أمين كعابنة (ابن البادية) - قراءة في قراءة عواد أبو زينة لـ«المهاتر»

عواد أبو زينة...بعد التحية والسلام...

جئتكم من البادية هذه المرة زميلا في مجلس الفكر، أتعلم منكم وأضيف إليكم، وأتتبع آثاركم على طريق «المهاتر»؛ فما كنت يوما معارضا لكم، وإنما كنت ولا أزال رفيق قلم، يجمعنا اختلاف الزوايا ووحدة المقصد.
وقد أعجبتني قراءتك، فدفعتني إلى أن أكتب قراءتي لقراءتك، لا لأردها، بل لأرد عليها؛ فالقول إذا ورد عليه قول ازداد بهاء، وكما يقال عندنا: من رافق المفلحين يفلح.
وقراءتك من القراءات التي تستحق أن يُرد عليها؛ فقد أمسكت بالطريق، والصعود، والمقدس، وذاكرة المكان، وأحسنت في وصل بعض خيوط «المهاتر» بعالم نافذ الرفاعي الإبداعي. وهي ليست القراءة الوحيدة؛ فقد جاءت قراءة غانيا من خلفية سياسية اقتصادية، فأضاءت النص من جهة أخرى، وكأن «المهاتر» كلما ظننا أننا أحطنا به، أخرج لنا وجها جديدا.
وهذا هو النص الذي يستحق أن يُقرأ.
وأنا هنا لا أزعم أنني جئت بمفتاحه، بل جئت من البادية ومعي مفتاح آخر؛ فابن الصحراء لا يعرف الطريق من اللوحة، وإنما من الأثر. يعرف أن دروب الإبل تدل على مهاجعها، وأن الأثر الصغير قد يقود إلى مورد عظيم، وأن من استعجل نهاية الطريق ربما ضل بدايته.
ولهذا استوقفتني عبارتك عن «الصعود اللولبي».
أنت قرأته بوصفه حركة في الطريق، وأنا أراه كذلك، لكنني أراه أيضا صورة للعقل وهو يصعد إلى المعنى: لا يقتحمه اقتحاما، بل يدور حوله، ويعود إليه، ويختبره من أكثر من جهة. وفي البادية، يا عواد، نعرف أن الصعود لا يكون دائما في أقصر خط؛ فقد تكون المنعرجات أرحم بالراحلة من الطريق المستقيم.
ولذلك فـ«المهاتر» عندي لا يسير في طريق مستقيم؛ إنه يراوغ، ويلتف، ويصعد، ويعود، ويترك للقارئ أثره، ثم يختبر قدرته على تتبع الأثر.
ومن هنا أيضا استوقفني ما جمعتَه من القعيد والكسيح والكسلان..
قعيد يصعد، وكسيح يركض، وكسلان يفوز.
كأن النص يريد أن يقول لنا إن المقاييس التي نضعها للأشياء ليست دائما مقاييس الحقيقة. وهذه ليست مفارقة أدبية فحسب؛ إنها فلسفة كاملة في الإنسان: قد يبدو الضعف في الجسد، بينما تكون القوة في الإرادة، وقد يسبق من حسبناه متأخرا، ويصل من ظنناه عاجزا.
وهذا مما تفهمه البادية قبل أن تسميه الفلسفة. فالراحلة قد يعييها الطريق، لكن صاحبها يعرف أن الصبر بعض الزاد، وأن الطريق الطويل لا يقطعه من استعجل المسير، بل من عرف كيف يقتصد خطاه.
أما القدس، والمجوس، والنار، والجليل، والناقوس، فقد أحسنت في جمع خيوطها. وأضيف إليها أن المقدس في «المهاتر» لا يبدو مستقرا في مكان واحد؛ إنه ينتقل من المكان إلى الوعد، ومن الوعد إلى الحب، ومن الحب إلى الشعر، ثم يصل إلى الختم والاعتراف.
وهنا تبدأ الأسئلة التي أحبها في النص.
فما قيمة الوعد إذا كان قابلا للنقض؟
وما قيمة الختم إذا كان يصادق على «أنصاف الشعراء»؟
وهل الاعتراف يصنع الشاعر، أم أن الشاعر هو الذي يجعل الختم محتاجا إليه؟
وهل «الناقوس» إعلان عن حقيقة، أم إعلان عن شيء يريد أن يُسمع قبل أن يُثبت؟
وهنا، في ظني، تكمن واحدة من أخطر مفارقات «المهاتر»: أن النص يتحدث عن الطريق إلى القدس، لكنه في الوقت نفسه يضع أمامنا سؤال الطريق إلى الحقيقة.
فأي طريق نسلكه حين تتعدد العلامات؟
وأيهما يكون دليلا: ما يقوله النص، أم ما يتركه وراءه من أثر؟
ولعل هذا السؤال هو الذي أتركه الآن في ذمة كل من قرأ «المهاتر»:
إذا كان كل طريق في النص يقود إلى معنى، فمن الذي يملك حق تحديد الطريق الصحيح: الكاتب، أم النص، أم القارئ الذي يمشي بين العلامات ويعيد رسم الطريق كلما صعد درجة؟
هنا، أظن، تبدأ الصولة الحقيقية.
وأما «بمثنوية مهنا» فأحسنت حين أبقيتها في موضع السؤال، لا في موضع الادعاء. فالباحث لا يملأ البياض بما يشتهي، ولا يجعل الظن علما. وكما يقال عندنا: من لا يعرف المورد لا يورد عليه ظمآن.
وهذا ما أعجبني في قراءتك: أنك تركت بعض الأبواب مفتوحة.
وأنا أحب الأبواب المفتوحة؛ ففي البادية الباب المفتوح ليس مجرد باب، بل علامة كرم، ومؤشر مروءة، وإشارة إلى أن القادم ضيف قبل أن يكون سائلا. وبيوتنا لا تغلق أبوابها في وجه الطارق، كما قال الشاعر في وصف أهل الكرم:
يغشون حتى ما تهر كلابهم
لا يسألون عن السواد المقبل
فلا نسأل القادم من يكون، ولا من أين جاء، ولا كم وراءه من ضيوف؛ فالبيت المفتوح يتسع لمن أقبل، والكرم لا يضيّق بابه بكثرة الواردين.
وهكذا قرأت بابك المفتوح في خاتمة قراءتك؛ تركته مفتوحا، لا عجزا عن الإغلاق، وإنما كرما وسخاء في التأويل. فلك أن تترك لنا مدخلا، ولنا أن ندخل، ثم يأتي غيرنا فيجد الباب مفتوحا أيضا.
ولهذا أقول لك ولغانيا ولكل من قرأ «المهاتر»: نحن لا نتدافع على النص، بل نتدافع إليه.
فأنا ابن البادية، جئتكم زميلا في مجلس الفكر؛ تعلموني الرماية، ولعلني أجيدها.
وإذا كان بعضكم قد أحسن الرمي من جهة، فسأجرب رميي من جهة أخرى. فأنتم تعلمونني كيف تُقرأ المدينة، وأنا أحاول أن أعلمكم كيف تقرأ الصحراء نصا؛ وأنتم تفتحون لي أبواب النقد، وأنا أفتح لكم ليوان البادية، حيث لا يستوي عندنا من سمع بالخبر ومن رآه بعينه.
ومن رافق المفلحين يفلح، ومن جاور أهل الفكر اتسع فكره.
لكن لا تأمنوا الغارة الأدبية كثيرا!
فابن البادية قد يأتيكم هادئا، وفي يده قهوة، وفي لسانه سلام، ثم إذا اشتد أوار المعنى، شد حبال فكره كما تُشد حبال الرواحل، وقادها قود الرسن للعسايف؛ لا ليكسر راحلة أحد، بل ليعرف إلى أي مدى تستطيع الفكرة أن تمضي.
فـ«المهاتر» لا يستحق أن يُقرأ قراءة واحدة.
فيه المنصة التي تفتخر، والرقم الأول الذي حليفه الزمان، وفيه ما يجعل النص نفسه يدخل ميدان المنافسة مع قرائه.
وأحسب أن أجمل ما فيه أنه لم يجعلنا نتفق.
فلو اتفقنا من القراءة الأولى، لربما مات النص عند أول منزل.
أما وقد اختلفت مسالكنا، فقد بدأت الرحلة.
وأقولها ممازحا وموقنا في آن:
ابن البادية ذات يوم آت.
ولست أقولها تهديدا، بل وعدا.
فأنا لا أحب أن أرسل القول وحده؛ نحن قوم إذا وافق قولنا فعلنا، وإذا وعدنا وفينا.
ومن كان في حاجة إلى جواب، فليُرسل سؤاله حكيما ولا يوصه.
أما الآن، فهذه قراءة أخرى أضعها إلى جوار قراءة عواد، وقراءة غانيا، وما سيأتي بعدهما، وأترك لـ«المهاتر» أن يفعل ما يفعله النص الحي: يفتح لنا بابا، ثم يطالبنا بأن نكتشف بأقدامنا إلى أين يقود.
ولعلنا لم نبدأ بعد إلا أولى الصولات والجولات.
فالكلمة إذا اشتدت لا تحتاج إلى صخب، والفكرة إذا امتلكت ناصيتها لا تحتاج إلى سوط.
يكفيها رسن محكم، وفارس يعرف متى يشد ومتى يرخي.
حي الله عواد، وغانيا، وكل من قرأ وأجاد.
فالمنصة لـ«المهاتر» تتسع، والرقم الأول ما زال للزمن، ونحن جميعا ركاب طريق واحد؛ لكن لكل منا أثره على الرمل.
ومن عرف أثره، عرف طريقه...

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...