زينب السعود - الأدب والارتياب

في كتابه الأدب والارتياب يتحدث الكاتب والناقد المغربي عبد الفتاح كيليطو عن علاقة الكتاب وقارئه من خلال افتراض يقوم على المشاكسة التي تتحول أحيانا إلى محاكمة أو علاقة مرتابة ، وهو بذلك يستعيد مقولات الجاحظ عن الخيط الذي يجمع الكتب بالقراء ليخلص إلى أن القارئ قد يكون في حقيقة الأمر عدواً" للكاتب ، فهو متربص يراقب قارعة الكلمات والعبارات والمعاني يبحث عن الثغرات ونقاط الضعف للنيل من النص ومؤلفه. من هنا تصبح الكتابة مغامرة شائكة يدخل فيها الكاتب معركة مفترضة مع المتلقي حيث لا يكتفي القارئ بالقراءة العابرة أو المسلمة والمذعنة للمقروء بل ينصب نفسه قاضيا أو جلادا أو سيافا على المقصلة .
ينطلق كيليطو في هذا العمل المكثف من فرضية لافتة ومقلقة ومربكة أيضا تقوم على أن الكلام والكتابة مرتبطان برابط مزعج ومربك وإن كان عميقا ، قد يصل الأمر إلى حد الذعر. فالمؤلف مهما بلغت مكانته وتمكنه لا ينظر إليه المجتمع بوصفه مصلحاً دائما إذ كثيرا ما يُحاط بالريبة والشك. من هنا يلقي الكتاب الضوءعلى ظاهرة تاريخية لها جذورها الراسخة في الثقافة العربية تتمثل في الكتمان والإخفاء ، وتلك المسافة الدقيقة بين الخاصة والعامة.
لجأ الفلاسفة والكتاب والصوفيون -عبر التاريخ- إلى الرمز والتلميح والحيطة المفرطة كما يقول كيليطو في حديثه عن أبي العلاء المعري وابن طفيل صاحب قصة حي بن يقظان خوفاً من سوء الفهم المجتمعي أو اتهاما بالزندقة أو وقوعاً تحت طائلة سلطة الرقيب الفاحصة المنقبة عن ما تظنه مخالفات أو خروجا عن السائد والمألوف والمعروف .
يطرح كيليطو في كتابه الأدب والارتياب تهمة قاسية تصبغ علاقة القارئ بالمؤلف بصبغة العداوة ، وهي واحدة من أبرز أطروحات الكتاب وأكثرها إثارة للجدل ، حيث تتمثل فكرته في مقاربته لعلاقة الكاتب بمتلقيه مستندا إلى قراءات عميقة لمقولات الجاحظ وغيره .يخلص كيليطو إلى أن القارئ قد يتحول في حقيقة الأمر إلى عدو للكاتب بمعنى الارتياب والشك الذي يجعلهما في علاقة غيرمريحة . يقول كيليطو في كتابه : " لم يخطر ببالي أن طوق الحمامة يمكن أن يقرأ بريبة وحذر إلا بعد أن اطلعت مؤخرا بتحقيق الطاهر أحمد مكي الذي صرح أنه كاد أن يهمل فقرات منه " ويتساءل عن الأمر الذي كان يخشاه والمقاطع التي من المحتمل أن تستفز القارئ . والقارئ نفسه ليس كائناً محايداً يتلقى المعرفة بسلام لكنه متربص يبحث عن الثغرات ويتتبع السقطات وينبش عن الهفوات ويتحين الفرص للنيل من النص وصاحبه. هذه العدوانية المستترة هي ما يفرض على الكتابة أن تتحول إلى عملية دفاعية محكومة بالحيطة والحذر.
يغوص كيليطو في نصوص التراث العربي ليقرأها بعين حديثة ومفككة. فهولا يتعامل مع النصوص كآثار في المتحف، بل ككائنات حية تتنفس وتتخفى. في إحدى محطات الكتاب، يتأمل منزلة (ألف ليلة وليلة) مستحضراً شخصية شهرزاد التي لم تكن تحكي للتسلية فحسب، بل كانت تحتال بالحكاية والتشويق لـ تأجيل موتها والنجاة بحياتها، لتصبح بذلك الأيقونة القصوى لكل كاتب يرى في الكلمات درعاً واقياً من بطش السلطة . الأدب والارتياب مرآة كاشفة لأسئلة الكتابة و دعوة لإعادة النظر فيما نكتبه ولتأمل تلك الرهبة الخفية التي ترافق كل قلم شجاع يقرر أن يترك أثراً على الورق في عالم لا يرحم المبدعين تماماً.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...