تَجَلِّيَاتُ عَبْقَرِيَّةِ الْإِمَامِ الْبُخَارِيِّ: بَيْنَ الدِّقَّةِ الْحَدِيثِيَّةِ وَالِاسْتِنْبَاطِ الْفِقْهِيِّ..

يُعرِّف معجم لاروس الفرنسي "العبقرية" بأنها: "القدرة أو الاستعداد الطبيعي المتميز لدى الشخص، الذي يجعله قادرًا على الابتكار، والاختراع، وإبداع أشياء أو مفاهيم ذات جودة استثنائية تفوق المألوف" أو بأنها "كفاءة طبيعية لشيءٍ ما، قدرة مبدعة بشكلٍ عام، طبع خاص متميز لشخصٍ ما، شخصية عبقرية".

كما جاء تعريفها في معجم أكسفورد الإنجليزي: "قوة فكرية فطرية من نمط رفيع... طاقة فطرية وغير عادية على الإبداع التخيلي أو الفكر الأصيل أو الابتكار أو الاكتشاف، وهي تختلف عن الموهبة".

لتكون منطقة العبقرية هي الحالة الذهنية التي تتيح للفرد استخدام قدراته الفطرية وموهبته وشغفه ونقاط قوته، وذلك بعيدًا عن القدرات المكتسبة. ونجد ثلاثة معانٍ تتسم بأهمية خاصة، وهي: أن العبقرية روح مرافقة، واستعداد ذو سمات مميزة أو ميل طبيعي، وأخيرًا: هي قدرة طبيعية أو موهبة فطرية. كما يرى "بنيلوبي مري" في كتابه: "العبقرية: تاريخ الفكرة".

ويطرح "بنيلوبي" سؤالاً: ما الذي يجعل من إنسان "عبقريًا"؟ ويجيب: لو كانت السمة المميزة لعمله العبقري هو صموده لمعيار الزمن. ذلك أن العبقرية في الأصل قوة فطرية تجسدت وأنتجت عملاً خالدًا.

أما عبقرية البخاري في إنتاج جامعه الصحيح وصموده أمام الزمن، فيتجلى في قول العلامة أبي الحسن علي الحسني الندوي في كتابه: "نظرات على صحيح البخاري وميزات أبوابه وتراجمه": (ولا نعرف كتابًا من كتب البشر ـ في المكتبة الدينية العالمية ـ تناوله العلماء والمؤلفون بالشرح والتحشية والتعليق مثل ما تناولوا كتاب الجامع الصحيح، كونه أكثر الكتب شروحًا وتعليقات، وأعظم المؤلفات تقديرًا، وأعلاها منزلة وأكثرها شهرة... والدليل القاطع على احتلاله للصدارة في المجلس العلمي، حكمنا بأن "الجامع الصحيح" للبخاري قد فاز بالقدَحِ المُعَلَى في هذا الميدان، واحتل الصدارة في مكتبتنا الإسلامية التي انبثقت عن القرآن ودعوة الإسلام، وامتدت على مشارق الأرض ومغاربها في المساحة الأرضية المكانية".

وليس هناك أكثر من الإمام البخاري الذي يجمع هذه الصفات التي تجعله عبقريًا؛ فقدرته وقوته فطرية بامتياز، رافقته طيلة حياته، وكان مُلهمًا إلهامًا إلهيًا في اتجاهه نحو حفظ وحب ودراسة الحديث، أي له استعدادًا مميزًا أو ميل طبيعي، استطاع من خلال "عبقريته" إنتاج عملاً خالدًا صامدًا أمام معيار الزمن، ألا وهو كتابه الخالد: "الصحيح الجامع".

يعد صحيح البخاري نموذجًا لتمازج العلوم الشرعية من حديث وفقه وأصول وتفسير ولغة، مما يعكس عبقرية الإمام البخاري، وتجليات نبوغه في معرفة الحديث ونقلته، والعلم بالروايات وعللها، علمًا بالفقه واللغة. كما تذكر الدكتورة آسيا عمور "الدراسات الأكاديمية الجزائرية حول صحيح البخاري: دراسة ببليوغرافية".

لقد كان من حسن حظ البخاري "الطفل" أن يجد أمًا حانية ، تكتشف عبقرية ابنها وترعاها، ولا تكبلها بظروف وفاة الأب، والاكتفاء بالانكفاء على التعلم من علماء بلده دون امتطاء صهوة الرحلة في طلب العلم والحديث، وهذه مهمة الأم في الأساس التي طبقتها والدة البخاري دون أن تقرأ كلمات "شاكونتالا ديفي" في كتابها "أيقظي العبقرية الكامنة في طفلك": (يُشترَط أن تكوني إلى جانب طفلك لترشديه وتساعديه على تطوير الموارد اللامتناهية، وستنجحين لو أردتِ. هذه الثقة تنتقل إلى طفلك، وهي تلعب دورًا أساسيًا في تحقيق طاقة رائعة موجودة في داخله .. طاقة العبقرية).. وقد نجحت الأم والابن معًا، ولعل من يطالع مقالي: "الإمام البخاري: بين سلامة النشأة والبيئة العلمية الحاضنة" سيتأكد من ذلك تمام التأكيد.

لكن على الرغم من سمات العبقرية التي تحلى بها الإمام البخاري، كان يمتلك الموهبة، ولم يكن بعيدًا عن اكتساب القدرات؛ فاكتسب ملكة فقهية ساعدته في استنباط الأحكام من الحديث، وذلك حين اتجه منذ حداثته إلى الفقه حين حفظ كتب عبد الله بن المبارك ووكيع بن الجراح وعمره ست عشرة سنة، وعن طريق هذه الكتب ومجالسته لعلماء خراسان وبلاده التي كانت معقلاً لمذهب أبي حنيفة، اطّلع مبكرًا على فقه الإمام أبي حنيفة وآرائه ومسائله، واستوعب طريقتهم في الاستنباط والرأي، ثم درس فقه الإمام الشافعي، وفقه الإمام مالك أَيْضًا.

وكانت صلته بفقه الإمام أحمد بن حنبل متينة قوية، فجمع فقه المدارس الاجتهادية في عصره مِمَّا ساعده على الاستقلال برأيه، حيث انتفع كثيرًا من طريقة أهل الرأي في الاستنباط ودقة النظر، ثم باطلاعه على نقد أهل الحديث لهم على وفق الحديث، فكان ذلك تَمْهِيدًا للإمام البخاري أن يكون له نظر ممتاز وفقه اجتهادي، خصوصًا ولم يكن في ذلك العصر جمود المُقَلِّدِينَ لِلْمَذَاهِبِ، بل كانوا يتفقهون ويستدلون فيوافقون أو يخالفون. كما يقول سعودي عبدالله محمد في دراسته: "الإمام البخاري ومعالم منهجه الفقهي في الجامع الصحيح".

وقد اشتهر البخاري بالفقه، حتى اعترف له علماء عصره بالاجتهاد؛ فقال نعيم بن حماد: "مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمِاعِيلَ البُخَارِيُّ: فَقِيهُ هَذِهِ الأُمَّةِ"، وَسَمَّاهُ شيخه محمد بن بشار: "سَيِّدُ الفُقَهَاءِ".

ولا يمكن المجازفة بالقول بأن البخاري عندما يتلقى المذهب من شيخه يكون تابعًا له، ولا يمكن القول بأن مجرد موافقة رأيه لآراء أصحاب المذهب تعني أنه صار من أتباعه، لقد كان مُجتهدًا مستقلاّ، ولم يكن مُقلّداً لأي من مذاهب الأئمة الأربعة المشهورة.

قال الذهبي:"كان البخاري إمامًا حافظًا حجة رأسًا في الفقه والحديث مجتهدًا من أفراد العالم"، كما قال الدكتور نور الدين عتر: "أمَّا البخاري فكان في الفقه أكثر عمقًا وغوصًا، وهذا كتابه كتاب إمام مجتهد غواص في الفقه والاستنباط، بما لا يقل عن الاجتهاد المطلق، لكن على طريقة فقهاء المحدثين النابهين.

برزت عبقرية الإمام البخاري في الصنعة الحديثية العالية، مثلما برزت في الفقه والاستنباط، فالتراجم التي بوب بها أظهرت فقهًا وعمقًا للمعاني وأنواع الدلالات، والسياقات، حتى قيل: "فقه البخاري في تراجمه"، ومن خلال منهجيته التي تحدث عنها العلماء في تلك التراجم يبرز عمقه وفقهه.

قال ابن حجر في "هدي الساري عن تراجم البخاري": "استخرج بفهمه من المتون معاني كثيرة، فرَّقها في أبواب الكتاب بحسب تناسُبِها، واعتنى فيه بآيات الأحكام فانتزع منها الدلالات البديعة، وسلك في الإشارة إلى تفسيرها السبل الوسيعة".

إن المتأمل في "الجامع المسند الصحيح المختصر" ليدرك أنه لم يكن مجرد جمع للروايات، بل كان مشروعاً حضارياً متكاملاً. وقد تجلت عبقرية مؤلفه في أمرين متلازمين لا ينفك أحدهما عن الآخر: دقة متناهية في النقد الحديثي، وعمق راسخ في الاستنباط الفقهي.

أولا: تجليات الدقة الحديثية عند الإمام البخاري:

صَبَّ الإمام البخاري جل اهتمامه وعنايته بالسند حتى صار ميزانه مقياسًا يهتدي به كل محدث، كما تمثلت عبقريته الحديثية في كونه أول من أفرد الحديث الصحيح بالتصنيف، ولهذا وضع أدق المعايير النقدية في تاريخ علوم الحديث التي عرفها الإسلام:

ـ انفرد البخاري باشتراطه "المعاصرة مع ثبوت اللقاء"؛ إذ لم يكتفِ بأن يكون الراوي معاصرًا لشيخه، بل تتبع قرائن السماع واللقاء بين الراوي وشيخه ولو لمرة واحدة، وهو شرط أشد صرامة من مجرد "إمكانية اللقاء" (المعاصرة) الذي اكتفى به الإمام مسلم، ولهذا قال الحافظ ابن حجر: "وهذا الشرط لم يسبق البخاري إليه أحد". وقد تجلت عبقرية البخاري في وصوله لمبتغاه من قطع الطريق على التدليس والإرسال الخفي، فارتقت أسانيد "الجامع" إلى أعلى درجات الصحة.

ـ اشتهر عن البخاري التمحيص والانتقاء؛ فقد روي أنه كان يحفظ ستمائة ألف حديث، انتقى منها 7275 حديثاً بالمكرر. أي بنسبة 1.2%.، وكان لا يضع حديثًا في كتابه إلا اغتسل وصلى ركعتين واستخار الله.

ـ لم يكن الإمام البخاري ناقلاً فقط، بل كان ناقدًا أيضًا، ولهذا كان يعلل الأحاديث، ويميز بين اللفظ المحفوظ والشاذ، ويختار أدق الروايات، حتى امتاز بقدرة فائقة على كشف العيوب الخفية في الأسانيد والمتون (العلل)، مثل: إدراك الإدراج، أو تصحيف الأسماء، أو الانقطاع الخفي، وبهذا الجهد صان السنة المطهرة من الدخيل والمنكر.

تَجلَّت عبقرية الإمام البخاري في ابتكاراته في الأسانيد بحديث من خلال إدخال حديث "إنما الأعمال بالنيات..." في بداية كتابه الصحيح، والذي رواه شيخه "أَبُو بَكْرٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الزُّبَيْرِ بْنِ عِيسَى بْنِ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أُسَامَةَ الْقُرَشِيُّ الْأَسَدِيُّ الْحُمَيْدِيُّ الْمَكِّيُّ" الإمام الحافظ الفقيه شيخ الحرم في عصره وصاحب المسند المشهور "بمسند الحميدي"، لكون الحميدي أفقه قرشي أخذ عنه، وامتثالا لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "قدِّمُوا قريشًا ولا تَقَدَّمُوهَا، وتَعَلَّمُوا منْ قريشٍ ولا تُعَلِّمُوهَا".

ـ أسس الإمام البخاري قاعدة بيانات نقدية ضخمة لرجال الحديث في كتابه "التاريخ الكبير"، أشبه ما يكون بالموسوعة الكبرى، رتب فيه أسماء رواة الحديث على حروف المعجم، وقد اقترب فيه من استيعاب أسماء من رُوي عنهم الحديث من الصحابة والتابعين ومن بعدهم إلى زمنه. مما مكنه من موازنة الروايات واختيار أضبط الطبقات من الرواة.

لذلك كان للإمام البخاري أَثَرُهُ فِي عِلْمِ الحَدِيثِ، بما بذله من جهد علمي مشهود ومحمود ولا محدود، فكانت له مساهماته في العلوم الحديثية بما يربو على العشرين مُؤَلَّفًا شملت الحديث وَعِلَلِهِ وَرِجَالِهِ تقدم فيها تقدما كَبِيرًا، وبلغ بها الغاية، حتى صار نموذجًا لمن جاء بعده من أجيال المحدثين.

إن الإمام البخاري معدود ٌفي أمراء المؤمنين في الحديث، وهو بصيرٌ بالعلل والفقه بَصَرًا قل َّ له النظير، أودع مكنون علمه في جامعه الصحيح، وله كتبٌ أخرى مهمة جدًّا حرص أهل العلم على تدريسها وشرحها لقوة عارضة مؤلفها وتمحيصه ودقته وحرصه على الصحة في عامة ما يكتب ويصنف، وإن لم تصل بقية كتبه إلى مكانة صحيحه الذي تلقته الأمة بالقبول.

لقد ظهرت ْعبقرية الإمام البخاري في الحذف من الحديث لغير بدل، كما تجلَّت ْ في الحذف مع إبدال الكلمة بما يفيد الإبهام، مثلما ظهرت في تكرار الأحاديث لنكتة فقهية، وهذا كثيرٌ جدًّا في صحيحه، وأخيرًا ظهرت ْعبقرية الإمام في تكرار الأسانيد وتنويعها ومحاولة عدم التكرار ما أمكن ذلك، مثلما اتضحت عبقريته في الإشارة إلى العلل والاختصار في ذلك من خلال ما يورده في صحيحه من الأحاديث المسندة ويتبعها بالإشارة إلى العلل إما بالاختصار فيطوي ذكر بعضها إذا لم تكن قادحة، وإمَّا بالنص عليها فيشير إلى بعضها بأقصر عبارة ومن أراد أن يتبين تفصيل ما أجملناه فليعد إلى دراسة: "عبقريةُ الإمام البخاري في صحيحه من خلال الحذف والتكرار والإشارة" للدكتور جبران بن سلمان سحَّاري.

لقد تَجلَّت قدرة الإمام البخاري في استخدام المنهج التحليلي في علم الحديث مُحقِقًا التوازن بين النصوص والرواة، في عبقرية منهجية فريدة تجمع بين الاستقراء، التحليل، والمقارنة، من خلال منهج لا يقتصر على دراسة أحوال الرواة فقط، بل يمتد إلى تحليل المتون ومقارنة الأسانيد بشمولية وموضوعية ودقة، بأدوات علم الحديث الاستثنائية التي تجمع بين الشواهد العقلية والنقلية، ودراسة الأحاديث من جميع جوانبها، لتحديد مصداقيتها بالاعتماد على استقراء الأدلة واستبعاد الشذوذ، كما جاء في كتاب "المنهجية الفكرية التحليلية في علم الحديث" لثائر سلامة.

ثانيا: تجليات عبقرية الإمام البخاري في الاستنباط الفقهي:

يذهب كثير من العلماء إلى أن فقه الإمام البخاري يظهر بصورة أوضح في تراجم أبوابه أكثر من ظهوره في تعليقاته المباشرة؛ إذ كانت عناوين الأبواب تمثل نتائج اجتهاده الفقهي، ولهذا قال العلماء: "فقه البخاري في تراجمه".

إذ قد يورد الحديث نفسه في أكثر من موضع، لكنه يغير عنوان الباب ليستنبط حكمًا جديدًا في كل مرة، ولذلك لم يكن التكرار في صحيحه تكرارًا لفظيًا، وإنما كان توظيفًا علميًا يخدم أغراضًا فقهية متعددة، كما لم تكن تراجم البخاري عناوين جامدة، بل كانت "مسائل فقهية"، تجلَّت في:

ـ "باب: العلم قبل القول والعمل"استنبطه من قوله تعالى: فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ"، فقدم العلم على العمل تأصيلاً تربويًا.

ـ "باب: لا شخص أغير من الله" تقرير لصفة الغيرة لله تعالى ردًا على المُعطِّلة، بأسلوب الحديث لا الجدل".

ـ "باب: من لم يرَ الوضوء إلا من المخرجين"، ترجيح فقهي واضح لمسألة نواقض الوضوء من خلال صيغة النفي.

ولقد تجلَّت عبقرية الإمام البخاري في البناء المنهجي المقصود للجامع الصحيح؛ فقد بدأ بـ "كتاب بدء الوحي" بيانًا لمصدر التشريع، ثم "كتاب الإيمان" تأسيسًا للعقيدة، ثم "كتاب العلم" بيانًا للأداة، ثم العبادات والمعاملات، وختم بـ "كتاب التوحيد" تحقيقًا للغاية، فكأنَّما الكتاب رحلة إيمانية متكاملة من التلقي إلى التوحيد.

ولقد تجلَّت عبقرية الإمام البخاري في ابتكاره عند افتتاح الجامع الصحيح بعنوان واحد ثم أدرج تحته كل الكتب وهو "باب بدء الوحي: كيف كان بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم". قال البلقيني: بدأ بقوله (كيف بدء الوحي؟)، ولم يقل: (كتاب بدء الوحي) ولا (كتاب الوحي)؛ لأن بدء الوحي من بعض الذي يشتمل عليه الوحي.

لقد جمع الإمام البخاري في كتابه بين الرواية والدراية، وبين وظائف متعددة، منها: أن يكون كتابًا في النقد الحديثي، وكتابًا في الاستنباط الفقهي، وكتابًا في العقيدة مهمته الدفاع عن الدين، وكتابًا في الأخلاق والآداب.

يجد المتتبع لعملية الانتقاء عند كبار أئمة الحديث عبقرية فذة في التعامل بها، فبرزت الدقة والعدالة في التعامل مع الرواة ومروياته، غير أن عبقرية الإمام البخاري كانت أسبق وأكمل في جمعها بين:

ـ الدقة الحديثية التي تمثلت في تشديد الشروط والانتقاء والتمحيص.

ـ والاستنباط الفقهي الذي تمثل في توظيف التبويب لكي يكون أداة لفهم النص واستخراج الأحكام.

لكل ما تقدم بيانه: استحق "الجامع الصحيح" أن يكون أصح كتاب بعد كتاب الله، وأن تتلقاه الأمة بالقبول، مثلما أبانت سيرته عن نموذج فريد للعالِم الذي جمع بين الذكاء الفطري، والاجتهاد المتواصل، والتقوى، والمنهج العلمي الدقيق، وقد تجلَّت عبقريته في كل مراحل عمله العلمي، من الحفظ والنقد، إلى التصنيف والاستنباط، فاستحق أن يكون "إمام المحدثين وسيد الفقهاء"، وأن يبقى الجامع الصحيح شاهدًا خالدًا على نبوغه، ومنارةً تهتدي بها الأجيال في خدمة السنة النبوية وصيانتها.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...