د. بوزيد الغلى - هل من خارطة طريق إلى تدريس شعر الحسانية؟

مما لا جمجمة فيه أن الشعر الحساني الموسوم بوسم "لغن" قد نال قدراً من الاهتمام في مجالي الدراسات الأكاديمية والإنتاج الإعلامي، مما أحدث تراكماً ملموسا تجسد أثره في تسجيل شعر النساء "التبراع" على قوائم التراث غير المادي المغربي، وإصدار أكاديمية المملكة كتاباً ضمّ قدراً من التبريعات مرفوقة بترجمة إلى الفرنسية لا تقل أهمية عن الترجمة التي قام بها ألأكاديمي أحمد سالم ولد محمد بابا الذي نشر دراسة قيمة عن التبراع باللغة الإسبانية تحت عنوان:
La poesía amorosa de las mujeres Ḥassāníes
تضاف إلى دراسته القيمة عن الشعر الحساني وبنيته وأعلامه، تحت عنوان:
LƏ-ĠNÄ, POESÍA POPULAR EN HASSANIYYA “LA POESÍA POPULAR ES MÁS POPULAR QUE LA POESÍA QUE NO ES POPULAR”
من جهتها نشرت وزارة الثقافة من خلال مديرياتها الجهوية مجاميع شعرية حسانية، أما المدرسة المغربية، ومناهج وزارة التربية الوطنية، فلا تزال في مسيس الحاجة إلى التصادي مع صوت البلبل الذي يعز عليه أن يهجر شعرُ الحسانية أوكاره، ويدرّس في جامعات ومدارس الغرب بلغة أجنبية عنه، تضيّع منه مهما بلغت دقة الترجمة معنى جوهريا لا تؤديه إلا اللغة الأم، وإنني في هذا المقام، أشيد بتجربة الأستاذ ماء العينين الذي حدثنا عن شجون تدريس الشعر الحساني، ضمن مضامين أخرى بالإسبانية لطلبة جامعة غرناطة، كما أنوه بالتجربة الوليدة التي دشنها بجهة الداخلة وادي الذهب فريق البحث في الثقافة الحسانية بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين. وقبل أن أسلط الضوء على هذه التجربة، لا مناص من القول إن خارطة طريق تدريس الحسانية التي رأت النور على استحياء بعد صدور المنهاج الجهوي بالداخلة عام 2008، لا تزال تحتاج إلى أجرأة حقيقية، لا يمكن أن تضطلع بها الجهود المتفرقة رغم أهميتها، وقد قام مجلس المستشارين مؤخرا بإصدار تقرير بالحسانية، نتمنى أن يكون خطوة في اتجاه تنزيل نصوص قانونية تعنى بصون الحسانية تضمن قدراً من العدالة اللغوية القائمة على تنوع إثني على حد تعبير ويل كيمليكا.
لقد لاحظ محمد الداهي في كتابه: "القلق البيداغوجي، المدخل الثقافي للنهوض بالمدرسة المغربية" أن نسبة حضور الكتاب المغاربة في مختلف المستويات الدراسية لا تمثل سوى 19 %، ولنا أن نضيف أن نسبة إدراج نصوص أدباء الصحراء وكتابها منعدمة تقريبا، مع أن مؤلفين منصفين أولوا اهتماما لهؤلاء الأعلام، بدءاً من حجي إلى عباس الجراري دون نسيان موسوعة شعراء الصحراء التي أشرف عليها عبد الله بنصر العلوي.
وما دمنا قد طرحنا سؤال خارطة الطريق، وقطاع التعليم مهد التفكير في كثير من الخرائط، يبدو أن الشعر الحساني ينفرد بميزة وضع خرائط ذهنية تنم عن دقة الوصف الطبوغرافي للمكان كما في قول الشاعر السالك خيّا:
أم ارويصين أ كرج ء كَور.... لحميرَا وكَرارتْ منصور
وطريكَ اللي نافذ لكَصور... شركَ اشويْ ء حفرة لَخْبيْ
وكَليب الصلاح المذكور... والطلحيّات ءُ فَم أودَيْ
الكَزاح امّالُ مشهور ... والحفرة والكَور ء لحسي
هاذَ وكري ماني ناسيه... ءُ لا ننس كَد الْنوخظ حيّ
ذاك الحيّ اللي كنت انجيه... اظحيْ ءُ كنت انجيه اعشيْ.
المردوم من المعاني هنا يضاهيه أو يكاد استعمال التصغير والجناس والطباق وغيرهما مما يمكن تدريسه، بالقدر الذي لا يحجب أيضا أهمية الأوصاف الطوبوغرافية من قبيل : الحفرة (مثل حفرة وادنون) والكَور وما إلى ذلك...
ومن المبهر أن شعر الحسانية يجمع بين ما يسميه الناقد أيمن بكر بالطقوسية ( عمود الشعر أو العروض وما إليه) والسردية التي تطفح بها هذه الطلعة التي ينصت إليها السامع كأنما يسترق السمع إلى ما خفي من قصة فرس لحبيب ولد صنيبة، وقد استنقذها من الضياع الشاعران محمد السويح واليزيد السالك بنشرها في كتابهما الجامع (شذرات من أدب البيضان)، ونقتطف منها هذا المقطع:
يا فرسي كول الناس كثير ... وكذيب ءُعاد امَّغنينَ
يعرف مول الملك القدير ... عنك كط انشفت زينَ
واللي شافك ناكَظ فلخير ... شافك تو الشر اسمينَ
ولا كط اخل شي من لرواح... مانك عند اكتاف الفراح
تنعدِّ من خيل الطفاح... حرة وعليك السكينَ
ورْفْتّ بلاّو امن امراح ...اعدوك امتنين واعتينَ
وكط أصبحت يا الرداحة... منطربَ مانك مرزاحَ
وكط اسلكت من لفظاحَ... واشهودك فالناس وْفيْنَ
لعدُو كدامك تتماحَ... كاصرتيهم كصرة شينَ
اعل ذاك اشهود الراحَ... والفرّاحْ ولْ احسينَ
إن تدريسية الشعر الحساني يمكن أن تكون ضمن مشروع بيداغوجي "يتوفر على جانبين: أحدهما (الجانب الديداكتيكي) الذي يعنى أساسا بتنظيم المعارف الحسانية ونقلها بشكل منظم ومدروس يواكب وتيرة التعلم، وثانيهما (الجانب البيداغوجي) الذي يهم التدبير اليومي لهذا التعلم من خلال انتقاء المفاهيم والدعامات (القلق البيداغوجي، الداهي، ص17)، أو الأسناد، وبرمجة الأنشطة) كما سنرى في الورقة الواصفة التي اعتمدت عليها مجزوءة تدريس الثقافة الحسانية بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين في جهة الداخلة وادي الذهب.
خلال مرحلة الإنجاز الديداكتيكي، وضمن الأنشطة المقترحة، يمكن الانتقال من كتابة للنص الشعري مع الشكل التام إلى قراءته من طرف الأستاذ قراءة نموذجية سليمة، كي يتم الانتقال إلى إقراء المتعلمين مع تصحيح الأخطاء، ثم يُنطلق تحليل النص من خلال شرح الألفاظ، وتعريف بعض الأعلام إن كان مفيدا في بناء المعنى، وكلما تم التخفف مما لا يخلق لدى المتلقي معنى، كلما تم الانتقال بسلاسة إلى مراحل أخرى في إطار تطوير مهارات الاشتغال، إذ يمكن مسرحة بعض النصوص ذات الطابع الحواري، مثل لكَطاع، كما يمكن نثر الشعر الحساني من أجل التمرن على المراوحة بين النثري والشعري.
والشعر الحساني بحكم طابعه الغنائي يمكن أن يُرافق أو يعزز تدريسه في بداية الحصة بمورد أو سند موسيقي (التسميع مرحلة هامة)، فالاستماع إلى مقاطع موسيقية تتعلق بالنص المدروس يعوّد المتعلم على السماع، كي يصل مع مرور الوقت إلى التمكن، فيصبح سمّيعا (وذنو بيضاء في الهول)،إن لم يصر بدّاعا باللسان الحساني.
يمكن الاستئناس من أجل تحديد أهداف وكيفيات تدريس الشعر الحساني في إطار وحدة تكميلية متمفصلة مع وحدات التكوين الرئيسة بتجربة وحدة التكوين في الثقافة الحسانية التي زودني بشأنها منسق أعمالها سمير مرزوك بمادة وافية، سأعرض أدناه بعض تفاصيلها، دون أن أغفل أنه بالإمكان تدريس الشعر الحساني بطريقة عرضانية عابرة للتخصصات، بحيث تستثمر شواهد الشعر كأسنادٍ وموارد في التاريخ والجغرافيا والألعاب الرياضية والرياضيات والتربية الإسلامية (الأنظام الحسانية في الفقه مثلا).
لابد أن ننوه بالمجهود الجبار الذي بذله الفقيد الكبير يوسف نجاح في كتابيه : مبادئ في الشعر الحساني ومعالم في الأدب الحساني في نقل المعارف والمهارات وتقطيعها وتبسيطها كي تصبح قابلة لإكساب التعلمات في المدارس والمعاهد الموسيقية ولدى الهواة.
ملحوظة هامة :
أمدني الدكتور سمير مرزوك بوثيقة تتعلق ب:
- إدراج مجزوءة تكميلية تُعنى بالثقافة الحسّانية، ضمن عدة التكوين بالمركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة الداخلة وادي الذهب:
هذه المجزوءة عبارة عن وحدة تكميلية/ إضافية (module supplémentaire) خاصة بالتكوين الثقافي في مجال الحسانية.
تم إدراج هذه المجزوءة التي تُعنى بالثقافة الحسّانية في أبعادها وحمولاتها التربوية والقيمية، ضمن عدة تكوين طلبة وأطر المركز الجهوي لمهن التربية والتكوين لجهة الداخلة وادي الذهب، باعتباره مؤسسة لتكوين الأطر التربوية منذ الموسم التكويني 2020/2021. كما تمت المشاركة بهذه المجزوءة بوصفها مشروعا تجديديا، في الندوة العلمية الجهوية حول التجديد التربوي، التي نظمتها الأكاديمية الجهوية للتربية والتكوين لجهة الداخلة وادي الذهب يومي 06 و07 ماي 2019، بناء على المذكرة الوزارية 19/016 الصادرة بتاريخ 05 فبراير 2019 في شأن تنظيم ندوات جهوية حول التجديد التربوي لسنة 2019.
1- التمفصل بين مجزوءة الثقافة الحسانية: الأبعاد والحمولات التربوية والقيمية، وبقية المجزوءات الرئيسية:
 التخطيط: مراعاة خصوصيات المتعلمين؛
 التدبير: مراعاة الطوارئ والمستجدات التي تبرز خلال التفاعل والتواصل داخل جماعة القسم؛
 التقويم: مراعاة خصوصيات جماعة القسم؛
 البحث التدخلي: بما أن الأستاذ مدعو إلى معالجة إشكالية أو قضية مرتبطة بمادة التدريس، أو بظاهرة تربوية ذات ارتباط بالمتعلم أو بالمؤسسة أو بمحيطها، فإنه مطالب باستثمار مكتسباته المختلفة والمستمدة من مجزوءات رئيسية، تكميلية ... وآخذا بعين الاعتبار طبيعة محيط المدرسة الاجتماعي والثقافي، وضرورة انفتاح المؤسسة على محيطها.
2- صيغ وأنماط التكوين:
 المحاضرة؛
 الندوة؛
 الأشخاص الموارد؛
 التعليم المصغر؛
 المحاكاة ولعب الأدوار؛
 العمل بالمجموعات؛
 العروض؛
 البرامج التفاعلية؛
 المسابقات؛
 الأنشطة العملية.
للاطلاع على التسجيل الكامل لأشغال الندوة العلمية التفاعلية التي نظمها المركز بمناسبة إعلانه عن إدماج مجزوءة تكميلية ضمن عدة التكوين؛ تتعلق بالثقافة الحسانية تحت عنوان "الثقافة الحسانية: الأبعاد والحمولات التربوية والقيمية "
المحاور رابط الفيديو على صفحة المركز
التعريف بمجزوءة "الثقافة الحسانية: الأبعاد والحمولات التربوية والقيمية" https://fb.watch/m5sH1_4k8x/

برنامج الندوة https://fb.watch/m5spLBDvjj/

المداخلة 1: د. محمد عليين أهل بباها دور المحضرة في التنشئة الاجتماعية https://fb.watch/m5sJFBhNl6/

المداخلة 2: ذ. محمد فاضل لفيرس كيف نستثمر الثقافة الحسانية تربويا؟ https://fb.watch/m5ssUtdNYa/

المداخلة 3: ذ. لحبيب عيديد التربية على التراث الثقافي الحساني: أسئلة أولية https://fb.watch/m5sY8bLL4Y/

المداخلة 4: د. إسماعيل هموني مدخل لإقراء الشعر الحساني https://fb.watch/m5suWtyPAJ/

المداخلة 5: ذة. النعمة الشريف البعد التربوي للمثل الحساني https://fb.watch/m5sUttbb3_/

المداخلة 6: د. بوزيد الغلى الأبعاد القيمية والتربوية في الثقافة الحسانية https://fb.watch/m5slmCNWUt/

المداخلة 7: ذ. محمد مولود الأحمدي البعد التربوي في الثقافة الحسانية: الأسلوب والخصائص https://fb.watch/m5sikiLI9s/

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...