أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢٨ آب من كل عام

١
الفلسطينيون يقتلونني ببطء :
لي كتاب سيء الحظ عنوانه " جدل الشعر والسياسة والذائقة..دراسة في ظاهرة الحذف والتفيير في أشعار محمود درويش " ( 1999 ) وهو أبحاث أكاديمية منهجية صرفة ، نشرته في مجلات محكمة بلا أخطاء إلا ما ندر - هي أخطاء لا تذكر - واردت أن أنشرها معا في كتاب أعطيت نسخة من القرص إلى صاحب الدار الأهلية في عمان لعله يوافق على نشره وهذا ما لم يتم .
القرص الذي كان خاليا من الأخطاء غدا بقدرة قادر يحفل بها.
هل أكذب إذا قلت إنني صححت الكتاب غير مرة وفي كل مرة تتكرر الحكاية حتى إنني غدوت سيزيف الفلسطيني؟
أنا اتهم الفلسطينيين بمحاولة قتلي ببطء لأمر هذا الكتاب ولأشياء أخرى .
هل علي أن أقول إن الفلسطينيين أسوأ من الصهاينة .
يا أبا مازن - محمود عباس - حلها مع شعبك الذي يتفنن في الإساءة لباحثيه ولنفسه .
هل تريدنا أن نهاجر من هذه البلاد ؟
انظر في أمر المسؤؤلين عن الجامعات . لا ينجزون شيئا ولا يريدون لغيرهم أن ينجز لأنه إن أنجز يفضح خواءهم .
حلها معهم يا رئيس الدولة المحترم ، أم تراني يجب أن أرفع الأمر إلى الألمان .
٢٠١٢
٢
مقالي أمس في الأيام :
" محمود درويش في الوعي الشعبي " :
بعد كتابة المقال أخذت أتأمل صورة الشاعر في الوعي الشعبي
كيف تشكلت الصورة ؟
ما دور أشعار الشاعر في تشكل لصورة ؟
كيف يتخيل درويش تخيل الناس له ؟
ما أثر الرسائل المتبادلة - السلبية والايجابية - بين الشاعر ورفيقه\عدوه\صديقه سميح القاسم في تشكل الصورة ؟
ما الصورة التي رسمها اليسار للشاعر - في تقلبات علاقة الطرفين ؟
ما الصورة التي شكلها التيار الإسلامي للشاعر ؟ - في فترة اوسلو وبعد الانقلاب الحمساوي وكتابة الشاعر قصيدته " انت منذ الان غيرك " ؟
ما الصورة التي شكلها القوميون ؟التغيرات التي طرأت عليه . من يوسف الخطيب حتى خروج درويش من حيفا وتركه الحزب الشيوعي؟
أسئلة كثيرة تلح علي ... آمل ايجاد إجابات لها .
٢٠١٣
٣
الكاتب الفلسطيني والشغف بتفاصيل المكان وأشجاره :
أحمد رفيق عوض والحياة كما ينبغي :
يهدي أحمد رفيق عوض روايته التاسعة " الحياة كما ينبغي "(٢٠٢٢) إلى " أشجار البلاد وأهلها " ويواصل فعل تحرير فلسطين عبر الكتابة الروائية وشغفه ، مثل روائيين كثر في العقود الأخيرة ، بتفاصيل المكان ، وهذا ما افتقده النثر الفلسطيني تقريبا منذ بداياته وحتى رواية إميل حبيبي " اخطية " ( ١٩٨٥) ، التي عدت فيما اطلعت عليه بداية لسلسلة من الروايات التي نهج أصحابها شكلا من أشكال المقاومة هو الدفاع عن صلة الفلسطيتي بالمكان الذي حاولت الصهيونية أن تبرهن للعالم أنه " أرض بلا شعب لشعب بلا أرض " . طبعا لا ننكر في جنس القصة القصيرة قصص محمد نفاع . حقا إن جمال الحسيني في " على سكة الحجاز " ( ١٩٣٢) وغسان كنفاني في " العاشق " كتبا عن أرض مأهولة وشعب مقاوم ، ولكن التركيز على التفاصيل ظهر بقوة في " اخطية " وفي قصص نفاع .
منذ ١٩٩٣ وعودة عدد كبير من كتاب المنفى بدأت تفاصيل المكان تظهر .
مريد البرغوثي " رأيت رام الله " وفاروق وادي " منازل القلب " ومحمود شقير " ظل آخر للمدينة " وأكرم هنية " شارع فرعي في رام الله " وأسعد الأسعد في " دروب المراثي " وصافي صافي في " زرعين " وغيرهم وغيرهم كتبوا عن رام الله والقدس وزرعين ومؤخرا أحمد رفيق عوض عن قريته يعبد وجارتها عرابة والمدينة القريبة منهما جنين ومخيمها ، ولا يكتفي أحمد بوصف المكان ؛ بيوته وسهوله وشوارعه ، إذ يكتب أيضا عن أشجاره على غرار محمد نفاع المتميز في الكتابة عن الأرض ونباتاتها .
كما ذكرت فإن أحمد يهدي روايته إلى " أشجار البلاد وأهلها " ويبدأ كل مقطع من مقاطعها الثلاثة والعشرين باسم شجرة يكون لها حضور في المقطع الذي أدرج تحتها وغالبا ما تكون هناك صلة بين العنوان والمقطع إذ تسهم الشجرة غالبا بفعل مقاومة كما أهل البلاد ، فثمة شجرة تحمي المقاوم من الانكشاف وتوفر له مظلة الاختباء ، وثمة شجرة تطعمه من ثمرها حين يعز الطعام فلا يجد المقاوم ما يأكله ، وهذه الأشجار تفاجيء أحيانا رجل المخابرات الإسرائيلي أبو السعيد فيكتشف من خلال شغف الفلسطينيين بالأشجار أنه لم يعد يعرفهم ويتساءل عن سبب الشغف ، وأحيانا يغدو مثلهم يحب شرب الشاي بالميرمية ما يدفع المسؤولين عنه إلى التساؤل إن أخذ يتعاطف معهم ويتماثل في طريقة حياته مع حياتهم ، وهذا يسبب له المشاكل ، وتمثل الضحية والتماهي معها ، لكثرة اختلاطه بها اختلاطا ناجما عن ملاحقتها ، فكرة أساسية في الرواية لم تظهر من قبل ظهورها في هذه الرواية . ربما هنا نتذكر رواية الكاتب الإسرائيلي ( ديفيد غروسمان ) التي ترجمت إلى العربية " ابتسامة الجدي " وضابط المخابرات فيها .
تختلف صورة القرية الفلسطينية وأهلها عن صورتهم في رواية سابقة للكاتب " قدرون "(١٩٩٥) اختلافا كليا ، فالصورة السابقة سلبية تماما والصورة الجديدة إيجابية بالكامل ، وهذا ولا شك يدفع قاريء الروايتين للاجتهاد ، وقد لا يجد مشقة في الحصول على إجابة يطمئن إليها ، فما شهدته فترة الاحتلال الإسرائيلي في ٧٠ القرن ٢٠ من هدوء وتوجه للعمل في المصانع الإسرائيلية أعقبه انتفاضة فمرحلة سلام فانتفاضة ثانية فهدوء مشوب بالحذر تتخلله أحداث أشبه بانتفاضات قصيرة ، وفي فترات الانتفاضات يشهد المجتمع الفلسطيني حالة من التكاتف والتعاطف وتصبح صورته مختلفة عن صورته في فترات الهدوء والاسترخاء . إن " الحياة كما ينبغي " تؤرخ لفترة اشتباك مع المحتل عاشتها قرية الكاتب يعبد وعاشتها مدينة جنين ومخيمها .
يمكن إدراج الرواية عموما ضمن الأدب الفلسطيني المقاوم بالمفهوم الذي شاع لأدب المقاومة ، وقد قرأنا نماذج منه في أدبيات نهاية ٧٠ القرن ٢٠ وبداية ثمانينياته حيث كتب غريب عسقلاني رواية " الجوع " (١٩٧٩) وزكي العيلة قصصه " الجبل لا يأتي " (١٩٨٠) . إن مناخ هذه الأعمال الثلاثة وأعمال أخرى يبدو واحدا على الرغم من المسافة الزمنية التي تفصل بينها . يقاوم الفلسطيني المحتل فيحاصر مخيمه وتحاصر قريته وتقتحم بيوته ويحطم أثاثها ويعتقل أبناؤه ولا يرضخ . هذا من ناحية ومن ناحية ثانية يقرأ المرء في الرواية عن المجتمع الإسرائيلي واختلافه يقرأ ما قرأ شبيها له في روايات تلك المرحلة وهنا أخص قصة سميح القاسم الطويلة " الصورة الأخيرة في الألبوم " ( ١٩٧٩) حيث يتعالى اليهودي الغربي الاشكنازي على اليهودي الشرقي . إن والد روتي في قصة القاسم يكره السفارديم ويتعالى عليهم ، وزوجة أبو السعيد الاشكنازية تتعالى عليه هو اليهودي الشرقي وتكون مخبرة عليه تنقل تفاصيل حياته إلى المسؤولين عنه ، وكما انتهت قصة القاسم بانتحار روتي تنتهي رواية أحمد بقتل أبو السعيد زوجته وانتحاره ، ولكن الفلسطيني في رواية أحمد لا يبحث عن مخرج في الرحيل إلى خارج فلسطين كما فعل أحد شخوص قصة سميح ، وإنما يصمد في أرضه منتميا إلى المقاومين في المخيم .
" الحياة كما ينبغي " هو العنوان فكيف ينبغي أن تكون عليه الحياة ؟
يقدم لنا راشد المحمود ما وجب أن يكون عليه ، وهو خريج جامعي عمل موزعا للمواد الغذائية حين عزت الوظيفة وحدث مرة أن احتج على معاناة الفلسطينيين على حاجز من حواجز الاحتلال فألصقت به تهمة محاولة طعن جندي إسرائيلي وهكذا قدم إلى المحاكمة وسجن خمس سنوات ، وحين خرج ، ومع أنه تزوج وأنجب راضخا لرغبة والديه ، قرر مقاومة الاحتلال ، فالحياة ينبغي أن تكون كما قرر " أحب خياري هذا ، أحب حياتي هكذا ، أحب هذا المخزن وهذا الكانون وهذه البندقية ، هذه حريتي ، بالضبط ، هذه حريتي " .
٢٢ إلى ٢٦ / ٨ / ٢٠٢٢ .
( مقال الأحد ٢٨ آب ٢٠٢٢ لجريدة الأيام الفلسطينية )
٤
هل هناك فرق بين السطر الشعري والمقطع الشعري ؟
وهل نعد جملة من سطر شعري مقطعا شعريا ؟
قال لي زميلي حين اعترضت عل صيغة سؤال :
- ليس ثمة خطأ في هذا السؤال .
في القصيدة الكلاسيكية تقليدية الشكل هناك البيت الشعري ، وهناك المقطوعة الشعرية/المقطع ، وهناك القصيدة .
في قصيدة التفعيلة لا نستخدم دال البيت ، وإنما نستخدم دال السطر الشعري ، وأما المقطع الشعري فهو أكثر من السطر أو الجملة ، إلا اذا كتب الشاعر عبارة واحدة، فقط ، في مقطع وجعلها تحت رقم خاص أو فصل بينها وبين ما قبلها وما بعدها . وكانت تلك الكلمة دالة جدا ...
٢٠١٣
٥
لا رغبة ، حتى اللحظة ، لكتابة مقال اﻷحد .
هل سأكتب عن سميح القاسم وغزة ؟
كتب سميح نصا بوحي من حرب غزة 2008 - 2009 فلم لم يلتفت إليه كثيرا ؟
أغلب الظن أنني سأكتب في هذا الموضوع ولكن المزاج معكر .
أحاول أن أضربها صرمة ﻷعيش مرتاحا ولكن : مش زابطة .
لا بد من نوم مبكر وغدا يخلق الله ما لا نعلم .
المخابرات في كل مكان واﻷسرار منتهكة وهناك من يبيع ...و ...و بوظيفة أو ب ....
أتذكر بامبرغ ودقات الباب الثلاث ..
كيف سأكتب عن سميح وغزة ؟
وكيف سيكون موقف أحمد دخبور من كتابتي عن سميح ؟
هناك مجاملات كثيرة وأنا مش عارف أجامل . لهذا مش زابطة ومش راح تزبظ .
خالد مشعل يتحدث عن توازن رعب وتوازن حزن وتوازن اختباء في الملاجيء وبدري الحديث عن توازن أبصر شو... شو ...
٢٨ / ٨ / ٢٠١٤
٦
رجال في الشمس/في البحر / في الشاحنة :
خبر الصباح اللافت في جريدة اﻷيام /الفلسطينية على الصفحة اﻷولى باللون اﻷحمر يتمحور حول موت مهاجرين أوروبيين بالشاحنة / شاحنة دواجن .
كنت أود أن أتابع الكتابة عن أدب العائدين . يبدو أنني سأكتب عن غسان كنفاني ومحمود درويش والتأسيس ﻷدب الموت في الخزانات والشاحنات و ...
أحمد دحبور كتب في زاويته في الحياة " رجال في البحر " عن موت الفلسطينيين والسوريين قبالة شواطيء ايطاليا . سامية عيسى في " فسحة في كوينهاجن " كتبيت أيضا عن موت على الحدود .
غسان كنفاني ومحمود درويش أكثر أديبين فلسطينيين تركا أثرا في نصوصنا اﻷدبية وفي حياتنا على ما يبدو .
لعلني سأنجح في الكتابة عن تناسل النصوص وربما أكتب عن أدب العائدين . حتى الخامسة مساء يفرجها الله . المهم دعوات السيد محمود الهباش لي بالنجاح في خطبة الجمعة ، فلولا دعواته لما تمكنت من كتابة مقال اﻷحد ، حتى لو لم يذكرني بالاسم . دعوات الوزير ودعواتكم .
٢٠١٤
٧
هباشيات:
خلاصة خطبة الهباش اليوم أن حماس تحاور إسرائيل على إمارة في غزة وأن لا شيء يعدل القدس واﻷقصى .لا الميناء ولا المطار فقد كان لنا في غزة ميناء ومطار فلماذا انقلبوا؟
يعني كلام حق يراد به.....والبقية عندكم ،مع أن الرئيس أبا مازن لم يكن موجودا أو أنني لم أعد أرى جيدا.
تحيا دولة غزة /دولة الفلسطن.
تحيا دولة الضفة/السامرة.
نسيت أن أكتب أن الهباش أشار إلى جبن مقتحمي اﻷقصى من المستوطنين.
لم يدع لي الهباش بالتوفيق في كتابة مقالي اﻷسبوعي.
٢٠١٥
٨
أدب العائدين : كتاب القصة القصيرة نموذجا 18 :
في شتاء وصيف العام 1997 بدأت أكتب سلسلة مقالات في جريدتي اﻷيام والبلاد تحت عنوان " أدب السلم .... أدب الخيبة " ، وتحت عناوين أخرى ، ولكن العنوان الرئيس كان هو " أدب السلم ...أدب الخيبة " وهو العنوان الذي برز في صحيفة البلاد ، ولم تتوقف المقالات /الدراسات إلا بعد أن أوقف نشرها الشاعر أسعد اﻷسعد ، وسيعلمني ، فيما بعد ، أن المقالات لم ترق لجهة ما لم يذكرها .
والمقالات التي كتبتها تناولت فيها أدب اﻷدباء العائدين : محمود درويش ومريد البرغوثي وأحمد دحبور ويحيى يخلف ، وأدب اﻷدباء المقيمين : سميح القاسم وآميل حبيبي وعلي الخليلي والمتوكل طه ، وركزت فيها على نتاج هؤلاء اﻷدباء منذ بدؤوا يكتبون حتى آخر نتاجهم ، وقرأتها قراءة تعاقبية ، متتبعا فيها فكرة واحدة هي : التفاؤل في البدايات والخيبة في النهايات ، وهذا ما دفعني ، حين قررت نشر هذه المقالات/الدراسات ، في كتاب ، أن اختار لها عنوانا آخر مختلفا هو : أدب المقاومة ... من تفاؤل البدايات إلى خيبة النهايات 1997/2007 ، وفي هذا الكتاب لم أدرس أي نتاج في جنس القصة القصيرة ، وقد تناولت الشعر والرواية تحديدا .
بقية المقال اﻷحد في اﻷيام الفلسطينية 30/8/2015
٩
لماذا حين يهجونا الآخرون لا يرون في الهجاء عيبا ، وحين نرد بالطريقة نفسها نكون ارتكبنا العيب .
الله المستعان .
28/8/2016
١٠
يوسف وإخوته :
ألقى إخوة يوسف أخاهم في الجب ، فماذا فعل أبناء الإخوة معه؟
هل أصلح الله أمرهم كما أصلح بين يوسف وإخوته؟
لم تقل لنا القصة أي شيء بهذا الخصوص .
هل أكمل كاتب ما ، ما جرى بعد أن أصلح الله بين الإخوة ؟
إنني أفكر في أمر أبناء إخوة يوسف .
هل ألقوا عمهم في الجب أم أن الله أصلح أمرهم كما أصلح الأخوة ، حين ذهبوا وأهلهم أجمعين ؟
عادل الاسطة في ( إيش ) والناس وسورية والعراق واليمن ومصادرة الأراضي ب ( إيش ) .
28/8/2016
١١
الأبناء قتلوا أباهم ، في بيت لحم ، وأحرقوا جثته .
هذا ما قرأته على صفحة الصديق ahmad abo alI .
جربت أقرأ الردود فتذكرت قابيل وهابيل ويوسف وإخوته وما جرى في مدن فلسطينية أخرى .
يحدث هذا .
في قرية من قرى نابلس قتل الأبناء أباهم ، بعد أن حرضتهم الأم ، لأنه تزوج ، وألقوا بجثته في البئر .
كتبت ألبير وتلته كلمة كامو فتذكرت رواية الكاتب الفرنسي ( ألبير كامو ) وفيها يقتل بطلها الفرنسي العربي فقط لإنه يريد أن يقتل .
٢٠١٦
١٢
أسعار الجوافة:
من 20 إلى 15 إلى 10 وامس إلى 8.
الدنيا عرض وطلب، وبعض قادتنا ومن سار في فلكهم من أدباء تعاملوا مرة مع بعض كتابنا على أساس: كم سعره؟ أو اوجدوا له وظيفة.
الدنيا سوق ومن هنا ينعت بعض الناس أفرادا بكلمة"رخيص "أو "رخيصة"-أي يباع ويشترى ولا مبدأ له،
ومثل البشر والجوافة الأوطان لدى بعض الناس، ومن هنا كتب ابراهيم طوقان:
وطن يباع ويشترى
ونصيح: فليحي الوطن "
الدنيا سوق، وذو العقل، على رأي المتنبي، يشقى،ولعله يقصد: من لا يساير ومن لا يجامل.
28 آب 2018
١٣
تذكرتان إلى صفورية 1
في 1993 طلب مني أن أتحدث عن التعددية السياسية في الأدب.
عقد المؤتمر مدفوع الأجر في جامعة بيرزيت، وقد لبيت الدعوة التي رفض تلبيتها زملاء لصعوبة الموضوع الذي يتطلب قراءات خارجية.
هل يعكس أدبنا في نصوصه التعددية السياسية الموجودة على أرض الواقع؟
وهل هناك أدب فتحاوي وأدب حمساوي وأدب جبهاوي؟
كيف عكس الأدباء في نصوصهم واقع الفصائل، وهل ثمة انحياز فصيلي واضح؟
في رواية سليم البيك "تذكرتان إلى صفورية "هناك كتابة عن الفصيلية والشخصية المحورية فيها يوسف ينتمي علنا إلى الجبهة الشعبية مع أنه أحيانا ينتقدها كما ينتقد بقية الفصائل.
هل يمكن الحديث عن أدباء فصائل ودراسة الأدب اتكاء على الانتماء السياسي؟
هل يمكن أن ندرس أدب فتح وأدب حماس وأدب الحزب الشيوعي؟
غالبا ما أناقش الموضوع مع طلابي في أثناء تحديد هوية الأدب.
الحكاية تطول.
28 آب 2018
١٤
الست كورونا : كمامات بالشوالات ( 60 )
ما لفت نظري أمس في قلب المدينة / نابلس هو بيع الكمامات بأسعار زهيدة .
قبل أشهر اشتريت ثلاث كمامات من الصيدلية بستة شواكل ، ومن يومين اشتريت من الشارع ثلاث كمامات بثلاثة شواكل ، والناس في بلادنا إذا اشترت من بائع ؛ خضرة ما ؛ أو فاكهة ما ، بسعر مرتفع ، قالت " أسعار صيدليات " وإذا ما أشيع عن بائع أنه يبيع بسعر غال قالوا عنه " صيدلية " ، وأمس كان باعة الكمامات يصرخون " خمسين كمامة بعشرة شواكل ، وبكرة ما في دخول مدارس بدون كمامة . يا بلاش " .
هل صار سعر الكمامة مثل سعر الليرة اللبنانية أو الليرة السورية ؟
اللافت هو أن الكمامات عرضت في مكان بعلب كرتونية مصفوفة فوق بعضها ، وفي مكان ثان كانت موجودة في شوال .
المدارس اقتربت والإقبال على الكمامات سوف يزداد وهذه فرصة للبيع والشراء .
أمس ، لأول مرة منذ آذار ، جلست بصحبة ثلاثة أصدقاء في مقهى الهموز . تناولنا الكنافة من حلويات الكوني القريبة وشرب ثلاثة منا القهوة السادة ، فيما احتسى الصديق بسام الكعبي الشاي . كان المقهى شبه فارغ ويبدو أن المواطنين في نابلس ما زالوا يتحسبون من الجلوس في المقاهي . ثمة آثار باقية للكورونا ، ووسائل التواصل الاجتماعي صارت تكتب عن إصابات في قطاع غزة الذي خلا إلى حد ما ، من قبل ، من الإصابات .
ربما لسان حال أهل غزة الآن هو لسان حال أبي فراس الحمداني في الأسر :
" أسجنا واشتياقا ولوعة وغربة
إن ذا لكثير ... "
ومن المؤكد أن أهل غزة يقولون :
" أحصار وفقر وبطالة وزنانات وقطع كهرباء و .. و .. وكورونا ؟
إن ذا لفوق احتمالنا " .
لا جديد في نابلس . الحياة عادية وقسم من السكان يذهبون في رحلات عائلية إلى الشاليهات القريبة في منطقة الغور أو في الباذان ، وأسعار الخضار والفواكه في السوق الشرقي ، في آخر النهار ، ب " بلاش " . الدريق المسمن والاجاص المسمن أيضا والموز الذي يبدو أصفر ويبدو أيضا مسمنا ومثله الشمام ينادي على الزبائن :
- يا من يشتري ؟!
والعبارة لابراهيم طوقان في قصيدته " الثلاثاء الحمراء " .
هل نحن مقبلون على موجة كورونا عنيفة ؟
ما زال الخريف بعيدا ، ولم يدن من الأبواب .
٢٨ آب ٢٠٢٠
١٥
جورج حبش والخروج من اللد
عادل الاسطة
منذ قرأت رواية الكاتب الياس خوري " أولاد الغيتو : اسمي آدم " صرت شغوفا بمتابعة ما جرى في اللد في تموز ١٩٤٨ .
وكلما رأيت مواطنا من اللد التي زرتها مرة بعد هزيمة ١٩٦٧ ، لساعة أو ساعتين ، في رحلة بمعية بعض سكانها الذين أجبروا على تركها عام النكبة ، أخذت أسأله إن كان يتذكر ما جرى في عام الخروج .
قبل ثلاثة أسابيع وأنا في الحافلة التفت إلى أحد سكان اللد ولم أحدثه لعدم تأكدي من أنه هو الذي أعرفه إلا لحظة نزوله من الحافلة . ولم يمر أسبوع حتى صعد ثانية إلى الحافلة التي كنت أستقلها ، وسرعان ما حاورته .
سألته ابتداء إن كان يتذكرني هو ابن الرابعة والثمانين عاما ، فترحم على والدي الاثنين وقال إن الذهب العتيق لا ينسى ، وذكرته بزيارة اللد بصحبته بعد حزيران ٦٧ ، وتجاذبنا أطراف الحديث وشتم الحكام العرب في حينه وقال بحقهم عبارة قاسية .
شتيمة الحكام وتحميلهم مسؤولية ضياع فلسطين هي ما يغلب على الرواية الشعبية عموما ، ولفرط تكرارها ، وتكرار قصة المرأة اللداوية مع حاكم عربي ومهاهاتها أمامه ، حفظتها عن ظهر قلب .
عندما هبطنا من الحافلة قال لي :
- لو كانت صحتي جيدة لاستأجرت الآن سيارة على حسابي واصطحبتك معي إلى اللد وتل أبيب لأريك اللد والسوق المركزي في تل أبيب ، وكان قوله إجابة على سؤالي إن كان ما زال يتذكر البلاد .
رواية خوري المذكورة أعادتني إلى روايات عربية وإسرائيلية وعالمية تناصت معها ، ومن الروايات رواية الكاتبة الايرلندية ( ايثيل مانين ) " الطريق إلى بئر سبع " التي كتبت في ١٩٦٣ ونقلت إلى العربية في ١٩٨٦ .
عندما قرأت رواية ( مانين ) تساءلت عن مرجعيتها في الكتابة ، فالكاتبة العصامية التي ثقفت نفسها بنفسها وصارت تكتب كل عام رواية سئلت ، في أثناء زياراتها إلى العالم العربي ، عن سبب عدم كتابتها رواية تعالج فيها المأساة الفلسطينية ، ولم تهمل السؤال . لقد استجابت له وكتبت عن الخروج من اللد في تموز ١٩٤٨ دون أن تعيش التجربة .
كان السؤال الذي أثرته وأنا أقرأ روايتها يخص مرجعيتها . هل عاشت الكاتبة مع الأسرة التي كتبت عنها وأصغت إلى أحاديثها عن الخروج ومعاناتها ؟ هل اعتمدت على مذكرات وحكايات ؟
لقد تتبعت كتابتها عن الأمكنة في اللد ومنها جامع دهمش والمجزرة التي ارتكبت فيه ، ولاحظت أنها لم تركز على فضاء اللد ، قدر ما ركزت على رحلة الخروج من المدينة إلى رام الله مرورا بالأماكن بين المدينتين ، ويخيل إلي أن الروائية زارت الضفة الغربية وتتبعت خط الخروج من أقرب مكان في الضفة الغربية إلى اللد فرام الله .
ما كتبته عن الخروج لفت نظر الدكتور جورج حبش الذي عاش في اللد وشهد ما حدث فيها ، فكتب في مذكراته " صفحات من مسيرتي النضالية: مذكرات جورج حبش " (مركز دراسات الوحدة العربية ٢٠١٩ ) الآتي عن الرواية :
" بعد سنوات على رحلتنا المأساوية وخروجنا من اللد ، قرأت كتابا لكاتبة بريطانية ، قصة اسمها " الطريق إلى بئر السبع " وكأن هذه الكاتبة كانت معنا في رحلة خروجنا . لا يكفي أن أقول إنني لم أجد أية مبالغة في ما كتبته تلك الروائية البريطانية ، بل أستطيع القول إن المأساة كما عشتها كانت أكثر حدة مما أظهرته تلك الرواية " .
وطبعا ثمة فارق بين أن تعيش الأحداث وتكتب عنها وبين أن تسمع أشخاصا يتحدثون عنها وتكتب عنها ، ومن هنا كانت عبارة الدكتور الأخيرة " بل أستطيع القول إن المأساة كما عشتها كانت أكثر حدة مما أظهرته تلك الرواية " .
ولا أعرف إن كانت المقابلات التي أجريت مع الروائية سألتها عن مصادرها في تأليف روايتها .
قرأت كتابين للدكتور جورج حبش ؛ الأول هو الذي ذكرته والثاني هو " الثوار لا يموتون أبدا " وهو مجموعة مقالات أجراها مع الحكيم صحفي أوروبي ، ولم ألتفت إلى آرائه عن مواقفه السياسية وطروحات الجبهة الشعبية وموقفها من الأنظمة العربية والفصائل الفلسطينية قدر التفاتي إلى الصفحات القليلة التي أتى فيها على حياته وأسرته ودراسته في الجامعة الأميركية في بيروت وعودته في ١٩٤٨ إلى اللد للبقاء مع أهله ومساعدة أهل مدينته وخروجه مهاجرا مجبرا تحت فوهات البنادق . وأعتقد أن هذه الصفحات هي المؤثرة دون غيرها ، وأن بقية المعلومات التي أتى فيها على جوانب أخرى من حياته الفكرية والتنظيمية والسياسية لا تهم إلا الباحثين والدارسين وبعض قادة الفصائل ممن ظلوا على قيد الحياة ، ولن يقرأها القراء بشغف كما يقرأون ما كتبه عن حياته في اللد وخروجه منها . إنها صفحات إنسانية مؤثرة تفصح لنا عن السبب الذي حدا به ، هو دارس الطب ، إلى التفرغ للعمل الفكري والسياسي والنضالي تاركا ممارسة مهنته طبيبا .
عندما توفي الحكيم التفت إلى علاقته بكنفاني وحضوره في كتابات الأديب وتساءلت عن مدى تأثيره فيها ، ولم ألتفت إلى الجانب السياسي الذي كتب فيه العشرات .
ببساطة الأدب أبقى من السياسة وأكثر خلودا .
٢٨ و ٢٩ آب ٢٠٢٠
١٦
أن تعود طالب دكتوراه من جديد :
منذ أنهيت عملي في التدريس الجامعي واخترت عدم مواصلة التدريس وجدتني طالب دكتوراه من جديد .
لحسن حظي أنني حصلت على الشهادات الجامعية الثلاثة متفرغا للدراسة والبحث ، فقد مكنني ذلك من التركيز وعدم التشتت والانصراف كليا إلى عمل واحد .
في ألمانيا أنفقت ما يقارب الأربع سنوات في البيت والجامعة والمكتبة . أبحث وأقرأ وأكتب ، وهو ما عشته في مرحلتي البكالوريوس والماجستير أيضا ، وها أنا منذ عامين أواصل تجربة تلك الأيام ، فلا شيء يشغلني . لا وظيفة ولا ارتباطات ولا ما يفرحون ولا ما يحزنون ، فالهم الوطني موزع على الجميع والسلطة الفلسطينية تقول لنا :
- لا تفكروا فأبو مازن يفكر نيابة عنكم ، وقبل أبو مازن مارس الشيء نفسه الأخ القائد الرمز أبو عمار .
أمس الجمعة مثلا أنفقت ساعات طويلات في كتابة مقال الأحد لدفاتر الأيام ، وكان مراجعة لكتاب بشير أبو منة " الرواية الفلسطينية من سنة ١٩٤٨ حتى الحاضر " ، وفي الإعداد للورقة التي سألقيها في مهرجان القدس الثاني عشر في بيت لحم .
ماذا سأقول عن الرواية الفلسطينية في المنفى ؟
من هم كتاب الرواية الفلسطينية في المنفى ؟
ما هي الموضوعات التي خاضوا فيها ؟
ماذا كتبت شخصيا عن أعمالهم ؟
ووجدتني أبحث في العظيم ( غوغل ) عن مقالاتي القديمة لكي أقرأها من جديد .
رشاد ابوشاور و Hasan Hamid و Hanan Bakir وابراهيم نصرالله وفاروق وادي وحزامى حبايب و ليلى الأطرش وسحر خليفة بعد هجرتها وسامية عيسى وأسماء أخرى أيضا .
أمس وجدتني أعود إلى ثلاثة وثلاثين عاما خلت - أي إلى فترة حياتي طالب دكتوراه ، فلم أغادر الشقة إلا لشراء الماء واللبن والمنظفات الكيماوية .
عندما كنت أجلس في ألمانية ساعات طويلة في البيت كانت الأستاذة الألمانية التي أخذتني إلى هناك تحاطبني :
- عادل . نحن لم نحضرك إلى ألمانيا لتجلس فقط في البيت . عليك أن تختلط بالألمان وتتعرف إليهم وتستمتع بالطبيعة الألمانية .
هل كان عمر الخيام ألمانيا ؟
لا تشغل البال بماضي الزمان
ولا بآتي العيش قبل الأوان
واغنم من الحاضر لذاته
فليس في طبع الزمان الأمان
٢٨ آب ٢٠٢١
١٧
" إن الرواية التي تخلو من مشاهد السيرة الذاتية ليست رواية وإنما هي بحث اجتماعي " هذا ما كان يراه الروائي الألماني ( مارتن فالزر ) الذي توفي عن ٩٦ عاما .
( من مقال Dr. Joseph Zeitoun الذي كتبت عنه أمس تحت عنوان " هل يتعلم العربان من الألمان ؟" )
يبدو أنني ممن كانوا - وما زالوا - يأخذون بهذا الرأي ، ولهذا لم أحب الرواية التاريخية .
٢٨ / ٨ / ٢٠٢٣ .
١٨
هارون هاشم رشيد " سنوات العذاب " :
أن تقرأ رواية بعد ٥٣ عاما من صدورها
في العام ١٩٨٨ قرأت الأعمال الشعرية لهارون هاشم رشيد لأتتبع صورة اليهودي فيها . وأنا أقرأ عن حياته عرفت أنه أصدر في العام ١٩٧٠ رواية " سنوات العذاب " فكان ، حسب ما أعرف ، رابع شاعر فلسطيني يكتب الرواية ؛ الأول هو إسكندر الخوري البيتجالي " الحياة بعد الموت " ١٩٢٠ والثاني هو محمد العدناني " في السرير " ١٩٤٦ والثالث هو يوسف الخطيب " عناصر هدامة " ١٩٦٤ ، وهذا دفعني إلى حث أحد طلابي وهو عمر القزق إلى كتابة رسالة ماجستير عن الشعراء الروائيين في الأدب الفلسطيني .
عبثا نجحت في العام ١٩٨٨ في الحصول على " سنوات العذاب " ، ومؤخرا قرأت مراجعة نقدية لها كتبها رائد حواري فسألته إن كان بالإمكان استعارتها .
كان هاجس قراءتها يلح علي لأنظر في صورة اليهود فيها وأرى إن كانت اختلفت عن صورتهم في أشعاره .
وأنا أتتبع صورة اليهود في شعره خلصت إلى الآتي :
" لا يختلف تصور رشيد في أشعاره كثيرا عن تصور طوقان والعبوشي والعدناني ، وهو منذ ابتدأ يكتب الشعر حتى ١٩٦٧ لم يتصور اليهود سوى الأعداء . ويبدو أن تتبع هذا التصور في أشعاره كلها غير ذي جدوى . إنه يكرر باستمرار الأوصاف التي ينعتها بهم .... ولم تتغير لهجة رشيد هذه في تصور الذات والآخر إلا إثر هزيمة ١٩٦٧ . لقد خف تغنيه بالعرب ككل متجانس ، وأخذ يغني للفدائيين ممجدا بطولاتهم ، رائيا فيهم البديل " .
صورة الآخر تتجسد في الآتي . إنهم مجرمون ظالمون وذئاب ولصوص وسارقون مستلبون ومخادعون يدنسون أرض فلسطين وطغاة ومتغطرسون وأذلااء وبغايا ويشربون دم الأطفال .
وقد تغنى رشيد بالعرب حتى ١٩٦٧ فمجد بطولاتهم ومقاومتهم الاستعمار في الجزائر واليمن ومدح جمال عبد الناصر وتوجهه نحو الوحدة العربية في غير قصيدة .
هل اختلف تصوره لليهود وللعرب في " سنوات العذاب " ؟
الرواية التي تسردها منى ، ابنة يافا التي كان عمرها في ١٩٤٨ أربع سنوات ، يمتد زمنها الروائي حتى ١٩٥٦ ؛ عام احتلال إسرائيل قطاع غزة ويتوقف عند اللحظات التي تحرر فيها القطاع من الاحتلال - أي أن زمن جريان الأحداث يبعد عن زمن النشر ١٤ عاما ، ولا أعرف بالضبط متى بدأ رشيد كتابة روايته ومتى انتهى منها .
إن نظرة على الإهداء يفصح عن تمجيده عبد الناصر وهو ما قرأناه في قصائده :
" اليه / إلى البطل الراشد / جمال عبد الناصر / إليه.. / من أعطى فلسطين / الفكر .. / والجهد.. / والعمر... / باقة حب.. / وتقدير ، واعتزاز / هارون " .
في تتبع صورة اليهود في الرواية لن يجد فيها أي اختلاف عن صورتهم في شعره سوى تجسيد الصفات وتفصيلها في مشاهد ، وحتى الفكرة التي شاعت عنهم من أنهم يخطفون الأطفال ويشربون دمهم تظهر في الرواية .
اللافت بوضوح هو تلك الصورة التي تبرزها الرواية للفدائي الفلسطيني الذي قاوم احتلال قطاع غزة في ١٩٥٦ ، وهي صورة ظهرت باختصار في رواية كنفاني " ما تبقى لكم " ١٩٦٦ . هنا يطنب رشيد فيها ويخصص لها صفحات كثيرة ، إلى جانب إبراز صورة للمرأة الفلسطينية الفدائية ، وهذه الصورة لم نعثر عليها في رواية كنفاني التي أبرزت للمرأة صورة سلبية ، فمنى وبعض الممرضات تمجدان الفدائي وتنتميان إلى المقاومة ، بخلاف مريم في " ما تبقى لكم " .
السؤال الذي كان يلح علي وأنا أقرأ عن الفدائي والفدائية هو :
- هل أبرز رشيد هذه الصورة لهما بوحي مما كانت عليه المقاومة الفلسطينية بعد ١٩٦٧ ؟ - أي تأثير الزمن الكتابي على الزمن الروائي . أغلب الظن هو كذلك .
يمكن الإفادة عموما من قراءة هذه الرواية في قراءة الرواية التاريخية التي كتبها فلسطينيون جدد عن فترة ١٩٤٨ ، مثل إبراهيم نصرالله Ibrahim Nasrallah صاحب " زمن الخيول البيضاء " ٢٠٠٧ ، ويمكن مقارنة صورة الفدائي فيها بالصورة التي ظهرت في روايات روائيين فلسطينيين وعرب مثل إلياس خوري Khoury Elias " الوجوه البيضاء " ١٩٨١ وفواز حداد " المترجم الخائن " ٢٠٠٨ وحزامه حبايب " مخمل " ٢٠١٦ .
عندما كتبت عن " زمن الخيول البيضاء " لاحظت تأثير الزمن الكتابي بوضوح ، فالرواية التي توقفت عند العام ١٩٤٨ تستخدم مفردات ما كان الكتاب يستخدمونها في حينه مثل " القوات الإسرائيلية " و " إسرائيل " والدينار الأردني وما شابه . مثل هذا لا نعثر عليه في " سنوات العذاب " التي استخدم كاتبها مفردة اليهود والعصابات .
في رواية خوري تظهر للفدائي صورة إيجابية لا تختلف عن صورته في رواية رشيد ، ولكنها مع مرور الأيام تختلف . ويمكن قول الشيء نفسه عن صورته في رواية حداد ، وقد توقفت بالتفصيل أمامها في كتابي " الفلسطيني في الرواية العربية " ٢٠٢٢ .
حزامى حبايب تسترجع في روايتها أيلول ١٩٧٠ وتكتب عن الفدائي في تلك الأيام ( الأيام الفلسطينية في ٨ / ١٠ /٢٠١٧ ).
تنجو حزامه في كتابتها عن أحداث أيلول من فخ تأثير اللحظة الراهنة على الزمن المسترجع ، وهو ما لم ينجح فيه كثيرون من الكتاب الفلسطينيين الذين استرجعوا الماضي ، إذ كتبوا عنه متأثرين بلحظة الكتابة ، ويستطيع المرء أن يتأكد من هذا حين يقرأ الأدبيات الفلسطينية التي كتبت في ٧٠ القرن ٢٠ ويقارنها بالأدبيات التي كتبت لاحقا .
مؤخرا أعدت قراءة رواية زكريا محمد " عصا الراعي " فالتفت إلى رأيه في تأثير الحاضر على رؤية الماضي ، ورأيه يستحق كتابة .
" لذا فأنا أتذكر في هذه اللحظة ولا أقرأ ، فيختلط الماضي والحاضر في كلامي " و " عليه أن يبحث عن الماضي . عن الحاضر في صورة الماضي . عن الماضي في صورة الحاضر ." .
حين نبحث عن صورة اليهودي في " سنوات العذاب " التي يتوقف زمنها عند العام ١٩٥٦ علينا أيضا أن نبحث عن صورتهم في زمن الكتابة ١٩٧٠ ، وعليه قس .
٢٨ و ٢٩ و٣٠ / ٨ / ٢٠٢٣ .
( مقال الأحد لدفاتر الأيام الفلسطينية ٣ / ٩ / ٢٠٢٣ )
١٩
زكريا محمد والصين :
لم أعد أتذكر ما كتبه زكريا محمد من مقالات أبدى فيها موقفا من الصين أو رأيا في الصينيين .
قسم من المثقفين الفلسطينيين الذين لم يندرجوا في أحزاب شيوعية صلتها الأقوى كانت بالحزب الشيوعي السوفيتي ، وإنما انتموا إلى فصائل يسارية أو إلى حركة فتح ، مالوا إلى الصين واقتبسوا من ( ماوتسي تونغ ) ومجدوا الحزب الشيوعي الصيني ومنهم غسان كنفاني الذي زار الصين وأعجب بها وألف كتابا حولها واقتبس في فترة من تعاليم ماوتسي تونغ أكثر مما اقتبس من ماركس وانجلز ولينين .
في " عصا الراعي " وفي بحث زكريا محمد عن قصة / أسطورة الأخوين ؛ الأول والثاني يغوص عميقا في الأساطير والحكايات لدى الشعوب ؛ لدى العرب وبابل وسومر ولدى الصينيين ويرى أن ما كتبه الأخيرون هو الأعمق وأن الصينيين هم الأصدق . يعتمد زكريا على ما ورد في كتاب ( آي - تشنج ) " التغيرات الذي وضع الابن الثاني في المجموعة الرابعة من ثلاثيات الخطوط فيم وضع الابن الأكبر في المجموعة الثالثة ، ويستطرد زكريا في سرد ما ورد في كتاب " التغيرات " ولمن يرغب في قراءة ما ورد يمكن العودة إلى الصفحات ١٠١ و ١٠٢ و ١٠٣ و ١٠٤ من الرواية .
الأهم هو ما كتبه عن رأيه في الصينيين وهو :
" علي أن أعترف أن الصينيين هم الأعمق والأكثر دقة وتفصيلا كعادتهم .فهم حين يمسكون بأمر يستغرقونه ويتتبعونه حتى النهاية ... فإن الصينيين ذهبوا إلى الجذور ، مشخصين هذه الورطة وكاشفين حدودها القصوى " ( ١٠١ )
" الصينيون هم الأعمق . لقد فهموا المأساة ووصلوا إلى جذورها . الصينيون هم الأقوى .
أنهم يصلون إلى المنابع . لا يكتفون بالإشارة ، بل يدخلون النفق ويضيئونه . أنظر إليهم أين وضعوا الابن الأول . لقد أعطوه المجموعة الثالثة " .
أهو تأثير الزمن الكتابي حيث بدأت شمس اسيا تشرق من الصين على رأي غسان كنفاني ؟ " ثم أشرقت آسيا؟" .
غالبا ما يكرر الناس في بلادنا المثل " إن طلع صيتك ضب رأسك ونام " .
رحم الله الشاعر زكريا محمد .
٢٨ / ٨ / ٢٠٢٣ .
٢٠
يوميات غزة ( ٣٢٧ ) :
أهل غزة هم صعاليك العرب في القرن ٢١
ما أشبه حياة أهل قطاع غزة بحياة صعاليك العرب في الجاهلية كما صورها الشنفري في قصيدته التي مطلعها :
" أقيموا بني أمي صدور مطيكم
فإني إلى قوم سواكم لأميل "
عاش الصعاليك في الصحراء مشردين هائمين على وجوههم ، مطاردين وملاحقين من القبائل ، باحثين عن الطعام ، متنقلين من مكان إلى مكان لا يشعرون بالأمان ، فقد حاصرتهم القبائل وأهدر بعضها دمهم ، ومن لم يهدره لم يؤوهم .
طوى الصعاليك على الخمص / الجوع الحوايا كما انطوت خيوطة ماري تغار وتفتل ، واستفوا ترب الأرض ، وانتقلوا من مكان إلى آخر ، بحثا عن طعام فهزلوا . شكوا وصرخوا لعل إخوة لهم ينقذونهم من الجوع ، فلم يجبهم أحد ، ثم ارعووا / كفوا ، إذ أدركوا أن الصبر أنفع حين لم ينفع الشكو ، وفي ليال شديدة الظلمة غاروا وبطشوا ، لعلهم يظفرون بما يسد جوعهم . أيموا نساء / رملوهم وأيتموا إلدة وعادوا إلى مجاهيل الصحراء .
هل يختلف نزوح أهل غزة من مكان إلى مكان عن تنقل الصعاليك من قفار إلى آخر ؟
ألم يعانوا من الجوع والملاحقة ، فضمروا وهزلوا ومات عدد منهم جوعا ؟
ألم يستفوا ترب الأرض مع الطحين الذي اختلط بالتراب ؟
ألم يشعروا بالخذلان ؟
ألم يبكوا ويصرخوا ويستنجدوا دون جدوى ؟
هل ستتشكل منظمة أيلول أسود جديدة ، يغير أفرادها داعسين على غطش وبغش وصحبتهم سعار وإرزيز ووجر وأفكل ، ليأيموا نساء وييتموا إلدة ؟
رئيس الوزراء الإسرائيلي طلب من أجهزة مخابراته تشديد الحراسة على ابنه يائير المقيم في أمريكا تحسبا لانتقام و ... و ... .
هل أهل قطاع غزة هم صعاليك العرب في القرن الحادي والعشرين ؟
الأوضاع في الضفة الغربية لا تسر ، فالقوات الإسرائيلية اجتاحت أمس جنين وطولكرم وطوباس ومخيماتها ، وقد نصبح نحن أيضا صعاليك جددا .
٢٨ / ٨ / ٢٠٢٤
٢١
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
غزة تصارع دولة عظمى
من تابع أخبار أحداث ٧ أكتوبر منذ بدايتها لاحظ مدى مساهمة دول عالمية كبرى فيها من خلال التعاطف المبكر مع الدولة الإسرائيلية ، فقد زارها رئيس أكبر دولة عظمى هي الولايات المتحدة الأمريكية ورؤساء دول أخرى مثل فرنسا وألمانيا وغيرهما حتى أننا ، في حينه ، نعتنا ما يجري بالعدوان السداسي على غزة ، متأثرين بما سمعنا عنه وقرأناه عن حرب السويس في العام ١٩٥٦ ، حيث العدوان الثلاثي على مصر .
عندما تواصلت الحرب وصمدت غزة ولم ترضخ المقاومة وظلت تفاوض متمسكة بشروطها أكثرها ، فنجم عن ذلك احتلال القطاع ونزوح أهله المتكرر ومعاناتهم من الجوع والبرد والحر وفقدان أدنى شروط الحياة ، أخذ قسم منهم - أي أهل قطاع غزة - يسخرون من تشدد قادة حماس والجهاد وإصرارهم على القتال قائلين :
- معهم حق ، فالاتحاد السوفييتي الغزاوي يفاوض من موقع قوة ، ويضع نفسه ندا لحلف الناتو .
ماذا لو راجع المرء الأدبيات الفلسطينية التي كتبت قبل العام ٢٠٢٣ وأتى أصحابها فيها على الموقف من الاحتلال الإسرائيلي ، بخاصة موقف فصائل المقاومة ، حتى السابقة لحركة حماس والجهاد الإسلامي ؟
هل كان كتاب الأدبيات الفلسطينية التابعة لفصائل الحركة الوطنية ؛ يمينها ويسارها ، يدعون إلى الرضوخ والاستسلام ؟
وماذا كان موقفهم ممن يدعو إلى ذلك ؟
إن عدنا إلى موقف هؤلاء الكتاب من رواية إسحق موسى الحسيني " مذكرات دجاجة " ١٩٤٣ ، وقد دعت الدجاجة إلى ترك المأوى وعدم مقاومة الدولة الباطشة القادرة بريطانيا والعصابات الصهيونية ، فإننا سنقرأ سيلا من الكتابات التي خونتها واتهمتها بأنها دجاجة خانعة مستسلمة خائنة . وسنجد أن أكثر الكتاب رددوا سؤال غسان كنفاني في روايته " رجال في الشمس " ( ١٩٦٣ ) الداعي إلى المقاومة وهو :
- لماذا لم تدقوا جدران الخزان ؟
بل إننا سنجد كاتبا مرفها يقيم في بغداد ويسافر باستمرار إلى الغرب وتوجهه توجه غربي ليبرالي مسالم ، وهو جبرا إبراهيم جبرا ، يكتب في سبعينيات القرن العشرين رواية " البحث عن وليد مسعود " يختار فيها لبطله ، الذي هو على شاكلته ، طريق العمل الفدائي والانخراط فيه ، ما يعني أن جبرا نفسه في حمى صعود المقاومة لم ينهج نهج إسحق موسى الحسيني - أي مقاومة القوة بالرضوخ .
ومن ينظر في الأمثال الشعبية الفلسطينية ، التي وردت على لسان الشخصيات الفلسطينية في القصص القصيرة والروايات ، يلحظ أنه غالبا ما تم تحوير المثل الشعبي " الكف ما بتلاطم المخرز " ليغدو " الكف يلاطم المخرز " ، وقد جعله الكاتب محمد أيوب ، في تسعينيات القرن العشرين ، عنوانا لرواية له ، ومثله مثل " ما بحرث الأرض غير عجولها " الذي أكثر القاص جمال بنورة من توظيفه في قصصه القصيرة .
إن مبدأ المواجهة برز قبل ذلك أيضا في كتابات كتاب الأرض المحتلة في العام ١٩٤٨ الذين لم يدعوا ، في أكثر كتاباتهم ، إلى المقاومة المسلحة . برز في بعض قصص توفيق فياض في مجموعته " البهلول " ( ١٩٧٨ ) ، وفي قصة سميح القاسم الاوتوبيوغرافية " إلى الجحيم أيها الليلك " ( ١٩٧٧ ) .
وكان الكتاب السابقون أكثرهم عاشوا نكسة حزيران ١٩٦٧ وحروبا عديدة أخرى خاضتها جيوش عربية ولم تقو فيها على استعادة أراضيها المحتلة كاملة ، ومع ذلك فقد رأوا في المقاومة المسلحة الطريق الوحيد لإمكانية حل عادل .
" تستطيعان البقاء مؤقتا في بيتنا ، فذلك شيء تحتاج تسويته إلى حرب " كتب غسان كنفاني في روايته " عائد إلى حيفا " ( ١٩٦٩ ) ، وكتب محمود درويش في كتابه " وداعا أيتها الحرب ، وداعا أيها السلم " ( ١٩٧٤ ) : " بالحرب وحدها نستطيع الذهاب إلى السلم " .
هل تستطيع غزة المحاصرة وحدها مقاتلة دولة عظمى ؟
في العام ١٩٧٣ كتب الشاعر الصفوري طه محمد علي قصيدة عنوانها " عبد الهادي يصارع دولة عظمى " يأتي فيها على شخص ما قرأ في حياته ولا كتب ولا قطع شجرة ولا جاب سيرة النيويورك تايمز بغيابها ولا رفع صوته على أحد إلا بقوله " تفضل .. " " والله العظيم غير تتفضل " ، إلا أنه يحيا قضية خاسرة وحالته ميؤوس منها وحقه ذرة ملح سقطت في المحيط ، وهو لا يعرف شيئا عن عدوه ولو رأى بحارة الانتربرايز لقدم لهم البيض المقلي ولبن الكيس " ، فكيف سيصارع دولة عظمى ؟!
إن ما قاله العنوان مغاير مختلف لما يقوله المتن .
هل يختلف كثيرا واقع غزة وهي تحارب دولة تقف وراءها أكبر دولة عظمى ، بل ودول غربية كانت عظمى ؟
( الأربعاء والسبت ٢٨ و ٣١ / ٨ / ٢٠٢٤ )
٢٢
غزة 692 :
هل صار الفلسطينيون " مومس السياب العمياء "؟
لكثرة ما صرت أشاهد أشرطة فيديو لأهلنا في قطاع غزة ، يعبرون فيها عن معاناتهم وشعورهم بأنهم وحيدون في هذا العالم العربي والإسلامي ، ويشعرون بالخذلان وتخلي العرب والمسلمين عنهم ، وجدت يدي تمتد إلى ديوان " أنشودة المطر " للشاعر العراقي بدر شاكر السياب ، لأقرأ من جديد قصيدته " المومس العمياء " وتحديدا المقطع الذي تخاطب فيه المرأة العرب ، ولا من مجيب :
" لا تتركوني يا سكارى
للموت جوعا ، بعد موتي - ميتة الأحياء - عارا ،
لا تقلقوا . فعماي ليس له مهابة لي أو وقارا ..
...
...
...
لا تتركوني ، فالضحى نسبي :
من فاتح ، ومجاهد ، ونبي !
عربية أنا : أمتي دمها
خير الدماء ... كما يقول أبي ."
هل أعبيء الفراغ ؟ هل أكمل ؟
إن فعلت فسوف أتلقى شتائم أكثر مما تلقى السياب ، بسبب هذا المقطع ، من شتائم وإهانات من الشيوعيين .
هل انتظرت أمس أن تأتي غزة لتنقذ نابلس ؟
سألني مواطن غزاوي ساخرا :
- لماذا لم تنزل إلى الشوارع تطرد منها قوات جيش الاحتلال الإسرائيلي أم تنتظر أن تأتي غزة لتنقذكم ؟
فأجبت :
- سوف أفعل ، وبعد أن أطردهم آتي لتحرير غزة .
حالة تعبانة يا ربي !
٢٨ / ٨ / ٢٠٢٥

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...