أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٧ آب من كل عام

١
كوابيس الليلة الماضية :

الليلة المنصرمة 26 \ 27 صحوت في التالثة فجرا من كابوس . كان صدام حسين محاصرا والطائرات الأمريكية تهاجمه وهو خائف ومرعوب ويمسك بيده مسدسا ويستعد لإطلاق النار علي وعلى امرأة إلى جانبي ، وكنا على الأرض منبطحين .
كانت المراة تئن وتعول وأما أنا فكنت صامتا .
جاء صدام وأطلق النار على المرأة قائلا :
- تريدين أن تدلي الأمريكان علي !؟
ولما صوب نحوي ضحكت وقلت :
- أنا صامت يا عزيزي .

ما العلاقة بين رواية حزامة حبايب " اهل الهوى " وهذا الحلم ؟
لعل مقالي الأحد القادم عن هذا وعن سفري - في الكابوس - الى الكويت .
أحلام هنيئة يا وطن .
صباح الخير يا وطن .
٢٠١٢

٢
حياة معلقة..عاطف أبو سيف 2 :
" نهايات المناضلين ومفهوم البطولة "

في الصفحات السبعين اﻷولى من الرواية يتجادل سليم ابن نعيم ونصر ابن أخت نعيم حول مفهوم البطولة . من هو البطل حقا ؟
هل يعد نعيم بطلا ؟
لم يسجن نعيم في السجون الاسرائيلية ولم ينتم لتنظيم أصلا . صحيح أن ابنه سالم محكوم بخمسة مؤبدات وأنه - أي نعيم - والد فدائي ، فهل يعد بطلا وفدائيا من باب نكتة شاعت هي " رفيق الرفيق رفيق وسابع بيت لجار الرفيق رفيق " ؟
يستشهد نعيم ، وهو ذاهب إلى مطبعته ، بطلقة قناص إسرائيلي ، فهل يجب عمل ملصق له ؟هو الذي كان ينتج الملصقات للشهداء ؟
كان نعيم مواطنا فلسطينيا عاديا وكان يغامر ويطبع في مطبعته المنشورات التي تدعو إلى مقاومة الاحتلال . إن فضيلته تكمن في هذا وفي صموده في غزة وعدم الهجرة منها . كأنه ينهج نهج آميل حبيبي الذي رفع شعار : " باق في حيفا " وطلب من معارفه أن يكتبوا العبارة على شاهد القبر .
سيحتدم النقاش بين الابن سليم وابن اﻷخت نصر حول إنتاج ملصق لنعيم . يرفض الابن ونصر يصر . ونصر يتحدث باسم الفصيل والمقاومة وخاله شهيد وكان يقاوم بطريقة غير مباشرة وقتله قناص وهو على باب مطبعته .
هل يعد نعيم مناضلا ؟
نهايات كثيرين ممن سجنوا تجعلنا نقف لنعيم احتراما له ونرفع القبعة - وإن بانت الصلعة - ونبصق على حاضر كثيرين من المناضلين القدامى الذين سرقوا أموال تنظيماتهم وهربوا أو الذين تحولوا منهم إلى تجار أراض أو وكلاء ( أن.جي.أوز. ) هؤلاء الذين يأتي عليهم مظفر النواب : أخ تفو على ...
٢٠١٥

٣
الجيران فرحون :

الجيران يحتفلون . لعله زفاف ما . لعله !
منذ ساعة وأنا غير قادر على فعل أي شيء .كأن الفرح في بيتي وأكثر . كان الله في عون مرضى القلب . أكيد إنهم سينقلون إلى المشفى إن بقوا على قيد الحياة . ماذا نفعل ؟
هكذا نحن .
في شقتي الثانية كان أول أمس ثمة فرح ولم يكن الصوت يصل إلى شقتي في الطابق الثاني فقرأت بضع صفحات من حياة معلقة . ما يزعج هناك هو وجود محددة وهات قص وجلخ ، وما يزعج هناك هو أن السيارات رايحة جاي ، وبعد سنة ستفتتح مدرسة فرندز فرير هيك شيء . العمال منذ ثلاثة أيام يفككون مبنى الكنيسة ومأوى المسنين : الشبابيك واﻷبواب ومن قبل الكرميد .
كانت هناك كنيسة وكانت شبه مهجورة وبعد عام ستقام على أنقاضها مدرسة ثانوية وربما يبدأ الإزعاج .
أنا الآن أصغي إلى أغاني المحتفلين ولا أفهم منها شيئا . ماذا أفعل ؟ هكذا نحن : صراخ وضجيج واستيريو تيب ويجب على الجميع أن يفرح فالله يحب الفرحين لا النكدين . نعم . نفرح ويجب أن يفرح معنا الجيران وسابع جار أيضا .
( هدم بيت المسنين وهدمت الكنيسة وحتى اليوم ٢٧آب ٢٠١٩ لم تبن المدرسة وما زال ركام الهدم لافتا ) .
٢٠١٥

٤
هدنة عيد :

هل سيشعر المقاتلون في البلاد العربية بالضجر والملل من الحرب ؟
هل سيفكرون بعيد الأضحى وعائلاتهم ؟
ألا يشتاقون إلى يوم بلا قتلى وجرحى ؟
إلى الخروج مع عائلاتهم إلى ضفاف الأنهار ؟
إلى زيارة آبائهم وأمهاتهم؟
إلى الجلوس ساعة في مقبرة يتأملون فيها نهاياتهم ؟
ربما لم يبق في بلادهم أنهار ، وربما لم يعد آباؤهم وأمهاتهم على قيد الحياة ، وربما دمرت البراميل المتفجرة المقابر ، وربما لم يبق في بلادهم بيوت صالحة للجلوس فيها ،
وربما
وربما
وربما لم تبق في بلادهم خراف يضحون بها فأخذوا يضحون بالبشر أخذا بقوله :
( إني رأيت في المنام أني أذبحك ) .
اليهود في عيد الفصح يغلقون المعابر ويؤدون العبادات ولكنهم - بارك الله فيهم - في حربهم مع الفلسطينيين ينسون حتى عيد الفصح .
هل صرنا مثلهم أم صاروا في جانب الحرب مثلنا ؟
بوكر توف . بوكر أور أو بوكر ا......
27/ 8 /2017

٥
العودة إلى فلسطين :

العودة إلى فلسطين بجواز سفر غربي قام بها المفكر الفلسطيني ابراهيم أبو لغد . لقد هاجر من يافا في 1948 شابا وعاد في بداية 90 القرن 20 بجواز سفر أميركي ليحاضر في بير زيت وليدفن في يافا .
الكاتب ربعي المدهون ولد في المجدل وعاد ليزور مكان ولادته بجواز سفر بريطاني ، وأما يوسف الشخصية الرئيسة في رواية الكاتب سليم البيك " تذكرتان إلى صفورية " فقد ولد في دبي لأبوين من مخيم اليرموك ولجأ إلى فرنسا وحصل على جواز سفر فرنسي وقرر زيارة قرية جده ولكن ....
لقد فاتته الطائرة إذ تأخر عن الموعد ومثلنا الشعبي يقول " أجت الحزينة تفرح ما لقيت مطرح " و "على بخت الحزينة سكرت المدينة" وأغلقت أبواب الطائرة .
27 آب 2018

٦
حدث في نابلس :

هل حقا حدث هذا في نابلس؟
المرأة الطاعنة في السن تقيم وحدها في منزلها ما أدى إلى طمع اللصوص بها .
سرق اللصوص ما سرقوا وأرادوا خاتم الذهب من إصبع يدها ولما أرادوا انتزاعه لم يتمكنوا ، فاقترح أحدهم قطع الإصبع ، وهموا بذلك لولا خبرتها .
المرأة كانت فطنة فاقترحت عليهم أن يحضروا بعض الزبدة من الثلاجة ، وهذا ما كان .
أشياء غريبة تحدث . اليوم صباحا صحونا على خبر قتل الرجل 54 وزوجته 35 أمام طفليهما .
ربما القادم اسوأ .
27 آب 2018

٧
الست كورونا : الكمامات في الشوارع والمرأة تبكي بعد طفلها عنها ( 59 )

الظاهرة اللافتة في هذه الأيام ، إلى جانب ارتداء الكمامة وبيعها في الصيدليات وفي الشوارع واختراق المفردة أذن المواطن من خلال البائعين " احم نفسك بشيكل . كمامات كل كمامة بشيكل و .. الخ " ، الظاهرة اللافتة هي منظر الكمامات التالفة ملقاة في شوارع المدينة . لقد صارت الكمائم جزءا من الزبالة التي يتخلص منها لا بإلقائها في الحاويات أو سطل الزبالة ، وإنما في الشارع ، كما لو أنها عقب سيجارة أو محرمة فاين أو عود حبة اسكيمو أو ما شابه .
أينما يممت وجهك على أرضية الشارع تجد الكمائم / الكمامات التالفة ملقاة تدوسها الأقدام . مئات الشواكل ذهبت في الأرض وقد تنقل الفايروس ، ورحم الله أيام محارم القماش التي كانت تمتليء بالبرابير وتغسل عشرات المرات .
ما زلنا حتى اليوم منقسمين ومختلفين في الرأي : هل الفايروس حقيقة أم أنه لعبة ومؤامرة ؟
اليوم وأنا في الجامعة سألني حسن معروف ، وهو أحد طلابي ، إن كنت من أنصار نظرية المؤامرة ، فأجبته بأن خلو الملاعب الرياضية الأوروبية من جمهور المشاهدين يقول الحقيقة ، فالأوروبيون يعبدون كرة القدم وصارت الاههم الجديد ، ولا يروق كلامي للصديق المحامي ماهر فتحي بسطامي الذي يصر على أن الكورونا ليست سوى خدعة وأكذوبة ومؤامرة .
آخر شريط فيديو شاهدته مساء أمس كان الناطق فيه امرأة لبنانية مصابة بالكورونا وشكت من أعراضها ( عرفت من الصديق Ali Musa أنها ملاك خالد مراسلة قناة الميادين ) ، ولكن الحرقة التي تعاني منها هي أنها أجبرت على الابتعاد عن طفلها ، وسوف تفترق عنه مدة أسبوعين لن تتمكن خلالهما من ضمه أو معانقته ، وهذا ما لم يتحقق من قبل تحت أي ظرف ولأي سبب . كادت المرأة وهي تتكلم تبكي ، ولم أتردد في تحويل الشريط إلى الصديق المحامي .
منذ شباط لم ألق أية محاضرة ولم أشارك في أي مؤتمر ولم أسافر خارج نابلس وهكذا مر النصف الثاني من عام التقاعد الأول وأنا رهين الشقتين في المدينة نفسها ، والحمد لله أنني ، حتى اللحظة ، لست مثل المعري رهين المحبسين ، وكما يقول مثلنا الشعبي " اللي بشوف مصيبة غيره بتهون عليه مصيبته " .
قبل أن أتقاعد سألني كثيرون عما أنوي فعله بالمكافأة واقترحوا علي أن أسافر والآن ما عاد أحد يقترح ، فالنصيحة صارت " خليك بالبيت " وصرت متقاعدا حقا " مت قاعدا " ، " ومن كتبت عليه خطا مشاها " .
٢٧ آب ٢٠٢٠

٨
مقهى رصيف :

في الحادية عشرة صباحا دار السائق بحافلته حول رأس الرجاء الصالح . دار ولف ، وسار يسارا ، وسار يمينا ، بحثا عن ركاب . وكان بإمكاني أن اعترض ولكني آثرت الصمت ، فلعل الله يرزقه .
في المساء أرسل إلي صديق من غزة شريطا يتحدث فيه خربج جامعي عن قسوة الحياة هناك ، فالوظائف قليلة وفرص العمل شحيحة . خاطب الشاب السيد اسماعيل هنية والسيد يحيى السنوار وغيرهما من قيادات حماس أن يفكروا بأبناء الشعب كما يفكرون بأبنائهم الذين تتاح لهم فرص العمل وتهيأ لهم الوظائف ، خلافا لغيرهم من الغلابا .
الشاب ، كما قال ، يجر عربة نقل أغراض ولا يحصل في اليوم على أكثر من عشرة شواكل ، وكلما طرق بابا من أبواب حماس قالوا له إن والده موظف من موظفي سلطة رام الله . هل كان الشاب شجاعا أم متهورا ؟
لقد صرح الشاب أنه غير خائف وأنه يعرف مسبقا أنه قد يسجن .
الصديق مرسل الشريط كتب إلي :
- تمسكوا بالسلطة فأنتم تنعمون بخيرات الجنة . تعالوا انظروا جحيم حماس . حماس تهاجم سلطة رام الله ، وإذاعة فلسطين من رام الله تهاجم حماس وتأتي على تضييقاتها على المواطنين ، وأنا كلما شاهدت شريط فيديو عن أوضاع غزة المأساوية ، أو كلما قرأت كتابات عن جحيم الحياة هناك ، عقبت :
- كان الله في عون أهل غزة .

وأنا جالس على مقهى رصيف عرفني أبو زيد على أم العبد . شاركت أم العبد في انتفاضة الأقصى وكادت تعتقل . لأم العبد ابن سجين قضى ، حتى الآن ، أربعة عشر عاما وبقي من محكوميته ثلاثة عشر عاما أخر .
كانت أم العبد تتحدث عن ابنها ومعاناتها دون أي شعور بندم ما ، فليس ثمة مهرب من المقدر " المقدر ما منه مهرب " .
منذ متى لم تزر أم العبد ابنها ؟
وأنا كنت أجلس على مقهى رصيف ، وليس ثمة سوى أربعة مقاعد ، فالمكان لم يكن أصلا مقهى . إنه محل بيع قهوة وبهارات ولقلة ما باليد ولقلة البيع حول ابنا صاحب المحل المكان إلى ما يشبه المقهى .
في نابلس ليس ثمة مقاهي رصيف إطلاقا ، ومرة كتب صديق يتنقل بين فرنسا ونابلس عن افتقار المدينة الفلسطينية إلى مقاهي الأرصفة ، وهذا صحيح .
هل مر أمس بلا شهداء أم أنه مثل باقي الأيام الفلسطينية ؟
وأنا أجيب على اقتراح الصديق الغزاوي الذي يطلب فيه منا أن نتنعم بما نحن فيه في ظل السلطة ، اقترحت عليه ، ما دام يدافع عن السلطة ، أن تخفف هذه - أي السلطة - من قمع المتظاهرين واعتقالهم وشتمهم ، فابناؤها هم مناضلون او أبناء مناضلين أو أنهم سجنوا وعذبوا وحجموا ... إلخ .
لا أحد قانع بما هو فيه ، والكل يشكو .
حسنا فعلت الشرطة الفلسطينية في رام الله إذ لم تعتقل المحتجين وتركتهم يعبرون عن مواقفهم ، وآمل ألا تتراجع عن سلوكها هذا .
سكان غزة غير راضين عما هم فيه ، ومثلهم سكان الضفة ، وحالة تعبانة يا ليلى .
٢٧ آب ٢٠٢١ .

٩
الرواية الفلسطينية من ١٩٤٨ حتى الوقت الحاضر

عادل الاسطة

" الرواية الفلسطينية من سنة ١٩٤٨ حتى الوقت الحاضر " هو آخر الكتب التي أقرأ فيها .
صدر الكتاب بالعربية ، مترجما عن الإنجليزية ، في العام ٢٠٢٠ عن مؤسسة الدراسات الفلسطينية في بيروت ورام الله ، وكانت الطبعة الإنجليزية صدرت في العام ٢٠١٦ . مؤلف الكتاب هو الدكتور بشير أبو منة الذي يشغل منصب محاضر في أدب ما بعد الاستعمار ومدير مركز الدراسات الاستعمارية وما بعد الاستعمارية في جامعة " كنت " في بريطانيا ، وأما مترجمه فهو مصعب حياتلي .
في الأسبوع القادم يفترض أن أتحدث في احتفالية بيت لحم عن الرواية الفلسطينية في المنفى ، والسؤال الذي راودني وأنا اجمع بين ما أقرأ وما سأتحدث عنه ، هو :
- ماذا لو اعتمدت في محاضرتي على الكتاب الذي أقرأ فيه فقط ؟
وتلا السؤال سؤالان آخران هما :
- هل سأتحدث عن غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا فقط ؟ وإذا ما فعلت هذا ، فماذا سيقول عني جمهور المستمعين وبم سينعتونني ؟
من المؤكد أنني سأنعت بأنني من أهل الكهف ، وانني لا أقول إلا معادا مكرورا ، فكنفاني استشهد في ١٩٧٢ وجبرا توفي في ١٩٩٤ ، وبعدهما جرت مياه كثيرة في نهر الرواية الفلسطينية في المنفى .
الخوض في الرواية الفلسطينية في المنفى بعد استشهاد كنفاني ووفاة جبرا تتطلب مساحة أضعاف مساحة مقال في صحيفة ، وهنا سوف أشير إلى ملاحظات عابرة حول الكتاب الذي توجه بالأساس لقاريء عالمي يقرأ بالإنجليزية ، ثم توجه للقاريء العربي من خلال الترجمة التي يحسب لمترجمها أنه ، في نقل نصوص الروائيين ، عاد إلى الروايات الأصلية لا إلى ترجمتها إلى الإنجليزية ، وهكذا لم يترجم المترجم وأعفى نفسه من الوقوع في كارثة وقع فيها بعض المترجمين .
في كتابه يدرس بشير أبو منة أربعة أصوات روائية فلسطينية هي جبرا ابراهيم جبرا وغسان كنفاني واميل حبيبي وسحر خليفة ، ويأتي على الرواية المشتركة " عالم بلا خرائط " التي كتبها جبرا وعبد الرحمن منيف ، ثم يدرس كتاب الفرنسي ( جان جينيه ) " أسير عاشق / سجين الحب " ويتوقف بإيجاز أمام رواية الروائي اللبناني الياس خوري Khoury Elias " باب الشمس " ، وهذا الجمع بين أربعة أصوات فلسطينية وثلاثة أصوات عربية وعالمية يعد مثار سؤال ، ويعيدني شخصيا إلى ورقتي التي كتبتها في العام ١٩٩٧ لمؤتمر الأدب الفلسطيني في جامعة بير زيت ثم نشرتها في كتابي " فلسطينية الأدب والأديب : سؤال الهوية " الذي صدر في العام ٢٠٠٠ عن دار الشروق .
ويبدو أن المؤلف اعتمد في تحديد هوية الأدب ، بالدرجة الأولى ، على الموضوع ، لا على مكان الولادة أو الهوية الوطنية أو الأصول العائلية التي انحدر الكاتب منها أو اللغة ، فكتاب ( جينيه ) مترجم إلى العربية ، والطريف أنني في كتابي ذكرت ( جان جينيه ) وإن لم أذكر إلياس خوري ، فلم تكن روايته المذكورة قد صدرت . ( صدرت " باب الشمس " في ١٩٩٨ - أي بعد عام من تقديم ورقتي في جامعة بير زيت ، ومع ذلك فقد تساءلت عن الكتاب العرب الذين يخوضون في الموضوع الفلسطيني وإدراج نصوصهم مثل السوري أديب نحوي وروايته " عرس فلسطيني " ، كما تساءلت عن النصوص التي يكتبها كتاب فلسطينيون بلغات غير العربية ، وذكرت رواية جبرا " صيادون في شارع ضيق " وروايات أخرى مكتوبة بالفرنسية والألمانية والعبرية مثل رواية ابراهيم الصوص " بعيدا عن القدس " المكتوبة بالفرنسية ورواية انطون شماس " عربسك " المكتوبة بالعبرية ... إلخ ) .
يركز الدارس على جبرا أكثر من تركيزه على كنفاني وحبيبي وخليفة ، ويدرس أكثر أعماله في حين يختار أعمالا محددة للثلاثة الأخيرين ، بل إنه درس الرواية المشتركة لجبرا مع منيف ، عدا أنه بدأ بجبرا على غير المعتاد في الدراسات العربية ومن أبرزها كتاب فاروق وادي " ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية " الصادر في ١٩٨٥ حيث درس كنفاني أولا وحبيبي ثانيا . ونادرا ما التفت أبو منة للروايات من ناحية جمالية . لقد ناقش أفكارها وصلتها بأفكار كتابها وما يطرحونه وطنيا واجتماعيا ، وأحيانا وحد بين سارد الرواية وكاتبها كما في دراسته لرواية حبيبي " المتشائل " التي وقف عندها دون أن يتجاوزها إلى سداسيته ومسروايته " لكع " وروايتيه " اخطية " و " خرافية سرايا بنت الغول " إلا نادرا .
هل اقتصر المؤلف على أعمال الروائيين المذكورين لأنها مترجمة إلى الإنجليزية ، ولم يدرس روايات كتاب آخرين لأنها لم تترجم ، علما بأن هناك روايات لكتاب آخرين لاحقين نقلت إلى الإنجليزية ، فسلمى الخضراء الجيوسي في مشروعها لترجمة الأدب العربي إلى الإنجليزية ؛ مشروع ( بروتا ) ، ترجمت روايات لفلسطينيين من الجيل اللاحق لجيل كنفاني وحبيبي وجبرا ، مثل ابراهيم نصرالله ويحيى يخلف . وكنت أتمنى لو قدم الدارس تفسيرا لتوقفه أمام الأصوات المدروسة دون غيرها . هل يرى مثلا أن ما كتب من روايات في العقود الثلاثة الأخيرة لم يشكل ظاهرة لافتة . حتى سحر خليفة التي درسها فقد درس من أعمالها الأعمال الأولى ، وتحديدا " لم نعد جواري لكم " و" الصبار " و" عباد الشمس " و" باب الساحة " ، ولم يتوقف أمام بقية أعمالها التي ذكر عناوين قسم منها ولم يشر إلى عناوين أخرى .
إن عنوان الدراسة " الرواية الفلسطينية من سنة ١٩٤٨ حتى الحاضر " مقترنا مع زمن صدور الدراسة ( ٢٠١٦ ) سيخدع القاريء الذي يفترض أنه سيقرأ أيضا عن الرواية الفلسطينية في العقود الثلاثة السابقة للعام ٢٠١٦ - أي سيقرأ عن الأعمال اللاحقة لسحر خليفة وسيقرأ أيضا عن الأصوات الروائية الجديدة مثل يحيى يخلف وابراهيم نصرالله ورشاد أبو شاور وليانة بدر وفاروق وادي وأحمد حرب وغيرهم ، ولكنه - أي القاريء - لن يجد ذكرا لهؤلاء واعمالهم ، وإن وجد ففي الهامش ( ذكر اسم ابراهيم نصرالله وروايته " زمن الخيول البيضاء " في هامش ، وأشير إلى رأي ليحيى يخلف في رواية لسحر خليفة في هامش من الهوامش ) .
حقا هل توقفت الرواية الفلسطينية أمام بعض نتاجات الأسماء المذكورة وكل ما كتب بعدها لا يضيف إلى الرواية الفلسطينية أي جديد ؟
سؤال مشروع يثيره قاريء الكتاب ويثير أيضا أسئلة أخرى مثل ماذا يضيف الكاتب إلى الدراسات السابقة ؟ ولماذا أهمل عشرات الدراسات العربية حول الروائيين المدروسين واعتمد على دراسات أجنبية كثيرة جدا ؟
بقي أن أذكر أنه على الرغم من قائمة الشكر الطويلة لأصدقاء كثيرين للدارس أبدوا آراءهم فيما كتب لم تخل دراسته من عدم دقة في بعض قراءته للنصوص ، ومنها على سبيل المثال ما كتبه في هامش ٣٠ من الفصل الخاص باميل حبيبي ( صفحة ١٩٤ من الترجمة العربية ) وهو :
" ترى إشارة إلى قمع وكبت فلسطينيي ال٤٨ في تلاعب إميل حبيبي باسم عمة سعيد في بداية الرواية ؛ فاسم عمته هو محصية ، لكن الجنود اليهود يلفظون اسمها مخصية ، فبعد تشريد سنة ١٩٤٨ ، وضمن جهود الدولة الإسرائيلية لمنع عودة اللاجئين ، قامت إسرائيل باحصاء للسكان الفلسطينيين ، وكأن حبيبي يلمح إلى أن من تم إحصاؤه تم إخصاؤه ."
هنا نجد خطأ في الفهم فليس لسعيد عمة اسمها محصية ولا مخصية . إن سعيد هنا يزور أم سعد التي كانت تعمل في الكنيسة وظنت أن سعيدا من المخابرات الإسرائيلية يظنها متسللة ، فأرادت أن تثبت له أنها ليست كذلك وأنها محصية ولديها شهادة بذلك .
ومن المعلومات غير الدقيقة مثلا ما ورد عن زواج سعيد " إلى زواجه من زوجته الثانية " إذ لم يكن سعيد تزوج قبل زواجه من باقية وإن أحب يعاد .
وكنت أتمنى لو توقف الدارس وهو يدرس " المتشائل " أمام الصورة التي أبرزها سعيد المتعاون لسعيد اللاجيء المقاوم " سعيد في بلاط ملك " . إن الصورة التي يقدمها سعيد المتعاون لسعيد المقاوم هي الصورة التي كان إميل حبيبي يحلم بها ليكون عليها ، وقد أشار سعيد بأنه كان يحدث بعض معارفه بأنه يحدثهم عن نفسه بما كان يحلم بأن يكون عليه .

الكتابة تطول والمساحة محدودة .

( مقالي الأحد ٢٩ آب في جريدة الأيام الفلسطينية متوسعا فيه ) .

الجمعة
٢٧ آب ٢٠٢١ .
للقراءة ولمن يحب النشر أيضا .

١٠
الرواية الفلسطينية في خارج الأرض المحتلة / المنفى

في إمعان النظر في دال المنفى يبدو لي أنه دال متحرك في المكان والزمان ، فبعض ما كان منفى ما بين الأعوام ١٩٤٨ حتى ١٩٦٧ لم يعد ، بعد هزيمة حزيران ، منفى ، إذ وحدت الهزيمة الوطن كله ، وللمفارقة تحت الاحتلال .
ولكن هل يعني المنفى الإقامة خارج الوطن ، حتى لو تمت الإقامة بقرار طوعي اختاره الشخص ؟
ما يلفت هو أن نصف الفلسطينيين ظلوا يعيشون خارجها ولم يتمكنوا من العودة إليها ، فعاشوا المنفى بصوره المختلفة ؛ المنفى الموحش والقاسي والدموي أحيانا والمنفى الأقل قسوة ووحشية ودموية ، وظل أبرز كتاب الرواية الفلسطينية بين ١٩٤٨ و١٩٦٧ يقيمون في المنافي ، وأخص هنا غسان كنفاني وجبرا إبراهيم جبرا وبعض الشعراء الذين كتبوا رواية واحدة ولم يكرروا التجربة ، مثل يوسف الخطيب ومحمد العدناني ، ومن قبلهم جمال الحسيني .
مع هزيمة العام ١٩٦٧ أخذ جيل جديد من الكتاب ، بخاصة كتاب القصة القصيرة ، يكتب الرواية ، وهنا أذكر رشاد أبو شاور ويحيى يخلف وأمين شنار ، والأخير شاعر وكتب رواية واحدة فقط . لقد ولد يخلف في سمخ وأبو شاور في زكرين وأجبرا على الرحيل عن قريتيهما بسبب حرب ١٩٤٨ .
بالتأكيد كان هناك كتاب روائيون آخرون كتبوا روايات عديدة مثل أحمد عمر شاهين ووليد أبو بكر ويوسف شرورو وغيرهم ، ولم يعد من هؤلاء إلى فلسطين بعد اتفاق أوسلو إلا الثاني - أي وليد أبو بكر الذي كتب رواياته يوم كان يقيم في الكويت التي سافر إليها طوعا قبل هزيمة حزيران ١٩٦٧ وظل فيها دون أن يتمكن من العودة إليها بسبب احتلال قريته يعبد في الحرب فكتب رواياته حيث يقيم - أي في الكويت ، ولا أعرف له رواية كتبت بعد عودته - أي بعد العام ١٩٩٣ .
قسم من الجيل الذي عاش في المنفى وكتب الرواية بين ١٩٦٧ و١٩٩٣ اختلف مكان إقامته بعد أوسلو ، فعاد إلى الوطن وواصل الكتابة وأصدر أكثر رواياته بعد عودته التي لم تكن إلى قريته التي ولد فيها . هنا أشير إلى يحيى يخلف الذي لم يكن قبل عودته أصدر سوى ثلاث روايات بعضها أقرب إلى القصة الطويلة ، وحين استقر في رام الله أصدر ما لا يقل عن ست روايات كلها تندرج تحت جنس الرواية ، ومن المؤكد أن عودته عودة إشكالية ، وإذا دققنا في الزمن الروائي لرواياته ، فبعضها يكتب عن تجربة المنفى والشتات ما بين ١٩٤٨ و١٩٦٧ أو حتى ١٩٩٣ .
مثل يحيى يخلف بعض الروائيين العائدين الذين كتبوا رواية أو روايتين أقرب إلى القصة الطويلة ثم كتبوا رواية أو روايتين بعد عودتهم إلى أرض الوطن بسبب اتفاق أوسلو ، وهنا أذكر بالتحديد غسان زقطان وزكريا محمد ، وإن لم يكتب الثاني في المنفى أي رواية بخلاف ما أنجزه بعد عودته ، إذ كتب روايتين .
تختلف ليانة بدر عن يخلف في أنها في المنفى كتبت ثلاث روايات وعدت من كتاب المنفى ، وحين عادت لم تنجز سوى رواية واحدة وعمل قصصي تشكل قصصه معا مادة لرواية .( هنا يجب التركيز على أن عودتهم تمت إلى الضفة الغربية وقطاع غزة لا إلى مدنهم وقراهم الأولى ، ما جعل أحمد دحبور يستخدم باستمرار عبارة العودة الناقصة ، ويكتب في العام ٢٠٠٠ قصيدة " رائحة السفرجل " ويقر فيها أنه ما زال في المنفى :
" أنت في المنفى وفي المنفى وفي المنفى وإن سميته وطنا " )
الروايات التي كتبها هؤلاء في المنفى يمكن أن تدرس على أنها رواية فلسطينية تندرج تحت مسمى " رواية المنفى " بخلاف أكثر رواياتهم التي كتبوها بعد عودتهم حين استقروا في أرض الوطن ، إلا إذا اعتبروا أن عدم عودتهم إلى مكان ولادتهم ليست عودة وأنهم ما زالوا يقيمون في المنفى .
غير أن هناك روائيين آخرين كثرا ظلوا يقيمون خارج فلسطين ؛ رشاد أبو شاور وفاروق وادي ويوسف شرورو ومحمد الأسعد وحنان باكير وحسن حميد وعدنان كنفاني وسامية عيسى وغيرهم .... .
إن الحديث أو الكتابة عن رواية المنفى الفلسطينية يجب أن يراعي ما سبق ، بل ويجب أن يراعي أيضا الخوض في سؤال الهوية لرواية المنفى وكتابها .
وأنا أكتب بعض الفقرات على صفحات التواصل الاجتماعي ( الفيس بوك ) ذكرت اسم الروائي إبراهيم نصرالله على أنه من كتاب المنفى ، فاستفسر مني الكاتب الأردني محمد داوودية إن كان نصرالله يعد حقا من كتاب المنفى ، فهو مواطن أردني يستمتع بكافة حقوق المواطنة الأردنية ، وخضت ، عبر الماسنجر ، حوارا وديا مع الكاتب وأشرت إلى أن الموضوع شائك وانني عالجته في كتابي " فلسطينية الأدب والأديب : سؤال الهوية " ( ٢٠٠٠ ) .
- هل ندرس روايات إبراهيم نصرالله على أنها روايات كاتب أردني بناء على مكان ولادته وإقامته وجواز سفره ، أم ندرسها بناء على أصول أسرته وإقامته في مخيم لاجئين هو مخيم الوحدات ، وأيضا بناء على أكثر موضوعات رواياته التي ركز فيها بوعي كامل واختيار تام على المأساة والملهاة الفلسطينية ؟
مثل ابراهيم نصرالله فاروق وادي ومحمد القيسي ومحمد القواسمة وجمال ناجي وليلى الأطرش وآخرين في الأردن ، ومثله من قبل جبرا ابراهيم جبرا في العراق ، وغسان كنفاني وسامية عيسى في لبنان ، وحسن حميد ومحمود شاهين وعدنان كنفاني ويوسف شرورو وآخرين في سورية ، وأحمد عمر شاهين في مصر ، وأفنان القاسم وابراهيم الصوص في فرنسا والقائمة تطول .
لقد درست روايات كنفاني وجبرا وأفنان القاسم تحت مسمى " الرواية الفلسطينية في المنفى " لا تحت مسمى " الرواية اللبنانية " أو " الرواية العراقية " علما بأن أكثر شخصيات روايتي جبرا " صيادون في شارع ضيق " و " السفينة " عراقيون وبيئتهم العراق .
ليس الغرض من الخوض في هذا الموضوع الشائك التركيز على إقليمية بغيضة قدر ما هو دراسة نتاج أدباء أصولهم أو أصول آبائهم تنحدر من فلسطين التي أجبروا على مغادرتها والإقامة في بيئة جديدة طارئة ، حتى لو كانت بيئة عربية تعاملهم معاملة أبنائها الأصليين .
الحنين إلى المكان الأول أتى عليه في شعره أبو تمام " وحنينه أبدا لأول منزل " والإقامة في مخيم طاريء هي إقامة تشعر المرء بأنه طاريء ووافد وفي غير مكانه الأصلي ، وهذا لا شك سينعكس على كتابته وحياته أيضا .
هل الأصح لتفادي الإشكاليات الإقليمية هو الحديث عن الموضوع الفلسطيني في الرواية العربية خارج فلسطين ؟
هذا سيثير المرء سؤالا آخر مهما هو :
- من هم الكتاب الذين خاضوا في الموضوع الفلسطيني أكثر من غيرهم ولماذا لم يخض فيه كتاب آخرون كثر؟
السؤال نفسه كان أثاره معين بسيسو في كتابه " نماذج من الرواية الإسرائيلية المعاصرة " ١٩٧١ ، حين لاحظ أن أبرز الكتاب العرب مثل توفيق الحكيم و نجيب محفوظ و يوسف إدريس لم يكتبوا في الموضوع الفلسطيني ، فلم يذهب أي منهم إلى مخيمات اللاجئين في قطاع غزة ليعيش مع سكانها فترة ويكتب عن حياتهم فيها .
إن الكتاب الفلسطينيين الذين هجروا من وطنهم في العام ١٩٤٨ وأولادهم الذين ولدوا في المنافي هم أكثر من كتب في الموضوع ، وكادت كتابتهم تقتصر عليه . أقول " وكادت " لأن قسما منهم خاض في موضوعات أخرى اجتماعية وانسانية لا حضور للموضوع الفلسطيني فيها . لا يعني ما سبق أن كتابا عربا آخرين لم يكتبوا في الموضوع الفلسطيني ويجيدوا في الكتابة فيه إجادة كبيرة . هنا أذكر إلياس خوري ورواياته " باب الشمس " ١٩٩٨ و " أولاد الغيتو : اسمي آدم " ٢٠١٦ و " أولاد الغيتو : نجمة البحر " ٢٠١٨ ، ولكن ما نسبة الكتاب العرب الذين كتبوا في الموضوع الفلسطيني إلى الكتاب الفلسطينيين الذين كتبوا فيه ؟
في الكتابة عن الرواية الفلسطينية في المنفى يجب الالتفات إلى ظواهر وقضايا كثيرة منها :

- التمييز بين روائي محترف وكاتب لم يحترف كتابة الرواية وإنما كتبها هواية أو كتبها إلى جانب كتابته جنسا أدبيا تخصص في كتابته .

هناك كتاب روائيون بدأوا يكتبون القصة القصيرة ثم تحولوا إلى كتابة الرواية ، وهناك شعراء كتبوا رواية أو اثنتين أو ثلاث روايات ، ولكنهم ظلوا يعدون أنفسهم شعراء ، وهناك شعراء احترفوا كتابة الرواية وعرفوا كتابا روائيين ، فهل نعد من كتب رواية أو روايتين أو ثلاث روايات كاتبا روائيا ؟

إن كثيرا مما كتبه هؤلاء يمكن أن يدرج تحت مسمى " السيرة الروائية " فهو أقرب إلى السيرة الذاتية التي صيغت بقالب روائي ، وهؤلاء بالتأكيد يختلفون عن كتاب القصة القصيرة الذين هجروها إلى الرواية أو كتبوها إلى جانب كتابة القصة القصيرة .
في النظر في قائمة أسماء روائيين كتبوا الرواية خارج فلسطين لاحظت أن هناك أكثر من عشرين من اثنين وأربعين لم يتجاوز عدد ما كتبوا من روايات ثلاثا ، وأن أكثرها لم يشكل تميزا في الشكل الروائي أو إضافة نوعية يمكن أن يشار إليها . إنها سرد عادي لتجربة ذاتية يمكن أن يقرأ القاريء مثله أو قريبا منه في روايات الروائيين المحترفين .

ملاحظات حول الموضوعات الروائية لرواية المنفى :

- شكلت حياة الفلسطينيين في البلدان العربية وما عاشوه ومروا به من أحداث ، مادة أكثر الروايات التي أنجزها الروائيون الفلسطينيون في المنافي . لقد كتبوا عن حياة اللجوء في المخيمات ووصفوا مشاعر الحنين التي انتابت اللاجئين بعيدا عن مدنهم وقراهم ، فاستحضروا فلسطين بمدنها وقراها وأهلها ، وكتبوا عن علاقات اللاجئين باحوانهم العرب وأنظمة الحكم ، سلبا وإيجابيا . كتبوا عن الحروب الأهلية وقسوة الحياة بعيدا عن المكان الأول ، وقد تجسد هذا في روايات كنفاني وجبرا وآخرين كثر كتبوا رواية واحدة فقط مثل حنان باكير صاحبة الرواية الوحيدة " أجفان عكا " ومثل رواية ليانة بدر " عين المرآة " ومثل رواية حزامى حبايب " مخمل " وروايتي سامية عيسى " حليب التين " و " خلسة في كوبنهاجن " ومثل رواية جمال أبو غيدا " خابية الحنين " وبعض روايات رشاد أبو شاور مثل " العشاق " و " ليالي الحب والبوم " ورواية ليلى الأطرش " رغبات ذلك الخريف " .
لكن الكتابة عن المنفى والإقامة فيه لم تكن الموضوع الوحيد الذي خاض روائيو المنفى فيه ، فقد كتب قسم منهم عن فلسطين نفسها ، كما في رواية رشاد أبو شاور " وداعا يا زكرين " وعن أماكن فيها ولدوا بعيدا عنها ولم يروها وعن أزمنة لم يكونوا شهودا عليها . كتب حسن حميد عن جسر بنات يعقوب وعن القدس " جسر بنات يعقوب " و " مدينة الله " ، وكتب إبراهيم نصرالله عن قرية أبيه واجداده وعن طبرية وعكا في زمن ظاهر العمر " زمن الخيول البيضاء " و " قناديل ملك الجليل " وكتب توفيق فياض عن فلسطين أيام الانتداب " وادي الحوارث " وحين تركت سحر خليفة فلسطين واقامت في الأردن كتبت عن عبد القادر الحسيني " حبي الأول " وعن انطون سعادة " أرض وسماء " ومن قبل كتب غسان كنفاني عن حيفا في زمني النكبة والهزيمة وعن ثورة ١٩٣٦ التي ولد زمن انطلاقتها .

تقاطعات رواية المنفى مع الرواية الفلسطينية داخل الأرض المحتلة ، جمال ناجي واميل حبيبي :

التقاطعات بين رواية المنفى ورواية الوطن يعثر عليها المرء في " متشائل " اميل حبيبي ١٩٧٤ ورواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " ١٩٦٩ وهنا يتجسد في عودة اللاجئين بعد هزيمة حزيران لرؤية بيوتهم ، ويعثر عليها في " المتشائل " ورواية جمال ناجي " غريب النهر " فشتات العائلة الفلسطينية والتقاؤها بعد فترة زمنية طويلة موضوع حاضر في كلتيهما . حقا إن الشكل الروائي مختلف ولكن الموضوع متشابه . ( تراجع مقالتي في جريدة الأيام الفلسطينية ) .
الكتابة عن بيئة المخيم أيضا حاضرة حضورا كبيرا في رواية الوطن في غزة والضفة الغربية وفي رواية المنفى ، فالمخيم الفلسطيني موجود هنا وهناك منذ ١٩٤٨ . لا يعني ما سبق عدم وجود اختلاف ، فعالم المدينة والقرية الفلسطينية يحضر في رواية الوطن أكثر . إنه لا يحضر في عالم المنفى إلا من خلال الذاكرة . هناك روائيون كثر في مناطق الاحتلال الثاني كتبوا عن القرية الفلسطينية والحياة فيها وهذا ما لا نعثر عليه بالكثرة نفسها في رواية المنفى التي حضرت فيها بيئة المخيم أكثر . ماذا لو قارنا بين بيئة روايات أحمد حرب وصافي اسماعيل صافي وأحمد رفيق عوض مثلا ، وهم نشأوا نشأة قروية والبيئة الروائية في روايات حزامى حبايب وسامية عيسى ؟!

الموضوع الاجتماعي في رواية المنفى والسؤال إن كانت الرواية فلسطينية :

تساءل نازك ضمرة وهو يكتب عن رواية جمال ناجي " عندما تشيخ الذئاب " عن هوية الرواية ، وموضوعها يعالج قضايا اجتماعية ، تساءل إن كانت روايته تعد أدبا فلسطينيا .
تجري أحداث الرواية في عمان ولا تأتي على الموضوع الفلسطيني ويمكن أن تحدث الأحداث فيها في أية بيئة عربية ويعيش شخوص هذه البيئة العربية أو تلك ما عاشه شخوض رواية ناجي ، فليس هناك خصوصية فلسطينية لافتة فيها ، وليس الأمر عموما كذلك في روايته " غريب النهر " المشار إليها آنفا .
ما كتب عن روايتي جمال ناجي يمكن أن يكتب عن روايتي ليلى الأطرش " أبناء الريح " و " رغبات ذلك الخريف " فالأولى تعالج موضوعا اجتماعيا عاما يتكرر في بيئات عربية من المحيط إلى الخليج ، وتختلف الرواية الثانية التي تتبع فيها الروائية حياة عائلة فلسطينية اقتلعت في العام ١٩٤٨ من بيئتها وتشردت في المنافي العربية وتنقلت في العالم الواسع . موضوع الرواية الأولى موضوع ليس مقتصرا على الفلسطينيين وحدهم وليس له خصوصية ، بخلاف موضوع الرواية الثانية .
وينطبق ما كتب عن روايات ناجي والأطرش على روايات إبراهيم نصرالله على الرغم من أنه صاحب مشروع روائي لكتابة المأساة والملهاة الفلسطينية منذ زمن ظاهر العمر - أي في بدايات القرن الثامن عشر . بل وينطبق أيضا على الروائي رشاد أبو شاور في رواياته الأربعة الأخيرة التي كتبها في القرن الحادي والعشرين ، فروايتا " وداعا يا زكرين " و " ليالي الحب والبوم " تعالجان الموضوع الفلسطيني وتحتلف عنهما روايتا " سأرى بعينيك يا حبيبي " و " ترويض النسر " .

سؤال الهوية :

أرق سؤال الهوية الكتاب الفلسطينيين في فلسطين المحتلة وفي المنفى أيضا ، ولعله من أكثر الأسئلة إلحاحا ، لأنه مرتبط بحياة المنفى . وكنت توقفت أمامه في دراستي " سؤال الهوية في الرواية العربية " ، فكتبت عنه في رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " ورواية إميل حبيبي " المتشائل " . يلخص سليم البيك في روايته " تذكرتان إلى صفورية " إشكالية هوية الفلسطيني في المنفى على النحو الآتي :
" في دبي ينظر إلى يوسف على أنه سوري ، وفي سورية ينظر إليه على أنه فلسطيني ، وفي قسم الأدب الفرنسي يكون الطالب الفلسطيني ، وحين يستقر في باريس ويحصل على جواز سفر فرنسي يقرر زيارة قرية جده صفورية ، ويتخيل يوسف أنه سينظر إليه هناك على أنه الفرنسي الذي يزور إسرائيل " .
كيف تعالج سامية عيسى في روايتها " خلسة في كوبنهاجن " سؤال الهوية ؟
ثمة أربع صفحات في الرواية أدرجت تحت عنوان " أنا ضايع " تناقش السؤال .
كانت منى تجري سؤالا مع اللاجيء الفلسطيني حسام من أجل بحثها عن معنى الهوية لدى اللاجئين في الشتات .
كان حسام لجأ من مخيمات اللاجئين الفلسطينيين في لبنان إلى الدنمارك وشعر في بدايات اللجوء بذل غير طبيعي لأنه لجأ " الطريقة الوحيدة اللي خلتني أبقى إنو أولادي صار إلهم اسم هون لما صاروا ياخدو جوائز عالمية بالملاكمة ورفعوا اسم الدنمارك لفوق . صرت أحس إنو لازم يصيروا دانمركيين . مش مهم أنا شو حاسس حالي . المهم هني صاروا بحسوا حالهم بشر " .
ويتابع الحديث عن الفرق بين حياته في لبنان وحياته في الدنمارك :
" كنت بحس بلبنان إني غريب وهون كمان بحس الشي نفسه مع إنهم ألطف ، وهلق بس أروح أزور لبنان بضلني قاعد بالمخيم . بس بصراحة بشتاق لكوبنهاجن ، وما بصدق ايمتى أرجع . وبس أرجع بحس أكثر إني غريب وبتضايق . أنا ضايع " .
وتأتي الرواية على اليهود الذين بدأوا يفدون إلى الدنمارك منذ القرن السابع عشر وتكاثروا بعد المحرقة واندمجوا وقدموا الكثير للبلد التي حمتهم من بطش النازية ، وافتتحوا فيها اول مكتب للحركة الصهيونية في العالم في ١٩٠٢ . وما زال يهود الدنمرك يواصلون نشاطهم في الحركة الصهيونية " وما يتطلب منها حين تدعو الحاجة !"
والحكاية لها دلالاتها .

القدس في رواية المنفى :

من الموضوعات التي كتب فيها روائيو المنفى القدس .
لقد كتب كل من جبرا ابراهيم جبرا ونبيل خوري في ٦٠ و٧٠ القرن ٢٠ عن مدينة القدس وحياتهما فيها ، وعاد عيسى بلاطة في نهاية ٩٠ القرن ٢٠ ليكتب روايته " عائد إلى القدس " مصورا طفولته فيها وكاتبا في الوقت نفسه عن الفلسطيني في منافيه في الغرب .
في القرن الحادي والعشرين خصت سحر خليفة القدس برواية " صورة وايقونة وعهد قديم " وكانت كتابتها في رواياتها السابقة قليلا ما تأتي على القدس . ولكن اللافت هو أن يخص الروائي حسن حميد المولود في سورية القدس برواية كاملة دون أن يكون عاش في القدس أو زارها ، والرواية هي مدينة الله " ولكنه كتب من منطلق أهمية المدينة وما تعنيه للفلسطينيين والعرب والمسلمين .
مثل حسن حميد الروائية ليلى الأطرش المولودة في بيت ساحور والمقيمة بعد حزيران ١٩٦٧ في الأردن وبعض الدول العربية التي عملت فيها إعلامية .
لقد زارت الأطرش القدس بعد ١٩٦٧ مرارا وخصتها برواية كاملة هي " ترانيم الغواية " .

الحروب الأهلية :

قارب روائيو المنفى ما مر به الفلسطينيون في أماكن الشتات التي أقاموا فيها ، فلم تكن علاقتهم بالأنظمة التي حكمت تلك الأماكن وببعض السكان علاقة حسنة ، فقد وقعت اصطدامات اتخذت شكل حروب أهلية ، كما حدث في الأردن في العامين ١٩٧٠ و١٩٧١ وكما حدث في لبنان في ١٩٧٥ حتى ١٩٩٠ .
لقد خرج قسم من الفلسطينيين من هذين البلدين كما كما دمرت مخيمات أقاموا فيها بكاملها ، مثل مخيم تل الزعتر الذي خصته ليانة بدر برواية كاملة أرخت لسقوطه هي رواية " عين المرآة " ، أما ما جرى في الأردن فقد قورب بحذر تقريبا وعلى استحياء ، وهو ما نقرؤه على سبيل المثال في رواية حزامى حبايب " مخمل " ورواية جمال أبو غيدا " خابية الحنين " ، وقارب على فودة علاقة الفلسطيني بالمخابرات الأردنية في روايته " الفلسطيني الطيب " .
والملاحظ أيضا أن بعض الروائيين ممن يقيمون في بلد عربي معين أنهم ، حين كتبوا عن امتعاضهم من نظام الحكم في البلد الذي يقيمون فيه ، لجأوا إلى التلميح لا التصريح ، كما في رواية إبراهيم نصرالله " عو " وفي رواية رشاد أبو شاور " ترويض النسر " .

النقد الذاتي :

مارس بعض كتاب المنفى نقدا ذاتيا للثورة الفلسطينية وبعض رموزها انعكس بوضوح وصراحة في بعض أعمالهم ، ما دفع ناقدا مصريا لأن يكتب في الموضوع هو الناقد مصطفى عبد الغني .
من الروائيين الذين كتبوا في رواياتهم نقدا ذاتيا رشاد أبو شاور في روايته " أيام الحب والموت "(؟) ويحيى يخلف في روايته " نشيد الحياة " وأفنان القاسم في روايته " أربعون يوما في انتظار الرئيس " ، ولكن هذا النقد كان صرخة عابرة ، وبعض من كتبوا رواية ارتفع فيها صوت نقدي ، مثل يحيى يخلف في " نشيد الحياة " سرعان ما خفت صوته فعاد ليكتب ممجدا الذين انتقدهم ، كما في روايته التوثيقية عن سقوط طائرة الرئيس الفلسطيني أبو عمار / ياسر عرفات .
يندرج تحت هذا العنوان ما كتبه بعض الكتاب عن تجارب بعض الفلسطينيين في الدول الاشتراكية ، حيث انتقدوا كسل بعض الطلاب الفلسطينيين الذين درسوا هناك واستغلوا انتماءهم للحزب وعلاقتهم بمسؤوليه في تلك الدول للحصول على الشهادة ، ويبدو هذا في رواية محمود اللبدي الساخرة " دكتور ... ونص " .

الرواية - السيرة

كما كتبت سابقا فإن بعض الشعراء أو الكتاب كتبوا رواية واحدة كانت أقرب إلى السيرة الذاتية لفترة من حياتهم ، وأرى أنها يجب أن تدرس تحت جنس السيرة الذاتية لا تحت فن الرواية . من الشعراء مثلا علي فودة صاحب " الفلسطيني الطيب " وراشد عيسى صاحب " مفتاح الباب المخلوع " ومحمد القيسي في أعماله ومنها " الحديقة السرية " وغسان زقطان في " عربة قديمة بستائر " ، ومن الكتاب أيضا الروائية ليانة بدر في " نجوم أريحا " وليلى حوراني في " بوح " .

ملحق بروائيين من المنفى :
- إبراهيم السعافين
- إبراهيم نصرالله
- إبراهيم الصوص
- أحمد أبو سليم " كوانتوم "
- أحمد عمر شاهين
- أفنان القاسم
- بشرى أبو شرار
- توفيق فياض
- توفيق وصفي ( عائد / غزة )
- تيسير خلف .
- جمال أبو غيدا
- جمال ناجي
- حزامى حبايب
- حسن حميد
- حسين المناصرة
- حنان باكير
- خالد درويش
-خليل عودة / اربد - نابلس
- دينا سليم حنحن .
- رسمي أبو علي " الطريق إلى بيت لحم "
- راشد عيسى
- رشاد أبو شاور
- سامية عيسى
- سعد الدين شاهين
- سحر خليفة
- سلوى البنا
- سوزان أبو الهوى
- شيراز عناب
- صبحي فحماوي
- عبد الكريم السبعاوي / غزة - استراليا .
- عبد اللطيف مهنا
- عدنان عمامة .
- عدنان كنفاني
- علي فودة
- عيسى بلاطة .
- غسان زقطان
- فاروق وادي
- فيصل حوراني.
- ليلى الأطرش
- ليلى حوراني
- محمد الأسعد
- محمد زيدان " القرية الصغيرة ...
- محمد عيد
- محمد القواسمة
- محمد القيسي
- محمود شاهين
- محمود اللبدي
- نازك ضمرة
- نوال حلاوة
- هدى مشهراوي / السويد والأصل من يافا نزحت إلى لبنان
- هناء عبيد
- وليد سيف
- يحيى الشعار
- يوسف الخطيب
- يوسف شرورو



ملاحظة : هذه الملاحظات ليست نهائية ، فهناك أسماء أخرى .

حول دال المنفى " مقالي في الأيام الفلسطينية ١٢ أيلول ٢٠٢١ " كل أرض الشام منفى "
( نص المداخلة التي القيتها في مهرجان القدس في مدينة بيت لحم في أيلول ٢٠٢٠ وهي مقدمة لكتاب " الرواية الفلسطينية في المنفى " )
بعد إنجاز هذه المداخلة كتبت عن رواية فاروق وادي " سوداد : هاوية الغزالة " ورواية دينا سليم حنحن " ما دونه الغبار "
Dina Saleem Hanhan .
٢٧ آب ٢٠٢١ .

١١
اليوم صدر كتابي " القدس في الأدب العربي " عن دار خطوط وظلال في الأردن . يقع الكتاب في ٢٥٣ صفحة وهو دراسات ومحاضرات لم تقتصر على جنس أدبي واحد ، فقد تناولت الشعر والقصة القصيرة والرواية أيضا . الكتاب يثير أسئلة مهمة جدا حول أدب القدس وكتابته والاهتمام بالمدينة ولا يكتفي بالجانب الوصفي لنص القدس . إنه يسأل لماذا كتب أدباؤنا نص القدس بعد هزيمة حزيران ولم يلتفتوا إلى المدينة قبلها ، ويسأل أيضا إن كان أبرز شعرائنا مثل سميح القاسم وعز الدين المناصرة ومحمود درويش كتبوا قصيدة قدس أصلا . كما أنه - أي الكتاب - يقارن بين صورة القدس في النثر الفلسطيني وصورتها في رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة جديدة " .
عن القدس في الأدب كتب الكثير من الدراسات والرسائل العلمية ، ولا أظن أن أصحابها أثاروا الأسئلة التي أثرتها . وعموما فإن الكتاب طرح اليوم في عمان في المكتبات وسيعرض في معرض الكتاب في رام الله .

١٢
هل يتعلم العربان من الألمان ؟

زكريا محمد : ماذا سيكون مصير مسوداته وأوراقه ؟

ربما وجب أن يسأل متحف محمود درويش إن اهتم بأرشفة نتاجاته وما صدر عنها من كتب ودراسات ومقالات وما أجري معه من مقابلات . وقل الشيء نفسه عن كثير من مخلفات كتابنا الكبار .
أدرجت على صفحتي منذ أيام مقالا كتبه
Dr. Joseph Zeitoun -
( نشره في ١١ / ٨ في " المدن " ، وقد أعاد الدكتور Abdo Abboud نشره في صفحة الأدب الألماني - العربي ) عن الروائي الألماني ( مارتن فالزر ) الذي توفي عن ٩٦ عاما ، وغالبا ما يذكر اسمه إلى جانب اسمي ( غونتر غراس ) و ( هاينرش بول ) ، على الرغم من أنه غير معروف في العالم العربي .
الإدراج يعود إلى أسباب منها :
- احتفاء الألمان بكتابهم ، فالرئيس الألماني ( شتاينماير ) عزى زوجة ( فالزر ) بوفاته ، وسبق أن اشترى إرشيف الأدب الألماني في مارباخ ٧٥ ألف ورقة كتبها الكاتب بخط يده . ( هل عزى الرئيس الفلسطيني محمود عباس بوفاة زكريا محمد ؟ )
- تأثير الحركة الأدبية والنقدية على مسيرة الكاتب ، ف ( فالزر ) الذي بدأ مسيرته شاعرا متأثرا بنتاج ( فرانز كافكا ) سرعان ما تحول ، بعد مهاجمته ، إلى السرد وصار يصور في كتابته الحياة اليومية عن الناس العاديين حتى لقب ب " مؤرخ الحياة اليومية " .
- وجهة نظره إزاء الهولوكست ، فقد رأى أن الأجيال الألمانية ورثت " عبء " الهولوكست المبالغ فيه .
- الجدل النقدي بينه وبين أشهر نقاد الأدب في ألمانية وهو يهودي الديانة Marcel- Reich Ranicki " بابا الأدب الألماني " . وصف الناقد إحدى روايات ( فالزر ) بأنها تافهة ، فرد عليه الكاتب بنشر رواية عنوانها " موت ناقد " .
- ما يراه من أن الرواية التي تخلو من مشاهد السيرة الذاتية ليست رواية وإنما هي بحث اجتماعي .
هل ستشتري مكتبة بلدية البيرة أو مكتبة بلدية رام الله ما خطه زكريا محمد بقلمه ؟
ما زلت أحتفظ بمسودات كتبي ورواياتي ومقالاتي حتى صرت أكتب إلكترونيا . إن لم تشترها مكتبة بلدية نابلس ، فعلى الأرجح أن الألمان سيشترونها بثمن يثرى من ورائه ورثتي . دقوا على الخشب .
٢٧ / ٨ / ٢٠٢٣ .

١٣
يوميات غزة ( ٣٢٦ ) :
" وللصبر - إن لم ينفع الشكو - أجمل "

صار لسان حال أهل قطاع غزة هو قول الشاعر الجاهلي الصعلوك الشنفري الذي عبر عن قسوة تجربته من خلال تصوير حياة الذئاب في الصحراء ، حيث قسوة الحياة والهلاك جوعا ، فشكت ثم ارعوت ووصلت إلى مرحلة اليأس ، فأدركت أن الصبر - إن لم ينفع الشكو - أجمل .
أمس ارتقى خمسة شباب في مخيم نور شمس في طولكرم ، وبتنا على أخبار تقول إن الجيش الإسرائيلي يستعد لمرحلة جديدة في الضفة الغربية ، ما أبهج المستوطنين الذين عبروا عن انتظار اللحظة ، فبادروا بإطلاق النار على بعض الفلسطينيين وأصابوا أربعة .
يبدو أن الضفة الغربية على صفيح ساخن ، وهي المطلوبة أساسا ، فالتهويد فيها على قدم وساق .
" وللصبر - إن لم ينفع الشكو - أجمل "
ولسوف نمشي الخطى التي كتبت علينا .
هل هو أيلول آخر سيجعلنا نكرر سطر محمود درويش في قصيدته " مديح الظل العالي " :
" بحر لأيلول الجديد
خريفنا يدنو من الأبواب " .
الرئيس أبو مازن في السعودية لعل الملك فهد - رحمه الله - يدري ، فيحول دون الاعتداء على الأقصى .
٢٧ / ٨ / ٢٠٢٤

١٤
( غزة 691 )

نابلس هذا النهار :

السؤال الذي راودني ، وأنا أتابع أخبار المدينة ، هو :
- هل اكتشف جيش الاحتلال الإسرائيلي مصانع إنتاج صواريخ وطائرات وأسلحة نووية في أنفاق البلدة القديمة في نابلس ؟
يخيل إلي أن هناك أنفاقا أقامها الإسرائيليون في فترة حكمهم المدينة من ١٩٦٧ حتى ١٩٩٤ ، ونسوا أن يفجروها ، وفطنوا إليها في هذا الصباح ، بعد وصولهم معلومات أنها تحولت إلى مصانع إنتاج أسلحة نووية .
فكونا من سيرة خطر وجودي حكى عنه عطاالله في بداية الحرب ٧ أكتوبر ٢٠٢٣ .
الخطر الوجودي يكمن في سلاح الفلسطينيين المنوي .
رحم الله الشاعر إبراهيم طوقان الذي قال قبل ٩١ عاما :
" أجلاء عن البلاد تريدون ، فنجلو أم محونا والإزالة " .
سيظل الإسرائيليون ، ما دمنا هنا ، خائفين ، والذي يسلب حقا يظل العمر خائف ، ورحم الله الشاعر توفيق زياد .

صباح نابلسي وصفه الصحفي ماجد أبو عرب Majed Abuarab بأنه " على صفيح ساخن " ، وليس ما كتبه الصحفي مجدي محسن Majdi Mohsen بمختلف .
" الأحداث التي يرتكبها الاحتلال في القرى والبلدات الفلسطينية ليست أحداثا عشوائية . إنها تهدف إلى ما هو أبعد وأخطر ".
أمس اقتحموا رام الله و " لطشوا " من محل صرافة مليون شيكل واليوم دور نابلس .
أحسن شيء يا إخوان أن تغلوا الشاي والقهوة وتتركوا أبواب بيوتكم مفتوحة ليدخل الجنود ويشربوا معكم القهوة ، وهذه نصيحة الشاعر محمود درويش في إحدى مقطوعات ديوانه " حالة حصار " ( ٢٠٠٣ ) .
" أيها الواقفون على العتبات ادخلوا ،
واشربوا معنا القهوة العربية
[ قد تشعرون بأنكم بشر مثلنا ]
أيها الواقفون على عتبات البيوت ،
اخرجوا من صباحاتنا ،
نطمئن إلى أننا
بشر مثلكم !"
٢٧ / ٨ / ٢٠٢٥

١٥
غزة 691 :
فإذا انكسرت كسرتنا وإذا انتصرت كسرتنا :

في معمعان ما يجري في غزة قرأت قصيدة محمود درويش " القربان " غير مرة . كان هناك من أدرجها في صفحته ، وكان هناك من أدرجها في موقع ، وهنا أشير إلى موقع " مبدعون فلسطينيون " الذي تشرف عليه روض دبس Rawd Dibs .
ومنذ أخذت أقرأها ، منذ نشرها الشاعر أول مرة في مجلته " الكرمل " ، كنت أتوقف أمام مقطعيها الأخيرين اللذين يقول فيهما :
لا تنكسر ! لا تنتصر . كن بين _
بين معلقا ، فإذا انكسرت كسرتنا . وإذا انتصرت كسرتنا ، وهدمت هيكلنا . إذن . "
وكنت أتأمل فيهما متسائلا :
كيف يكون ذلك ؟
كيف يكسرنا إذا انتصر ؟
أن يكسرنا إذا انكسر ، فهذا مفهوم ومستوعب ، أما أن يكسرنا إذا انتصر ، فهذا ما لم استوعبه ؟!
في الأسبوع الأخير قرأت القصيدة غير قراءة وتأملت السطرين في ضوء ما يجري .
هل نعد ٧ أكتوبر انتصارا ؟
لقد تغنى فيه ، وما زال ، كثيرون ، وعدوه أعظم يوم في حياتهم ، ومنهم من حمد الله أنه أمد في عمره ليرى هذا اليوم .
لكن ٧ أكتوبر أدى إلى ما أدى إليه وما نشاهده : تدمير قطاع غزة وتهجير أهله وجعل حياتهم جحيما حقيقيا .
انتصرت المقاومة في اليوم الأول وانهزم أهل قطاع غزة بعد ذلك . ويمكن القول إن المقاومة ، حتى اللحظة ، لم تسحق كليا ، فلم تنكسر ، وهذه وجهة نظر من وجهات نظر عديدة .
هل انتصر الإسرائيليون ؟
أتذكر الفيلسوف اليهودي الأستاذ سابقا في الجامعة العبرية (يشعياهو لايبوفيتش ) ( ١٩٠٣ - ١٩٩٤ ) . لقد رأى في انتصار إسرائيل في العام ١٩٦٧ خطرا على الأخلاق اليهودية وطالب بالانسحاب من المناطق المحتلة ، فالاحتلال من وجهة نظره يضر بالدولة ومجتمعها ، ولعلني لا أخلط .
الآن يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلي عطاالله أنه حقق نصرا على عدة جبهات ويفخر بذلك ، ولكن ما الصورة التي أخذت تتشكل لإسرائيل في العالم وبين يهود الشتات ؟
قسم منهم يرى أن الصورة صارت قاتمة جدا .
وأنا أتأمل هذا فهمت عبارة " وإذا انتصرت كسرتنا " .
بعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ كتب الشاعر توفيق زياد :
إن هذا النصر شر من هزيمة .
كيف لم ألتفت إلى قوله وأنا أقرأ السطرين ؟
٢٧ / ٨ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...