أ. د. عادل الأسطة - خربشات ١٧ آب من كل عام

١
كم منهجا نقديا يحتاج الناقد الأدبي ؟:

سؤال أثاره ( axsel spree ) في كتابه " نقد التأويل " أما ( harald fricke ) في كتابه " الأدب وعلم الأدب ..مساهمات لأسئلة رئيسة لمذهب غير مؤكد : تنافس المعايير العلمية في موضوع غير علمي " فإنه يذكر المناهج الآتية:

1 - التفسير الباطني للنص .
لا يكون العمل الأدبي علميا إلا من خلال النص نفسه .
2 - التأويل .
العمل الأدبي يجب أن يطابق قصد المؤلف .
3 - نظرية التلقي .
يتحقق العمل الأدبي من خلال القاريء .
4 - الشعرية اللغوية .
يتحقق العمل الأدبي من خلال نظام اللغة
5 - تحليل الخطاب .
يتحقق العمل الأدبي من خلال تشكله الخطابي / النص من خلال النصوص/ التناص الأدبي .
6 - الوضعية .
يتحقق العمل الأدبي من خلال قصة حياة مؤلفه .
7 - الماركسية .
يتحقق العمل الأدبي أساسا من خلال الوضع الطبقي لعصر المؤلف .
8 - قصة التأثير .
يتحقق العمل الأدبي من خلال التغيرات التاريخية لأفق انتظار قارئه .
9 - نفسية القاريء . يتحقق العمل الأدبي من خلال مراقبة تغيرات سلوك صاحبه .
10-التحليل النفسي . يتحقق العمل الأدبي من خلال اللاوعي في الجهاز النفسي للمؤلف .
11 - علم اجتماع الأدب . يتحقق العمل الأدبي أساسا من خلال نظام الاتفاق - العقد المبرم - لقاريء أدب ما .
هات حلها يا عادل الاسطة مع كثيرين .
لماذا يغضب الأدباء ولماذا غضب منك ، ذات نهار ، محمود درويش ؟

٢
ألح علي أمس وأول أمس أمران
أن أكتب عن قصيدة عبدالله البردوني " الغزو من الداخل "
والثاني ان أكتب عن رسائل امرأة مجهولة لا تقليدا ل( اشتيفان زفايج ) في قصته " رسالة امرأة مجهولة " وإنما لأن هناك امرأة \ رجل يختفي وراء امرأة \ جهة مخابراتية ..الخ..الخ..ترسل لي رسائل غزل.
ربما يكون مقالي غدا في الايام الفلسطينية واحدا من الموضوعين فقد أنجزته وارسلتهما للصحيفة هذا الصباح وربما لا يروقان ل
أكرم ربما 1 مسلم ..ربما

٣
كل شيء مربك :

ما يجري في سورية يزيدنا ارتباكا.
لقد قررت أن أخرج من هذا العبث باللجوء إلى الحديقة أتأمل الأشجار وإصلاح البيت ، ولكن سورية كانت تلاحقني في كل خطوة .
ماذا يفعل السوريون العاديون الآن ؟
ماذا نفع القرش الابيض في هذا الزمن الأسود ؟
لماذا نعمر ونبني ما دام كل شيء إلى دمار وزوال مرتين مرة بيد الخالق والثانية بيد الحاكم العربي واللحى أيضا ؟
أنا حقا مرتبك وحزين والشام تقتلني كل يوم مع أنني قررت ألا أتابع الأخبار .
طز فينا وفي زعاماتنا واحدا واحدا .!

٤
خفة الكائنات غير المحتملة 25 :

كتبت إلي قارئة تطلب مني أن أجعل خربشاتي مادة لرواية ضخمة . القارئة اسمها على الفيس مستعار ، ولما اقترحت عليها أن تفعل هي ما تقترحه ، وأنا سأسامحها في الخربشات فقط ، لا في سرقة مقالاتي وبيعها ، فتلك سرقة ، أجابتني بأنني غدوت كائنا غير محتمل .
لم أشطب اسمها من قائمة اﻷصدقاء ووضعت على تعقيبها ( لايكا ) - أي أبديت إعجابي .
ثانية كتبت لي :
- إن كائناتك غير المحتملة هذه اﻷيام كثيرة .
ولم أجبها .
حقا إن الكائنات غير المحتملة هذه اﻷيام كثيرة ، وما أكثرها ، خاصة ممن أتعامل معهم .
أعرف عجزنا وضعفنا وأعرف ما كتبه صادق جلال العظم في كتابه " النقد الذاتي بعد الهزيمة " عن سلبيات الشخصية العربية ، وما أكثرها ! التبرير والاتكالية وإلقاء اللوم على الآخرين وتضخيم الذات والهروب من المواجهة وإلقاء اللوم على الآخرين ، وفي حالتي ﻷنني أنتقد " محاربتي بأمور شخصية " .
حين يدرك أكاديمي عجزه وضعفه العلمي يحاربني شخصيا .
حين يزور ( بشدة على الواو من التزوير ) مسؤول يحاربني صحيا .
حين يعين زميل في قسم ما وتعترض فسيحاربك الآخرون أخلاقيا ، وهكذا دواليك .
( تقول لهم إن القسم ليس بحاجة لتخصص كذا ، وهو بحاجة لتخصص كذا ف ... والبرنامج يقول الأشياء فلماذا تقولها أنت أصلا . يا لك من ح ...) وحين تبدي رأيا لا يروق للآخرين يحركون صغارهم أو إخوتهم أو ..
هناك كبار سنا صغار أخلاقا .
وهناك حملة دكتوراه صغار عقلا وأخلاقا .
و ..
وهذا الصباح جاء في الأخبار أنه تم في جنين اكتشاف مكان لزراعة المرغوانا والمخدرات . سينسى الناس قصة صاحب الزراعة ، اذا ما كان مسؤولا مهما ، بل وقد يجعلون منه تقيا ورجل اصلاح ، ولن ينسى مجتمعنا كله ؛ في المدينة وفي القرية وفي المخيم وفي الجامعة قصة " فص حلاق القرية " . وكنت أوردت المثل في روايتي " الوطن عندما يخون " التي زوروها أيضا فحذفوا منها ما حذفوا ، مثل ما فعلوا بكتابي " جدل الشعر والسياسة والذائقة : دراسة في ظاهرة الحذف والتغيير في أشعار محمود درويش " ومثل ما حجب عني محمود درويش نفسه جائزة توفيق زياد في 1996/ 1997بسبب كتابي " ظواهر سلبية في اشعار محمود درويش " ...

٥
نقرأ ما يكتبه طلاب آلماجستير ثلاث او أربع قراءات قبل ان يسلموا الرسالة للمناقشة ، ونصحح لقسم منهم أخطاء بالجملة ثم نكتشف أنهم كتبوا لنا الدكتوراه والماجستير والأبحاث......و...ويصدقهم بعض حمقى .
تعالوا شوفوا مسودات ....إلخ

٦
كل من يدرس ماجستير ويشرف على رسائل او يناقش رسائل ينبغي ألا يزيد نصابه عن 9 ساعات تدريسية أسبوعيا ، والذين اتخذوا قرار رفع العبء التدريسي إلى 12 ساعة لم يدرسوا ولم يشرفوا على رسائل ، وربما ناقشوا رسالة أو رسالتين .
أنفق ثلاث ساعات يوميا لقراءة عشر صفحات ، وكان الله بالعون .

٧
اليوم صباحا :
اليوم صباحا كنت أنت عامل نظافة . ماذا تفعل عندما تنظر إلى الحديقة ولا ترى سوى بقايا حسنات الأطفال ؟
ليس ثمة أم تعلم أبناءها وبناتها شيئا ما حول نظافة الحيز العام / الحديقة أو الشارع .
الأم تلقي ب ( جالونات ) الزيت أو بزجاجات العصير أو البيبسي من شقتها ولا تكترث ، والأب أو الابن الذي يدخن يلقي بقمع السجائر أو بعلب الدخان الفارغة هنا وهناك ؛ في الممر وفي الحديقة ، فكيف يكترث الاطفال وهم يفرغون ظروف الشيبس وعلب الكولا والعصير ؟
اليوم صباحا كنت أنت عامل نظافة . وستكتشف انك تتحرك ببطء . هل ستشتم الآباء والأمهات والأولاد ؟
ما فيش فايدة . نحن شعب ميؤوس من إصلاحه . تعتقد ذلك ومع ذلك تحاول شيئا . وتتذكر كلام صديق : " البلد اللي ما بتعرف حدا فيه شخ واخر فيه " وكل ما هو خارج البيت للعرب مكب نفايات ومراحيض .
17 / 8 / 2017

٨
وأنا أتابع أخبار توزيع الجوائز والتكريمات والاختيارات في الجانب الثقافي في فلسطين أردد بيتي الشعر:
مما يزهدني في أرض أندلس
ألقاب معتضد فيها ومعتمد
ألفاظ مملكة في غير موضعها
كالهر يحكي انتفاخا هيئة الأسد.
17 آب 2018

٩
حين لا تسأل عن امرأة ما ، أو عن شخص عرفته ظانا أنه صديق أو عن وظيفة ما ، لا يعنيك ما يصدر حولهم من تلميحات أو تغييرات القصد منها استفزازك أو إغاظتك أو قهرك أو بعث مشاعر الغيرة .
ببساطة ، حسب اقتراح حنان صديقة لندن في رواية جوخة الحارثي " سيدات القمر " ، عليك أن تعمل في عقلك للمرأة أو للشخص أو للوظيفة ( ديليت Delete ) .
١٧ آب ٢٠١٩ .

١٠
الست كورونا : شريحة ( غيتس ) وخيال السجين العصي 51

وأنا أقرأ مسودة رواية الأسير والروائي كميل أبو حنيش " جهة سابعة " توقفت أمام فقرة يأتي فيها أنا المتكلم / الأسير على قدرة السجان في ملاحقة الأسرى وإيهامهم بأنه يعرف كل صغيرة وكبيرة عنهم .
هل يعرف السجان بم يحلم السجين أيضا ؟
في الرواية تنقذ الجهة السابعة أحلام الأسير من ملاحقة السجان ، فالأخير لا يملك محاسبة السجين ولا يقدر على اقتفاء آثاره حين يحلم .
" هي جهتك الحرة التي تحول فيها عوالمك إلى أزمنة و أمكنة فنتازية فنرسم خارطة ذهنية تدرك من خلالها درب الحلم " .
إن صح أن الشريحة التي ستزرع فينا ستحاسبنا على أحلامنا ، فمعنى ذلك أن ( غيتس ) حل محل ... وأستغفر الله لي ولكم ، ومعنى ذلك أننا كلنا أكلنا هواء ، فمن منا بلا أحلام ارتكبت المعاصي كلها .
لا أحد سيرجم الزانية من الآن فصاعدا - من لحظة زرع الشريحة في خلايانا . غفرانك اللهم واخلع رقبة ( غيتس ) قبل فوات الأوان .
١٧ آب ٢٠٢٠

١١
كما لو أننا هنود حمر ، كما لو أننا سود جنوب أفريقيا قبل أربعة عقود :

عندما علا صوت المآذن صباح أمس يقرأ فيه القاريء الآية القرآنية ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا ... ) قلت :
- خير ! اللهم اجعله خيرا .
وذهبت بي الظنون مذاهب شتى ، فتساءلت إن كانت شخصية كبيرة مهمة انتقلت إلى رحمته تعالى وهي على رأس عملها ، وسرعان ما اتضح الأمر .
الشهداء كانوا أربعة من جنين ، وسرعان ما تذكرت قول الشاعر مظفر النواب في أبناء جنين ومخيمها في نيسان ٢٠٠٢ :

" هذا الفتى البهي من جنين
حذاؤه أشرف منهم جملة ومفردا
هيهات أن يلين " .

وظللت عصر أمس استمع ، من خلال إحدى الإذاعات ، إلى الأغاني والقصائد الوطنية التي تليق بالمناسبة ويتكرر بثها كلما جدت مناسبة ، وما أكثر ما تتكرر اعتداءات جنود شعب الله المختار على " الغوييم " من الفلسطينيين !
كما لو أننا صرنا الهنود الحمر الذين قتلهم الرجل الأبيض يوم استعمر أميركا ، وشاعرنا استعار حكاية الهنود الحمر وجعل أحدهم يلقي خطبته ما قبل الأخيرة أمام الرجل الأبيض . هل كان محمود درويش في قصيدته يلقي خطبتنا ما قبل الأخيرة أمام أبناء الشعب المختار ؟
كما لو أننا صرنا زنوج جنوب أفريقيا قبل أن تتهاوى دولة جنوب أفريقيا العنصرية ، أيام كان السود يعيشون في معازل خاصة - إن خرجوا منها أطلق الرجل الأبيض عليهم الرصاص !!
هل صارت جنين ومخيمها وقراها معازل للفلسطينيين ينبغي أن يعيشوا فيها كما كان السود في جنوب أفريقيا يعيشون ؟
آخر ما قرأته عن الحلول السياسية المقترحة من دولة أبناء العمومة حل الإقصاء ؛ إقصاء الفلسطينيين ممن يقيمون في منطقتي ألف وباء ، بل ومنطقة ج ، عن المناطق اليهودية بحيث لا تحدث احتكاكات . هل الاغتيالات تمهيد لهذا وتحذير للفلسطينيين أيضا ؟
وأنا عائد مساء من غرب نابلس إلى شرقها عرفت أن المستوطنين سيدخلون الليلة إلى مقر قبر النبي يوسف ليتعبدوا فيه . هذا يعني أن على الفلسطينيين الانسحاب من المكان ، ويعني أيضا أن من لا ينسحب قد يعرض نفسه للخطر ، وما أكثر ما يعرض الشباب أجسادهم للخطر ، إذ يعدون ويستعدون لقذف المستوطنين وسيارات الجيش التي تحرسهم بالحجارة ، وفوق هذا إغلاق الشارع وإشعال الإطارات المطاطية .
على زاوية الشارع القريب من مقر النبي يوسف يبيع يوميا ، مساء ، صاحب سيارة الشاورما ، وغالبا ما يكون الزبائن ينتظرون دورهم . الليلة لم يكن صاحب المطعم المتحرك موجودا ، وعرفت من أخي أن المواطنين الفلسطينيين يكونون، من خلال وسائل التواصل الاجتماعي ، على علم بقدوم المستوطنين ، وأن عليهم - أي المواطنين - أن يخلوا الشوارع وأن يغلقوا المحلات ، حتى يقرأ المصلون أسفار توراتهم بهدوء ، فيتقبل الله طاعاتهم ويباركهم ويفضلهم على العالمين .
كما لو أننا الهنود الحمر ، كما لو أننا سود جنوب أفريقيا في القرون الماضية !!
هل ستكون نهايتنا نهاية الهنود الحمر أم ستكون نهاية دولة الاحتلال نهاية دولة جنوب أفريقيا قبل ثلاثة عقود ؟
الطريف أنني وأنا جالس ظهرا في مقهى رصيف جلس إلى جانبي أحد معارفي ممن يعملون في فلسطين المحتلة ١٩٤٨ وأخذ يتحدث معي ويكيل لأبناء العمومة المديح بلا حساب . هل رأى فيما كتبته مرة تحت عنوان " في مديح الاحتلال " كتابة جادة لا كتابة ساخرة ؟
رحم الله شهداءنا وألهم ذويهم الصبر والسلوان ، والخزي والعار للقتلة .
خربشات عادل الاسطة التي لا تنتهي . ( ذاكرة سهام داوود )
١٧ آب ٢٠٢١ .

١٢
جهة ما لعلها الاتصالات أو لعلها جهة أمنية من هنا أو من هناك أو لعل جهازي مصاب بفايروس ايدز أو فايروس كورونا ، جهة ما تلعب .
في هذا الصباح وجدت رسالة جاءتني من جوال على حسابي على الشاشة فقلت أقرأها .
الجهاز لم يكتف كالعادة ببصمة الإصبع فطلب مني رقم هاتفي وكلمة السر التي نسيتها .
أصر جهاز الهاتف على رقم هاتفي وكلما كتبته أعلمني الجهاز أنه ليس رقم هاتفي وهو
0598100734 .
حاولت ولكن عبثا .
جوال تلعب أو جهة أمنية تلعب أو أن الجهاز مصاب بالايدز أو بفايروس كورونا . كأن لا يكفينا المستعربون والغزو ورحم الله الشاعر اليمني عبد الله البردوني صاحب قصيدة " الغزو من الداخل ":
فظيع جهل ما يجري
وأفظع منه أن تدري
وهل تدرين يا صنعا
من المستعمر السري ؟
غزاة لا أشاهدهم
وسيف الغزو في صدري .
١٧ آب ٢٠٢٢

١٣
مقال الأحد ل ٢٣ أيلول ٢٠٢٢

في ذكرى ادوارد سعيد :

عادل الأسطة

لم أقترب من الكتابة عن إدوارد سعيد ببساطة لأنني لم أتعمق في قراءته ومتابعة أعماله كلها متابعة حثيثة ، وحين طلب مني قبل سنوات طلاب قسم اللغة الإنجليزية في جامعة النجاح الوطنية أن أحاضر عنه اقترحت عليهم أن يتصلوا بالدكتور وليد الشرفا ، فقد كتب أطروحة الدكتوراه الخاصة به عن إدوارد سعيد ، وما سبق لا يعني أنني لم أكن من أسبق من عرفوا بتتاجه في الأرض المحتلة ، ففي ثمانينيات القرن العشرين قرأت كتابه " الاستشراق " من ترجمة الدكتور كمال أبو ديب ، وواصلت قراءته في " الثقافة والإمبريالية " وفي تسعينيات القرن العشرين قرأت كتبه عن أوسلو .
عندما اقتنيت " الاستشراق " راقت لي المقدمة التي كتبها أبو ديب فكدت أدرسها في مساق اللغة العربية ، واقترحت هذا على زميلتي في المكتب ساهرة فخر الدين ووسام عبد الهادي اللتين أوصيتاني بشراء نسخة من الكتاب الذي توفر في حينه في مكتبة المحتسب في القدس .
في آذار من هذا العام صدر كتاب عن سلسلة عالم المعرفة الكويتية ل ( تمثي برنن ) من ترجمة دكتور محمد عصفور ووصل إلى الضفة الغربية في آب فاقتنيته وأخذت أقرأ فيه ومما لفت نظري ....

٢٣ أيلول ٢٠٢٢ وتوفي في ٢٥ ايلول
كتاب سلسلة عالم المعرفة ترجمة محمد عصفور .
علاقة سعيد بأهله وميله إلى العزلة وعلاقته بابيه وزواجه الأول من مايرة ..
المهم ما لاحظه ( يوري لوتمان ) الناقد البنيوي التكويني في تحليله النصوص الرومانية والثنائيات فيها : العباقرة والجموع وما لاحظه بخصوص العزلة والوحدة والميل إلى الشعبية .
هل كان إدوارد سينحز ما أنجزه لو كان شعبويا ورد على أبيه باستقبال ضيوفه؟
توفي في
٢٣ أيلول ٢٠٠٣ .

١٤
غسان كنفاني : قوة التأثير

عادل الأسطة
إلى
عمر شبانة " مقدمة "

عندما يحصي المرء الكتب والدراسات والمقالات التي كتبت عن غسان كنفاني ونصوصه ويقرأ أكثرها يتساءل إن كان يمكن أن يكتب شيئا يشكل إضافة إلى المنجز .
ظلت الفكرة السابقة تراودني طيلة عقود ولهذا لم أفكر لحظة في إصدار كتاب عن شخصيته وأدبه ، واقتصرت مساهماتي على كتابة مقال في ذكرى رحيله أو المشاركة في ندوة تعقد عنه أو في برنامج تلفزيوني يقف وراءه محبوه وما أكثرهم . ويبدو أنني اكتفيت بهذا وبتدريسه في الجامعة في مساق الأدب الفلسطيني ، إذ صار أدبه وحياته ركنا ثابتا من أركان المقرر الجامعي .
في ثمانينيات القرن العشرين كتبت مقالة طويلة عن الأرض في قصصه ورواياته ومقالة عن رواية " أم سعد " تحت عنوان " أم سعد والرؤية الشاملة لطبيعة الصراع " وهي عرض للرواية أكثر منها تحليلا لها وللصراع ، وعندما شرعت في كتابة رسالة الدكتوراه وموضوعها " اليهود في الأدب الفلسطيني بين ١٩١٣ و ١٩٨٧ " وجدتني أقرأ رواياته من جديد وأتوقف أمام صورة اليهود فيها ، ووجدتني أتابع ترجمات أعماله إلى الألمانية ، فانفتح لي باب جديد لم يطرقه الدارسون . ترجمت بعض ما كتب عنه بتلك اللغة ودرست ما كتبه الدارسون الألمان عن الأدب الفلسطيني ، وقادتني معرفتي بالألمانية إلى قراءة رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة جديدة " المكتوبة بالألمانية ورواية ( ليون اوريس ) " اوكسودس " المترجمة إليها ، فانفتح لي باب ثان لم يطرقه أي دارس من قبل وهو صلة نصوص غسان بالأدب الصهيوني وأثره في تشكيلها ، فالذين كتبوا دراسات مقارنة بين أدب غسان والآداب الأخرى ، مثل رضوى عاشور ومحمد صديق وفيحاء عبد الهادي وغيرهم ، درسوا تأثره ب ( وليم فوكنر ) و ( برتولد بريخت ) بالدرجة الأولى ، وربما ب ( مكسيم غوركي ) لاحقا .
ولأنني لم أكتف بالتدريس الجامعي وإلقاء الندوات في ذكراه أو المشاركة في برامج تلفزيونية عنه ، إذ ارتبطت بالصحافة وكتبت فيها مقالا أسبوعيا يجب أن أنوع فيه ، فقد وجدتني في كثير من مقالاتي أستحضر غسان ونصوصه ، ويبدو أنه كان لها سطوة وتأثير كبيران في ذاكرتي ، وإذا كان الشيء بالشيء يذكر فإن كثيرا من الأحداث التي مر بها الفلسطينيون بعد استشهاده استحضرت أحداثا شبيهة مر بها وكتب عنها ، وهكذا صارت نصوصه تتناسل فيما أكتب .
لم يقتصر الأمر على تشابه الأحداث التي اقتضت بالضرورة استحضار نصوصه ، وإنما امتد إلى نصوص غيره من الكتاب الفلسطينيين الذين واصلت قراءتهم مثل إميل حبيبي ومحمود درويش وأحمد دحبور وسعاد العامري وإياد شماسنة وآخرين ، ما جعلني أثير أسئلة التأثر والتأثير : أيهما تأثر بالآخر ؟ ، فهؤلاء الأدباء قرأوا كتاباته ليس من شك في ذلك .
لقد أثرت أسئلة أكثر مما توصلت إلى أجوبة ، فغسان قرأ أدب المقاومة وكتب عنه ، وأدباء المقاومة - كما ذكرت - قرأوا أدبه وكتبوا عنه ، وحين استشهد رثوه وكتبوا فيه نثرا وشعرا .
في العام ١٩٩٨ نشر كتاب جديد لغسان عنوانه " فارس .. فارس " أشرف على إصداره الناقد اللبناني محمد دكروب جامعا فيه مقالات كتبها غسان ونشرها في الصحافة ولم تجمعها لجنة تحليد آثاره ، وعندما قرأت هذه المقالات اكتشفت في غسان ما لم أقرأه في الدراسات عنه وما لم يبرز في رواياته وقصصه ومسرحياته ، اكتشفت فيه كاتبا ساخرا وناقدا وكاتب مقالة ، وهو ما اكتشفه قبلي محمد دكروب الذي ظل اكتشافه رهين الكتاب ، فآثرت أن أعزز اكتشافه وأن أنقله إلى الصحافة وأن اتوسع فيه ما أمكن ، وهكذا كتبت سلسلة مقالات استوحيتها من مقالات غسان " فارس .. فارس " .
عندما أصدر عدنان كنفاني كتاب " معارج الإبداع " الذي ضم فيه كنابات مبكرة جدا لغسان وجدتني أكتب عنه أيضا ، ووجدتني أثير تساؤلات حول أسئلة أثارها غسان في رواياته صارت أسئلة شبه مقدسة تصلح لكل زمان فلسطيني ، علما بأن الواقع الفلسطيني يقول غير ذلك .
" لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟"
ولقد دق الفلسطينيون جدران الخزان منذ ١٩٦٧ ألف مرة وما زالوا يدقونه ، ومع ذلك تتسع رقعة المنفى وتزداد حياتهم قسوة ، والأرض التي قال عنها غسان في " ما تبقى لكم " و " العاشق " إنها تتعاطف مع الفلسطيني ، الأرض هذه اختلفت كليا عما كانت عليه واختلفت بالتالي معرفة الفلسطيني بها ، وإذا كانت تعاطفت مع حامد في " ما تبقى لكم " وعبد الكريم في " العاشق " فإنها لم تخف زكريا الزبيدي وإخوانه الذين حرروا أنفسهم ، منذ فترة ، لأيام .
كل ما سبق ارتبط بمقولة نظرية التلقي الألمانية التي جعلت العلاقة بين النص والقاريء ورأت أن القراءات تتعدد بتعدد القراء وأن قراءة نص واحد من قارئين مختلفين تؤدي إلى قراءتين مختلفتين ، بل إن قراءة القاريء لنص واحد في زمنين مختلفين تؤدي إلى قراءتين مختلفتين .
كان غسان كنفاني كاتبا مشتبكا مع واقعه ، ولأن التجربة التي عشتها لا تختلف كثيرا عن التجربة التي عاشها : اللجوء والصلة بالمخيم والتعامل مع الطلاب اللاجئين ، فقد وجدتني أشتبك مع نصوصه أيضا وأقرأها قراءة المتعاطف معها وأكثر ، بل لقد اكتشفت ان بعض ما كتبه عن شخصياته القصصية لا يختلف كثيرا عما عرفته من شخصيات .
هذا الكتاب يضم كتابات اشتبكت فيها مع غسان ونصوصه وواقع شبيه بواقعه ، بل هو استمرار له ، وهي كتابات تبين مدى سطوة النصوص الأدبية وقوتها وفاعليتها أيضا . ربما هذه الكتابات ارتبطت بالصحيفة والبعض يعد هذا مأخذا ، ولكنها ذات قيمة تتمثل في تواصلها مع القراء والواقع المعيش أيضا ، فمن منا حين يتابع الحروب المتواصلة على غزة لا يتذكر قصة غسان " ورقة من غزة " .
في قصته " درب إلى خائن " يكتب غسان عن الأخ الذي يريد أن يتسلل في خمسينيات القرن العشرين إلى اللد ليقتل أخاه الخائن ، وفي أوائل القرن الحادي والعشرين يكتب يحيى السنوار رواية " الشوك والقرنفل " وفيها يأتي على مقاوم يقتل أخاه العميل ، وكثير من الأحداث في الواقع الفلسطيني تتكرر .
قد لا يكون هذا الكتاب أكاديميا منهجيا ، فهو كتابات أنجزت في فترات متباينة مختلفة وممتدة ، ولكن قيمته تكمن في أنه يتناول كاتبا ونصوصه ؛ كاتبا لا يمر عام عليه منذ استشهاده في ٨ / ٧ / ١٩٧٢ دون أن تعاد طباعة أعماله وتقرأ وتناقش ، وهذا ما لم يتيسر لكتاب فلسطينيين كثيرين .
١٧ آب ٢٠٢٢ .

١٥
زكريا محمد وغسان كنفاني : ما هو الوطن ؟ خيبة العائد .

هل تأثر زكريا محمد في " عصا الراعي " وبعض مقالاته بغسان كنفاني وروايته " عائد إلى حيفا " ؟
مرة تساءلت : هل تأثر كنفاني في أثناء تعريفه الوطن باميل حبيبي ؟
كان سبب سؤالي هو إعادة قراءة قصة قصيرة كتبها إميل حبيبي في خمسينيات القرن ٢٠ هي " بوابة مندلباوم " ، إذ تساءل ساردها عن مفهوم الوطن ( الأيام الفلسطينية ٢٤ / ١ / ٢٠٠٦ ) .
لم يشع تعريف حبيبي للوطن وظل طي النسيان ، وفي المقابل أورد سؤال كنفاني وتعريفه عشرات الدارسين ، وحين كتبت عن الوطن في شعر إبراهيم طوقان ، في العام ١٩٩٤ ، كنت واحدا ممن اقتبسوا سؤال كنفاني وتعريفه . صار سؤاله يقتبس بكثرة ويمكن أن يتأكد المرء من هذا إن بحث عنه في غوغل أو في الفيس بوك .
في " عصا الراعي " يقترح عادل على السارد أن يبحثا عن الذهب ، فالمشكلة عامة والخلاص فردي ، ويسحق السارد فيعيد تعريف ذاته ويتساءل : ما هو الوطن ؟ أهو روح الإنسان تتركز في كلمة واحدة ، أم هو كذبة لإرسال الناس إلى الموت ؟ أم لعله وهم عليك أن تعبره حتى تكتمل أنت ؟
والسارد لا شك أنه زكريا نفسه ، فقد كتب مقالا مطولا تحت عنوان " أهذا هو الوطن ؟" وأعاد نشره في كتابه " الراهب الكوري : سفر وأشياء أخرى " ( ٢٠٠٥ ) يأتي فيه على عودته ، بعد اتفاق أوسلو ، إلى الضفة الغربية ، وفي الوطن يلح عليه المنفى بحيث يرغم الذاكرة على تحويل المنفى إلى موضوع لها ، بدل أن يكون الوطن هو الموضوع . أهذا هو الوطن في الحقيقة ؟ أهذه هي العودة في العمق ؟ .
عندما يزور زكريا قريته يراها في النهار شبه خاوية . لقد تركها قبل سفره وأهلها فلاحون " وها أنا أعود إليها وأهلها عمال . كانوا يمضون في الصباح إلى تلال الزيتون ، أما الآن فيمضون إلى المزارع والمصانع الإسرائيلية . لقد انقلب كل شيء بسرعة خارقة ، لكنه انقلاب غريب ومدمر . ... " .
يحزن زكريا لما آلت إليه القرية " عادات استهلاكية غريبة ومخيفة " . تماما كما صار خلدون في رواية كنفاني دوف .
حين يسير زكريا في القرية مع أحد أبنائها الشباب الذين لم يغادروا القرية يرى الفيجن فيعرفه " أما زميلي الذي لم يغادر القرية فلا يعرف الفيجن أصلا " .
" وقلت في نفسي : أهذا هو الوطن ؟ أن يتعرف أنفك على نبتة الفيجن في الجبال في الوقت الذي لا يدري من هو أصغر منك ، ومن لم يغادر ما هو الفيجن ؟ أهذه هي العودة ؟ " .
كأننا نقرأ في رواية كنفاني " عائد إلى حيفا "! أهو تشابه التجربة أم أن الكتابة كتابة على الكتابة وما أرانا نقول إلا معادا مكرورا ، وزكريا كما كتبت تحت عنوان " زكريا محمد ومحمود درويش " يقول إنه هامش على متن !!
١٧ / ٨ / ٢٠٢٣

١٦
يوميات غزة ( ٣١٦ ) :
نزوح متكرر وفيروس شلل أطفال وموت صامت

من نزوح إلى نزوح ، وفي المنفى كان الأمر مختلفا . من منفى إلى منفى وهو ما عبر عنه محمود درويش في " مديح الظل العالي " وفي مجموعته " هي أغنية .. هي أغنية " وبدا واضحا في قصيدة " نزل على بحر " التي قال فيها زيارتنا قصيرة / لا تسألونا كم سنمكث بينكم / لا تسألونا . ولا أعرف ماذا كان سيكتب لو عاش منذ ٧ أكتوبر في غزة حيث النزوح المتواصل الذي تعبر عنه كتابات المقيمين هناك مرفقة بأشرطة فيديو ، وهو ما لاحظته أمس في صفحة ام ايمن الصوص وفي صفحة نعمة حسن .
لا يستقر الغزيون في مكان لفترة ، فما إن ينزحوا إلى مكان حتى يطلب الإسرائيليون منهم إخلاءه إلى مكان آخر ، وهات حلها يا حلال الأمور . صارت كلمة إخلاء شائعة بكثرة ومرادفة لكلمات مثل حرب وهدنة ونزوح وقتل وجرحى وخيمة وجوع ومرض و ... الخ
المصيبة الكبرى الآن هي انتشار فيروس شلل الأطفال حيث اكتشفت أول أمس حالة تنذر بكارثة ، وفي صفحة الدكتور Riyad Awad كتابة مفصلة عن شلل الأطفال الذي عرفت غزة آخر إصابة فيه في العامين ١٩٨٢ و ١٩٨٣ .
هل نبالغ حين نصف الحرب بأنها مقتلة ومهلكة وحرب إبادة ؟
منذ بداية الحرب فكر إسرائيليون بالقضاء على سكان غزة بالأمراض ، وها هي بوادر أخرى .
أمس سمعت ان عدد الموتى في غزة قارب المائة ألف فاستغربت لأن ما يعلن عنه من وزارة الصحة هناك لم يجاوز الأربعين ألفا بالإضافة إلى عشرة آلاف فقيد .
اليوم صباحا قرأت في صفحة Fadel Ashour يوميات يكتبها Taysir Abd تحت عنوان " يوميات الخيمة " وقرأت اليوميات رقم ٣٨ ، فلم أستغرب أن يكون عدد الموتى قارب المائة ألف إذا ما أخذنا بعين الاعتبار من ماتوا قهرا وغما وهما ومن ماتوا ممن يعانون من أمراض مزمنة احتاجوا إلى دواء فلم يحصلوا عليه . علينا أيضا ألا ننسى من مات جوعا و ... واقرأوا يوميات تيسير عبد وقد أحلت إلى صفحته وصفحة فضل عاشور أيضا .
أمس انشغلت بالخبر الذي كتب مع شريط فيديو عن ٨٠٠٠ مواطن فلسطيني من فلسطين التاريخية ذهبوا إلى الأردن لحضور حفلة يحييها المغني وائل كفوري . أدرج الخبر د.بلال شبير في صفحته ونقلته عنه ثم حذفته ، والتعليقات التي قرأتها قالت لي لماذا لم تنجح جهود المصالحة بين فتح وحماس مدة ١٧ عاما .
الله المستعان
١٧ / ٨ / ٢٠٢٤

١٧
مساءات جنين :

وأنا أسير عصر هذا اليوم في شوارع نابلس التقيت بالصديق عطا يامين ، فسألته إن كان عاد حديثا من الدولة الاسكندنافية التي استقر فيها .
عرفت منه ، وهو فنان أقام غير معرض لمنحوتاته وأشغاله الخشبية ، أنه ، منذ لقائنا الأخير قبل عام تقريبا ، لم يسافر ، وأنه قرر البقاء هنا ، ليموت في بلاده ويدفن في ترابها ، فذلك أفضل من أن تحرق جثته بعد عشرين عاما من دفنه هناك إن مات .
- وهل تحرق الجثة بعد عشرين عاما من وفاة صاحبها ؟
- طبعا وإلا فلا بد من أن يدفع ورثتك مبلغا من المال ، فالقبور هناك تؤجر لفترة .
قال لي عطا إن الحياة هناك غدت أيضا صعبة ، ما ذكرني برواية الكاتبة الفلسطينية سامية عيسى " خلسة في كوبنهاجن " ( ٢٠١٣ ) وحياة الفلسطينيين في غيتوات لا تخلو من مشاكل ، وقد تجادلت مع الكاتبة حنان باكير في هذا . Hanan Bakir ، ولكني لم أعد أذكر حيثيات الجدال بحرفيتها .
هل نكرر مع محمود درويش :
- إلى أين نذهب بعد السماء الأخيرة ؟
لعلكم تذكرون قصيدته " تضيق بنا الأرض ، تحشرنا في الممر الأخير " من مجموعة " ورد أقل " ( ١٩٨٤ ) .
عندما سألني عطا عن أخباري وماذا أفعل أجبته :
- إنني أتسكع في شوارع المدينة ساعتين يوميا وأتابع أخبار غزة لأكتب يومياتها .
لا جديد سوى أن دولة الاحتلال الإسرائيلي أعلنت عن انتهاء عمليتها العسكرية في قطاع غزة على الرغم من استمرار المقاومة الفلسطينية هناك وتكبيدها الجيش الإسرائيلي خسائر اعترف بها الناطق باسمه .
المساء هاديء في نابلس ومتوتر في جنين فقد قصفت مسيرة إسرائيلية سيارة يستقلها أربعة شباب زعمت المصادر الإسرائيلية أنهم منفذو عملية الأغوار قبل أيام .
مستقبلنا في هذه البلاد محفوف بالمخاطر ، ومع أنني أكرر غالبا سطر محمود درويش الشعري الوارد في " جدارية " وهو :
" لست النبي لأدعي وحيا وأعلن أن هاويتي صعود "
إلا أنني ، حتى قبل ٧ أكتوبر بكثير ، كتبت إننا في الطريق إلى جنوب أفريقيا ، وكنت أدرك أن القتل سيزداد وإن لم يكن بهذه الوحشية والقسوة والهمجية التي تجري في غزة .
١٧ / ٨ / ٢٠٢٤

١٨
غزة 681 :
حي الزيتون وغابات الأمازون

أمس أخطأ محلل الجزيرة العراقي أنيق الملبس ، فتحدث عن حي الزيتون حديثا أظهر فيه جهله ببيئة قطاع غزة ، وتحولت المأساة ، في وسائل التواصل الاجتماعي ، إلى ملهاة ومسخرة بمعنى الكلمة .
سخر كثيرون من خطئه الفاضح ، وبلغت السخرية ذروتها لدى أبناء قطاع غزة ؛ السخرية ليس من المحلل العراقي وحسب ، بل ومن قناة الجزيرة التي يسخر منها قسم من الغزيين مثل تيسير عبد Taysir Abd و رياض عواد Riyad Awad وآخرين ، وقسم يذهب إلى أكثر من السخرية ، فيتهم القناة بأنها قناة مشبوهة .
الخطأ خطأ شنيع لا يغتفر ، وقد نجم عن جهل المحلل بطبيعة البيئة التي يتحدث عنها وما هي عليه الآن تصورات لا تدخل رأس غزاوي .
في البداية ، قبل أن استمع إلى ما قاله المحلل ، قلت لعلها زلة لسان خلط فيها ما بين " حي الزيتون " و " غابات الأمازون " . أراد المحلل أن ينطق " حي الزيتون " فقال " غابات الزيتون / غابات الأمازون " ، ولكن حين استمعت إليه وجدت أنه يتحدث عن قتال غابات سيستدرج فيه المقاتلون القوات الغازية ، كما استدرجوها إلى حرب الأنفاق .
مرة سألت جارنا أبو نزار ، وهو ابن غزة ، إن ظل هناك بيارات برتقال في القطاع ، فأجابني بأن غزة الآن صارت غابة عمارات اسمنتية لا بيارات فيها .
في صفحة أبو أحمد سمور مثلا تقرأ الآتي حول خطأ المحلل :
" والله يا محلل ما ضل / ظل حطب في البلد ؛ لا شجر ولا أطقم نوم ولا خزانات ولا كنب ولا حتى بلاستيك ..
كله طبخنا عليه ..
ضايل أنت نطبخ عليك مع شجر الزيتون " .
و
" مين مفهم المحللين إنه حي الزيتون فيه غابات شجر زيتون .
وأنه حي التفاح كله شجر تفاح أحمر وأصفر وأخضر ،
وحي الدرج كله سلالم وفش فيه أسانسير ..
يا عمي هاتوا محللين عاشوا الواقع وشايفين الحقيقة ..

حرب غابات
مين هاض "
وليس لكم إلا أن تقرأوا التعليقات ومنها :
" اه وحي الصبرة ملياااان صبر وتل الهوى مليان هوى وهكذا وهكذا. "
و
" ع فكرة المقاومة تستدرج الاحتلال في غابات الزيتون لكثافته الزراعية ، تمهيدا لدخوله الكماين المركبة في غابات التفاح ، وبعدين بيصلوا الرمال في الربع الخالي .

وهيك بغرقوا برمال غزة " .
وما عليكم إن أردتم أن تتأكدوا من مقولة " الضحك من عمق الجراح " و " شر البلية ما يضحك " و " الضحك من رجوم الدمامة " إلا أن تتصفحوا ما كتب وأن تقرأوا التعليقات .
المأساة أمس تحولت إلى ملهاة . مسخرة ، وكانت الضحية قناة الجزيرة الفضائية القطرية وقطر أيضا .
عندما أكتب عن روائيين كتبوا عن أماكن لم يروها تندلع معارك أدبية بيني وبين بعض الروائيين .
مرة بحثت عن غزة في رواية كتبها عنها روائي لم يعش هناك فلم أجد غزة ، وقل الشيء نفسه عن القدس ، ومرة تجادلت والكاتب محمود شقير ، على صفحته ، في الموضوع ، وشارك كتاب كثيرون في النقاش .
والحكاية تتطول والحالة خربانة يا ليلى !!!
١٧ / ٨ / ٢٠٢٥

١٩
غزة 681 / 2 :
غزة - الأندلس

إن أحسنت الاستماع إلى ما قاله ، في هذا الصباح ، محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal مراسل إذاعة أجيال عن أحوال سكان مدينة غزة ، فإن المدينة ستغدو ، عما قليل ، أندلسا ثانية .
اليوم سيبدأ الاحتلال إدخال آلاف الخيم إلى قطاع غزة لتهجير سكان المدينة إلى الجنوب ، تمهيدا لتهجيرهم .
وصف محمد ما يفعله سكان غزة القديمة نتيجة لما يشعرون به : فقدان المدينة .
مواطنو غزة يزورون جوامعها وكنائسها ويتجولون في شوارعها ويلتقطون الصور لها كأنهم يودعونها .
هل سنقرأ " أحد عشر كوكبا على آخر المشهد الغزاوي " .؟
رحم الله الشاعر محمود درويش :
" - أتحسبها الأندلس ؟
- ولكنها طائر في يد مزقتها الرماح ولم تنبسط !"
ثمة بقايا أمل ما زالت تقبع في قلبي .

حالة تعبانة يا ليلى !
١٧ / ٨ / ٢٠٢٥

عادل الأسطة عادل الاسطةهوامش من وحي ما يجري في غزة :
محاكمة لوكللوس .. محاكمة عطاالله



في سبعينيات القرن ٢٠ أعادت منشورات صلاح الدين في القدس طباعة بعض مسرحيات الكاتب الألماني ( برتولد بريخت ) ومنها " دائرة الطباشير القوقازية " و " الاستثناء والقاعدة " و " محاكمة لوكللوس " ، ومنذ تلك الأيام صار اسم المؤلف معروفا لقراء فلسطين المحتلة ، ولما سافرت إلى ألمانيا درست ، مع الأستاذ ( Koegel ) ، المتخصص في مسرح ( بريخت ) ، المسرح الملحمي .
ركز الأستاذ على ثلاث مسرحيات هي " الأم الشجاعة وأبناؤها " و " الرجل الطيب من سيزوان " و " دائرة الطباشير القوقازية " وطلب منا ابتداء ، قبل الشروع بقراءة المسرحيات الثلاثة ومناقشتها ، أن نقرأ كتابا صغيرا ل ( بريخت ) عن مسرحه واختلافه عن مسرح ارسطو التقليدي ؛ مسرحه الذي عرفناه أيضا من خلال مسرح سعد الله ونوس ومنه " سهرة مع أبي خليل القباني " و " حفلة سمر من أجل خمسة حزيران " .
لم أدرس مع الأستاذ مسرحية ( بريخت ) " محاكمة لوكللوس " ، ولكنني منذ قرأتها سنة إصدارها ظلت عالقة في ذهني ، ولطالما استحضرتها في خربشاتي عن حروب غزة المتتالية منذ العام ٢٠٠٨ / ٢٠٠٩ ، واستحضرتها أكثر يوم كتبت عن أسطر نشرها ناشطو وسائل التواصل الاجتماعي ونسبوها لمحمود درويش . يومها كتبت خمس مقالات متتالية عن انتحال الأسطر التي غنتها كارول سماحة ففجرت ضجة " ستنتهي الحرب ويتصافح القادة ، وتظل تلك العجوز تنتظر ابنها ... "( راجع الأيام الفلسطينية في آذار ١٢ و ١٩ و ٢٦ ونيسان ٢ و ٩ من العام ٢٠٢٣ )
مؤخرا شاهدت مقابلات مع أمهات أسرى إسرائيليين ، ومؤخرا أصغيت إلى شريط فيديو يتحدث فيه رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) عن الدور المنوط به في توسع إسرائيل ، ومما قاله :
" أشعر أنني في مهمة تاريخية وروحية نيابة عن الشعب اليهودي " .
قال ما سبق بعد أن قالت ( عيناف ) والدة الأسير ( متان تسنغوكر ) في ٧ / ٨ :
" لقد وصلنا إلى نقطة اللاعودة . هذا المساء ، نتنياهو وشركاؤه يريدون أن يفرضوا الموت على متان ابني ، وعلى جميع الأسرى الأحياء ، يريدون أن يحكموا على الأسرى القتلى بالاختفاء الأبدي .
نتنياهو وحكومته الملطخة أيديهم بالدماء ينوون إرسال جنودنا إلى حتفهم في غزة . يجب أن نوقف هذا الجنون .....
ابتداء من هذا المساء سنجتاح الشوارع في أنحاء البلاد معا ... نتنياهو كذب علي ، لقد كذب علينا جميعا ، ليس لدى نتنياهو أي نية لإعادة أبنائنا ، لقد قرر قتلهم ، وحكم علينا بحرب أبدية ، وبمستوطنات من أجل بن غفير وسموتريتش .. "
في ١٨ / ٨ نشر مؤمن مقداد عن الصحف العبرية الآتي :
" يعكوف شقيق الأسير ألكاناه بوحبوت :
إن كان بن غفير بعتبر نفسه بطلا فليضع نفسه مكان أخي . على القائد أن يتصرف بقدر من الحكمة والتعقل ، خصوصا بعد أن عرفنا أن كل خطوة يقوم بها بن غفير تنعكس على الأسرى سلبا ، إذا كان همه هو إهانة الآخرين ، فهل من المنطقي أن يكون ذلك على حساب ومعاناة الأسرى ؟ " .
ما سبق من آراء صدرت عن قائد يخوض حربا بحثا عن مجد ، دون أن يكترث لإزهاق أرواح الجنود ، وعن أهالي جنود مفقودين ، أعادني إلى مسرحية ( بريخت ) التي نقرأ فيها عن قائد لا يختلف عنه ( نتنياهو ) كثيرا ، ونقرأ عن أم أيضا لا يختلف ما قالته له كثيرا أيضا عما قالته ( عيناف ) والدة الأسير ( متان تسنغوكر ) للثاني .
في مسرحية " محاكمة لوكللوس " يجري حوار بين القائد العظيم ( لوكللوس ) وبين الأم بائعة السمك الني تنتظر عودة ابنها من الحرب :
" - لوكللوس : يا له من سؤال ! هل كان علي أن أزحف بجيوشي ، لكي اقتنص كرسيا جديدا لبائعة السمك ؟
- بائعة السمك : إن كنت لم تجلب لنا شيئا إلى سوق السمك ، فقد أخذت من سوق السمك أبناءنا "
- أنا اعترض على هذا الكلام . كيف يحكم على الحرب من لا يعرف شيئا عنها ؟
- ولدي سقط في الحرب صريعا ، كنت بائعة سمك في السوق عند ساحة ( الفوروم ) ، وذات يوم قيل لنا إن السفن التي تحمل العائدين من الحرب في آسيا قد دخلت الميناء . أسرعت أجري من السوق ووقفت على شاطيء ( التيبر ) ساعات عديدة حيث كانوا يفرغونها ، وفي المساء كآنت السفن كلها خاوية ولم يظهر ولدي على سطحها " .
ترى هل اختلف المشهد المعاصر الذي نتابع أخباره يوميا عن المشهد الذي قرأناه في المسرحية ؟
ولكي أكون في الكتابة موضوعيا ، فإن هناك من أبناء قطاع غزة ، ممن لهم مواقف معارضة لطوفان الأقصى ، يحاكمون فيما يكتبون قادة حماس لما قامت به ، وغالبا ما يعيرون مفاوضينها في الدوحة ، بأنهم لا يعيشون الجحيم الذي يعيشه أبناء قطاع غزة ، وأستطيع أن أذكر أسماء نشطاء كثر على صفحات وسائل التواصل الاجتماعي .
ما أرانا نقول إلا معادا مكرورا ، ولا عجب فالثنائيات ، كما يقول أصحاب المنهج البنيوي ، ثابتة ومحدودة منذ بدء الخلق تتغير مظاهرها / بناها السطحية ، أما البنية العميقة فواحدة تقريبا .

( الأحد ١٧ والسبت ٢٣ / ٨ / ٢٠٢٥)
( مقال الأحد لجريدة الأيام الفلسطينية ٢٤ / ٨ / ٢٠٢٥ )

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...