محمد شعير - نجيب محفوظ... وصايا سيد الأدباء.. مقولات شاهقة

◙ بعد يومين، تمر عشرون عامًا كاملة على رحيل سيد الأدباء، الأستاذ، نجيب محفوظ، فهل شعر أحدٌ بالغياب؟!
لم يغِب الأثر المحفوظي، ولن يغيب، فهو باقٍ، منتشر، متردد، وسيظل، سيمضي ساريًا بين الناس أبد الدهر، بالأدب والفلسفة والحكمة، بالمواقف والمقالات والحوارات، بالكلمة.
لا تموت الكلمة، طالما كانت صادقة، جادة، مجتهدة في تلمس طريق الحقيقة. لا تموت الفكرة وإن رحل صاحبها بالجسد.
لذا فإننا هنا، سنكتفي بأن نقف في لحظة صمت، وشجن، نستحضر روح الأستاذ، لننصت فقط إلى كلماته هو، تلك التي بحثنا عنها، وفيها، فوجدناها جاءت كوصايا صالحة لكل زمن.
هذه مقولات، وأفكار، ووصايا، في الأدب والفكر والسياسة، في الدين والحياة، لسيد الرواية العربية، الخالد في العقل والوجدان، فلننصت إليه بوقارٍ، لعلنا نتعلم.. يقول نجيب محفوظ:
◙ الإبداع في حد ذاته شيء تلقائي، يأتي إلى الكاتب بشكل مفاجئ وغير متوقع، أما العمل وتحويل هذه الفكرة إلى إنتاج محدد فهذا يخضع لخطة وبرنامج أتحكم فيهما بدقة.
◙ أحمد عبدالجواد (بطل الثلاثية) هو كل المصريين، ففي البيئات المحافظة يضطر الإنسان إلى استعمال الأقنعة، في الدائرة الرسمية قناع، وفي حياته الشخصية ووسط أصدقائه وأحبائه قناع آخر، وعندما ينفتح المجتمع تتقارب الحياتان لتصلا إلى حياة واحدة، وهذا يعني وصول المجتمع إلى قمة حضارته، فلا تكون هناك حاجة للأقنعة.
◙ التعليم في مصر يحتاج إلى ثورة لنخلق مواطنًا ديمقراطيًّا صالحًا للبحث العلمي. وصفة «ديمقراطي» هنا تعني تخريج طالب متفتح لا يعتمد على الحفظ فقط، أو تُفرض عليه الآراء والنظريات لكي يلتزم بها ولا يحيد عنها، وإنما يعرف كيف يبحث ويفكر ويبتكر ويحاور. النظام التعليمي الحالي هو نوع من الديكتاتورية.
◙ مع إيماني بأن كبرى النهضات في تاريخ البشرية صنعها حكام مستبدون، بدايةً من الفرعونية والآشورية والبابلية، وصولًا إلى النهضة التي أحدثتها النظم الفاشية الحديثة، فإن أغلب النظم التي قامت على القهر والقوة انتهت نهاية سيئة.
◙ ربما كان الاستبداد في العصور القديمة له ما يبرره، فلم تكن قوة الشعب قد ظهرت بعد، وكان المجتمع منقسمًا إلى طبقتين: طبقة الملوك والأمراء وطبقة العبيد.. ومع التطور وظهور الأديان والديمقراطية، بدأت قوى الشعب في الظهور.. إن النظام الديمقراطي هو أفضل نظام لحياة الإنسان، حتى لو شابته بعض الأخطاء، ذلك لأنه النظام القادر على تصحيح نفسه بنفسه.
◙ رغم إيماني الشديد بثورة 1919 وإنجازاتها، فإن رواياتي ابتداءً من «القاهرة الجديدة» كانت تحتوي على انتقادات حادة للمجتمع المصري في الفترة من 1919 إلى 1952، فقد انتقدتُ فساد الطبقة السياسية الحاكمة، ولم أكن أنقد ثورة 19، بل أنقد أوضاعًا فاسدة، مثل إهمال الجانب الاجتماعي والتركيز على القضايا الوطنية فقط.. وللأسف فإن الذين استفادوا من ثورة 1919 هم أعداؤها.. وفي ذروة الصراع نسوا الجانب الاجتماعي، وكان شغلهم الأول هو الاستقلال والدستور والديمقراطية. كانت الأوضاع الاجتماعية سيئة، والبعض يموت من الجوع.
◙ سبب استفحال الفساد هو عدم الارتقاء بمستوى الموظف الحكومي، فقد ظهرت قطاعات كبيرة من الأغنياء، بعضهم من قمة المجتمع وبعضهم من قاعه، بينما لم يتحرك موقع الموظف، ولا يزال يعيش في مستوى غير مُرضٍ، ولن ينصلح الحال إلا إذا أخذ الموظف الحكومي حقه في أن يعيش حياة كريمة.
◙ إذا اختل الأمن لسببٍ من الأسباب فواجب الدولة الأول والعاجل هو أن تضرب الفتن بما تملك من سلاح وتشريع ورقابة، حتى ترسي أسس الأمن والأمان. ولكن ذلك لا يعني الاستقرار بمعناه العميق. إنه انتصار في معركة لا كسب لحرب. وعلينا بعد ذلك أن نتقصى عن الأسباب الخفية التي تدعو للقلقلة والانحراف، وسوف نجد أن هذه الأسباب هي ما ينقص المجتمع لكي يكون مجتمعًا متحضرًا جديرًا بالبشر.
◙ نرجو لمن يتطلعون إلى حياة إسلامية متطهرة جديرة بتحدي الفساد والانحلال أن يستوصوا بالصبر والتأني والشورى، وأن يوقنوا بأن تلك الحياة المنشودة لا تُخلق بقرار، ولا تُفرض على الآخرين بدون رضا واقتناع، ولكنها تولد على مهل بعد تربية ونضال.
◙ الفن بعد الثورة - أي ثورة- يجب أن يتغير عما كان قبلها، ولو أنني واصلتُ نقد المجتمع القديم كما يفعل بعض الزملاء لكررتُ نفسي، ولكررتُها أيضًا بلا حماس.
◙ عندما بدأتُ الكتابة كنتُ أعلم أنني أكتب بأسلوبٍ أقرأ نَعْيَه بقلم فرجينيا وولف (الكاتبة الإنجليزية أحد أقطاب مدرسة تيار الوعي في السرد الأدبي) التي كانت في هذا الوقت تهاجم الأسلوب الواقعي وتدعو للأسلوب النفسي، والمعروف أن أوروبا كانت مكتظة بالواقعية لحد الاختناق، أما أنا فكنتُ متلهفًا على الأسلوب الواقعي الذي لم نكن نعرفه حينذاك، كان هو أحدث الأساليب وأشدها إغراءً وتناسبًا مع تجربتي وشخصي وزمني.
◙ إذا كانت المذاهب الأدبية لم تستهوني لذاتها، إلا أنني كنت أتابعها متابعة جيدة وأنظر إليها بعين الناقد، وبعض هذه المذاهب رفضته رفضًا تامًا، خاصة تيار «اللا رواية»، ولقد قرأتُ ما كتبه رموز هذا التيار مثل آلان روب جرييه وناتالي ساروت في فرنسا، وكنتُ أجد صعوبة كبيرة في فهم ما يقصدون، وعرضتُ على بعض النقاد المؤيدين لهذا التيار أن نجلس معًا لنقرأ أي عمل ينتمي إليه، وقلت لهم إنني على استعداد لدفع خمسة جنيهات عن كل ساعة قراءة. ومع ذلك هرب هؤلاء النقاد مني. وحاولتُ أن أقرأ بنفسي الكتابات النقدية عن هذا التيار فلم تزدني إلا غموضًا.
◙ ينادي بعض النقاد بضرورة أن يكون الأدب به بعض الغموض. وأنا لا أعترض على هذه الأفكار، لأن الأدب الواضح المباشر الذي يعطي القارئ كل شيء بطريقة بسيطة ومباشرة يعطل ملكة الخيال لدى القارئ، ولا يمنحه الفرصة للتفكير والتحليل. والأدب بطبيعته رمزي، حتى الواقعي منه يجب أن يتصف بمستوى من الرمزية والغموض، بشرط ألا يصل لحد الإبهام والتعتيم وإرهاق ذهن القارئ.
◙ العلاقة بين فن الرواية والتاريخ علاقة وطيدة، فالرواية عبارة عن استعراض للحياة اليومية بكل مشاكلها وقضاياها وأشخاصها. وهذا جزء من التاريخ لم يكتبه المؤرخون. ثم إن التاريخ عبارة عن أحداث وتفسير ورؤية وأشخاص، والرواية كذلك.
◙ نهايات رواياتي تنمو مع الأحداث، وليست جاهزة أو مسبقة.
◙ لم أقرأ في حياتي كتابًا واحدًا أكثر من مرة باستثناء كتاب واحد هو «القرآن الكريم». قرأت القرآن منذ الصغر، وتعلقتُ به، وأقرأ فيه بشكل يومي ولو أجزاء قليلة، كما قرأت كذلك كتب التفاسير.

#محمد_شعير
بعد يومين، تمر عشرون عامًا كاملة على رحيل سيد الأدباء، الأستاذ، نجيب محفوظ، فهل شعر أحدٌ بالغياب؟!
لم يغِب الأثر المحفوظي، ولن يغيب، فهو باقٍ، منتشر، متردد، وسيظل، سيمضي ساريًا بين الناس أبد الدهر، بالأدب والفلسفة والحكمة، بالمواقف والمقالات والحوارات، بالكلمة.
لا تموت الكلمة، طالما كانت صادقة، جادة، مجتهدة في تلمس طريق الحقيقة. لا تموت الفكرة وإن رحل صاحبها بالجسد.
لذا فإننا هنا، سنكتفي بأن نقف في لحظة صمت، وشجن، نستحضر روح الأستاذ، لننصت فقط إلى كلماته هو، تلك التي بحثنا عنها، وفيها، فوجدناها جاءت كوصايا صالحة لكل زمن.
هذه مقولات، وأفكار، ووصايا، في الأدب والفكر والسياسة، في الدين والحياة، لسيد الرواية العربية، الخالد في العقل والوجدان، فلننصت إليه بوقارٍ، لعلنا نتعلم.. يقول نجيب محفوظ:
◙ الإبداع في حد ذاته شيء تلقائي، يأتي إلى الكاتب بشكل مفاجئ وغير متوقع، أما العمل وتحويل هذه الفكرة إلى إنتاج محدد فهذا يخضع لخطة وبرنامج أتحكم فيهما بدقة.
◙ أحمد عبدالجواد (بطل الثلاثية) هو كل المصريين، ففي البيئات المحافظة يضطر الإنسان إلى استعمال الأقنعة، في الدائرة الرسمية قناع، وفي حياته الشخصية ووسط أصدقائه وأحبائه قناع آخر، وعندما ينفتح المجتمع تتقارب الحياتان لتصلا إلى حياة واحدة، وهذا يعني وصول المجتمع إلى قمة حضارته، فلا تكون هناك حاجة للأقنعة.
◙ التعليم في مصر يحتاج إلى ثورة لنخلق مواطنًا ديمقراطيًّا صالحًا للبحث العلمي. وصفة «ديمقراطي» هنا تعني تخريج طالب متفتح لا يعتمد على الحفظ فقط، أو تُفرض عليه الآراء والنظريات لكي يلتزم بها ولا يحيد عنها، وإنما يعرف كيف يبحث ويفكر ويبتكر ويحاور. النظام التعليمي الحالي هو نوع من الديكتاتورية.
◙ مع إيماني بأن كبرى النهضات في تاريخ البشرية صنعها حكام مستبدون، بدايةً من الفرعونية والآشورية والبابلية، وصولًا إلى النهضة التي أحدثتها النظم الفاشية الحديثة، فإن أغلب النظم التي قامت على القهر والقوة انتهت نهاية سيئة.
◙ ربما كان الاستبداد في العصور القديمة له ما يبرره، فلم تكن قوة الشعب قد ظهرت بعد، وكان المجتمع منقسمًا إلى طبقتين: طبقة الملوك والأمراء وطبقة العبيد.. ومع التطور وظهور الأديان والديمقراطية، بدأت قوى الشعب في الظهور.. إن النظام الديمقراطي هو أفضل نظام لحياة الإنسان، حتى لو شابته بعض الأخطاء، ذلك لأنه النظام القادر على تصحيح نفسه بنفسه.
◙ رغم إيماني الشديد بثورة 1919 وإنجازاتها، فإن رواياتي ابتداءً من «القاهرة الجديدة» كانت تحتوي على انتقادات حادة للمجتمع المصري في الفترة من 1919 إلى 1952، فقد انتقدتُ فساد الطبقة السياسية الحاكمة، ولم أكن أنقد ثورة 19، بل أنقد أوضاعًا فاسدة، مثل إهمال الجانب الاجتماعي والتركيز على القضايا الوطنية فقط.. وللأسف فإن الذين استفادوا من ثورة 1919 هم أعداؤها.. وفي ذروة الصراع نسوا الجانب الاجتماعي، وكان شغلهم الأول هو الاستقلال والدستور والديمقراطية. كانت الأوضاع الاجتماعية سيئة، والبعض يموت من الجوع.
◙ سبب استفحال الفساد هو عدم الارتقاء بمستوى الموظف الحكومي، فقد ظهرت قطاعات كبيرة من الأغنياء، بعضهم من قمة المجتمع وبعضهم من قاعه، بينما لم يتحرك موقع الموظف، ولا يزال يعيش في مستوى غير مُرضٍ، ولن ينصلح الحال إلا إذا أخذ الموظف الحكومي حقه في أن يعيش حياة كريمة.
◙ إذا اختل الأمن لسببٍ من الأسباب فواجب الدولة الأول والعاجل هو أن تضرب الفتن بما تملك من سلاح وتشريع ورقابة، حتى ترسي أسس الأمن والأمان. ولكن ذلك لا يعني الاستقرار بمعناه العميق. إنه انتصار في معركة لا كسب لحرب. وعلينا بعد ذلك أن نتقصى عن الأسباب الخفية التي تدعو للقلقلة والانحراف، وسوف نجد أن هذه الأسباب هي ما ينقص المجتمع لكي يكون مجتمعًا متحضرًا جديرًا بالبشر.
◙ نرجو لمن يتطلعون إلى حياة إسلامية متطهرة جديرة بتحدي الفساد والانحلال أن يستوصوا بالصبر والتأني والشورى، وأن يوقنوا بأن تلك الحياة المنشودة لا تُخلق بقرار، ولا تُفرض على الآخرين بدون رضا واقتناع، ولكنها تولد على مهل بعد تربية ونضال.
◙ الفن بعد الثورة - أي ثورة- يجب أن يتغير عما كان قبلها، ولو أنني واصلتُ نقد المجتمع القديم كما يفعل بعض الزملاء لكررتُ نفسي، ولكررتُها أيضًا بلا حماس.
◙ عندما بدأتُ الكتابة كنتُ أعلم أنني أكتب بأسلوبٍ أقرأ نَعْيَه بقلم فرجينيا وولف (الكاتبة الإنجليزية أحد أقطاب مدرسة تيار الوعي في السرد الأدبي) التي كانت في هذا الوقت تهاجم الأسلوب الواقعي وتدعو للأسلوب النفسي، والمعروف أن أوروبا كانت مكتظة بالواقعية لحد الاختناق، أما أنا فكنتُ متلهفًا على الأسلوب الواقعي الذي لم نكن نعرفه حينذاك، كان هو أحدث الأساليب وأشدها إغراءً وتناسبًا مع تجربتي وشخصي وزمني.
◙ إذا كانت المذاهب الأدبية لم تستهوني لذاتها، إلا أنني كنت أتابعها متابعة جيدة وأنظر إليها بعين الناقد، وبعض هذه المذاهب رفضته رفضًا تامًا، خاصة تيار «اللا رواية»، ولقد قرأتُ ما كتبه رموز هذا التيار مثل آلان روب جرييه وناتالي ساروت في فرنسا، وكنتُ أجد صعوبة كبيرة في فهم ما يقصدون، وعرضتُ على بعض النقاد المؤيدين لهذا التيار أن نجلس معًا لنقرأ أي عمل ينتمي إليه، وقلت لهم إنني على استعداد لدفع خمسة جنيهات عن كل ساعة قراءة. ومع ذلك هرب هؤلاء النقاد مني. وحاولتُ أن أقرأ بنفسي الكتابات النقدية عن هذا التيار فلم تزدني إلا غموضًا.
◙ ينادي بعض النقاد بضرورة أن يكون الأدب به بعض الغموض. وأنا لا أعترض على هذه الأفكار، لأن الأدب الواضح المباشر الذي يعطي القارئ كل شيء بطريقة بسيطة ومباشرة يعطل ملكة الخيال لدى القارئ، ولا يمنحه الفرصة للتفكير والتحليل. والأدب بطبيعته رمزي، حتى الواقعي منه يجب أن يتصف بمستوى من الرمزية والغموض، بشرط ألا يصل لحد الإبهام والتعتيم وإرهاق ذهن القارئ.
◙ العلاقة بين فن الرواية والتاريخ علاقة وطيدة، فالرواية عبارة عن استعراض للحياة اليومية بكل مشاكلها وقضاياها وأشخاصها. وهذا جزء من التاريخ لم يكتبه المؤرخون. ثم إن التاريخ عبارة عن أحداث وتفسير ورؤية وأشخاص، والرواية كذلك.
◙ نهايات رواياتي تنمو مع الأحداث، وليست جاهزة أو مسبقة.
◙ لم أقرأ في حياتي كتابًا واحدًا أكثر من مرة باستثناء كتاب واحد هو «القرآن الكريم». قرأت القرآن منذ الصغر، وتعلقتُ به، وأقرأ فيه بشكل يومي ولو أجزاء قليلة، كما قرأت كذلك كتب التفاسير.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...