أمين كعابنة (ابن البادية) - حين يصبح حديث الناس واحدا

في البادية تعرف حال الناس من حديث مجالسهم. قديما كان كبير السن اذا جلس بين الناس اخذهم الى حكايات الاباء والاجداد، يحدثهم عن ايام مضت وعن مواسم المطر وعن المرعى وعن الرحيل وعن قصص الرجال، وكانت العيون تبرق وهي تسمع تلك الحكايات، وكأن كل واحد منهم يرى شيئا من ماضيه في وجه الراوي.

اما اليوم فقد تغير الحديث. في مجلس الرجال تسمع عن المستوطن وعن اعتداءاته وعن الارض التي دخلها، وعن شجرة كسرت، وسياج اقتلع، وبئر لم يعد الوصول اليه كما كان. وفي مجالس الافراح والاتراح، وفي المدارس والمساجد والبيوت، وحتى في الحافلات، اصبح الحديث واحدا. المستوطن واعتداءاته والارض التي تضيق على اهلها.

ولم يعد المستوطن خبرا يأتي من مكان بعيد، بل اصبح حاضرا في تفاصيل الحياة اليومية. صار الرجل يحدثك عن ارضه، والراعي عن مرعاه، وصاحب الشجرة عن زيتونه، والناس عن بوابة اغلقت وطريق قطع، حتى اصبح هذا الحديث جزءا من يومهم، وكأن الاحتلال لم يعد واقعة تقع في مكان ما، وانما صار واقفا معهم في كل مجلس.

والبدوي ابن البادية، ابن الفضاء المفتوح، اعتاد ان يرى الجبال والصحراء امامه بلا حدود، وان ينتقل من مكان الى مكان كالصقر في فضائه، لا يحده الا السماء. كان يمضي مع قطيعه، ويجوب البلاد، ويعرف مسالكها ومراعيها، ويعرف الارض كما يعرف وجهه. اما اليوم فقد بدأ ابن البادية ينظر الى جباله نظرة المشتاق، والى صحرائه الواسعة نظرة الملتاع شوقا الى ايام كان فيها المكان مفتوحا امامه.

صار الطريق الذي يعرفه منذ صغره يحتاج الى حساب. هنا بوابة، وهناك طريق مغلق، وهنا مستوطن، وهناك راع جاء الى المكان. حتى اصبح الخناق يضيق على الانسان شيئا فشيئا، وكأن حبلا يلتف حول عنقه، في ارض عاش فيها حرا لا يسأل احدا عن طريقه ولا يحتاج الى اذن ليصل الى مرعاه.

ومع ذلك فان اكثر ما يلفتني في البادية اليوم ليس الوجع وحده، بل الثبات الذي يخرج من بين هذا الوجع. تستمع الى الاطفال فتجد في حديثهم شيئا من العزيمة لا يشبه اعمارهم، وترى في عيونهم نظرة من يعرف ان هذا الغريب ليس من المكان. لم يقتنع الطفل بوجوده، ولا باغنامه ولا بابله ولا بجرافاته، وكأن فطرته تقول له ان هذه الارض تعرف اهلها، وان الغريب مهما طال بقاؤه يبقى غريبا.

وحتى النساء اللواتي عرف الناس عنهن الخوف على البيوت والابناء، اصبحن اليوم اكثر ثباتا في مواجهة هذا الواقع. ليس لان الخوف غاب من قلوبهن، ولكن لان شيئا اكبر منه نما في داخلهن، شيئا يشبه اليقين بان الارض لا تحفظ بالخوف، وان من يريد البقاء فيها لا بد ان يتشبث بها.

ومع كل هذا الوجع يبقى في حديث الناس شيء لا ينكسر. هناك ايمان هادئ بان هذا الضيق لن يدوم، وان هذه الظلمة مهما اشتدت فلا بد لها من نهاية، وان الفرج قريب. ولذلك يبقى ابناء البادية في ارضهم تحت حر الصيف وقسوة البرد وشظف العيش، لا لان الحياة سهلة، ولكن لان الارض عندهم وطن وهوية وذاكرة وانتماء.

وقبل ايام كنت في مؤتمر، وعندما عرفت بنفسي وقلت انني من البادية قرب مسافر يطا، لم احتج الى شرح طويل. جاءتني العبارة قبل السؤال: اعانكم الله على ما تعانون. وتوقفت عندها. كيف اصبح الناس في كل مكان يعرفون البادية من وجعها، وكيف انتقل هذا الحديث من مجالسها الى كل مكان نذهب اليه.

ولعل السؤال اليوم ليس ماذا حدث، فالناس تعرف ماذا حدث، وانما ماذا يحدث للانسان حين يضيق عليه المكان الذي ولد فيه؟ ماذا يحدث لذاكرة حفظت الطرق جيلا بعد جيل حين تغلق تلك الطرق؟ وماذا يحدث لطفل يرى الارض التي كانت مفتوحة امام ابيه وجده وقد اصبحت مليئة بالبوابات والمنع والحواجز؟

ربما لهذا تغير حديث المجالس. لم يعد كبير السن يروي فقط حكايات الاباء والاجداد، بل اصبح الناس جميعا يروون حكاية واحدة، حكاية ارض تضيق، وانسان يتمسك بها، ووطن ما زال اهله يرون في اخر هذا الليل فجرا قريبا.

هم لا يريدون الشفقة، يريدون السند. ولا يريدون الكلام الكثير، يريدون ان يشعروا انهم ليسوا وحدهم. فالكف لا تلطم المخرز، لكنها تستطيع ان تبقى مرفوعة، ثابتة، لا تنحني، حتى يأتي اليوم الذي ينكسر فيه المخرز.

تعليقات

غانية ملحييس


أمين

أظن أننا بصدد اكتشاف كاتب متميز في مقاربته للسياسة من خلال التفاصيل الصغيرة، وفي قدرته على أن يجعل من المشهد اليومي مدخلا إلى أسئلة كبرى.
أنت لا تكتب، مثل كثيرين، عن الاحتلال بوصفه عنوانا سياسيا مجردا، ولا تسرد وقائع الاعتداءات كخبر، وإنما تلتقط كيف يتسلل الاحتلال إلى الحياة اليومية، ويعيد تشكيل حديث الناس وذاكرتهم وعلاقتهم بالمكان.
ولعل عنوانك «حين يصبح حديث الناس واحدا» هو أكثر من عنوان للمقال، إنه مفتاح قراءته. فوحدة الحديث التي ترصدها ليست مجرد اتفاق الناس على موضوع واحد، وإنما علامة على أن تجربة الاحتلال أصبحت جزءا من الوعي اليومي المشترك: في المجلس، وفي البيت، وفي المدرسة، وفي الحافلة، وفي حديث الرجل عن أرضه، والراعي عن مرعاه، وصاحب الشجرة عن زيتونه.
وهنا تكمن، في رأيي، إحدى نقاط تفرد كتابتك: أنت تصل إلى السياسي من بوابة الاجتماعي والإنساني، لا من بوابة الخطاب السياسي الجاهز. تجعلنا نرى أثر السياسة قبل أن تتحدث عنها، ونلمس الاحتلال في تفاصيل الحياة قبل أن تسميه.
وأجمل ما في مقاربتك أنك تفتح هذه التفاصيل على طبقة أعمق من المعنى. فالطريق المغلق ليس مجرد طريق مغلق، إنه قطع لمسار اعتاده الإنسان وحفظته الذاكرة. والبوابة ليست مجرد حاجز، إنها تدخل في علاقة الإنسان بمكانه. والمرعى ليس مجرد مساحة للرعي، إنه جزء من نمط حياة يتعرض للتضييق والتفكيك.
ثم تنتقل، بهدوء، من المكان إلى الإنسان: إلى الطفل الذي يكبر وهو يرى أرضا كانت مفتوحة أمام أبيه وجده وقد أصبحت مليئة بالبوابات والمنع والحواجز، وإلى النساء اللواتي لا يغيب عنهن الخوف، لكن ينمو في داخلهن ما هو أقوى منه. وهنا لا يعود الصمود شعارا، وإنما يصبح خبرة يومية تتشكل داخل المجتمع.
وأحسب أن السؤال الذي يخرج من المقال ليس فقط: ماذا يحدث للبادية تحت هذا الضغط؟
وإنما: ماذا يحدث للإنسان حين يضيق عليه المكان الذي ولد فيه؟ وماذا يحدث لذاكرة المكان حين تُغلق الطرق التي حفظتها الأجيال؟
وهذه أسئلة تجعل النص يتجاوز وصف الحالة إلى التفكير فيها.
ولفتني أيضا أنك لا تنتهي إلى خطاب الشفقة، بل إلى نقيضه تماما:
«هم لا يريدون الشفقة، يريدون السند.»
وهي خاتمة تختصر رؤية المقال كله، لأن الإنسان الذي يتمسك بأرضه لا يريد أن يتحول إلى موضوع للرثاء، وإنما يريد أن يُرى بوصفه صاحب حق، وصاحب قدرة على البقاء، ويحتاج إلى من يسند قدرته على الصمود.
أظن أننا هنا أمام ملمح كاتب يتشكل على نحو مختلف عما ألفناه، كاتب يرى السياسة في تفاصيل الحياة، ويجعل التفاصيل الصغيرة تكشف البنية الأكبر التي تقف خلفها.
وهذا ما يجعل كتابتك عن البادية تتجاوز البادية نفسها، فالمكان عندك يتحول إلى نافذة نرى منها علاقة الإنسان بالأرض، والذاكرة بالحرية، واليومي بالسياسي.
وأظن أن مقالك يفتح، من حيث لا يقصد ربما، على سؤال يتجاوز البادية إلى الحالة الفلسطينية كلها.
حين يصبح حديث الناس واحدا، ليس في البادية وحدها وإنما في عموم فلسطين المحتلة والشتات، وحين تتكرر في البيوت والمجالس والجامعات والأسواق ووسائل التواصل الكلمات نفسها: الأرض، والاقتلاع، والعدوان، والحرية، والكرامة، والخوف، والصمود، والمستقبل… فهل يكون ذلك مجرد علامة على اتساع الوجع، أم يمكن أن يكون أيضا بداية تشكل وعي جماعي جديد؟
وربما يكون السؤال الأبعد: هل تستطيع وحدة التجربة، حين تصبح وحدة في الوعي والحديث، أن تستعيد شيئا من وحدة المجتمع الفلسطيني التي مزقتها الجغرافيا والانقسامات السياسية والتنظيمية؟
فربما لا تكون وحدة الحديث مجرد نتيجة للمعناناة المشتركة، وقد تصبح، إذا التقت معها القدرة على تحويل التجربة إلى وعي، مقدمة لوحدة أعمق: وحدة في رؤية الذات، وفي تعريف القضية، وفي استعادة معنى المشترك الفلسطيني.
وهنا أظن أن مقالك لا يعود مجرد تأمل في حال البادية، بل يصبح مدخلا لسؤال فلسطيني أكبر يستحق أن نتحاور حوله جميعا.
وهذا، في رأيي، أحد أجمل ما يمكن أن يفعله نص أدبي-اجتماعي: أن يبدأ من مجلس في البادية، ثم يتركنا نفكر في فلسطين كلها.
 
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...