساءلت :
- وماذا إن رآني الرجل؟
- هل يعد ما أفعله اعتداء على حرمة بيته؟
وما خشيته حدث ، فقد أبصرني الرجل وأمسكني بالجرم المشهود .
سألت أبا رياض :
- أيجوز لي التقاط حبات التين عن الشجرة ؟
ابتسم الرجل وقال لي :
- لقد زرعتها لأجل روح أمي صدقة جارية .
فترحمت على روح أمه وحمدت الله أنني نجوت من الذهاب إلى مركز الشرطة أو التعزير ، وكنا في صغرنا نذهب إلى حقول القمح المجاورة باحثين عن " السيبعة " غير آبهين لتخريب الحقل والقمح ، فإذا ما رآنا الحارس لحق بنا وسلم منا من ألقى القبض عليه إلى مخفر الشرطة في المخيم .
ذكرتني شجرة أبي رياض بقصيدة الشاعر إيليا أبو ماضي " التينة الحمقاء " ، وهي قصيدة كانت مقررة في المنهاج المدرسي منذ عقود . والقصيدة قصيرة وذات دلالة رمزية يقولها البيت الأخير :
" من ليس يسخو بما تسخو الحياة به
فإنه أحمق بالحرص ينتحر "
ولم تسخ التينة ، خلافا لتينة " أبو رياض " ، فقد رأت أنها تعطي الثمار وتجود بها ، وأن غيرها يستفيد منها ويستمتع بثمارها وجمالها ، وتقرر ألا تثمر وألا تونع إلا بمقدار يعود عليها هي فقط ولا يعود بفائدة على الآخرين ، وهكذا ظلت التينة جرداء عارية بلا ثمر ، ما أزعج صاحب البستان ، فقرر اجتثاثها من جذورها .
وثمة فرق واضح بين منطق " أبو رياض " ورؤية التينة ؛ تينة الرجل جلبت الرحمة لأمه والتينة الحمقاء حكمت على نفسها بالموت ، وكل يوم أترحم على والدة " أبو رياض " .
التينة قادتني شخصيا إلى التفكير بهذه الفاكهة التي تعد في فصل الصيف نفطا لزارعيها ، فأسعار التين جيدة ولن أنسى طالبي فؤاد ابن قرية تل الذي أخبرني ، حين سألته عن سبب تغيبه عن بعض المحاضرات ، أنه يبيع التين ليحصل على مصروفه واقساطه الجامعية .
في القرآن الكريم ورد ذكر التين مع الزيتون ( والتين والزيتون ) وسبق التين الزيتون ، ما يعني أن التين ، للمسلمين ، فاكهة مقدسة .
وكان الشاعر عبد اللطيف عقل ابن ديراستيا أكثر من ذكر التين في قصائده ، ويحتفل أهل قرية تل قرب نابلس بموسم التين ، وأصدر أحد أبناء القرية كتابا عن الشجرة . - نشرت صحيفة الأيام الفلسطينية يوم الجمعة 10 آب تقريرا عن موسم التين هذا العام - وأنا ألتقط حبات التين عن الشجرة أعود إلى الطفولة وحقول التين قرب مخيم عسكر ، وأتذكر عادات الناس في الزواج .
يأتي أهل العريس بورقة تين خضراء وقطعة عجين ويلصقونها على باب بيت العريس ، لتكون العروس حلة خضراء وليكون زواجهما أبديا ، فالناس يتفاءلون إن لصقت التينة والعجينة بأعلى الباب / المدخل لفترة طويلة .
قرب مخيم عسكر القديم ، قبل خمسين عاما ، كان هناك كرما تين ، كرم أم محمود وكرم آخر بين المخيم وقرية عسكر، وغالبا ما كان أهل المخيم يذهبون في نزهة إلى كرم أم محمود ، وغالبا ما كنا نسطو على الكرم الفاصل بين المخيم والقرية ، والويل لنا إن ضبطنا . أيام !
كانت تلك الأيام أيام شقاء حقا ، ولكنا كنا كالطير لنا من أشجار الكرم نصيب ، وكنا راضين بأن يكون نصيبنا كنصيب الطير ، حتى قبل أن نقرأ قصيدة مظفر النواب " ثلاث أمنيات على بوابة السنة الجديدة " وفيها يتمنى الشاعر أن يكون نصيبه كنصيب الطير .
في الأدب الفلسطيني للتين حضور أيضا ، وكما ورد في شعر عبد اللطيف عقل فقد حضر في أعمال روائية وهنا أشير إلى روايتي سامية عيسى " حليب التين " 2010 و " خلسة في كوبنهاجن " 2014 وكلتاهما صدرت عن دار الآداب في بيروت .
تتشكل صورة غلاف " حليب التين " من بيوت مخيم وشجرة تين ووجه فتاة صارخة الجمال ، ومن أقام في المخيم قبل 1978 يعرف بيوتا عديدة كانت شجرة التين جزءا منها .
صديقة زوجة الشهيد تدفعها الظروف إلى ترك لبنان للعمل في دبي، وتمارس الرذيلة كرها ، وهي في ذروة التحامها بجاسم ، قبل أن تندمج معه ، تفكر في حليب شجرة التين لتمسح جسدها وتطهره من لزوجة ثقيل الظل . تتمنى لو أنها تقطع الصحراء وتعود عارية " إلى حيث شجرة التين أمام بيت والدتها التي كانت تتفيا بظلالها ساعات الظهيرة وتقطف الأكواز المنداة بالحليب التيني . تمنت لو تذهب إليها ، وتمسح بذلك الحليب عينيها واذنيها وأنفها وجسدها ولسانها بحيث تفقد بصرها وسمعها وقدرتها على تنشق رائحة اللزوجة .... رغبت أن تصاب حواسها بالصمم كي تحتمل لزوجة جاسم ، ولكن القرف تلبسها ففقدت القدرة على التركيز في إرسال روحها بعيدا كي تظل نقية معفاة من الثقل " .
في " خلسة في كوبنهاجن " تبدو صورة الغلاف مختلفة. ثلج أبيض، ومبان أقرب إلى البناء الأوروبي ، وأشجار تناسب الدنمرك ، وشجرة تين تظهر منها ورقة وثلاث حبات تين وجزء من حبة رابعة . هل ثمة تين في الدنمرك ؟
تحلم والدة الشهداء المهاجرة من مخيمات بيروت ، بعد 1987 ، إلى الدنمارك ، لتعيش مع أحفادها بشجرة تين تغطي الدنمارك كلها ، وتزرع شجرة تين هناك ، فهل ستنمو الشجرة في بيئة دولة اسكندنافية مختلفة عن البيئة المعهودة لشجر التين ؟ والأمر لا يخلو من مدلول رمزي . هل يمكن أن يعيش الفلسطيني في بيئة غربية وينجح فيها أم أنه سيكون عالة ومعتلا وفاشلا ؟ " لأننا لا نستطيع أن نقبل بألا نعود وإلا سنصبح مثل شجرة التين التي زرعتها جدتي لكنها لن تكبر لتطرح الثمار أو ترشح الحليب الذي يشتت قدرتنا على الرؤية " و " الناس كمان مثل الشجر إذا بتزرعيهم بغير تربتهم اللي متعودين عليها بيموتوا أو ما بيكبروا. شوفي تينة ستي اللي جابتها معها . بحسها مرا عم تتعذب.حتى لو حطيتلها ضو يدفيها أو غطيتيها بالنايلون حتى ما تبرد، وحتى لو سهرت ستي عليها ليل نهار. شوفيها. بتعيش بس مش عم تكبر. بصراحة بشفق عليها. الشجر مثل البشر. هيك ستي بتقول ".
ولعلني يجب أن أعود إلى روايتي سامية عيسى ثانية وثالثة .
( والتين والزيتون وطور سنين و هذا البلد الأمين ) و " إن نزل التين فش عجين ".
صباحا 10 آب 2018.
٨
هل قرأ الشاعر محمود درويش القاصة سميرة عزام ؟
أ . د عـــــــادل الأسطــــــة
عاش محمود درويش حتى العام 1970 في فلسطين التي تغنى بها وخصص عنوانا من عناوين مجموعاته لها "عاشق من فلسطين " ،وسافر إلى موسكو للتثقف في الفكر الماركسي والفلسفة حتى يعود إلى حيفا ليواصل نضاله تحت راية الحزب الشيوعي معتمدا على ثقافته الماركسية.
لم يعد الشاعر إلى حيفا، فقد سافر إلى مصر وأقام فيها حتى 1973تقريبا، ليغادرها إلى بيروت وليستقر فيها حتى 1982.
لم يلتق درويش في بيروت بغسان كنفاني ولا بسميرة عزام، فقد توفيت القاصة في آب 1967.
قرأ درويش كنفاني ورثاه بمقالة معروفة "غزال يبشر بزلزال" ،ولا أعرف إن كان قرأ القاصة أو إن كان رثاها شعرا أو نثرا.
استشهد كنفاني في تموز 1972 وتوفيت عزام ودرويش في آب ،وبين وفاتهما واحد وأربعون عاما.
هل كان الشاعر من قراء فن القصة القصيرة وفن الرواية؟ وهل تأثر، بوعي أو دون وعي، بقراءاته النثرية؟
الإجابة عن السؤالين السابقين ليست صعبة.يتطلب الأمر أن ننظر في كتبه النثرية وفي مقالاته وفي كتاب "الرسائل "المتبادلة مع الشاعر سميح القاسم الذي توفي أيضا في شهر آب.
تقول لنا رسائل محمود إلى سميح أنه قرأ روايات من الأدب العبري والعالمي، فحضور النص العبري في نصوصه الإبداعية واضح، وتقول لنا رسائله و"خطب الدكتاتور الموزونة "أنه قرأ روايات من الأدب الأميركي اللاتيني وتأثر بها. إن "خطب الدكتاتور الموزونة "هي النص العربي الموازي لرواية الدكتاتور في روايات أميركا اللاتينية التي نقلت إلى العربية في 70 القرن العشرين.
أعود إلى السؤال الأساس: هل قرأ الشاعر القاصة وتأثر بها؟ وحتى يعثر المرء على إجابة يطمئن إليها فيجب أن يقرأ نتاج الكاتبين معا.
ما الذي أثار الفكرة في ذهني؟ أهي مناسبة وفاة الكاتبين في هذا الشهر؟
كنت أقرأ في أشعار الشاعر الأولى فلفت نظري سطر للشاعر يقول فيه إن وكالة الغوث لا تسأل عن موته فهو كلاجيء فلسطيني لا يعنيها. وكنت اقرأ في الوقت نفسه قصة سميرة عزام "لأنه يحبهم "فلاحظت اختلافا واضحا بين موقف الشاعر والقاصة من موقف وكالة الغوث من اللاجيء الفلسطيني. إن الوكالة في قصة عزام يعنيها موت اللاجيء حتى تقطع عنه المعونات، وكان أبو سليم جاسوس المخيم سرعان ما يخبر مكتب الوكالة في المخيم بمن مات أو هاجر لتباشر الوكالة إجراءاتها.
ما سبق قال لي إن درويش لم يقرأ سميرة حين كان في الأرض المحتلة، ولعل قصصها لم تعرف في فلسطين إلا بعد أن نشرها يعقوب حجازي صاحب دار الأسوار في 70 القرن 20.
وأنا أبحث عن قصة "الحاج محمد باع حجته " التفت إلى التصدير، فتذكرت أشعار درويش بعد خروجه من الأرض المحتلة، وفكرت في الصلة بين بعض قصص القاصة وبعض قصائد الشاعر، وهذا ما يجب أن نتوقف أمامه.
تصدر القاصة قصتها بالآتي: "إليها تلك الغريبة التي سألتها في بيت صفافا من وراء الشريط "كيف تشعرون أنتم في سجنكم" ،فقالت: "بل قولي كيف تشعرون أنتم في (حريتكم)؟... " فألقمتني حجرا بهذا السؤال الجواب ".
والتصدير يأتي على واقع الفلسطينيين بعد نكبة 1948، ف650 ألف فلسطيني صاروا لاجئين، و150ألف بقوا في قراهم ومدنهم وصحرائهم. أي الفريقين يعاني أكثر؟
من هي وراء الحدود تنظر إلى من بقي في أرضه على أنه سجين، إذ أصبحت فلسطين كلها سجنا، وعلى العكس منها تنظر المرأة الباقية في أرضها.
تضع سميرة عزام السؤال بين علامات تنصيص، وتضع كلمة (حريتكم) بين قوسين، ما يعني أن الدال يقول أكثر مما يقوله ظاهره. أنه محمل بمدلولات بعيدة فيها من السخرية المرة ما فيها ،وأن الحرية ليست متوفرة لفلسطينيي المنفى، كما أن البقاء في فلسطين ليس بالضرورة إقامة في سجن.
إن قصص سميرة عزام ذات المحتوى الوطني تقول أيضا إن الحرية غير موجودة في المنفى. قصة "فلسطيني" مثلا.
تحفل أشعار درويش، بعد خروجه من الأرض المحتلة، بالكتابة عن الغزاة والطغاة وعدم التفريق بينهما. يستطيع المرء أن يأتي بمقاطع شعرية ونثرية ليدلل على ما يقوله.
منذ 1971 في قصيدة"سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا"يبرز دالا الطغاة والغزاة معا، وفي قصيدة الشاعر في رثاء راشد حسين "كان ما سوف يكون"1977 نقرأ عن قسوة المنفى وتفضيل سجن الوطن عليه: "
والتقينا بعد عام في مطار القاهرة
قال لي بعد ثلاثين دقيقة:
"ليتني كنت طليقا
في سجون الناصرة ".
هل ثمة فرق بين المقطع السابق وتصدير قصة سميرة؟
في رثاء ماجد أبو شرار يكتب درويش: "
وكان السجن في الدنيا مكانا
فحررنا ليقتلنا البديل"
و:"ويا لحم الفلسطيني فوق موائد الحكام، يا حجر التوازن والتضامن بين جلاديك، حرف الضاد لا يحميك، فاختصر الطريق عليك يا لحم الفلسطيني ".
هل اختلفت الكتابة في مقالته "في وصف حالتنا"؟
" عشرون مملكة ونيف
كوليرا طاعون ونيف
من ليس بوليسا علينا
فليشرف
من ليس جاسوسا علينا
فليشرف"
بلغ الأمر ذروته في مجموعة "حالة حصار"2002 حين كتب الشاعر،وهو في رام الله، عن إخوته في العالم العربي:
"لنا إخوة خلف هذا المدى
إخوة طيبون، يحبوننا، ينظرون إلينا
ويبكون، ثم يقولون في سرهم:
"ليت هذا الحصار هنا علني.."
ولا يكملون العبارة: "لا تتركونا
وحيدين...لا تتركونا"
هل قرأ الشاعر القاصة أم هي التجربة المتشابهة؟
6 آب 2018
٩
من ليس يسخو بما تسخو الحياة به
فإنه أحمق بالحرص ينتحر"
من قصيدة "التينة الحمقاء "لايليا أبو ماضي
وبناء على نصيحته فقد سخا حكام السعودية ب456 مليار دولار حين زارهم (ترامب) وأنا قررت أن أكون، مثل التينة الحمقاء، بخيلا غير سخي.
6 آب 2018
١٠
خليل النعيمي ومظفر النواب و"أولاد القحبة " ٨ :
في أثناء قراءة "القطيعة " تستحضر مظفر النواب و" وتريات ليلية "١٩٧٢ و" تل الزعتر "١٩٧٦ .
في شعر مظفر النواب لا يفصل المرء بين الشاعر وأنا المتكلم ، فأنا المتكلم هي الشاعر نفسه ، وحين يصرخ أنا المتكلم في "وتريات ليلية " بعبارات مثل "أولاد القحبة " فإن الشتيمة هنا موجهة من الشاعر إلى الجهة المخاطبة ، والجهة المخاطبة هي الأنظمة العربية .
في لحظة الهزيمة شمل الخطاب المخاطب والمخاطب معا " ما أوسخنا " ويا جمهورا يداوم في الليل في قبو مؤسسة الحزن " و"لا أستثني أحدا " ، وفي لحظات المقاومة استثنى الشاعر " من يحمل البندقية قلبا ويطوي عليها شغافه " .
عبارة "أولاد القحبة " وشتائم أخرى تحضر في "القطيعة " ، ومع أن الرواية رواية سيرية - رواية تروي جانبا من حياة خليل النعيمي الذي يحضر باسمه فيها - إلا أن الشتيمة "أولاد القحبة " ترد معكوسة غالبا ، وغالبا ما يتفوه بها القوي المسيطر يوجهها للفقراء . إن المشتوم في شعر مظفر يغدو الشاتم والشاتم يغدو المشتوم ، فالقوة الحاكمة هي من ترى في الآخرين "أولاد قحبة " ، ولا تشذ الرواية في هذا الجانب عن أدب السجن في الرواية العربية ، فالسجان يوجه أفظع الشتائم وأقساها للسجين .
في لحظات سرد خليل النعيمي عن الإقطاعي ابن جليوي يلجأ خليل إلى الشتيمة ، فابن جليوي غالبا ما ينعت بابن الكلب " ابن جليوي ، ابن الكلب " .
في لحظات هرب خليل وفي أثناء اختفائه في الغار ووقوف الأفعى على مدخله حيث يجبن رجال الدرك عن الدخول بحثا عنه يوجه خليل الشتيمة لهم .
" أخش الغار . ألطأ تحتها حتى يروح التتار . وفعلا تزحف الحية على بطنها . تسد الغار . تقف بالانتظار ! تقف على ذيلها الأرقط ، كالعمود الواقف في البئر . تنتظر الأمر لتكر وتفر . آه ! تعالوا يا أبناء القحبة . تعالوا . صرت أصيح و أصيح ." ٣٣٣ .
لا تخلو الرواية في صفحات كثيرة من الشتيمة ويستطيع المرء مثلا أن يقف أمام الصفحات ١٩٦ حتى ٢١٣ التي خلت خلوا شبه تام بوعي من علامات الترقيم ليقرأ الشتائم النوابية على لسان رجال الشرطة والمحققين ، ولا أريد أن أنقل فقرات ولكني أحيل إلى الصفحتين ٢٠٤ و ٢٠٥ على سبيل المثال .
في سبعينات القرن العشرين أكثرت الكاتبة الفلسطينية سحر خليفة من استخدام مفردات بدت لقراء الأدب مفردات سوقية . في "القطيعة " نقرأ المفردات النوابية وإن على لسان المحقق أو رجل الشرطة أو الإقطاعي ، والكلام يطول وكما قال مظفر :"بعضكم سيقول بذيء، أعطوني واقعا أكثر بذاءة مما نحن فيه .
٢٠١٩
١١
الست كورونا : بعيدا عنها في زمنها :
" بيروت نجمتنا الأخيرة " ( ٤٤ )
في بداية ٨٠ ق ٢٠ كتب محمود درويش قصيدته " بيروت " وفيها كرر لازمته الذائعة :
" بيروت خيمتنا الأخيرة
بيروت نجمتنا الأخيرة "
ولم يمر عامان على كتابة القصيدة حتى أجبر الفلسطينيون على الخروج من المدينة إلى المنافي .
صار الشاعر كما كتب ناجي العلي في رسمه خيبتنا الأخيرة ، لأنه شجع على الحوار مع الكتاب الإسرائيليين . نسي قراء كثر لازمة الشاعر واستحضر كارهوه تحوير ناجي لها ، وكلما أتى محبو الرسام على سيرته وسيرة الشاعر كرروا اللازمة محورة .
أول امس احترقت مناطق واسعة من العاصمة اللبنانية وسقط قتلى ووقع جرحى وتمحورت أشرطة الفيديو حول ما جرى ، فقارن مؤرخون بين ما جرى وما جرى في تكساس في العام ١٩٤٧ - أي قبل ٧٣ عاما ، وثمة أشرطة حفلت بالشتائم اللبنانية تعبيرا عن مدى السخط الشعبي ، وللشتائم البيروتية ما يميزها وأقرأوا روايات الكاتب الياس خوري Khoury Elias .
في نهاية الحرب العالمية الثانية دمر الحلفاء مدينة ( درسدن ) الألمانية ، ولقد تذكرت أول أمس نهاية فيلم شاهدته عن تدمير المدينة .
غالبا ما أفكر في مفاعل ( ديمونه ) وغالبا ما أتذكر ما حدث في ( تشيرنوبل ) في زمن الاتحاد السوفيتي .
وماذا حين تزلزل الأرض زلزالها ؟
كتب الكاتب السوري سعد الله ونوس الذي توفي بالسرطان " نحن محكومون بالأمل " ، فهل نحن حقا محكومون بالأمل ؟
حالة تعبانة يا ليلى ، وشاطيء يافا كان عامرا وشاطيء بيروت كان إلى جانب تلويثه يحفل باللحم البشري .
كيف بدت صورة بيروت في قصيدة سميح القاسم " إليك هناك حيث تموت " وكيف تبدو صورتها الآن ؟
اليوم صباحا وكذلك يوم أمس لم ألتفت إلى عدد المصابين بالكورونا ، فمن لم يمت بها مات بنترات الامونيوم أو برصاصة طائشة .
٦ آب ٢٠٢٠
١٢
أنا والجامعة : طلاب الدراسات العليا وبعض ادعاءات فارغة ( ٤٥ )
بدأت الجامعة تفتتح أقسام الدراسات العليا في النصف الأول من ٩٠ القرن ٢٠ ، ولم تكن أعداد الطلاب في البداية تزيد على اثني عشر طالبا وطالبة ، ومع مرور الأيام وصل عدد الطلاب المقبولين إلى ثلاثين ، علما بأن عدد أعضاء هيئة التدريس لم يتضاعف تضاعف عدد الطلاب .
كانت حلقات الدرس في البداية تعقد في مكاتب أعضاء هيئة التدريس ثم صارت تعقد في قاعات الدراسة المخصصة لبرنامج البكالوريوس ، وصار الأستاذ يحاضر في طلبة الماجستير كما يحاضر في طلبة البكالوريوس . صار يتخلى عن الطلب من الطلاب كتابة الأبحاث ومناقشتها معهم في قاعات الدراسة ويجري امتحانات عوضا عن ذلك ، فمن غير المعقول مناقشة ثلاثين بحثا في عشر لقاءات .
مع مرور الأيام خف إقبال الطلاب على برنامج الماجستير ، فلم يجن الطلبة الحاصلون على الشهادة ثمارا تعادل ما توقعوه أو ما بذلوه من جهد .
ثمة طلاب كتبوا رسائل علمية ممتازة ، وثمة آخرون كتبوا رسائل عادية وأخرى مستواها ضعيف ، وهذا لا شك يحدث في جامعات عديدة .
غير أن اللافت في الدراسة مع مرور الأيام هو تقارب الدراسة الجامعية مع الدراسة في المدارس ، فالمعروف أن علامات طلاب الأخيرة ، قياسا الى سنوات الستينيات والسبعينيات والثمانينيات من القرن العشرين ، ارتفعت ارتفاعا لا يصدق . فمثلا حين تقدمت في العام ١٩٧٢ إلى امتحان التوجيهي حصلت على معدل ٦ , ٨٤ وكنت الرابع على الضفة الغربية والتاسع بين الذكور في المملكة الأردنية الهاشمية ، ومعدلي هذا في هذه السنوات يجعلني في المرتبة ٣٠٠٠ ، إن لم يكن في المرتبة ٦٠٠٠ .
غالبا ما كان الطلاب يشكون من تشددي في العلامات ويذكرونني بمعدلاتهم في امتحان التوجيهي ، وهنا آتي على قصة أحد الطلاب المتميزين ممن حصلوا في امتحان التوجيهي على معدل ٩٩ .
تعرفت إلى هذا الطالب في مكتب زميل لي ، وكان يراجع علامة له ، وأظنها كانت ٢٠ من ٢٥ .
لم ترق العلامة للطالب الذي شكا وتذمر وكان حزينا جدا ، فما كان مني إلا التوضيح له أن الدراسة الجامعية تحتلف عن الدراسة في المدرسة ، وأنني أنا لو تقدمت بامتحان في تخصصي لربما حصلت على ٢٠ من ٢٥ علامة .
عندما درست الطالب العديد من المساقات كان يحصل على علامات مرتفعة ولكن ليس كما يتمنى أو يتوقع ، وكنت بعد أن أسلمه ورقة إجابته اصطحبه معي وأوضح له الخلل في إجابته وإنني راعيته في التصحيح لنشاطه في المحاضرات ، ولقد أخذت بيده وشجعته على كتابة الأبحاث في مرحلتي البكالوريوس والماجستير ، وكان أن فاز بجائزة على بحث كتبه في مساق " مناهج البحث العلمي " ونشر في مجلة محكمة بحثا كتبه في مساق الأدب العربي الحديث في الماجستير .
هذا الطالب خلوق ومهذب ولكنه أصيب ، لمجاملة المحاضرين له ، بقدر من الغرور ، لدرجة أنه كتب على صفحة الفيس بوك الخاصة به فقرة " بوست " ذهب فيه إلى أن العلم لا يؤخذ عن أستاذ . كما لو أنه لم يفد شيئا من دراسته الجامعية ، والطريف أن أيا من أساتذة القسم لم يعترض على الفقرة " البوست " وعندما التقيت بالطالب في مكتب رئيس القسم قلت له إن ما كتبه يعني أننا لا ندرس وأن على الجامعة أن تمنحه الدكتوراه فورا ، وأن عليه هو أن يعلمنا ، وأخذت أوجه له العديد من الأسئلة حول ما علمناه إياه في القسم ، وإن كان سمع به من قبل ، وكاد يذوب خجلا ، وحين غادر عمل على حذف ما كتب .
عندما سجل هذا الطالب ، وهو من الطلاب الممتازين عموما ، رسالة الماجستير مع أستاذ اختاره ، لم يتفق مع أستاذه الذي تبناه ، وصار في حيص بيص بخصوص الموضوع الذي سيكتب رسالته فيه . ماذا سيفعل ؟
لم أكن أعرف المآل الذي آل إليه مع أستاذه ، حين اتصل بي ، وكنت أنهيت عملي في الجامعة ، يسألني عن روايات وظف كتابها فيها الموروث ، وكنت يوم درسته في الماجستير درسته رواية يحضر فيها الموروث .
لقد اختار الطالب موضوعا جديدا صلته به قليلة مع مشرف لا صلة له بالموضوع ، وبالتالي توجه إلي يسألني ، فاقترحت عليه كاتبة محددة حضر الموروث في رواياتها .
لم يخبرني الطالب أنه سأل عن الروايات ليسجل رسالة ماجستير في الموضوع ، وقد عرفت لاحقا بالأمر ، وعندما التقيت به في السوق ابتسمت وسألته :
- حقا أما زلت عند رأيك بأن العلم لا يؤخذ من الأساتذة ؟
كنت من قبل أتيت على فكرة موضوعات رسائل الماجستير واختيارها ودور الطلاب في الاختيار .
الآن أتساءل من جديد :
- كيف ستحل مشكلة كتابة رسائل الدكتوراه في قسم أكثر أعضاء هيئته التدريسية غير مؤهلين لتدريس الدكتوراه والإشراف على رسائل دكتوراه ، قسم قبل للبرنامج ٢٨ طالبا والعدد في ازدياد ؟
إن قصة هذا الطالب قصة ربما لا تعرفها إدارة الجامعة ، أو ربما لا تعرفها الفصائل السياسية الفلسطينية التي أحيانا تروج أن بعض الطلاب الذين ينتمون إليها كتبوا لأساتذتهم أبحاثهم ، ومرة كتبت أن من يكتب لي أبحاثي هو أنثى ، فأخذ المجتمع كله يبحث عنها ، وأنهيت عملي في الجامعة دون أن يعرفوا من هي . أحيانا يكون الغباء عاما طاما .
أتمنى أن أكون مخطئا !!
١٣
الأفراح والليالي الملاح والقسط الجامعي الأول للطلبة الناجحين :
ما زالت الأفراح والليالي الملاح تقام احتفالا بنتائج امتحان التوجيهي . خفت حدة المفرقعات ، ولا أعرف مقدار الشواكل التي أنفقت عليها ، وبدأت الاحتفالات الهادئة ، على أنغام الموسيقى وأصوات المغنين عبر الستيريو ، في الصالات والدواوين العائلية . إنها احتفالات أكثر هدوءا ومعقولية ، وقديما كان بث أغنية عبد الحليم حافظ " والناجح يرفع ايدو ، ما رأيت فرحان في الدنيا قد الفرحان بنجاحو " يبعث على الفرح ويعادل كل المفرقعات ويفوقها جمالا . والآن بدأ التفكير في التسجيل للجامعة وتوفير القسط الأول والسؤال عن التخصص وما شابه .
يوم أنهيت التوجيهي بمعدل ٦ ، ٨٤ ، وكنت الرابع في الضفة الغربية ، حصلت على بعثة من الحكومة الأردنية وانتهى الأمر ولم أكلف أهلي أي قرش . الآن صارت المعدلات بالعلالي ، فقد حصل أكثر من ٨٠٠ طالب على معدل ٩٩ فأعلى وأكثرهم فقراء ، فمن سيدفع لهم الأقساط ؟
حين أسأل في الأمر أجدني حائرا ، وأعتقد أن البنوك الفلسطينية ، من خلال أرباحها ، هي القادرة على القيام بمهمة تغطية رسوم الطلاب ، عدا السلطة الفلسطينية طبعا .
تربح البنوك كل ثلاثة أشهر الملايين من الدولارات ، فماذا لو خصصت نسبة منها لتغطية رسوم الطلاب ؟
ولا أريد أن أتدخل في الشؤون الخاصة لقسم من العائلات ، ممن لديها طالب ناجح وأمام منزلها ثلاث أربع سيارات مشتراة بقروض بنكية .
هل هناك إحصائية عن مقدار الأموال التي أنفقت على المفرقعات وذهب ريعها إلى المستوطنات ؟ وكم قسطا كان يمكن أن تغطي ؟
قبل سنتين ثلاث قرأت أن ما للبنوك الفلسطينية من ديون على المواطنين ثمن سيارات بلغ ٣٦٥ مليون دولار ، وأعتقد أنه مبلغ يكفي لتغطية رسوم طلاب الجامعات الفلسطينية كلها ، والطمع بالأجاويد !!
ذهبت السكرة وفرحتها وجاءت الفكرة . من سيتكلف بدفع الأقساط الجامعية لهؤلاء الناجحين ، ووالد محمود درويش العامل في محجر كان يردد :
" أجوع حتى أشتري لهم كتاب " ؟
ربما يتحسر قسم من الفلسطينيين في هذه الأيام على المنظومة الاشتراكية ، فقد تكفلت دولها ما بين ١٩٥٠ و ١٩٨٩ بتعليم كثيرين من أبناء العالم الثالث . وربما يتحسر قسم من الفلسطينيين أيضا على ما قامت به السعودية والمملكة الأردنية الهاشمية في فترات سابقة . وأنا شخصيا لا أعرف الكثير عن الجهات التي تقدم منحا للطلاب الفلسطينيين . أهي تونس والمغرب والجزائر مثلا ؟ ( حين نجحت ابنتاي في التوجيهي علمتهما في الجامعة الأردنية تعليما موازيا ودفعت القسط مضاعفا ثلاثة أضعاف ، فهما ابنتا مواطن فلسطيني ، وقد رفضتا أن تدرسا مجانا في جامعة النجاح بحكم إقامتهما في عمان )
شخصيا فإن أملي معقود على البنوك الفلسطينية وعلى السلطة الفلسطينية ليس أكثر ، فمن عائدات البنوك من القروض ؛ قروض السيارات فقط ، ومن أسعار المحروقات التي تدخل إلى خزينة الدولة فقط ، يمكن أن تحل المشكلة ، وعندنا مثل يقول " من دهنه واقلي له " . إن أكثر مواطنينا يركنون أمام بيوتهم ثلاث أربع سيارات اشتريت بقرض بنكي وهذه تستهلك من المحروقات ما يكفي للإنفاق على طلاب الجامعات .
٦ آب ٢٠٢١
١٤
هذا هو العرس الذي لا ينتهي : ثلاثة شهداء في هذا المساء
الخبر نفسه . قد نسمعه فجرا أو ضحى أو ظهرا أو عصرا أو مساء . ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ، بل أحياء عند ربهم يرزقون ) . ما يختلف في الصيغة هو اختلاف أسماء الشهداء وعددهم وأماكن استشهادهم . هذا المساء كانوا ثلاثة قرب عرابة ، ولا حول ولا قوة الا بالله ، وما علينا ألا أن نواصل حياتنا ، وكنت كتبت قبل أيام قليلة عن مجموعة محمود شقير " نوافذ للبوح والحنين " ، وقد علمت من أخيه أن صفحته - أي صفحة محمود - سرقت .
وفي " نوافذ للبوح والحنين " يسرق الأخ مخطوط أخيه ، وفيها كتابة عن معاناة الفلسطينيين الذين يحزنون ولكن ليس أمامهم إلا مواصلة حياتهم حتى تستقيم الحياة .
منذ أيام وأنا أجتر الحزن . أفكر في الشباب الذين يرتقون وأهلهم . يربيهم الأهل عقدين ثلاثة من الزمان وفجأة تخترق رصاصة أجسادهم كأنهم لم يكونوا .
يا إلاهي !
ثلاثة شبان انتهت حياتهم بلمح البصر .
مساءاتنا حزينة وصباحاتنا حزينة وأرض فلسطين تفيض سمنا وعسلا و ...
" من أي سنة جاء هذا الحزن ؟
من سنة فلسطينية لا تنتهي
وتشابهت كل الشهور
تشابه الموتى " .
هذا هو ما كتبه محمود درويش في العام ١٩٧٣ في رثاء شهداء عملية فردان في بيروت في نيسان ١٩٧٣ .
لا حول ولا قوة الا بالله !!
ورحم الله الشهداء ، وكان في عون الأحياء !
ويا أرض كوني بردا وسلاما على أهلهم .
٦ / ٨ / ٢٠٢٣
١٥
يوميات غزة ( ٣٠٥ ) :
لأترك أبناء قطاع غزة يكتبون يومياتها
بانتهاء هذا اليوم ينتهي الشهر العاشر لبدء الحرب الدائرة حاليا في قطاع غزة ، ولم تنته الحرب . لم يتصافح القادة الأعداء لتنتظر العجوز - إن بقيت على قيد الحياة - ابنها المحارب الذي لا تعرف مصيره أصلا ، فقد أعادت إسرائيل أمس عشرات جثث الفلسطينيين الذين لا يستطاع معرفة هوياتهم ، بعد أن تم تشويهها بالكامل . ولم يتصافح القادة الأعداء ليتحقق للحبيبة أو الزوجة اللقاء بحبيبها أو زوجها ، فقد قتلت القوات الإسرائيلية عشرات الصحفيين ممن كانت زوجاتهم في انتظارهم مثل زوجة اسماعيل الغول ، وقتلت أيضا قسما من زوجات بعض من نجوا مثل وائل الدحدوح الذي فقد أيضا ابنه حمزة .
هل سيخاطب قائد ما مثل ( بنيامين نتنياهو ) ، يبحث عن انتصار ، سيدة عجوزا تنتظر ابنها بما خاطبها به القائد في مسرحية الكاتب الألماني ( برتولد بربخت ) " محاكمة لوكللوس " ؟
- ما شأنك بالحرب ؟!
- ولكنك سقت ابني إليها ولم يعد . ( لقد ضحى نتنياهو بمستقبل الأسرى فعاد قسم منهم جثثا ) .
غدا تدخل الحرب في شهرها الحادي عشر وأغلب الظن أنني لن أواصل كتابة يومياتي عن غزة والسبب ؟
عندما بدأت أكتب يوميات مقتلة غزة ومهلكتها وحرب إبادتها كان صوت كتابها خافتا قليلا عديده ، فقد أرهقتهم الحرب وآثارها وانعكاسها على قدرتهم على الكتابة ، ووجدت نفسي أنا الذي يجلس على كنبة في شقة مكيفة مريحة أدون يومياتها شاهدا على الحرب من الخارج ، مثلي مثل الإذاعات العربية والجيوش العربية ، في العقود الأخيرة ، نحارب بالكلام والأغاني من بعيد . نقصف بالحروف السمينة كما كتب محمود درويش في قصيدته " سرحان يشرب القهوة في الكافتيريا " ، وهكذا طلعنا على العدو " طلوع المنون فصاروا هباء وصاروا ردى " . هل قمت وقناة الجزيرة واللواء المتقاعد فايز الدويري بالمهمة ؟
لم أؤجر قلمي ولم أبعه ، فلم أجن من الكتابة دولارا واحدا ، علما بأنني عرفت مؤخرا أن دور النشر التي طبعت بعض كتبي أدرجت عددا منها في مواقع عالمية لبيع الكتب ، والكتابة في هذا الجانب تطول .
الآن وربما منذ ستة أشهر كثر أبناء قطاع غزة الذين يكتبون يومياتها ، والكتابة عن التجربة من داخلها تختلف عن الكتابة عنها من خارجها ، والآن حين لا يعجب أبناء غزة ، ما نكتبه نحن ، عن المقاومة و٧ أكتوبر وحياة النازحين وغيرهم هناك يخاطبوننا أحيانا بلهجة حادة ، وإن أسفت فإنما آسف أنني لم أرصد هذه الخطابات لكي أوثق كلامي .
هل ستتخذ الكتابة شكلا آخر ؟
لست أدري !!
صباح الخير يا غزة
خربشات عادل الاسطة
٦ / ٨ / ٢٠٢٤
اليوم الأخير من الشهر العاشر لحرب غزة الخامسة في سبعة عشر عاما . حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ .
١٦
محمود درويش :
[ البيت قتيلا ]
من كتاب " أثر الفراشة " ٢٠٠٨ .
لم تبق في غزة بيوت . صارت كلها قتيلة .
حاورتني قارئة لأشعار محمود درويش قراءة متابع مذهل حول قصيدة " ذباب أخضر " مبدية رأيا حول مدلوله . أمعنت النظر فيما قالت وفضلت أن لا آخذ به لأسباب منها طبيعة الظرف الذي نمر به ، ومنها أن القصيدة أدرجت في المجموعة ضمن قصائد تدور كلها حول العدو ، ومنها أن الشاعر أغفل زمن كتابة كل يومية من يوميات أثر الفراشة ، ومنها أن النص يمكن أن يقرأ مقترنا بزمن القراءة لا زمن الكتابة اتكاء على مقولة أصحاب نظرية التلقي ، تحديدا مقولة ( هانز روبرت ياوس ) الذاهبة إلى أن الأحداث الكبرى يمكن أن تقدم قراءة جديدة لنص قديم .
أعيد إدراج نص " البيت قتيلا " كاملا ، إذ كنت في المرة السابقة أدرجت نصفه .
ربما يثير النص لدى أبناء قطاع غزة حنينا وحسرة حيث يتذكرون بيتهم وأشياءهم التي يفتقدون وذهبت ادراج الرياح
٦ / ٨ / ٢٠٢٤
١٧
غزة 670 :
حول مصافحة المرأة في غزة لرسول العناية الإلهية الأمريكية ( ويتكوف ) :
حظي ما كتبته أمس تحت عنوان " مصافحة المرأة ( ويتكوف ) ، حظي ، حتى فجر اليوم ، ب ٢٥ تعليقا قسم منها لم يرق لأصحابه الخربشة في جزء منها .
لامتني ابتسام نواهضة جهيش Ibtesam Nawajha Jhaish لأنني كتبت " مواطنة غزاوية " وأصرت على " امرأة فلسطينية " ، فاستبدلت العبارة ب " مواطنة من غزة " ، علما بأن استخدامي يمنح المرأة صفة الفخر ولا ينتقص منها ، وقسم من أهل قطاع غزة ، وكنت كتبت هذا ، صاروا يصرخون : يا وحدنا ! ويركزون على أنهم غزاويون فقط ، وأحلت ابتسام إلى كلمة منطوقة للكاتب شجاع الصفدي بثها أمس كرر فيها دال غزاوي ثلاث مرات .
التعليق اللافت الذي رأى في خربشتي اختلافا عن سابقاتها هو تعليق الكاتبة غالية ملحيس Ghania Malhees حيث رأت أنها خربشة " تصف المشهد دون أن تصفعه " ورأت في المصافحة تفصيلا عابرا وسقوطا رمزيا مدويا " أن تمد الضحية يدها للجلاد ، ولو بدافع الحياة ، لا تجعل من المشهد أقل عنفا ولا أقل خيانة لمعناه " .
لم تجرم الكاتبة في تعليقها المرأة " المرأة ليست مجرمة ، نعم ، لكن الحدث جريمة رمزية كاملة " ويمكن قراءة باقي التعليق في مكانه .
لم أدن السلوك ولكني فضحت الآخر الإسرائيلي و ( ويتكوف ) وبلاده من خلال وصف ما يجري وسخرت مما جرى " طلب الجندي من المرأة أن تتقدم ليتحدث معها ( ويتكوف ) . فتشوا حقيبتها وذهبت إلى رسول العناية الإلهية الأمريكية (؟) ، فلامها على ما يبدو من لامها ،، إذ كيف تصافح قاتلا أو من يقف مع القتلة ؟ " .
الناشط الأستاذ أ.د.عاهد حلس رأى أن المشهد بتقديره ليس فيه ما يستدعي إلى الذاكرة صورة عرفات عندما قدم التعزية لعائلة ( رابين ) ، فعرفات لم يكن يواسي أرملة خصم بقدر ما كان ينخرط في فعل رمزي عميق هو إعادة تشكيل صورة رابين ، كرجل سلام ( وليس كجنرال احتلال ) تجرأ على الاعتراف بعدالة المطاللب الفلسطينية ودفع حياته ثمنا لذلك .
لا أدري إن كانت زيارة ( ويتكوف ) لمركز توزيع المساعدات ليست فعلا رمزيا أيضآ لإظهار الولايات المتحدة الأمريكية كمنقذ لأهل قطاع غزة من المجاعة .
ووجهات النظر تستحق القراءة ، ولا أزعم أنني أمتلك القول الفصل ، فأنا اجتهد وأكتب . أصور وأنقل وأسخر وأدين وأعبر عن موقف وأسخط وأفضح وأشهد ولا أصمت .
ربما ما نقص الخربشة وضع المصافحة في سياق أدبي تاريخي عالمي وفلسطيني ، كأن أكتب عن مواطن هندي وضابط إنجليزي إبان احتلال بريطانيا للهند ، وعن مواطنة فرنسية وجندي ألماني نازي ، كما بدت في رواية ( فيركور ) " صمت البحر " ، وفدوى طوقان والحاكم العسكري في نابلس ، وهذه تحتاج إلى كتابة مقال ، وأظن أنني كتبته وأنا أكتب عن فدوى طوقان في علاقتها مع الإسرائيليين " فدوى طوقان والآخر الإسرائيلي " ، جريدة الأيام الفلسطينية ٢٢ / ١٠ / ٢٠١٧ وفدوى طوقان وياعيل دايان ١٢ / ١١ / ٢٠١٧ ) .
شكرا لكل من كتب أمس معلقا على الخربشة ، وجدل الكتاب يذكي الألباب . ٦ / ٨ / ٢٠٢٥
١٨
هوامش من وحي ما يجري في غزة :
تصافح الأعداء : مصافحة امرأة من غزة ل ( ويتكوف )
عادل الاسطة
في ٤ / ٨ / ٢٠٢٥ تم بث شريط فيديو لمقابلة أجراها شاب من قطاع غزة مع امرأة ذهبت إلى مركز توزيع المساعدات ، علها تحصل على طحين ، لتطعم أبناءها ، بخاصة بعد أن تم تحديد أيام للنساء ، ففي الأيام الأسبق كان الرجال والنساء يذهبون معا ما يسبب مشاكل في أثناء التدافع ، عدا صعوبته وخطورته ، فغالبا ما أطلق أفراد جيش الاحتلال الإسرائيلي وقسم من الأمريكان ، النار على الموجودين ، فاصطادوا العشرات ، حتى لصار عدد القتلى ، في اليوم ، يتجاوز المائة ، عدا الجرحى .
عندما أثيرت ضجة في وسائل الإعلام العالمي وصار الغزيون يحملون المسؤولية للإسرائيليين والأمريكان معا ، وعندما عرف الرئيس الأمريكي ( دونالد ترامب ) شيئا من زوجته التي عبرت عن مشاعر سلبية ، ذهب المبعوث الأمريكي ( ويتكوف ) ليرى ما يحدث هناك بعينيه وليخبر ، من ثم ، رئيسه .
أراد ( ويتكوف ) رسول العناية الإلهية الأمريكية ، ولكي تلتقط له صور مع فلسطينيات تظهر عكس ما تقوله وسائل الإعلام ، أن يقابل امرأة ، ليتحدث معها وليسمع منها مباشرة .
تقدمت المرأة التي اختيرت ، بعد أن فتشوها ، وصافحت ( ويتكوف ) ، وشاعت القصة ودار حولها جدل بعضه أساء للمرأة ، ما دفع شابا إلى مقابلة المرأة ، لنسمع منها الحقيقة ، ولكي يدافع عنها .
ويستطيع المتابع أن يرصد الجدل في كتابات عديدة بدأتها بمنشورين من يومياتي عن الحرب ، في ٥ و ٦ / ٨ / ٢٠٢٥ تحت عنوان " غزة 669 و غزة 670 : مصافحة المرأة ( ويتكوف ) " .
بخصوصي فقد استحضرت الحادثة في ذهني أحداثا وقصصا وروايات فلسطينية وعالمية دار أيضا حولها جدل وسال فيها ، في زمن الكتابة الورقية ، حبر كثير .
ولعل أبرز تلك الأعمال قصة طويلة فرنسية شغف بها الفلسطينيون والعرب وهي قصة ( فيركور ) " صمت البحر " التي كان طه حسين عميد الأدب العربي أول من نقلها عن الفرنسية وكتب عنها ، وبعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ أعيدت طباعتها في مصر مع مجموعة إميل حبيبي " سداسية الأيام الستة " ، كما طبعها في نهاية ٧٠ القرن ٢٠ ، في رام الله ، الكاتب أسعد الأسعد الذي تأثر بها في قصته الطويلة " غياب " .
في " صمت البحر " التي يجري حدثها في فرنسا ، إبان الحرب العالمية الثانية ، ترفض الشابة الفرنسية الحديث مع الجندي الألماني المحتل ؛ لأنه محتل .
طبعا شتان بين وضع الشابة الفرنسية والمواطنة الفلسطينية في غزة ، فالأولى ظلت تقيم في بيتها ولم ينقصها الطعام ، والثانية دمر بيتها ونزحت لتقيم في الخيام ، ولتحرم من الطعام ، فتجوع ويجوع زوجها ويجوع أطفالها ، وتضطر إلى أن تصافح عدو شعبها ، فالجوع كافر ، بل أبو الكفار .
[ عدا صمت البحر غالبا ما يتداول نشطاء وسائل التواصل الاجتماعي قصة هندي معدم قدم له ضابط إنجليزي محتل يده ليسلم عليه ، فأبى الهندي وصفع الضابط الذي صمت ولم يقتله . لجأ الضابط إلى حيلة تعامل من خلالها مع الرجل وجعل منه تاجرا كبيرا ذا مال ومصالح ، ثم استدعاه وأذله ، فصمت الهندي خوفا على مصالحه ] .
ومنذ العام ١٩٤٨ والفلسطينيون يعيشون تحت الاحتلال الإسرائيلي يفضلون البقاء في وطنهم على مغادرته والعيش في المنافي التي جربوها كلها فوجدوها أشبه بمسامير بوذي هندي على رأي إميل حبيبي .
كان الباقون من الفلسطينيين ، إثر نكبة العام ١٩٤٨ ، مضطرين لأن يعملوا في التعليم و المزارع والمصانع والمطاعم والفنادق الإسرائيلية ، ولقد آثار هذا في حينه بين نخبهم جدلا واسعا تحدث عنه حبيبي في مقابلة أجريت معه ونشرت في مجلة " مشارف " في حزيران ١٩٩٦ ، ومما قاله إنه ورفاقه في الحزب وقفوا ضد العمال والمعلمين ، ثم اكتشفوا لاحقا أنهم كانوا على خطأ ، فالناس تريد أن تأكل ويمكن لها المقاومة بالصمت ، لتظل صامدة في أرضها ولا تهاجر .
في الجزء الثاني من سيرتها " الرحلة الأصعب " تروي الشاعرة فدوى طوقان ما لا يذكر حادث مصافحة المرأة إزاءه .
بعد هزيمة ١٩٦٧ يطلب ( موشيه دايان ) وزير الدفاع الإسرائيلي من رئيس بلدية نابلس حمدي كنعان أن يزوره في بيته ، مصطحبا معه العلامة قدري طوقان والشاعرة فدوى طوقان ، ويذهب الثلاثة معا إلى تل أبيب ويلتقون بالوزير وابنته الكاتبة ( ياعيل ) ويتحدثون في الأوضاع الجديدة . وتصاب فدوى بالرعب وتطلب من مصطحبيها أن يعلنا عن الزيارة فالمخبأ بندوق ، وتذهب إلى ما هو أكثر من ذلك فتحكي عن رسالة حملها إياها الوزير للرئيس المصري جمال عبد الناصر ، وقد أتيت على هذا في وبالتفصيل في مقالي " فدوى طوقان وموشيه دايان " ( الأيام الفلسطينية ١٢ / ١١ / ٢٠١٧ ) ، بل وتكتب فدوى بالتفصيل عن لقاء وجهاء مدينة نابلس ومثقفيها مع الحاكم العسكري للمديننة .( أنظر مقالي " تداعيات حرب ٢٠٢٣ : الاحتلال الإسرائيلي الرحيم المريح ٢٦ / ١١ / ٢٠٢٣ ) .
كم كتب أدباؤنا في الموضوع ؟ وكم جدل خاضت الفصائل المتحاربة بخصوص قصص مشابهة منذ بداية الاحتلال ؟ كم تجادلنا واختلفنا وتخاصمنا ؟ والمرأة لا تريد شيئا سوى الحصول على الطحين لتعجنه وتخبزه وتطعم زوجها المريض وأطفالها ، ولعنة الله على مندوب العناية الإلهية الأمريكية وكل من أوصل الفلسطينيين إلى ما وصلوا إليه . إنها لا تختلف كثيرا عن بائعة السمك في مسرحية الكاتب الألماني ( برتولد بريخت ) " محاكمة لوكللوس " . هل تتذكرون قصتها ؟!
حالة تعبانة يا ليلى !
( مقال الأحد ١٧ / ٨ / ٢٠٢٥ لجريدة الأيام الفلسطينية )
١٩
في الباص :
لا تعيدني صورة المقتلة والمهلكة والإبادة إلى ما يشبهها وحسب ، ولا تعيدني النصوص التي أقرؤها إلى النصوص الإبداعية التي كنت قرأتها قبل عقود وحسب ، ولا تعيدني الأحداث التي أقرأ عنها إلى مثيلاتها مما عشته أو عاصرته وحسب . أيضا تعيدني الشخصيات التي أراها إلى شخصيات تشبهها . كأنما هناك حلول ما .
هل صحيح ما يقوله البنيويون وعلماء النفس؟ . قال الأولون بالثنائيات الثابتة ، وقال علماء النفس إن الأعمال الأدبية ليست سوى صدى لأساطير عريقة تتردد في حياة البشر .
هل يحل الحدث القديم في الحدث الجديد ؟
هل تتلبس الشخصيات التي عرفتها الشخصيات التي أراها ؟
من يومين رأيت في الباص شابة أعادتني إلى سكن الطلاب في مدينة ( بامبرغ ) . لقد تذكرت جارتي في السكن ( أندريا كرايسر ) طالبة الأدب الألماني .
عندما كتبت الجزء الثاني من رواية " تداعيات ضمير المخاطب " ( ١٩٩٣ ) وعنوانه " الوطن عندما يخون " ( ١٩٩٦ ) لم أستخدم للشخصيات النسوية العربية أسماء عربية . لقد استعرت من الجزء الأول من الرواية أسماء الفتيات الأوروبيات ، ذلك أن الفتيات العربيات مثلن أدوارا .
كل أخ من إخوتي يمثل دورا ، ولأنني أكره الشخصيات التي يمثل إخوتي دورها ، فقد صرت على شفا كره ممثلي الدور .
كم من شخص ساءت علاقتي به لأنه مثل دورا . اسألوا صالحا و ... و ... و ... واسألوا بربارة أيضا !!
في اليوم الأول من انتفاضة الأقصى ٢٨ / ٩ / ٢٠٠٠ بدأت أكتب قصة طويلة عنوانها " ثلاث كاترينات والغريب " . كاترين الفلسطينية تواصل دور كاترين الألمانية ، ثم تنقطع الصلة بكاترين الفلسطينية لتأتي أخرى تمثل دور الأولى والثانية ، وتكاثرت الكاترينات ( كاترين ) والبربارات ( بربارة ) والأندريات ( أندريا ) والفولتات ( فولتا ) والفولات ( فولا ) و ...
هل فهمتم شيئا ؟
يبدو أنني صرت صوفيا . هل أنا من أصحاب نظرية الحلول أم نظرية الاتحاد ؟
محمود شقير في كتابه " ظل آخر للمدينة " ( ١٩٩٨ ) الذي كنبه ، عن القدس ، بعد عودته من المنفى أخذ يتجول في شوارع المدينة وكلما رأى شخصا عرف في الماضي شبيها له ذهبت مخيلته إلى أنه ذلك الشخص .
حالة تعبانة يا أندريا !
٦ / ٨ / ٢٠٢٥
٢٠
فاروق وادي و " رعب الأحذية "
في بداية العام ٢٠٢٢ كتبت مقالة عنوانها " الأدباء الفلسطينيون والأحذية " نشرت في موقع " فسحة ٤٨ " الذي يشرف عليه الكاتب علي مواسي ، تناولت فيها قصة لطه محمد علي وفقرة من كتاب معين بسيسو " دفاتر فلسطينية " وسيرة جبرا إبراهيم جبرا " البئر الأولى " ورواية / سيرة الشاعر راشد عيسى " مفتاح الباب المخلوع " وسيرة حنا إبراهيم " يوميات شاب لم يغترب " .
لم تكن مجموعة فاروق وادي " رائحة المانجا " صدرت في حينه ؛ مجموعته التي تحتوي على قصة عنوانها " رعب الأحذية " ، وهي قصة مختلفة المعالجة ، إذ لا تأتي على حذاء الكاتب أو على حذاء له ترك أثرأ في شخصيته .
الحذاء / الأحذية في القصة هو حذاء رجل المخابرات الذي يذهب ليلا مع آخرين ليعتقل والد بيسان الطفلة التي لم تتجاوز العاشرة .
يقتاد رجال المخابرات ، في ليلة ماطرة ، الأب من بيته ، أمام أعين زوجته وطفلته ، يقتادونه حافيا .
تترك الحادثة أثرها على الطفلة التي يتملكها الرعب ، ولن يزول هذا حتى عندما كبرت وتزوجت وخلفت طفلتين وسافرت إلى أمريكا لتعيش هناك . لقد ظلت الأحذية المرعبة لرجال المخابرات تبعث فيها الرعب .
يذكر فاروق وادي المكان وهو رام الله ، ولكنه لا يحدد الفترة الزمنية التي يمكن أن نحددها بناء على نوع السلاح الذي يحمله الضابط . إنها فترة الاحتلال الإسرائيلي ، لأن السلاح الاوتوماتيكي لم يعرف إبان الحقبة الأردنية - أي قبل ١٩٦٧ .
وأنا أقرأ القصة تساءلت :
- ترى ماذا سيلم بأطفال قطاع غزة ونسائها وشيوخها عندما تنتهي الحرب ؟
أغلب الظن أن كوابيس الحرب ستلاحقهم في صحوهم ومنامهم ، وقد تلاحق أيضا أطفالهم الآتين .
منذ أيام وأنا أعقب على بعض منشورات أبناء القطاع بالعبارة الآتية :
" كان الله في عونكم وسلامة عقولكم . لو كنت في غزة لمت من وجع الحياة ." .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...