أ. د. عادل الأسطة ، خربشات ٢٢ آب من كل عام

سميح القاسم:وداعا آخر شعراء المقاومة

برحيل الشاعر العربي الفلسطيني سميح القاسم تنطوي صفحة شعراء المقاومة البارزين في فلسطين المحتلة.راشد حسين ومحمود درويش وتوفيق زياد وسالم جبران ،وآخرون لم يصلوا إلى ما وصل إليه هؤلاء ،ممن حملوا لواء الشعر في نهاية 50ق20انطفات قناديلهم قبل أن ينطفيء قنديل زميلهم وصديقهم ورفيق دربهم سميح القاسم.
عرف سميح القاسم شاعرا قبل أن يعرف كاتب مسرحية وقاصا وكاتب رسالة،وظل يعرف شاعرا ويقرا شاعرا،وإن أنجزت عن قصصه الطويلة الثلاثة التي هي أشبه بحكاية اوتوبيوغرافية،كما كتب هو،دراسات عديدة.وقد أقر هو في سيرته الذاتية "إنها مجرد منفضة"(2012)انه شاعر بالدرجة الأولى،وإن كتب النثر بين فترة وفترة.

تقرأون المقال كاملا بعد غد الأحد في الأيام الفلسطينية والاهرام المصرية،ما لم يحدث طاريء.
٢٠١٤

٢
صلاة الجمعة من مقر الرئاسة :

قولوا لي أيها في آخرها .
لم أشاهد الرئيس أبا مازن يصلي ، وربما عرفت أنه مسافر ، وما لفت نظري وأكد لدي زعمي أنني لم أشاهد سجادة الصلاة التي يخص بها ، ولم يشغل مكانه أحد .
مرة قال الأستاذ موسى ابودية ، في حفل تخريج جامعة النجاح ، ذات صيف ، أن لا أحد يشغل كرسي رئاسة جامعة النجاح سوى الدكتور رامي الحمد الله ، فلا كفء سواه ، وقد حاورت الأستاذ موسى في الأمر ، وقلت له : وبعد ان يصل د. رامي سن التقاعد فهل سيظل الكرسي ، كرسي الرئاسة فارغا . وما زال د . رامي - أمد الله في عمره. - يشغل كرسي رئاسة الجامعة ، إلى جانب كرسي رئيس الوزراء.

يخيل إلي أن شعبنا عاقر عقيم ، وأنا أفكر في التخلي عن جواز سفري الفلسطيني ، فهل أنا مصيب أم مخطيء ؟
أرجو تقديم النصح لي .
٢٠١٤

٣
وكلنا استعمار :

هل تعتقدون أن زعماءنا افضل من الاستعمار ؟
هل تعتقدون أن رؤساء مؤسساتنا أفضل من الاستعمار ؟
هل تعتقدون أن آباءنا أفضل من الاستعمار؟

والله شايف لكم يا جماعة أن كل واحد من هؤلاء لا يرى فينا إلا قصرا لا نصلح لشيء ، وبالتالي لا بد من وصاية علينا ، حتى لو كنا برتبة بروفيسور ، والنكتة أن البروفيسورات التابعين يرون ايضا في أنفسهم أشخاصا قصرا يحتاجون إلى رعاية ولي الأمر ومباركته .
مش زابطة معنا في العالم العربي . مش زابطة ، وتعالوا وشوفوا جبن حملة الشهادات ...الخ .. الخ.
أين هو المثقف النقدي الذي تحدث عنه ادوارد سعيد ؟
يبدو أنه موجود في كتاب ادوارد سعيد فقط " المثقف والسلطة " -أقصد أية سلطة ، لا السلطة الوطنية الفلسطينية فقط .
الكل يريد أن يتخلص من المثقف الذي ينتقد ،حتى لو كان أنشط النشيطين ، والكل يريد متعلما حتى لو لم يكتب أي بحث محترم بعد حصوله على الدكتوراه . تصوروا حامل دكتوراه لم يكتب ، خلال عشر سنوات من تخرجه ، لم يكتب أي بحث ، يرحب به ويراد تعيينه بالواسطة ، ويراد في الوقت نفسه التخلص من حامل لقب أستاذية ، بحجة إنه حاد وينتقد المؤسسة .
تصوروا .
هل نلوم من يحن إلى الاستعمار ؟وهل يختلف الحاكم العربي وأتباعه عن الاستعمار . ؟
هل أخطأ مظفر حين كتب :
خجلت أقول له : قاومت الاستعمار فشردني وطني .
٢٠١٤

٤
وين الملايين .. وإذاعة جامعة النجاح الوطنية :

أنا الآن أصغي إلى إذاعة جامعة النجاح.. صوت جوليا بطرس يصدح : وين الملايين .
دائما في أوقات الحرب تبث إذاعة النجاح هذه اﻷغنية وأغنية مارسيل خليفة أحمد العربي من أشعار محمود درويش .
ودائما في أوقات الحرب ينادي الفلسطينيون العرب: " واعرباه "، على غرار وامعتصماه ،ولا مجيب.لا المعتصم يجيب ولا العرب يجيبون وأنا أستغرب منا.لا نكل ولا نمل ولا نيأس ورغم شتم بعضنا العرب إلا أنهم يتذكرونهم.هل هي الدماء العربية ؟لست من أنصار نظرية الدم فالدم يصير ماء .
أنا أنظر إلى العالم العربي - وأنا أفتخر بأنني عربي وأرفع شعار : سجل أنا عربي ، رغم يأسي - وأرى أوضاعه فأحزن .
العالم العربي يغرق كما نحن نغرق.اليوم مثلا قتل في العراق سبعون مواطنا ولا يختلف الحال عنه في غزة.سورية دمرت ومثلها العراق وليبيا واليمن و .. و . .والفقر في مصر والمغرب ضارب أطنابه وأوتاده و..و..أزياءه وأز . ..
لماذا نتذكر العرب حين تدمر إسرائيل غزة ؟
بعضنا يكتب أن فواتير الحرب مدفوعة حتى ﻷسرائيل . وين الملايين وأخي جاوز الظالمون المدى وطلعنا عليهم طلوع المنون و وامعتصماه و واعرباه و...
الملايين والمليارات ستدفع للسلاح و..و..
والملايين العراقية والسورية في المنافي وفي التدمير الذاتي و .. والملايين في مصر تعاني من الفقر..
وأخي أحمد وأنت العبد والمعبود والمعبد..متى تشهد؟متى تشهد؟
٢٠١٤

٥
إن البقر تشابه علينا :

ماذا يقول بعض أفراد مؤسساتنا حين تستوي اﻷنوار والظلم ؟
القاري والخاري واحد .
( أتستبدلون الذي هو أدنى بالذي هو خير ؟ ) .

٦
اﻷشياء بخواتيمها : مناضل قديم :

هل يحق لمناضل قديم ( ؟ ) أن يزايد علينا بأنه مناضل ﻷنه سجن عشر عشرين سنة ، علما بأنه ترك النضال من عشرين سنة وتحول ، كما تحول مناضلون كثر ، إلى لص ومطبع من الدرجة اﻷولى ؟
هل يحق له أن يزايد علينا نحن الذين لم نسجن ولم نسرق؟
مناضل قديم . قال وبالعامية آل .

٧
صرت أخشى لعب الآخرين :

منذ 1988 وهم يلعبون . صرت أخشى اللعب.
لقد سمم الآخرون حياتي كلها، وأخشى الذهاب إلى طبيب عيون فيلعب معي فيهما وأغدو في هذا العمر مثل شاعر المعرة وطه حسين ، ولا أريد أن اغدو مثلهما .
أخبار الصباح لا تسر أيضا .
غارات على غزة ، وهناك قتلى وجرحى . وحريق الأقصى لم ينطفيء وهناك منظمة يهودية تقول: أصبحنا نخجل من يهوديتنا يسبب الاحتلال ودول الخليج والسعودية تستمر في إعداد جيوشها لتحرير فلسطين من أراضي اليمن وسورية ، مثل إيران التي تريد تحرير القدس من العراق وسورية، سائرة على خطى صدام.
بارك الله في العرب والمسلمين معا.
22/8/2016

٨
فرح غريب :

في الحافلة أتينا على النجاح والرسوب في التوجيهي وعلى الدراسة في الجامعة . حديث مثل هذا يكثر في تموز و آب .
ما قصه السائق كان عن فرح أقامه أب لرسوب ابنه .
شاهد السائق ، أو من روى له ، خيمة فرح ، فذهب ليسأل عن السبب . وعندما أجاب صاحب المناسبة السائل ضحك الأخير : توزع المرطبات لرسوب ابنك؟
وجهة نظر الأب أن ابنه وفر عليه دفع الرسوم والنفقات ق44 - يعني من 12 إلى 15 ألف دينار أردني ،فماذا لو نجح ابنه وانهى دراسته الجامعية ؟
من المؤكد أنه سيظل يبحث عن وظيفة لن يجدها وسيظل عالة على أبيه
مرة أجرى تلفزيون محلي مقابلات مع الخريجين فقالت خريجة ظلت تبحث عن عمل 17 عاما: عليهم الآن أن يعطوني تقاعدا بمسمى 17 عاما في وظيفة البحث عن عمل.
سنعيش وسنرى .
سيأتي يوم نتأورب - نصبح أوروبيين - فيه . - أي أن تخلف كل عائلتين ولدا واحدا فقط.
رحم الله أبي وأمي. لقد خلفا 14 مولودا، ولي الآن منهم 60 أنا خالهم أو عمهم.
لو كان لي أخ واحد لاشتريت له شقة أو سيارة . لو كان لي إبن أخ أو ابن أخت واحد لاشتريت له شقة أو سيارة ولكن من ترضي أو تغضب من ال 73؟
بعين الله .
" تناكحوا تناسلوا .." فإني مباه بآل سعود و آل الأسد يوم القيامة
22/ 8 /2017

٩
اليوم الأول من العيد :

منظر الدم المراق لخراف تنحر كل عام . زيارات أقارب وتوزيع ما تيسر من لحم الأضاحي - أنا لا أضحي - .
الجلوس في ساحة البيت بعد تنظيفها ورشها بالماء .
في العيد هذا لا رغبة في القراءة .
فقط تصفح الفيس بوك والرد على الرسائل بالعبارة نفسها :
" وأنت بألف خير ".
ليس سوى " انتقل إلى رحمة الله الروائي السوري حنا مينة " وكنت أظنه توفي من قبل ، فهو مثل الشاعر العراقي مظفر النواب أشيع خبر وفاته أكثر من مرة .
وأخيرا مات رجل شجاع على فراش الموت . واللافت ما كتب بخط يده : وصيته .
كتب حنا مينة كثيرا ورحل في شهر آب ؛ شهر رحيل الأدباء والفنانين الفلسطينيين .

بعد ايام تمر الذكرى السنوية لاستشهاد ناجي العلي الذي ما زال حنظلة يواصل رحلته .
كلما خسرت أكبر عدد من المعارف تذكرت ناجي العلي .

حنا مينة وداعا .
22 آب 2018

١٠
دبرها يا مستر دل :

كنت أهبط درج ال ( مول ) قاصدا موقف الحافلات .
على الدرج المؤدي إلى الموقف المنشود شاهدت جسد امرأة . كانت شبه نائمة فقد تقوقعت على نفسها ووضعت رأسها على فخذ إحدى ابنتيها .
إحدى الابنتين كانت جالسة على أرض الدرج فيما كانت الثانية واقفة .
الملابس شبه قديمة غير نظيفة والابنتان بدتا غير مغتسلتين . كما لو أنهما صحتا من النوم ولم تغسلا وجهيهما ولم تمشطا شعرهما ولم تفطرا وجاءتا بالملابس التي نامتا فيها . - هل تذكرت المقامة الساسانية لبديع الزمان الهمذاني " وقد طلوا بالمغرة لبوسهم " - أي بالطين؟ ، فالمتسولون يمثلون ويرتدون ملابس تناسب المهنة .
أنعمت النظر في الفتاتين وأصغيت إلى صوتهما تطلبان المال من المارة . بدتا لي أشبه بفتاتين بدويتين . لون حنطي غامق . كاكاوي .
لاحظت الصغيرة أنني أتأملها وأختها وأمهما النائمة غير بادية الملامح ولم يرق لها إمعاني النظر فيهن فارتفع صوتها :
- شو بدك .
وابتسمت .
والصحيح أنني كنت أنظر في مستقبل هاتين الفتاتين اللتين لم تتجاوزا الثامنة من العمر . هل خطر ببالي الرئيس الفلسطيني السابق المرحوم ياسر عرفات يزور المخيمات الفلسطينية في لبنان ويطلب من النسوة الفلسطينيات أن ينجبن وهو كفيل بتربية الأطفال فهم أبناؤه ؟!
هذه المرة قلت :
دبرها يا مستر .... ياسر عرفات ، بركن ( يمكن ) على ايدك تنحل . بركن ( يمكن ) ...
٢٢آب ٢٠١٩

١١
نبيل عمرو في روايته " وزير إعلام الحرب " و محمود شقير :

لا أعرف إن كان نبيل عمرو قرأ مجموعة محمود شقير القصصية " الولد الفلسطيني " وتحديدا قصة " الخروج " منها .
تتقاطع الرواية مع القصة في تصوير أجواء حرب حزيران إثر الهزيمة مباشرة وتصوير موقف الناس من الهجرة إلى خارج فلسطين وحث بعض الفلسطينيين المهاجرين على البقاء والصمود .
غالبا ما ألجأ إلى الربط بين الأعمال الأدبية ، والبنيوية في إحدى معانيها هي " الصلة بين " وينظر البنيويون إلى الأعمال الأدبية وصلتها ببعضها البعض وهم يربطون بين الأعمال الأدبية لدى الكاتب نفسه بل والأعمال الأدبية لكتاب عاشوا في العصر نفسه ويذهبون إلى ما هو أبعد من ذلك .

١٢
سهى عرفات تقطع قول كل خطيب :

إن صح ما نسب إلى السيدة سهى عرفات بخصوص الموقف من دولة الإمارات العربية المتحدة ، فقد قطعت قول كل خطيب .
السيدة أرملة رئيسنا السابق نسب إليها أن الداعين إلى مقاطعة دولة الإمارات قلة لا يمثلون الشعب الفلسطيني ، وعبرت في الوقت نفسه عن وقوفها إلى جانب الإمارات العربية المتحدة ، بل واعتذرت باسم الشرفاء الفلسطينيين إلى شعب الإمارات وحكامه .
هل هي روح السيد المرحوم ياسر عرفات تجري في روحها ، فنطقت بما كان سينطق به ؟
الدول العربية أكثرها ، من أكبر دولة إلى أصغر دولة ، لا حول لها ولا قوة . للأسف ، فالسفارات الأميركية هي التي تحكمها ، وتعجبني صراحة الرئيس الفلسطيني " أبو مازن " حين يصرح - وقد صرح في غير مناسبة - بأنه لا حول له ولا قوة ، فالشرطية الإسرائيلية على الجسر تستلم جواز سفره وتسلمه إياه وتسأله :
- هل أنت " أبو مازن " ؟ .
ماذا ستجدي بيانات التوقيع والاستنكار والمقاطعة و .. و .. .
نحن الآن في مرحلة الصفر ، ولعل تصريح السيدة سهى عرفات ، أو ما نسب إليها ، يخرجنا مما نحن فيه .
ثمة قول يردده الناس أحيانا هو " ما بجيبها إلا نسوانها " ولعل قادة الإمارات يقدرون كلام السيدة فيضغطون على السفارة الأمريكية في عاصمتهم لينسحب الإسرائيليون من الضفة الغربية - لا ليؤجلوا الضم وحسب - وليفكوا الحصار عن غزة وليعيدوا اللاجئين إلى حيفا ويافا و .. و .. ورحم الله ناجي العلي فالسبت القادم هو الذكرى الثالثة والثلاثون لرحيله .
٢٢ آب ٢٠٢٠ .

١٣
غياب بائع الفلافل

منذ العام ٢٠١١ تقريبا اشتريت شقة في غرب المدينة ، قرب المقبرة الغربية ومدرسة المرحوم المثقف عادل زعيتر ، وصرت أنفق فيها وقتا قصيرا ، فحين أنهي محاضراتي في الجامعة ، وغالبا ما تنتهي في الثانية أو الثالثة ، أسير باتجاه الشقة وأنفق فيها ثلاث أو حمس ساعات ، حتى يحل المساء ، ثم أغادرها مشيا على الأقدام باتجاه وسط المدينة .
في طريقي أمر بالقرب من بائع فلافل فألقي التحية عليه . رجل هاديء حزين الملامح هدته الدنيا يسعى إلى رزق عياله ويخيل إلي أنه بالكاد يكسب عيشه ، أو هذا ما يوحي لي مظهره ؛ ملامح وجهه وشكل ملابسه .
منذ الظهيرة يعد الرجل ويستعد حنى يبيع في ساعات المساء .
في الظهيرة يهييء العربة والمقلاة والسلطة أمام مدخل دكان ما يبدو قريبا من بيته في البلدة القديمة، أو لعل الدكان جزء من البيت الذي يقيم فيه .
في المساء يقف على ناصية شارع يقع على مفترق طرق ، ويستقبل الزبائن إن جاؤوا ، ولا أعرف إلى أي ساعة يظل يبيع وكم يبيع .
ناصية الشارع تقع في مدخل البلدة القديمة الغربي . موقع استراتيجي يعبر منه السائحون - غالبا ما يكونون شبابا وشابات أوروبيين - وعشاق البلدة القديمة القادمون ، من جهة الغرب ، إليها ، ومن هناك يغادرونها .
كلما مررت به ألقي عليه ، إن لم يكن يعد شطيرة لهذا أو تلك ، تحية المساء ، فيجيب بصوت كسير أعياه الكد والتعب ووجع الحياة . لم أشتر منه إطلاقا ، ولعله يستغرب كيف أحييه وأنا لست زبونه ، ولهذا لم أعرف قصته منه . لم أستمع إليه مرة ، وكانت هيأته تقول أكثر مما يقول اللسان ، إن لم يكن صاحب اللسان متفوها ، أو الكاتب إن كان حاذقا . المظهر يعبر عن الباطن ويفصح أيضا ، فليس العيي عيي اللسان . العيي من لا يستطيع التعبير عن نفسه بطلاقة ، ولذلك فإن كثيرين منا يعانون من العي .
هل صار جزءا من الشارع ومن ساعات المساء ؟
أحيانا كنت أفتقده ، فيدفعني الفضول إلى السؤال عن سبب غيابه :
- إنه مسافر .
وأعرف انه سافر إلى الأردن بضعة أيام ولا يسد مسده أحد .
في الأشهر الأخيرة افتقدته نهائيا . مرة شاهدت البسطة ولم أشاهده ، ما جعلني أسأل عنه :
- لقد صدمته حافلة في السوق الشرقي وألزمته البيت .
مر على غيابه أشهر ويبدو أن حالته الصحية لم تتحسن ، ثم جاءت الكورونا وظل غائبا . ماذا ألم به ؟
كل مساء ، منذ ثلاثة أشهر ، أمر الديار ولا أراه ، ويكاد الفضول يدفعني لأن أسأل عنه .
ماذا جرى معه ؟
وكل مساء أواصل السير في الطريق نفسه ، فلا أشاهد العربة ولا أشاهد الرجل ولا أشم رائحة الفلافل ولا ..
ولا عزاء ولا ...
ثمة فضول استبد بي حقا .
لماذا لم أقم علاقة معه ؟ لماذا لم أشتر منه ؟ لماذا لم أتعاور معه الحديث ؟ وقبل هذا وذاك لماذا لم أعد أكتب القصة القصيرة ، ومثلي كثيرون ؟
هل التفت كتاب القصة القصيرة إلى بائع فلافل وكتبوا عنه قصة ؟
في نهاية سبعينيات القرن الماضي كتبت قصة عنوانها " بائع الفلافل " ونشرتها في محموعتي القصصية الأولى " فصول في توقيع الاتفاقية " وهي عن بائع فلافل حقيقي لا أتذكر أنني اشتريت منه مرة واحدة ، ولا يعود السبب إلى جودة فلافله أو عدم جودته . كان الرجل يربي شاربين لا يبعثان على الطمأنينة ولم يكن يهتم كثيرا بهندامه ، وربما لهذا السبب لم أشتر منه . ما لفت نظري إليه هو مشاركته في المظاهرات التي جرت في مدينة نابلس قبل هزيمة حزيران ١٩٦٧ ، المظاهرات التي كنت أشارك فيها ، وأنا في الثانية عشرة من عمري ، دون أن يكون الدافع إلى المشاركة وعي سياسي . كانت المشاعر الوطنية هي ما يحركني ، وكانت هذه المشاعر متولدة من كوني لاجئا ومن سماعي الأخبار وأحاديث أبي وأصحابه عن جمال عبد الناصر والعودة وتحرير فلسطين و .. وفي المظاهرات التي كانت ضد النظام الأردني أولا ، ثم تأييدا له بعد تصالحه مع عبد الناصر ثانيا ، في المظاهرات كنت أشاهد بائع الفلافل محمولا على الأكتاف يهتف لعبد الناصر .
عندما نشرت القصة عنه لم يلتفت أحد إليها لسنوات ، ويبدو أنني حتى العام ١٩٩١ لم أكن شخصية إشكالية وكاتبا مقروءا ، وهذا ما اختلف منذ العام ١٩٩١ ؛ عام عودتي من ألمانيا ، حيث صرت شخصية إشكالية ، وصار اسمي في المدينة يتردد على كل لسان ، ففطنت الفصائل إلى كتاباتي المتواضعه السابقة وفطنت إلى قصتي " بائع الفلافل " .
ذات ظهيرة جاءني جدوع يسلم علي لحصولي على الدكتوراه ومكث زائرا مدة ثلاث ساعات تحدث فيها عن مشاركته في المظاهرات في تلك الأيام . بعد الزيارة صرت وجدوع صديقين ، وكلما مررت به حييته ورد التحية بأحسن منها وعرض علي ساندويش فلافل ، اعتذرت باستمرار على قبوله . فجأة افتقدت جدوع وعرفت أنه توفي ، وبموته اختفت عربته أيضا .
باختفاء بائع الفلافل اختفى مشهد يومي من ناظري ، وبموت جدوع من قبل افتقدت حوارا عابرا غالبا ما كان ظريفا ويبعث الابتسامة في النفس ، فقد كان جدوع ، في كلامه ونطقه ، خفيف الظل .
هل يغدو البشر الذين نراهم يوميا جزءا من حياتنا حتى لو لم تكن بيننا وبينهم صلة ؟ هذا السؤال صار يلازمني كلما مررت بالمكان الذي كان بائع الفلافل يركن فيه عربته .
مع مرور الأيام نسيت جدوع ونسيت قصتي وأحيانا قليلة أتذكرهما ، وربما تذكرتهما وأنا أمر بالبائع الجديد الذي افتقدته من عام . كم من وقت سيمر حتى أنسى البائع وما الذي سيذكرني به إن امتد بي العمر ؟
الدنيا حكايات ومشاهد وذكريات والأيام كذلك .

هامش متأخر في ١٨ أيار ٢٠٢٢ :

مر عامان على كتابة هذه القصة . لم يعد بائع الفلافل إلى بسطته يتولى أمرها . أحيانا أرى العربة وعدتها يبيع الفلافل فيها بائع آخر ، وأحيانا كثيرة لم أعد أراها ، ربما لأن الكورونا ألقت بظلالها على الحياة كلها ، فلم يعد هناك مجال للتجوال مساء ولم يعد هناك سواح أجانب يترددون على نابلس كما كانوا من قبل ، وفي الآونة الأخيرة التزمت شخصيا المنزل بسبب قرحة القدم السكري ، وصرت كما المعري رهين البيت إلى حين اتعافى .

١٤
وفاء أبو شميس " عينا قط أسود وتكات ساعة "

عادل الاسطة

لم أكن أعرف أن السيدة وفاء أبو شميس التي زاملتها في جامعة النجاح الوطنية منذ العام ١٩٨٢ تكتب الرواية إلا حين أهدتني روايتها الأولى الصادرة عن دار الفارابي في بيروت في العام ٢٠١٦ ، وعنوانها " من أجل عينيك الخضراوين " ، وهي رواية تصور بيئة الكاتبة التي نمت وترعرعت فيها ، وهي بيئة مدينة نابلس والمخيمات التي تحيط بها ، فالكاتبة تنحدر من أسرة يافاوية هاجرت من يافا في عام النكبة ١٩٤٨ ، وطبيعي أن تتشابك العلاقات بين أهل المدينة وأهل المحيط وتتعقد ، وطبيعي أن تنشأ إشكالات مجتمعية نتيجة اختلاف العادات والتقاليد ، ولكن الكاتبة التي تتفهم هذا كله تقدم حلولا هي حلول الانسان المتعلم الذي يرتقي بتفكيره عن الصغائر ويتعالى عليها لينشيء مجتمعا تسوده روابط الألفة والمحبة ووحدة المصير ، فإذا كان العلم غير قادر على تحقيق قدر من التفاهم بين البشر وبخاصة بين أبناء المجتمع الواحد ، فما قيمته وجدواه ؟
لم يمر على صدور الرواية الأولى للكاتبة سوى عامين حتى صدرت روايتها الثانية عن دار النشر نفسها ، وعنوانها " نيكولاس والشرق " ، وفي هذه الرواية التي تختار بعض شخوصها من مدينة نابلس تتسع البيئة المكانية وتخرج عن إطار البيئة الأولى لتشمل بيئات عربية وعالمية ، فتجري أحداث الرواية ما بين نابلس والكويت وسويسرا وأمريكا والإمارات العربية المتحدة ، وتختار لها شخوصا عربا وأجانب يعملون معا جنبا إلى جنب ، فتنشأ بينهم علاقات مودة واحترام ، بل وعلاقات حب ، لدرجة أن إحدى الشخصيات الأوروبية وهي شخصية نيكولاس تفكر بالارتباط بالفتاة النابلسية ، بعد أن فشلت علاقته بالمرأة الأوروبية التي تزوج منها . لقد وجد نيكولاس نفسه أقرب إلى عالم الشرق المحافظ منه إلى عالم الغرب المنفتح ، وتغدو المرأة الشرقية مثاله المنشود المبتغى .
لم يمر عام على صدور الرواية الثانية حتى أنجزت الكاتبة روايتين أخريين ، ويبدو أنها كانت تفكر في موصوعهما منذ سنوات . وإذا كان الزمن الروائي للرواية الأولى يعود إلى خمسينيات وستينيات وسبعينيات القرن العشرين ، وقريبا منه زمن الرواية الثانية ، فإن الرواية الثالثة ، وهي أقرب إلى النوفيلا ، تقارب موضوع الحرب على غزة في نهاية العام ٢٠٠٨ وبداية العام ٢٠٠٩ ، وهنا يختلف الموضوع اختلافا كليا عن الموضوع الذي خاضت فيه في روايتيها الأوليين .
ومع أن الكاتبة تقيم في نابلس ، لا في غزة ، إلا أنها اتخذت من قصة أختين زارتا غزة قبل الحرب بقليل مادة لروايتها فرصدت ما ألم بهما وبأسرة خالتهما وبغزة إبان الحرب ، وتغلغلت في نفسية إحدى الأختين .
تذكر الرواية " عينا قط أسود وتكات ساعة " من حيث الأسلوب ، تذكر قاريء الرواية الفلسطينية برواية غسان كنفاني " ما تبقى لكم " ١٩٦٦ على غير صعيد ؛ على صعيد تعدد الرواة وتغيير شكل الحرف لتحديد هوية المتكلم ، وعلى صعيد تداخل الأزمنة والأمكنة ومكان جريان الحدث الروائي وهو غزة ، كما تذكره بقصص فلسطينية وظف أصحابها فيها الحيوان صديقا للأسرة الفلسطينية وجزءا من عالمها ، وهنا أحيل إلى قصة الكاتب توفيق فياض " الكلب سمور " من مجموعة " الشارع الأصفر " ١٩٦٨ ، ولست متأكدا إن كانت الكاتبة قرأت القصة ، والطريف هو أن اسم القط المنزلي في الرواية هو أيضا سمور ، والعلاقة بينه وبين أهل المنزل شببهة بالعلاقة بين الكلب سمور والأسرة الفلسطينية التي ربته وهي أسرة بوقاسم الريفية .
لا أريد أن أطيل الكتابة فالأجدر هو أن يقرأ المرء روايات الكاتبة ويستمتع بها ويحدد موقفا منها .
بقيت نقطة أخيرة أود الإشارة إليها وكنت كتبت عنها مرة وهي ظاهرة الكاتبات الروائيات في مدينة نابلس في العقود الأخيرة ، فحتى نهاية القرن العشرين لم تشهد الرواية في المدينة ازدهارا ، وكانت سحر خليفة هي الروائية الوحيدة تقريبا التي أسست لعالم روائي ليس على مستوى نابلس وإنما على مستوى الأرض المحتلة كلها ، ومع بداية القرن الجديد اختلف الأمر وازدهر الفن الروائي النسوي ، وهذه ظاهرة تستحق الدراسة .


١٥
مركز يافا الثقافي يحتفل بعيد ميلاد قمر الزهيري :

" رسائل إلى قمر " هو عنوان الكتاب الثاني للأسير الفلسطيني حسام زهدي شاهين .
صدر الكتاب الأول لحسام قبل سنوات وكان رواية عنوانها " زغرودة الفنجان " صور فيها معاناة الفلسطينيين تحت الاحتلال الذي لجأ إلى سياسة الإسقاط ليفسد بنية المجتمع الفلسطيني ويضعفها ويتمكن من السيطرة على الأوضاع السياسية والاجتماعية في مناطق الاحتلال الثاني ... الخ .
وقمر هي الطفلة التي اعتقل حسام من بيت والديها قبل سبعة عشر عاما تقريبا ، وصار يكتب لها الرسائل .
كبرت قمر وصارت فتاة ناضجة - ما شاء الله - وظل حسام يكتب لها الرسائل التي جمعها في كتاب كان أمس محور ندوة احتفالية به شارك فيها المحامي حسن عبادي من حيفا ود.خليل القطناني من نابلس والشاعر عبد الناصر صالح من طولكرم .
حضرت قمر واحتفل بعيد ميلادها وغنى لها بعض الحضور الأغنية
Happy Birthday to you
لأول مرة أذهب إلى مركز يافا الثقافي وأصغي إلى الأدباء والنقاد والشعراء ، فقد ألقى الشاعر عبد الناصر صالح كلمة وقصيدة قديمة .
أتى الشاعر على حياته في المعتقل قبل ٣٠ عاما . كان ذلك في الانتفاضة الأولى ، وحكى قصته مع محقق يهودي عراقي سأله عن قصيدة كتبها ورددها السجناء واحتفظوا بها ، وحفظوها عن ظهر قلب .
المحقق اليهودي العراقي ( أبو رامي ) تحدث مع الشاعر عن أبيات للمعري وعندما لم ترق له إجابات عبد الناصر مدد له الاعتقال الإداري لمدة ستة أشهر ، وتلك ذكريات صارت تروى بقدر من الشعور بالفرح والرضا .
أمس كان الحضور جيدا ، وربما أضفى حضور المخاطب في الرسائل / الموجهة إليه جوا من الألفة والحميمية .
من أسماء أبو عياش صاحبة رواية " فدائي عتيق " عرفت أن هناك كتابا مبكرا عن أدب السجون ألفه الأب المؤسس للرواية الفلسطينية وهو خليل بيدس .
كلما عاش المرء أكثر تعلم أكثر ، وأنا صرت أحب أن أصغي أكثر مما أحب أن أتكلم ، ولهذا صرت أعتذر عن المشاركة في إلقاء محاضرات أو ندوات ، ولعله الشعور المبكر بالهرم أو الرغبة الدفينة في افساح المجال للنقاد الجدد .
لقد هرمنا ، ولا بد من أن يصهل في الحياة حصان جديد .
٢٢ آب ٢٠٢١ .

١٦

١٧
فلسطين في الرواية العربية :

فهرست

المقدمة

القسم الأول : فلسطين في الرواية الفلسطينية قبل العام
١٩٤٨ :

١ - ١ - ضعف مقاربة الموضوع الفلسطيني .
١ - ٢ - الدراسات السابقة ومقاربة موضوع فلسطين
١ - ٣ - الدارسون السابقون ودراساتهم .
١ - ٤ جمال الحسيني " على سكة الحجاز "
١ - ٥ قفا نبك " على سكة الحجاز "
١ - ٦ "في السرير " محمد العدناني : غياب الموضوع الفلسطيني .
١ - ٧ إسكندر الخوري البيتجالي " فلسطين في الرواية الفلسطينية قبل العام ١٩٤٨ .

القسم الثاني : فلسطين في الرواية العربية

٢ - ١ الفلسطيني في الرواية العربية : صورتان متناقضتان في روايتي ناصر عراق " العاطل " و إنعام كجه جي " النبيذة "

٢ - ٢ أحلام مستغانمي: الفلسطيني الثوري الملتزم " ذاكرة الجسد "

٢ - ٣ فواز حداد : الفلسطيني من مقاوم إلى مساوم " المترجم الخائن "

٢ - ٤ زينب حفني : الفلسطيني اللاجيء اللامنتمي " سيقان ملتوية "

٢ - ٥ أمجد ناصر : محمود درويش نموذجا " حيث لا تسقط الأمطار "

٢ - ٦ علي بدر : ادوارد سعيد نموذج المثقف المثال " مصابيح أورشليم "

٢ - ٧ اسماعيل فهد اسماعيل : ناجي العلي الفلسطيني غير المساوم " على عهدة حنظلة "

٢ - ٨ عز الدين شكري فشير : من فدائي إلى داعية " عناق عند جسر بروكلين "

٢ - ٩ الياس خوري :

٢ - ٩ - ١ البطل الأسطوري المقاوم " الوجوه البيضاء "

٢ - ٩ - ٢ غريب في مملكة الغرباء " مملكة الغرباء "

٢ - ٩ - ٣ - ١ الفدائي في زمن التراجع الثوري " باب الشمس "
٢ ' ٩ - ٣ - ٢ يهود اليهود

٢ - ٩ - ٤ - ١ الفلسطيني المقاوم والفلسطيني المحايد " كأنها نائمة "
٢ - ٩ - ٤ - ٢ مرايا يافا
٢ - ٩ - ٤ - ٣ تجسد المسيح في الفلسطيني

٢ - ٩ - ٥ - ١ اليساري الثوري المتطرف " سينالكول "
٢ - ٩ - ٥ - ٢ الفلسطيني معشوقا
٢ - ٩ - ٥ - ٣ المرأة الفلسطينية فدائية ومقاتلة ، دلال المغربي نموذجا

٢ - ٩ - ٦ الفلسطيني ملتبس الهوية " أولاد الغيتو : اسمي آدم "

٢ - ١٠ - حيدر حيدر :

٢ - ١٠ - ١ الفلسطيني المقاوم في زمن النكبة والهزيمة والخيانة " حقل أرجوان "

٢ - ١٠ - ٢ الفلسطيني الخائن " حقل أرجوان "

٢ - ١٠ - ٣ الفدائي الثوري ، ماجد زهوان وماجد أبو شرار " شموس الغجر "

٢ - ١١ الفلسطينيون ملح الأرض

٢ - ١١ - ١ ست روايات عربية

٢ - ١١ - ٢ شاتيلا وصبرا

٢ - ١١ - ٣ عواد علي " نخلة الواشنطونيا " الفلسطيني الأكاديمي

٢ - ١١ - ٤ جنى فواز الحسن " طابق ٩٩ " الفلسطيني اليائس الباحث عن الذات .

٢ - ١١ - ٥ الحبيب السالمي " عواطف وزوارها " الفلسطيني المثلي

٢ - ١٢ رضوى عاشور " الطنطورية "

٢ - ١٢ - ١ تصور مصري للفلسطينيين أم فلسطيني ؟

٢ - ١٢ - ٢ المثقف والسياسي الفلسطيني .

٢ - ١٣ واسيني الأعرج " سوناتا لأشباح القدس " : ضحية الصهيونية وأشباحها

٢ - ١٤ هوشنك أوسي " وطأة اليقين " الفلسطيني والحنين إلى البراءة "

٢ - ١٥ ياسين رفاعية " الفلسطيني المثقف في زمن النهوض ؛ غسان كنفاني ومعين بسيسو وكمال ناصر " من يتذكر تاي ؟"

٢ - ١٦ ليلى الأطرش " لا تشبه ذاتها "
٢ - ١٦ - ١ الفلسطيني التاجر المقامر

٢ - ١٦ - ٢ اليهود الأفغان .

الخلاصة .
قائمة الروايات المدروسة .

١٨
الكاتب الفلسطيني والشغف بتفاصيل المكان وأشجاره :
أحمد رفيق عوض والحياة كما ينبغي :

أ . د عـــــــادل الأسطــــــة

يهدي أحمد رفيق عوض روايته التاسعة " الحياة كما ينبغي "(٢٠٢٢) إلى " أشجار البلاد وأهلها " ويواصل فعل تحرير فلسطين عبر الكتابة الروائية وشغفه ، مثل روائيين كثر في العقود الأخيرة ، بتفاصيل المكان ، وهذا ما افتقده النثر الفلسطيني تقريبا منذ بداياته وحتى رواية إميل حبيبي " اخطية " ( ١٩٨٥) ، التي عدت فيما اطلعت عليه بداية لسلسلة من الروايات التي نهج أصحابها شكلا من أشكال المقاومة هو الدفاع عن صلة الفلسطيتي بالمكان الذي حاولت الصهيونية أن تبرهن للعالم أنه " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " . طبعا لا ننكر في جنس القصة القصيرة قصص محمد نفاع . حقا إن جمال الحسيني في " على سكة الحجاز " ( ١٩٣٢) وغسان كنفاني في " العاشق " كتبا عن أرض مأهولة وشعب مقاوم ، ولكن التركيز على التفاصيل ظهر بقوة في " اخطية " وفي قصص نفاع .
منذ ١٩٩٣ وعودة عدد كبير من كتاب المنفى بدأت تفاصيل المكان تظهر .
مريد البرغوثي " رأيت رام الله " وفاروق وادي " منازل القلب " ومحمود شقير " ظل آخر للمدينة " وأكرم هنية " شارع فرعي في رام الله " وأسعد الأسعد في " دروب المراثي " وصافي صافي في " زرعين " وغيرهم وغيرهم كتبوا عن رام الله والقدس وزرعين ومؤخرا أحمد رفيق عوض عن قريته يعبد وجارتها عرابة والمدينة القريبة منهما جنين ومخيمها ، ولا يكتفي أحمد بوصف المكان ؛ بيوته وسهوله وشوارعه ، إذ يكتب أيضا عن أشجاره على غرار محمد نفاع المتميز في الكتابة عن الأرض ونباتاتها .
كما ذكرت فإن أحمد يهدي روايته إلى " أشجار البلاد وأهلها " ويبدأ كل مقطع من مقاطعها الثلاثة والعشرين باسم شجرة يكون لها حضور في المقطع الذي أدرج تحتها وغالبا ما تكون هناك صلة بين العنوان والمقطع إذ تسهم الشجرة غالبا بفعل مقاومة كما أهل البلاد ، فثمة شجرة تحمي المقاوم من الانكشاف وتوفر له مظلة الاختباء ، وثمة شجرة تطعمه من ثمرها حين يعز الطعام فلا يجد المقاوم ما يأكله ، وهذه الأشجار تفاجيء أحيانا رجل المخابرات الإسرائيلي أبو السعيد فيكتشف من خلال شغف الفلسطينيين بالأشجار أنه لم يعد يعرفهم ويتساءل عن سبب الشغف ، وأحيانا يغدو مثلهم يحب شرب الشاي بالميرمية ما يدفع المسؤولين عنه إلى التساؤل إن أخذ يتعاطف معهم ويتماثل في طريقة حياته مع حياتهم ، وهذا يسبب له المشاكل ، وتمثل الضحية والتماهي معها ، لكثرة اختلاطه بها اختلاطا ناجما عن ملاحقتها ، فكرة أساسية في الرواية لم تظهر من قبل ظهورها في هذه الرواية . ربما هنا نتذكر رواية الكاتب الإسرائيلي ( ديفيد غروسمان ) التي ترجمت إلى العربية " ابتسامة الجدي " وضابط المخابرات فيها .
تختلف صورة القرية الفلسطينية وأهلها عن صورتهم في رواية سابقة للكاتب " قدرون "(١٩٩٥) اختلافا كليا ، فالصورة السابقة سلبية تماما والصورة الجديدة إيجابية بالكامل ، وهذا ولا شك يدفع قاريء الروايتين للاجتهاد ، وقد لا يجد مشقة في الحصول على إجابة يطمئن إليها ، فما شهدته فترة الاحتلال الإسرائيلي في ٧٠ القرن ٢٠ من هدوء وتوجه للعمل في المصانع الإسرائيلية أعقبه انتفاضة فمرحلة سلام فانتفاضة ثانية فهدوء مشوب بالحذر تتخلله أحداث أشبه بانتفاضات قصيرة ، وفي فترات الانتفاضات يشهد المجتمع الفلسطيني حالة من التكاتف والتعاطف وتصبح صورته مختلفة عن صورته في فترات الهدوء والاسترخاء . إن " الحياة كما ينبغي " تؤرخ لفترة اشتباك مع المحتل عاشتها قرية الكاتب يعبد وعاشتها مدينة جنين ومخيمها .
يمكن إدراج الرواية عموما ضمن الأدب الفلسطيني المقاوم بالمفهوم الذي شاع لأدب المقاومة ، وقد قرأنا نماذج منه في أدبيات نهاية ٧٠ القرن ٢٠ وبداية ثمانينياته حيث كتب غريب عسقلاني رواية " الجوع " (١٩٧٩) وزكي العيلة قصصه " الجبل لا يأتي " (١٩٨٠) . إن مناخ هذه الأعمال الثلاثة وأعمال أخرى يبدو واحدا على الرغم من المسافة الزمنية التي تفصل بينها . يقاوم الفلسطيني المحتل فيحاصر مخيمه وتحاصر قريته وتقتحم بيوته ويحطم أثاثها ويعتقل أبناؤه ولا يرضخ . هذا من ناحية ومن ناحية ثانية يقرأ المرء في الرواية عن المجتمع الإسرائيلي واختلافه يقرأ ما قرأ شبيها له في روايات تلك المرحلة وهنا أخص قصة سميح القاسم الطويلة " الصورة الأخيرة في الألبوم " ( ١٩٧٩) حيث يتعالى اليهودي الغربي الاشكنازي على اليهودي الشرقي . إن والد روتي في قصة القاسم يكره السفارديم ويتعالى عليهم ، وزوجة أبو السعيد الاشكنازية تتعالى عليه هو اليهودي الشرقي وتكون مخبرة عليه تنقل تفاصيل حياته إلى المسؤولين عنه ، وكما انتهت قصة القاسم بانتحار روتي تنتهي رواية أحمد بقتل أبو السعيد زوجته وانتحاره ، ولكن الفلسطيني في رواية أحمد لا يبحث عن مخرج في الرحيل إلى خارج فلسطين كما فعل أحد شخوص قصة سميح ، وإنما يصمد في أرضه منتميا إلى المقاومين في المخيم .
" الحياة كما ينبغي " هو العنوان فكيف ينبغي أن تكون عليه الحياة ؟
يقدم لنا راشد المحمود ما وجب أن يكون عليه ، وهو خريج جامعي عمل موزعا للمواد الغذائية حين عزت الوظيفة وحدث مرة أن احتج على معاناة الفلسطينيين على حاجز من حواجز الاحتلال فألصقت به تهمة محاولة طعن جندي إسرائيلي وهكذا قدم إلى المحاكمة وسجن خمس سنوات ، وحين خرج ، ومع أنه تزوج وأنجب راضخا لرغبة والديه ، قرر مقاومة الاحتلال ، فالحياة ينبغي أن تكون كما قرر " أحب خياري هذا ، أحب حياتي هكذا ، أحب هذا المخزن وهذا الكانون وهذه البندقية ، هذه حريتي ، بالضبط ، هذه حريتي " .


٢٢ إلى ٢٦ / ٨ / ٢٠٢٢ .
( مقال الأحد ٢٨ آب ٢٠٢٢ لجريدة الأيام الفلسطينية )

١٩
محمود درويش وريتا وراشد حسين وريتا

يبدو أنني سوف أكتب مقالة خامسة تحت عنوان " المرأة اليهودية عاشقة للفلسطيني " بناء على هذا الطرح الذي ورد في رواية الياس خوري Khoury Elias " أولاد الغيتو : اسمي آدم "(٢٠١٦) :
" يجلس هنا ويجلب لي صديقه أو تلميذه الذي يدعى ناجي ، كي يكون شاهدا على حكايتي . ناجي هذا ليس إنسانا حقيقيا ، إنه شخصية في كتاب ، أتى بها مأمون إلى هنا كي يثبت أن الواقع أكثر خيالية من الخيال .
هذا كان لب محاضرة مأمون عن محمود درويش في الجامعة ، قدم محاضرة مدهشة عن شخصية ريتا في القصيدة الدرويشية ، ليستخلص بعد ذلك أن الشاعر الذي أحب ريتا وتزوجها لم يكن درويش بل راشد حسين ، وأن حكاية موت هذا الشاعر في نيويورك أكثر مأساوية من كل الشعر الفلسطيني " ص ( ١٨١) .
هل حقا أن الشاعر الذي أحب ريتا وتزوجها هو راشد حسين لا محمود درويش ؟
أحب راشد امرأة يهودية متزوجة وعندما انفصلت عن زوجها تزوجها .
الموضوع طريف !!
( والأطرف أن سليم نصيب / تركية وهو يهودي لبناني هاجر إلى باريس كتب رواية " العشيق الفلسطيني لغولدا مائير ، وكنت كتبت مقالا عن الرواية )
( حول سليم نصيب أنظر صفحة Georges El Rassi وما كتبه هذا الأسبوع )
٢٢ آب ٢٠٢٢ .

٢٠
يوميات غزة ( ٣٢١ )

كما لو أن إبراهيم طوقان ، قبل تسعين عاما ، كتب عما يجري في غزة :

" أمامك أيها العربي يوم
تشيب لهوله سود النواصي

مناهج للإبادة واضحات
وبالحسنى تنفذ والرصاص "

هل نستبدل الغزاوي بالعربي ؟
كان رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) عرض على الرئيس المصري المرحوم حسني مبارك أن يستقبل أهل قطاع غزة في سيناء ، فرفض مبارك ، كما عرض نتنياهو نفسه أيضا على الملك الأردني عبدالله أن يقيم مخيمات يستقبل فيها مليون فلسطيني من الضفة الغربية ، فرفض الملك وعاد نتنياهو غاضبا .
في الأيام الأولى ل ٧ أكتوبر كرر محللون سياسيون إسرائيليون المقترح ووجهة نظرهم أن الأردن استقبل مليون لاجيء سوري ، فلماذا لا يستقبل أيضا مليون فلسطيني ؟
تقلصت مساحة حشر مليون فلسطيني في غزة من ١١ بالمائة إلى ٧ بالمائة والدبابات على بعد أمتار من خيام النازحين .
٢٢ / ٨ / ٢٠٢٤

٢١
هنالك ليل ...

محمود درويش

هنالك ليل أشد سوادا ... هناك ورد أقل
سينقسم الدرب أكثر مما رأينا ، سينشق سهل
وينهد سفح علينا ، وينقض جرح علينا ، وينفض أهل
سيقتل فينا القتيل القتيل لينسى عيون القتيل ... ويسلو
سنعرف أكثر مما عرفنا ، ونبلغ هاوية بعد هاوية حين نعلو
على فكرة عبدتها القبائل ثم شوتها على لحم أصحابها حين قلوا
سنشهد فينا أباطرة يحفرون على القمح أسماءهم كي يدلوا
علينا. ألم نتغير ؟ رجال على دين خنجرهم يذبحون ، ورمل ليكثر رمل
نساء على دين ما بين افخاذهن وظل ليصغر ظل...

ولكنني سأتابع مجرى النشيد ولو أن وردي أقل .

( ورد أقل ١٩٨٥ ) .

٢٢
غزة 686 :
لا جديد سوى المزيد : القتل والتدمير .
حالة سيزيفية

نمنا على أخبار غير واضحة بشأن قبول إسرائيل الصفقة الجزئية ، فتصريحات رئيس الوزراء الإسرائيلي ( بنيامين نتنياهو ) كانت مثار تساؤلات " أمرت ببدء مفاوضات عاجلة لإبرام صفقة شاملة تشمل تسليم جميع الأسرى ووقف الحرب وفق الشروط الإسرائيلية بالتوازي مع المصادقة على خطة الهجوم واحتلال مدينة غزة "
وصحونا على أخبار عن غارات جوية متواصلة من طائرات الاحتلال المروحية على مدينة غزة .
الأطفال الجرحى تنتشل جثثهم محروقة جراء استهداف شقة سكنية ببرج الاتحاد في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة .
وثمة مشاهد قاسية لجثامين أب وأم وأطفالهم الثلاثة جراء قصف خيمتهم في شارع الجلاء بمدينة غزة . والانفجارات العنيفة في شمال القطاع تسمع من مناطق خان يونس .
وفي تقرير لصحيفة الغارديان فإن نسبة القتلى من المدنيين في الحرب بلغت ٨٣ بالمائة .
شريط الفيديو اللافت أمس أرانا جنديا إسرائيليا مدججا بالسلاح ، في إحدى قرى رام الله ، يمسك حجرا كبيرا ويلقيه على زجاج سيارة مواطن .
أخلاق . أخلاق . وأما عن سرقة أبقار القرويين فحدث ولا حرج . هذه المرة على الكاتبة سعاد العامري التي كتبت رواية " بدلة إنجليزية وبقرة يهودية " عن نكبة العام ١٩٤٨ ، عليها أن تكتب " أبقار فلسطينية وأبقار يهودية " . الأولى تسرق والثانية تسرح لترعى في حدائق بيوت الفلسطينيين في رام الله .
هل ثمة بصيص أمل ؟
يبدو أن أبواق الحرب بدأت طبولها بالضجيج ؛ من إيران وربما أيضا من جنوب لبنان ، و ...
و
الحالة تعبانة .
٢٢ / ٨ / ٢٠٢٥

٢٣
غزة 686 / 2
إيمان اللولو ومخاطبة العرب

أثير أمس في وسائل التواصل الاجتماعي خبر اختفاء الناشطة إيمان اللولو وعائلتها في أثناء تصوير توزيع المساعدات في منطقة ( زكيم ) في شمال غزة ، والمنطقة خطيرة حيث يوجد فيها جيش الاحتلال الإسرائيلي .
لاحقا سنعرف أنها عادت بسلام .
كانت الناشطة بثت شريط فيديو تخاطب فيه من هم خارج قطاع غزة وتسألهم عما يقومون به إزاء ما يجري :
" أين أنتم يا عرب / وينكم ؟"
وتلوم العرب كلهم أنهم توقفوا عن الاهتمام بغزة وصمتوا وخرسوا بعد أن كانوا يقولون : غزة في القلب . كأن القضية ليست قضيتهم . الآن يقتصر دورهم على المشاهدة وتقليب الهاتف . غزة تموت والأمر عادي .
إيمان تنطلق من منطلق إسلامي ورؤيتها إسلامية وترى في صمت العرب والمسلمين خذلانا وخيانة .
ما لفت انتباهي أمس منشور قصير كتبه طارق العربي عن الحرب وأشعار محمود درويش :
" أعادت هذه الحرب محمود درويش إلى الواجهة . أعادتني أنا إليه ، لا بوصفه الشاعر الأهم فحسب ، بل بصفته شاعر التغريبة الفلسطينية الوحيد ، الأذكى والالمع والأكثر دلالة . لا أتحدث عن القصائد المشهورة ، خذوا مثلا هدنة مع المغول أمام غابة السنديان ، لن أقول الهدهد أو مديح الظل العالي أو سيناريو جاهز ..... الخ " .
عندما قرأت التعليقات كتبت التعليق الآتي " جميع من علقوا لا يقرأون " .
ولكم أن تقرأوا التعليقات . طبعا عندما سألني طارق أجبته بأن حولت له سلسلة كتابات منها ما كتبته تحت عنوان " هوامش من وحي ما يجري في غزة : تزاحم الأحداث وضياع بعض الأفكار "( الأيام الفلسطينية ٢ / ٢ / ٢٠٢٥ ) و " تداعيات حرب ٢٠٢٣ : محمود درويش " هدنة مع المغول " ( ٣ / ١٢ / ٢٠٢٣ / الأيام الفلسطينية )،
٢٢ / ٨ / ٢٠٢٥

٢٤
أحفاد الذين صنعوا إسرائيل يسخرون مما تفعله ، وما تفعله في غزة هو عار البشرية. ما تقوم به الدولة الإسرائيلية هو نتاج عقل مريض
٢٠٢٥

٢٥
من أكثر العبارات دورانا وانتشارا في المنشورات والتعليقات :
لقد فاوضوا الله على بقرة .
فاوضتم الله على بقرة . ما لونها ؟
٢٢ / ٨ / ٢٠٢٥٨

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...