غانية الوناس - رحل سليمان منصور… لكن «جمل المحامل» باق حتى إحقاق الحق

رحل سليمان منصور.
وأفكر، منذ سمعت خبر رحيله، في تلك اللوحة التي اختصر فيها فلسطين كلها: «جمل المحامل».
رجل يمشي مثقلا بما يحمل، وعلى ظهره القدس.
ربما لم يكن سليمان منصور يعرف، حين رسمها، أنه كان يرسم شيئا يتجاوز اللوحة. كان يرسم جيلا كاملا من الفلسطينيين، جيلا وجد نفسه يحمل وطنا أثقل من أن تحمله الأكتاف، ومع ذلك مضى به.
كان يحمل القدس، والقرية، والزيتونة، والفلاح، والذاكرة، وكل ما حاول المشروع الصهيوني أن ينتزعه من الفلسطيني: الأرض، والاسم، والصورة، والحكاية.
ولهذا لم يكن «جمل المحامل» مجرد عمل فني ناجح. تحولت اللوحة إلى صورة من صور الوعي الفلسطيني نفسه. صار الرجل الذي يمضي تحت ثقل القدس يشبه الفلسطيني في علاقته بوطنه: لا يستطيع أن يضعه جانبا، ولا يستطيع أن يتخلى عنه، حتى حين يصبح حمله فوق طاقة البشر.
ولعل أجمل ما في سليمان منصور أنه لم يجعل من فلسطين فكرة مجردة.
جعلها مرئية.
أعاد إلينا فلسطين في تفاصيلها التي تكاد تبدو عادية: شجرة الزيتون، التراب، البيوت، الفلاح، المرأة، المدينة، الألوان التي تشبه الأرض.
لكنه كان يعرف أن هذه التفاصيل الصغيرة هي التي تصنع الوطن حين يتعرض الوطن نفسه لمحاولة المحو.
كان يرسم كي لا تُنسى. ويرسم كي نرى. ويرسم، ربما قبل كل شيء، كي نقول لأنفسنا: نحن هنا.

ولذلك فإن رحيله ليس فقدان فنان كبير فقط. إنه رحيل واحد من أولئك الذين حملوا فلسطين من الواقع إلى الذاكرة، ومن الذاكرة إلى الصورة، ومن الصورة إلى أجيال لم تعش كثيرا من الأمكنة التي رسمها، لكنها عرفتها من خلاله.
كم من فلسطيني عرف فلسطين في لوحات سليمان منصور قبل أن يعرفها في جغرافيتها؟
وكم من شجرة زيتون أصبحت في وعينا أكثر من شجرة لأن سليمان وضعها في لوحته؟
وكم من طفل فلسطيني نظر إلى «جمل المحامل» ولم يكن يعرف بعد أن الرجل الذي يحمل القدس على ظهره هو صورة أخرى له، ولأبيه، ولجده، ولشعب بأكمله؟

كان سليمان منصور يرسم فلسطين، لكن فلسطين كانت، في الوقت نفسه، ترسمه.
حتى أصبح هو نفسه واحدا من حَمَلة فلسطين، يحمل على كتفيه ذاكرة شعب، ويعرف أن الفن، في وطن مهدد بالاقتلاع، ليس زينة للحياة، بل إحدى وسائل الدفاع عنها.
اليوم رحل الرجل.
لكن القدس التي حملها لم تسقط.
والزيتونة التي رسمها ما تزال تضرب جذورها في الذاكرة.
والفلاح الذي أعطاه ملامحه ما يزال، كما في لوحاته، واقفا على أرضه.
أما «جمل المحامل» فسيبقى يمضي.

رحم الله سليمان منصور وأسكنه فسيح جناته.
رحم الله الفنان الذي لم يرسم فلسطين من بعيد، وإنما حملها معه.
وحين عجزت الأكتاف عن حمل كل هذا الوطن، حملته اللوحة.
لكن فلسطين التي حملها سليمان منصور لم تبقَ في اللوحة وحدها.
حملها أبناء غزة، وحملتها مخيمات الضفة وقراها، وحملها أولئك الذين كبروا وهم يرون «جمل المحامل» يمضي مثقلا بالقدس، فأسهمت صورته، مثلما أسهمت أعماله كلها، في بناء وعيهم بفلسطين، بوصفها أرضا وذاكرة وحقا لا يسقط.
هؤلاء الذين حملوا فلسطين في أشد لحظاتها قسوة، وما يزالون يحملونها، هم الامتداد الحي لـ«جمل المحامل» الذي رسمه سليمان منصور.
وربما هذه هي أعظم هزيمة يمكن أن يُلحقها الفنان بعدوه: أن يموت هو، بينما تستمر لوحته في العيش، وتواصل الأجيال حمل ما حمله ذات يوم.
رحل سليمان منصور، لكن «جمل المحامل» ما يزال يمضي.
يحمل القدس.
ويحمل غزة.
ويحمل كل فلسطين.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...