أ. د. عادل الأسطة - خربشات ٢ أيلول من كل عام

١
يحبونني ميتا "انا سيزيف فلسطيني ظج:

في العام 1994 أنجزت مسودة روايتي " الوطن عندما يخون " وفيها ذهبت إلى أنني مثل ( دون كيشوت ) بطل رواية( سيرفانتيس ) .
- لماذا ؟
- لأنني أخذت أخاصم الجميع .
طبعا لا لأنني أرغب في ذلك ، وإنما لأن الآخرين الذين يفترض أن أكون صديقهم ، أخذوا يمثلون أدوار أشخاص تخاصمت معهم أو أدوار تنظيمات تخاصمت مع بعض أفرادها .
هكذا غدوت خصما لكل شخص يحمل اسم شخص تخاصمت معه في ألمانيا ، وغدوت خصما لكل من يمثل فصيلا تخاصمت مع أحد أتباعه ، بل وغدوت خصما لكل من تشبه مستشرقة تخاصمت معها . وربما ساعدت شخصيا في هذا ، ففي الرواية المذكورةلم أكتب أسماء الفتيات العربيات اللاتي مثلن أدوارا ، وانما استعرت من روايتي " تداعيات ضمير المخاطب " ( 1993 ) أسماء الفتيات الأوروبيات لأطلقها على الفتيات العربيات .
هل انا عميق أم إنني سطحي ؟
الطريف أنني وأنا أقرأ في كتاب مريد البرغوثي " ولدت هناك .. ولدت هنا " ( 2009 ) توقفت أمام الفقرة التالية ، كأنها تعبر عما جرى معي منذ العام 1991 وما زال يجري معي حتى اللحظة .
( أعرف ما الذي ظنه الركاب الآخرون وأنا أدخل من باب الطائرة مقيدا . أعرف لماذا استبدلت المضيفة ابتسامتها التي تدربت عليها شهورا طويلة نظرة ارتياب خائفة ، فأشاحت بوجهها عني ، أعرف لماذا عندما وضعت أمامي وجبة الطعام وضعتها كأنها سجان بلا وجه يدس لسجينه رغيفا من كوة زنزانة . أعرف أنه مريح للناس أن يحترموك إن رأوا أحدهم يحترمك وأن يهينوك إن رأوا أحدهم يهينك وألا يكون امرؤ رأيه الخاص وألا يفحص أسباب احترامك أو إهانتك ؟
اقول لنفسي بعض الأحيان ، وبالتحديد عندما تلتبس الأمور قليلا :
" يكون العقل أكسل أعضاء الجسم وأكثرها بلادة " (ص265)
هل مرد الأمر إلى العقل وحده حقا أم أن هناك أسبابا أخرى كثيرة ؟ وضع مصلحة التنظيم فوق الحقيقة .
وضع المصلحة الذاتية الفردية فوق الحقيقة .
مراعاة الانتماء الوطني أو القومي أو الديني ووضعه فوق الحقيقة .
مراعاة المسؤؤل وتنفيذ ما يريد ووضع هذا فوق الحقيقة .
الكره الشخصي لهذا الشخص ووضعه فوق الحقيقة .
الانصياع للمشاعر والرغبات .
تنفيذ ما يطلبه مني أستاذ حتى ينجحني ووضعه فوق الحقيقة .
يتبع لاحقا ..
٢٠١٢

٢
سميح القاسم في محاضرة :

هذا المساء حاضرت في المنتدى التنويري بنابلس عن سميح القاسم ومسيرته الكتابية .
بدأت المحاضرة في السادسة واستمرت حتى الثامنة إلا ربعا .
بلغ عدد الحضور 25 فقد عددتهم غير مرة . طبعا لم أحص نفسي وأحصيت من قدمني .
المنتدى لم يقدم للحضور لا شايا ولا قهوة ولم يحضر زجاجة ماء للمحاضر ، لذا كانت المحاضرة فاشلة وكان المحاضر يتأتيء ومقدمه كان هائجا وأكثر من تكرار دكتور حتى زهقت الدكترة والمخترة والمسخرة .
- هل كنت قاسيا على سميح ؟ لقد آثرت أن أكون أكاديميا صرفا وانجليزيا ، ولهذا لم أرفس ، ويبدو أنني كنت شربت ينسونا وتناولت حبة مهديء ؟ وللحقيقة فإنني فكرت في أن أشتري للمنتدى أوقية شاي وكيلو سكر لولا أنني خفت من أن يرتشف الحضور الشاي بصوت مسموع .
عموما كانت المحاضرة جيدة رغم نرجسيتي وادعائي بأن ما أقوله عن سميح لن يقوله إلا أنا .
ولا بأس فأنا شعرت بارتياح و ...و .... .
٢٠١٤

٣
أخبار الصباح :
" أبو مازن ينوي اعتزال الحياة السياسية

خبر الصباح كان عن نية الرئيس أبي مازن اعتزال الحياة السياسية ، فقد قالت أجيال إنه أخبر اللجنة التنفيذية بهذا .
حسنا سيفعل .
هل سنصغي غدا إلى أخبار مشابهة عن بقية أعضاء اللجنة التنفيذية ممن هم فوق السبعين؟
وهل سيحذو د . رامي الحمد الله حذو الرئيس فيعلن عزمه التخلي عن رئاسة جامعة النجاح؟
لم أكد أفرح بالخبر حتى أصغيت إلى خبر ثان يناشد فيه مقربون من الرئيس ألا يفعل هذا ، بل وإعلان الرئيس نفسه أنه لن يتهرب من المسؤولية .
يا فرحة ما تمت و..
" رلى عرب قصورهم الخيام
ومنزلهم تصابي والشآم "

و ..و .. نحن عرب يا رسول الله .
٢٠١٥

٤
البياتي والنقاد :

في 70 ق 20 كنت أتابع مجلة المعرفة السورية ، فاشتريها واقرأ بعض ما يكتب فيها .
كان الشاعر العراقي عبد الوهاب البياتي ، يومها ، شاعرا ذاع صيته في العالم العربي وترجمت أشعاره إلى لغات عالمية
ولم يحتمل نقد النقاد فكان يهجوهم .
ومما قرأته له سطر ، ربما هو الوحيد الذي أحفظه له :
"وزنتك يا وزان الشعر
فكنت خفيفا في الميزان . "
تذكرت سطر البياتي هذا خلال الأسبوع الماضي وكررته .
النقاد، لكثير من الأدباء ، كائنات لا تحتمل خفتها .
الله المستعان به .
2 /9 /2016

٥
الكاتب و بيئته المكانية والزمانية:

اثار قاريء مقالاتي في رواية "أولاد الغيتو "السؤال التالي : كيف يكتب إلياس خوري في 2016، رواية تجري أحداثها في اللد في العام 1948، عام ولادته تقريبا، وفوق هذا كله لم يزر فلسطين؟
ويخيل إلي أن السؤال فيه قدر من الخبث لا يخفى، بخاصة أن القاريء تابع مقالاتي عن حسن حميد "مدينة الله" وابراهيم نصرالله "قناديل ملك الجليل "و ربعي المدهون "السيدة من تل أبيب " و ليلى الأطرش "ترانيم الغواية"و لاحظ بعض انتقاداتي عليها، وعده تصيد أخطاء.
كتب حميد روايته عن القدس التي لم يزرها، ونصرالله روايته عن نهاية ق 17 و بداية ق 18 معتمدا على مراجع جغرافية وتاريخية، و زار المدهون فلسطين زيارة عابرة، وكتبت الأطرش عن القدس- التي عرفتها شابة و زارتها كبيرة زيارة عابرة- منذ نهاية الحكم العثماني حتى فترة قريبة، دون أن تخوض في تفاصيل حياة المدينة ابان الحكم الأردني لها.
كتب حميد عن قدس غير التي نعرفها....
تقرؤون بقية المقال في الأيام الفلسطينية صباح يوم الأحد في4/ 9 /2016

٦
ساندي أو ساندرا:
كانت ساندي تلعب مع قريبتيها في ساحة بيتي. جلست في الساحة فلفتت نظري وهي تحجل: "شبرا " وتغني معهما.
-ما اسمك؟
سألتها
-ساندي.
اجابت ،
فسألتها ثانية:
-وما معنى اسمك؟
فأجابت:
-المتألقة.
كانت ساندي في العاشرة. تدرس في رام الله في مدرسة خاصة وكانت فرحة مرحة.
سألتها عن اللغات الأجنبية التي تتعلمها وحاولت اختبارها ببعض قواعد الانجليزية ثم سألتهامداعبا : -
Sprechen sie deutch?
وتذكرت أستاذنا الدكتور المرحوم محمود ابراهيم وهو يحاضر فينا في الماجستير.
أتى الأستاذ على ظاهرة الأسماء وقال:
- لماذا سوزان وليس رزان؟
وفيما بعد ،بعد 20 عاما التقيت بابنته الدكتورة رزان ابراهيم.
أمس ترحمت على الأستاذ الدكتور ولي ابنة اسميتها روز ،وقد أخذت الاسم من ابنة أحد رفاق الجبهة الديمقراطية الذي كان ينظر عن (روزا لوكسمبرغ ).
الدنيا حكايات وهي دوارة ولا يبقى شيء على حاله.
2/ 9/ 2017

٧
أنا والأدباء الشباب :

من فترة خربشت مشيرا إلى روايةالكاتب إياد شماسنة " الرقص الوثني " فعقب الكاتب سيد بدوي بقوله :
" - رهيب أن تكتب عن غير الكلاسيكيين .
رددت عليه بذكر أسماء كتاب شباب كتبت عن أعمالهم .
ربما أكون مقصرا في تتبع أعمال الشباب تتبعا كبيرا. !وربما !
عموما مقالي اليوم في الأيام الفلسطينية عن رواية سليم البيك "تذكرتان إلى صفورية ".
الكتب التي تصلني كثيرة والوقت قصير والنظر يضعف.
ألا ليت الشباب يعود يوما!
2 أيلول 2018

٨
الست كورونا : مراكز الحجر الصحي بيئة غير آمنة ( 63 )

أحد أقاربي من الأردن عاد من ( رالي ) في الولايات المتحدة الأمريكية ، وأصرت الحكومة الأردنية على أن يقضي هو وزوجته مدة الحجر الصحي ، ومدتها أربعة عشر يوما ، في أحد الفنادق .
قريبي ميسور الحال وله قصر في أحد أحياء عمان الراقية جدا ، قريبي اضطر إلى الانصياع إلى قرار الحكومة الرشيدة وأنفق هو وزوجته المدة الزمنية وأجريا فحصا ثبت فيه أنهما خاليان من الإصابة ، ومع ذلك أصرت الجهات الحكومية في عمان على أن تمدد لهما مدة الحجر الصحي أربعة عشر يوما أخرى ، والسبب هو أن ما يقارب من خمسة عشر موظفا من موظفي الفندق أصيبوا في هذه الأثناء بالكورونا .
أعاد قريبي وزوجته الفحص أو أبديا استعدادهما لإعادة الفحص ولكن لم يستجب لهما .
بيئة القصر الذي يملكه قريبي صحية أكثر من بيئة الفندق الذي تبلغ تكلفة الإقامة فيه مائة دينار لليلة الواحدة ، والطريف أن كل واحد من الزوجين يقيم في غرفة منفصلة بناء على التعليمات .
لماذا لم تستجب الجهات المسؤولة في الأردن لطلب قريبي القادم لزيارة أمه المريضة البالغة من العمر تسعة وثمانين عاما - أمد الله في عمرها ؟ هل لأنه كتب الكتاب باللغة الانجليزية والموظف المرسل إليه يحترم لغته العربية ولا يقرأ أي كتاب بلغة غيرها ؟
الفنادق في الأردن منذ آذار تعاني ، فهل جاءت الفرصة لتحسن أوضاعها على حساب المواطنين العائدين ؟
أقترح على قريبي أن يبرطل القاضي ، فالمثل يقول " البرطيل حل دكة القاضي " والأردن - ما شاء الله وتبارك الله - دولة ، مثل بقية الدول العربية ، تخلو من الفساد والرشوة والواسطة !!
الجميل في الأردن أنها لا تجبر المواطنين الفلسطينيين العائدين إلى الضفة الغربية على قضاء فترة حجر صحي في الأردن ، حيث تطلب منهم التوجه من مطار الملكة علياء إلى الجسر مباشرة ، فالضفة أولى بكوروناهم من الأردن .
أنا لم أجدد جواز سفري الأردني منذ ١٩٧٧ ، وأصررت على حمل جواز السلطة الفلسطينية الذي يحمل رقم هويتي الإسرائيلية .
سجل أنا فلسطيني إسرائيلي ، فلسطيني بالاختيار وإسرائيلي بالإجبار . أنا فلسطيني مع أنني لا أحب ياسر عرفات ولست سعيدا بالخلاف بين سهى عرفات وانتصار أبو عمارة .
نحن في أيلول وبحر لأيلول الجديد .
٢ أيلول ٢٠٢٠

٩
الشحاذ الفلسطيني :

في العام ٢٠٠٧ قدمت ورقة بحثية في مؤتمر قسم اللغة العربية في جامعة بيت لحم عنوانها " الشحاذ اليهودي والشحاذ الفلسطيني " اعتمدت فيها على رواية ( ثيودور هرتسل ) " أرض قديمة جديدة " وقصة نجاتي صدقي " شمعون بوزاجلو " ورواية نبيل أبو حمد " العطيلي " وقد تلقف الدراسة المرحوم القاص سلمان ناطور ونشرها في مجلة " قضايا إسرائيلية " ، وقد مهدت للدراسة بكتابة عن فكرة / لازمة / موتيف الشحاذ في الأدب العالمي .
أمس كنت أقرأ في رواية الكاتبة سامية عيسى " خلسة في كوبنهاجن " التي صدرت في العام ٢٠١٤ وإذا بها تتوقف أمام أحوال الفلسطينيين ؛ لاجئين وفدائيين ودنمركيين .
صار الفلسطينيون عالة على هيئة الأمم المتحدة منذ العام ١٩٤٨ يقفون مرة في الشهر طوابير طوابير ، ليستلموا الطحين والسكر والرز والسمن و ... وركنوا بقية الشهر إلى الراحة يلعبون السيجة والضامة وطاولة النرد ويحلمون بالعودة .
عندما انطلقت الثورة الفلسطينية واشتدت وقويت وصارت فصائل انتمى إليها الجيل الذي ولد في المنفى وصار كثيرون من الفدائيين يقبضون رواتبهم من هذا الفصيل أو ذاك يسألون في نهاية كل شهر عن الراتب ويشربون في المعسكرات الشاي والقهوة وينتظرون القيام بعملية فدائية قد يطول موعدها ، والويل لمن يختلف مع الفصيل !!
في الدنمارك صار الفلسطينيون يقيمون في مراكز الانتظار ليحصلوا على الجنسية الدنماركية ، وإذا ما حصلوا عليها نالوا منحا شهرية وشقة سكنية وأنفقوا أوقاتهم في تبادل الذكريات والحنين إلى مخيمات اللجوء في لبنان ، علما بأن حياتهم فيها كانت قاسية وصعبة ، بخلاف حياتهم في الدنمارك فهي ألطف وأرحب وأبحبح ، وعندما يستبد بهم الحنين يقلعون إلى المخيمات ، وفي المخيمات يستبد بهم الحنين إلى الدنمارك .
وماذا عن حياتنا في الضفة الغربية وقطاع غزة ؟
صار أهل غزة ينتظرون المنحة القطرية ، وموظفو السلطة الفلسطينية الراتب الشهري ، والكل يوم يصرف الراتب يصطف في طابور أمام الصراف الآلي أو في المصرف نفسه ، وفي فترة الكورونا اصطف كثيرون أمام البنك ليستلموا معونة شهرية مقدارها ٧٠٠ شيكل تصرف لمرة واحدة .
صارت الشحذة عادة فينا ، وصار كثيرون منا يتقبلونها ، علما بأن المثل الشعبي لا يغيب عن أذهان الفلسطينيين .
" عود كلب ولا تعود بني آدم " .
هل درست مراكز الاستشراق الإسرائيلية والأمريكية المثل ، فطلبت من قطر أن تصرف لأهل غزة منحة شهرية وطلبت من دول الاتحاد الأوروبي دفع رواتب المتقاعدين و ... و ... وفي الرواية تقول الساردة :
" أثر فقدان احترام الفلسطينيين لأنفسهم بسبب قبولهم الإعانات أو المخصصات لستين عاما وأكثر " عليهم وجعلتهم أسوأ الجاليات في الدنمارك ...
ولا حول ولاقوة إلا بالله !!
لا حول ولا قوة إلا بالله !!
هل فقدنا كرامتنا ؟
وكانت سميرة عزام في قصتها " لأنه يحبهم " كتبت عن فلسطيني فقد كرامته منذ فقد أرضه .
٢ أيلول ٢٠٢١ .

١٠
" خلسة في كوبنهاجن " لسامية عيسى :
ضياع الفلسطيني وقسوة حياة المنفى

" خلسة في كوبنهاجن " ( ٢٠١٤ ) هي الرواية الثانية للفلسطينية سامية عيسى ، وتعد الجزء الثاني لروايتها " حليب التين " ، بل وتدخل معها في علاقة تناص ، فلا يمكن قراءتها دون قراءة الجزء الأول ، إذ تواصل الكاتبة متابعة حياة عائلة فلسطينية من مخيم " أوزو " للاجئين الفلسطينيين منذ ٧٠ القرن ٢٠ ، هذا إذا غضضنا الطرف عن أصول العائلة قبل الهجرة في ١٩٤٨ ، وتتبع مسار حياتها في الكون الشاسع ، فتذهب بنا إلى الدانمارك حيث استقرت العائلة أخيرا هناك واجتمع شملها بعد شتات .
ترصد الكاتبة حياة الأسرة وتثير العديد من الأسئلة ومنها سؤال الهوية فيما يخص الفلسطيني ، وتعرج على يهود الدانمارك الذين يحملون الجنسية التي حصل عليها الفلسطينيون وآخرون .
في الدانمارك يلتقي الفلسطينيون واليهود ويتعايشون بصفتهم دانمركيين دون أن ينسوا انتماءاتهم السابقة ، والطريف في الأمر أن يتبنى يهودي فلسطينيا فقد ذاكرته في حادث . هكذا يغدو الفلسطيني يهوديا يزور إسرائيل (؟) ويعمل في مؤسساتها العلمية ، ثم يلتقي من جديد في الدانمارك بعائلته الفلسطينية من خلال أحد اليهود .
صار اليهود للفلسطينيين الجرح والبلسم معا ، تماما مثل سم الأفعى ، وتماما كما ردوا شمل بعض العائلات الفلسطينية بعد النكبة والهزيمة ، فأصدروا ، في فترة ، هويات إسرائيلية لفلسطينيي الضفة ممن تزوج من فتاة تحمل الهوية الإسرائيلية ، وتماما أيضا كما يعالجوننا في مشافيهم ويسهلون لنا زيارة مدننا المحتلة في ١٩٤٨ ، وكما يسمحون لعشرات آلاف العمال من الضفة الغربية بالعمل في المصانع الإسرائيلية برواتب سخية يفتحر بها وبصاحب العمل العمال ، ولا أعرف إن كانت سامية عيسى تريد القول إن مستقبل الحياة في فلسطين لن يختلف عما هو عليه الحال في الدانمارك حيث يتعايش البشر معا في دولة لكل مواطنيها .
وعلى العكس من " حليب التين " التي خلت تقريبا من أي شخصية يهودية ، فإن " خلسة في كوبنهاجن " تحفل بشخصيات يهودية لها ماضيها المؤلم والمحزن بسبب " الهولوكست " .
كلا الطرفين الفلسطيني واليهودي يعاني من ماضيه ويعاني في حاضره ، وإن كانت معاناة الفلسطيني في الحاضر أضعاف أضعاف معاناة اليهودي .
هل سيحل الحصول على الجنسية الدنماركية مشاكل الفلسطينيين ؟
في صفحات قليلة تحت عنوان " أنا ضايع " نقرأ عن ضياع جيل المهاجرين الفلسطينيين إلى الدانمارك ، ممن هاجروا ، من لبنان ،في ٨٠ القرن ٢٠ ، وحصلوا على الجنسية ، ومع ذلك فإنهم ظلوا موزعين على عالمين ؛ الماضي والحاضر ، علما بأن حياتهم في الحاضر أفضل بكثير وألطف وأبحبح من حياتهم في الماضي .
هل صار الفلسطينيون في الدانمارك دانمركيين أم أنهم ظلوا فلسطينيين ؟ وهل يمكن لشجرة التين الفلسطينية التي زرعت في كوبنهاجن أن تثمر ؟
ما من شك في أن لهذا دلالة رمزية واضحة .
تسأل منى إحدى شخصيات الرواية حسام اللاجيء إلى الدانمرك عن معنى الهوية لدى اللاجئين في الشتات ، فيقارن بين حياته في لبنان وحياته في الدانمارك :
" بس هون بالدانمارك . في مركز اللجوء . كنت أنتظر ساعات بالبرد . ذل غير طبيعي . ندمت لأني إجيت لهون . الطريقة الوحيدة اللي خلتني أبقى إنو ولادي صار إلهم اسم هون لما صاروا ياخدو جوائز عالمية بالملاكمة ورفعوا اسم الدانمارك لفوق . صرت أحس إنو لازم يصيروا دانمركيين . مش مهم أنا شو حاسس حالي . المهم صاروا يحسوا حالهم بشر " .
كان حسام في لبنان ينتمي لأحد التنظيمات ، فيحمل البارودة ويحصل آخر الشهر على مخصص ، وفي الدانمارك لم يعطوه بندقية فقد أعطوه جنسية ومخصصا شهريا وصار يتفرج على التلفزيون فقط " كنت بحس بلبنان إني غريب وهون كمان بحس الشيء نفسه مع إنهم ألطف ، وهلق بس أروح أزور لبنان بضلني قاعد بالمخيم . بس بصراحة بشتاق لكوبنهاجن ، وما بصدق إيمتي أرجع ، وبس أرجع بحس أكثر إني غريب وبتضايق . أنا ضايع " .
ماذا سيكون مآل الأطفال الذين سينجبهم اللاجئون الفلسطينيون في الدانمارك ؟ هل سينسون وطنهم فلسطين وسيصبحون دانمركيين تماما ويحلون بذلك مشكلة الهوية والانتماء ويتحررون من عبء الماضي ؟
تكتب سامية عيسى عن اليهود الذين هاجروا إلى الدانمرك في القرن ١٨ ، وحصلوا على جنسيتها دون أن ينسوا أنهم يهود ، بل إنهم انتموا إلى الحركة الصهيونية وعملوا على مساعدة دولة إسرائيل حين اقتضى الأمر المساعدة ، واليهود بسبب رعبهم من ( الهولوكست ) يؤمنون بضرورة وجود وطن قومي لليهود يلجأ إليه يهود الشتات إن تعرضوا للملاحقة والاضطهاد .
هل تفترض سامية عيسى هذا الافتراض أيضا بخصوص الفلسطينيين ؟
أعتقد أن " خلسة في كوبنهاجن " من أهم الروايات الفلسطينية التي كتبت في المنفى في معالجتها موضوع الشتات الفلسطيني . إنها من أوائل الروايات الفلسطينية والعربية التي استخدمت دال ( غيتو ) للكتابة عن التجمعات الفلسطينية في الشتات . حقا إن الشاعر راشد حسين كتب قصيدة عنوانها " الحب والغيتو " ( ١٩٦٦ ) ورأى أن مدينة يافا آلت بعد نكبة ١٩٤٨ إلى غيتو ، إلا أنني لا أعرف كاتبا فلسطينيا وظف هذا الدال في نص روائي إلا إذا كتب عن غيتو اليهود في أوروبا .
طبعا يجب ألا ننسى كتابات سميرة عزام وغسان كنفاني . لقد تابعت سامية ما بدأه الكاتبان المذكوران في تتبع حياة لاجئي لبنان وقسوتها وتطوراتها بعدهما . كما لو أن روايتيها تكملة لأعمالهما في هذا الجانب ، وتحديدا قصة " فلسطيني " لسميرة ورواية " أم سعد " لغسان . طبعا علينا ألا ننسى رواية الكاتب اللبناني إلياس خوري " باب الشمس " ( ١٩٩٨ ) التي عدها الشاعر أحمد دحبور " ملحمة الفلسطينيين في لبنان " كتبها صاحبها نيابة عنا جميعا "( الحياة الجديدة ٢١ / ١٠ / ١٩٩٨ ) .
وأنا أقرأ رواية لاحقة لخوري هي " أولاد الغيتو ، اسمي آدم "( ٢٠١٦ ) ربطت بينها وبين " خلسة في كوبنهاجن " وتساءلت إن كانت " خلسة.. " من قراءاته ، ولما سألته أجابني بأنه بدأ بقراءتها ولم يكملها . إن قاريء الروايتين سبجد تقاطعات بينهما على الرغم من أن الزمن الروائي لكلتيهما مختلف ، خلافا للزمن الكتابي المتقارب .
يمتد الزمن الروائي لرواية " أولاد الغيتو.. " من ١٩٤٨ إلى بدايات القرن ٢١ ، أما الزمن الروائي ل " خلسة.. " يعود إلى ما بعد ١٩٨٧ ، ويكتب الياس عن غيتو اللد ، فيما تكتب سامية عن غيتو للفلسطينيين في ( كوبنهاجن ) ، وإن كتب لاحقا في الجزء الثاني من روايته " اولاد الغيتو ، نجمة البحر "( ٢٠١٨ ) عن غيتو وارسو وتتبع حياة يهود ناجين .
الغيتو وقسوة الحياة فيه حاضر في الروايتين ، وإن انتهى غيتو وارسو وغيتو اللد وابتدأ غيتو الفلسطينيين - تجاوزا - في كوبنهاجن . طبعا مع فارق الحياة في غيتو وارسو وغيتو كوبنهاجن .
لقد غدونا نقرا في الرواية العربية والفلسطينية عن غيتو فلسطيني ، والموضوع يحتاج إلى مساءلة وامعان نظر .
( مقالي الأحد ٥ / ٩ / ٢٠٢١ في جريدة الأيام الفلسطينية متوسعا فيه ، من خلال دمجه بمقال سابق عنوانه " الغيتو الفلسطيني من اللد إلى كوبنهاجن )
٢ أيلول ٢٠٢١

١١
الدنماركيون الفلسطينيون أو الفلسطينيون الدنماركيون :

" خلسة في كوبنهاجن " واحدة من أهم الروايات الفلسطينية ، فيما قرأت ، التي تصور حياة الفلسطينيين في المنافي الأوروبية .
ثمة عنوان فرعي هو " أنا ضايع " .
في مخيمات لبنان يحاول اللاجئون الفلسطينيون الهجرة إلى الدول الاسكندنافية بحثا عن حياة إنسانية .
حين يقيمون في تلك الدول يستبد بهم الحنين إلى المخيم وحين يزورونه يظلون جالسين فيه حتى تبدأ مشاعر الحنين تستبد بهم إلى الدانمارك .
حالة الفلسطينيين تذكر بمسرحية توفيق الحكيم " بجماليون " . يتمنى بجماليون أن تدب الحياة في تمثاله ليتزوج مما صنع ، وحين تدب فيه الحياة يبدأ يحن إلى التمثال . وقد كتب الحكيم :
"مجنون يهذي بالألحان
يهدى حلى زوجته لعشيقته
ويهدي حلى عشيقته لزوجته
من تكون زوجته ؟ من تكون عشيقته ؟"

١٢
غسان كنفاني : القراءة وإساءة القراءة

إن كثيرا مما نكتبه أو نقوله عن غسان كنفاني ورواياته يعتمد على قراءاتنا الأولى وما بقي عالقا منها في الذاكرة ، أو على ما نقرؤه من مراجعات نقدية حول تلك الروايات ، وهذا كله يوقعنا في أخطاء عديدة تصبح تتكرر حتى ترسخ في الذاكرة .
إن كثيرا من قراءاتنا هي لذلك إساءة قراءة .
من مقالي الأحد ١٠ / ٩ / ٢٠٢٣ لدفاتر الأيام الفلسطينية .

١٣
وسام رفيدي : المرأة الفلسطينية بين زمنين ، المقاومة وأوسلو ، دراسة في سوسيولوجيا الرواية . دار الفارابي ٢٠١٧ .
شو رأي محبي إميل حبيبي في هذه الكتابة ؟
ما من شك في أن دراسة الأستاذ رفيدي دراسة ممتازة ولكن ...
ما أكثر ما نقع فيه من أخطاء .
في رواية إميل حبيبي فصل عنوانه " سعيد في بلاط ملك " يرسم صورة إيجابية جدا للفدائي ويستصغر نفسه أمامه ويحتقرها .
يدرس الأستاذ رفيدي الرواية على أنها صدرت في ١٩٩٢ لا في ١٩٧٤ ، ويعزو كتاب د.حسين المناصرة إلى الشاعر عز الدين المناصرة ويخلط بين غازي الخليلي وأخيه علي وجل من لا يسهو .

١٤
كميل أبو حنيش في روايته الخامسة " مريم .. ميريام " :

( - من أين تأتي الشاعرية ؟
محمود درويش )

" تعود بذور هذه الرواية لست وعشرين سنة للوراء . في صيف العام ١٩٩٤ أنهيت الدراسة الثانوية العامة وتوجهت إلى مدينة الناصرة في الجليل الفلسطيني ، ولم يكن في ذلك الحين مسموحا للفلسطيني من سكان الضفة الغربية والقطاع دخول المناطق المحتلة من العام ١٩٤٨ ، إلا من خلال التصاريح ، وكان علينا اجتياز الحدود الفاصلة عن طريق التهريب .
وفي الناصرة عثرت على عمل في قطاع البناء ، مع أحد المقاولين وكانت الورشة في مدينة حيفا ، ومع كل يوم وأثناء مرورنا في الشارع الممتد بين الناصرة وحيفا . كنا نعبر من قلب حي في الناصرة يسمى " حي الصفافرة " وفي الطريق تطالعني لافتة كتب عليها بثلاث لغات؛ العربية والانجليزية والعبرية ( تسيبوري ) . ومع الوقت فهمت أن مستوطنة تسيبوري تقوم على أنقاض بلدة عربية تسمى صفورية ، وأن سكان حي الصفافرة هم أهل البلدة الأصليون الذين جرى تهجيرهم والسطو على مكانهم في عام النكبة " .
" وتحاول الرواية أن تعكس صدى الأزمنة في المكان ( فلسطين ) وتمثلها لإبراز دور الهوية ... فكانت مريم هي الاسم الأول لهذه البلاد ...... فكانت مريم الصفورية العربية في صراعها مع ميريام المستعمرة اليهودية الصهيونية تعكس وجها من وجوه هذا الصراع على المكان وهويته ، وكان إبراهيم ( ابرام ) هو الحفيد المشترك للمرأتين ... " . ( كميل أبو حنيش ، الكتابة والسجن : عالم الكتابة في السجن )
عندما كتبت عن الرواية أشرت إلى أن ثمة تناصا بينها وبين رواية غسان كنفاني " عائد إلى حيفا " .
كميل قاريء جيد لغسان كنفاني ونتاجه ومتأثر به ، عدا أنه ينتمي إلى الفصيل نفسه - أي الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين .
وكما نلاحظ فإنه وهو في السجن يسترجع جزءا من حياته وتجاربه ويكتبها متكئا على وعيه السياسي الذي اكتسبه بعد ستة وعشرين عاما ، وهو وعي يقرن التجربة بالقراءات .
إن موضوع هذه الرواية موضوع لم تخل منه الروايات التي كتبها أدباء الأرض المحتلة في العام ١٩٤٨ ، بل وأدباء المنفى ، وإذا كنت أشرت إلى الأخيرين مجسدين في غسان كنفاني فإن رواية راوية بربارة " على شواطيء الترحال " ، وكنت كتبت عنها ، لا تبتعد كثيرا .
٢ / ٩ / ٢٠٢٤ .

١٥
( مقال الأحد ٨ / ٩ / ٢٠٢٤ . جريدة الأيام الفلسطينية )

تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
الكتابة عن الأحذية

في تتبع كتابات أبناء قطاع غزة ، عن حياتهم في ظل الحرب الدائرة حاليا ، يلفت النظر ما كتبوه عن الأحذية .
لم ينزح أبناء القطاع ولم تدمر منازلهم ولم يقيموا في الخيام يعانون من القتل والخوف والجوع والعطش وقلة الدواء وحسب ، بل عانوا أيضا من نقص في الأحذية حتى أن قسما منهم مشى حافيا ، فانطبق عليه قول الشاعر توفيق زياد :
" وقفت بوجه ظلامي يتيما عاريا حافي " .
وفي الشهر الأول من الحرب لفت منظر المقاتل الغزي الذي يذهب ليقاتل عدوه بالشبشب الأنظار ، فكثرت التعليقات الإيجابية من الفلسطينيين حوله ، وكثر أيضا الغمز واللمز من العدو الذي يوجعه مقاتل شبه حافي .
وبإحصائية غير دقيقة أو شاملة يمكن أن ألفت النظر إلى تسع فقرات ومشاهد تابعتها وقرأتها بهذا الشأن وهي كتابات وإدراجات الناشطين الآتية :
- فايقة الصوص ام ايمن الصوص " ليس تفاحا " ( ٢١ / ٣ / ٢٠٢٤ )
و " الإسكافي " ( ٦ / ٨ / ٢٠٢٤ )
- رياض عواد " صورة شبشب مرتوق " ( ١٢ / ٨ / ٢٠٢٤ ) Riyad Awad
- شجاع الصفدي " باب الحارة " ( ١٤ / ٨ / ٢٠٢٤ )
- مريم قوش " ثمن قبقاب ساندريلا " ( ٢٤ / ٨ / ٢٠٢٤ )
- الجزيرة . صورة لطفلين يحملان جردل الماء يتبادلان انتعال الحذاء . فردة لكل منهما
- رزق مزعنن " شبشب صناعة مصرية ثمنه في غزة الآن ٣٠٠ شيكل . قبل الحرب ٣٠ شيكل وقبل إغلاق معبر رفح ٤٠ شيكل " Rezek Muzaanin .
- يوسف القدرة " أمي الحبيبة " ( ١ / ٩ / ٢٠٢٤ ) Yousef Elqedra .
- في ٢ / ٩ / ٢٠٢٤ أدرجت صفحة " اخبار غزة أول بأول " صورة حذاء مهتريء ممزق كتب أعلى منها " صورة حذاء لطفل " .
وهذه كلها تصف مشاهد وتجارب تظهر مدى افتقاد الناس لأبسط احتياجاتهم : أن يرتدوا حذاء .
وأنا أدرس الأدب الفلسطيني ، في جامعة النجاح الوطنية ، غالبا ما درست سيرة جبرا إبراهيم جبرا " البئر الأولى " وتوقفت أمام ما كتبه عن الحذاء الذي حظي به من الدير ، ففرح ولكن فرحته لم تكتمل . وهذه القصة دفعتني لأن أكتب مقالا عنوانه " الأدباء الفلسطينيون والأحذية " ( ٢٢ / ١ / ٢٠٢٢ ) تتبعت فيه ما أورده أدباء فلسطينيون عن الأحذية وعن فقرهم وفقر طلابهم ، وهم ، عدا جبرا ، معين بسيسو وطه محمد علي وحنا إبراهيم وراشد عيسى .
وأنا أقرأ ما كتبه أبناء غزة تذكرت ما مر به الأدباء الواردة أسماؤهم .
في " إنه ليس تفاحا " تروي فايقة الصوص المولعة بالتسوق مشاهداتها في آذار . رأت كومة تقارب الألف قطعة ذات لون أحمر فظنتها تفاحا ، ما أثار دهشتها :
- أيعقل أن يكون تفاحا ؟ ولكن التفاح لا يبسط على الأرض هكذا !
عندما اقتربت من الكومة أبصرت ألف فردة حذاء ، فأعجبتها فردة أرادت شراءها لحفيدتها ، وهنا سألت البائع عن أخت الفردة فأجابها بأن لا فردة تشبه الأخرى .
ما حكته أم أيمن ذكرني بقصة طه محمد علي " سيمفونية الولد الحافي " ما يكون " " وفيها روى ، في ١٩٩٦ ، حكايته طفلا مع الحذاء . أراد طه أن يشتري حذاء من بائع مغربي ، فلما عثر على فردة يمينية أعجبته سأل عن أختها الشمالية فلم يجد ، فانتقى ، مصرا ، فردة يمينية ثانية ولما لبسها عانى معاناة كبيرة ومرض إثرها . الفقر هو ما دفعه إلى ذلك .
أما في " الإسكافي " فتروي فايقة ما ألم بحذائها ذات جولة تسوق . لقد انفرط جانب منه ، فلما رأت إسكافيا ذهبت إليه ليرتقه ، فرأت ما يبعث على الضحك ، ومع ذلك فقد ازدهرت مهنة الإسكافي في الحرب في حين بهتت مهن أخرى . ما روته الكاتبة ذكرني ب " البئر الأولى " لجبرا إبراهيم جبرا وما كتبه فيها عن مهنة أبيه في عشرينيات القرن العشرين وعن طبيعة الأحذية التي كانت تصنع من الكاوتشوك .
أما شجاع الصفدي فيكتب عن سيره وصديقه وملاحظتهما الناس تمشي حفاة ، ما ولد لديه فكرة مشروع اقتصادي يتمثل في إقامة مصنع قباقب تشبه تلك التي في مسلسل " باب الحارة " ، ولكنهما يخشيان من أن يستخدمها الناس في أثناء تعاركهم ، فما أكثر ما يتعاركون في الحرب .
تحكي مريم قوش في " ثمن قبقاب ساندريلا " عن حوار سمعته بين أم وطفلتها . تصطحب الأم ابنتها لتشتري لها قبقابا ، فهو المتوفر ، في حين تحلم الابنة بحذاء يشبه حذاء ساندريلا ، ولكن أين يتوفر هذا ؟ تضطر الابنة مكرهة أن تخضع لأمها ، فليس باليد حيلة ، فيما تعد الأم ابنتها أنها ستحقق لها رغبتها حال انتهاء الحرب .
وتقول الصورة أكثر مما تقول الكتابة . الناشط رياض عواد أدرج صورة حفاية مهترئة مرتوقة ، وصفحة أخبار غزة أولا بأول أدرجت صورة مختلفة لحفاية تمزق الجزء الخلفي لكلتا فردتيها اللتين لا تلحظ مثلهما إلا في عربات القمامة فقد انتهت صلاحيتهما منذ أشهر . صار امتلاك حذاء أمنية ، وهو ما نلحظه في الرسالة التي كتبتها هبة في منشور الكاتب يوسف القدرة في ١ أيلول ٢٠٢٤ :
" أمي الحبيبة
أكتب لك اليوم عن شيء بسيط ، لكنه أصبح مشكلة كبيرة بالنسبة لي . شبشبي الذي كنت ارتديه منذ فترة طويلة أصبح ممزقا ومهترئا لدرجة اني لا أستطيع المشي به جيدا . كل خطوة اخطوها تجلب لي ألما وإحراجا ، ولا أستطيع العثور على بديل له في السوق .
أشعر بالعجز حين أرى أنني لا أملك شيئا بسيطا كشبشب سليم لأرتديه . كل ما أريده الآن هو شيء بسيط . شبشب جديد يمكنني أن أمشي به دون أن أشعر بالخجل أو الألم ...... الخ " .
كانت أمنية اللاجيء الشاعر راشد عيسى في بداية خمسينيات القرن ٢٠ أن ينتعل حذاء ، وحول هذا كتب في سيرته " مفتاح الباب المخلوع " . كأننا نستنسخ النكبة وأكثر .

( الاثنين والثلاثاء والأربعاء ٢ و ٣ و ٤ / ٩ / ٢٠٢٤ ) .


-

١٦
يوميات غزة ( ٣٣٢ ) :
شكوى المواطن الغزاوي

قرأت في صفحة صديقة فيسبوكية غزية ما يعبر عن امتعاضها من موقف أهل الضفة الغربية والقدس وفلسطين المحتلة في ١٩٤٨ . لا المساعدات التي قدمها أهل فلسطين المحتلة راقت لها ولا راق لها أيضا ما يقدمه أهل جنين ومخيمها وأهل طوباس والفارعة وطولكرم ومخيميها . لقد انتظر أهل غزة مشاركة الفلسطينيين في فلسطين منذ بداية الحرب لا وهي تكاد تضع أوزارها ، إذ لو حدث ذلك لربما ما تعرضت غزة إلى هذا الدمار الكبير .
لم أعقب شخصيا على منشور الدكتورة الفاضلة ، فمنذ أشهر الحرب صرنا نردد : لأهل غزة أن يقولوا ما يريدون وما يرون فيدهم في النار وأصابعنا على الكي بورد .
الكاتب يسري الغول بدا في منشور كتبه للتو متفائلا بالقادم ، وهذا في كتابات أبناء غزة نادر ، إذ يغلب عليها البكاء والنواح والندب والحسرة والألم وكل ما هو سوداوي ، حتى ليبدو القادم أسود قاتما لا بقعة ضوء واحدة فيه ، وعبارة اكرم الصوراني الشهيرة التي تتلاعب على الخيبة / الخيمة تعبير مختصر مفيد عن قتامة الحياة وبؤسها " خيمة تخيبنا " .
سائق الحافلة سألني يريد رأيي في قادم الأيام ، وتاجر القماش سألني عن تصوري للقادم ، فأجبت إنني لا أملك المعلومات الكافية لتقديم إجابة . كل ما لدينا أمنيات ورغبات وتصور يتكيء على أشرطة الفيديو التي نشاهدها وكتابات أبناء غزة غير الوردية - الكتابات والمدينة معا .
وأنت ترى ما آلت إليه مباني قطاع غزة وما آل إليه سكانها تتساءل عن هذا الحقد الدفين الذي يكنه اليهود الإسرائيليون مؤيدو الحرب لنا . والآن يتكرر المنظر في جنين ومخيمها وطوباس والفارعة وطولكرم ومخيميها . الجرافات تجرف البنى التحتية كما لو أن كل فلسطيني حفيد ناازي ألماني .
ألأن الجيش الإسرائيلي وجد في غزة نسخة من كتاب ( أ .د.و.ل.ف ه.ت.ل . ر ) " كفاااحي " عامل أهل قطاع غزة بتلك الوحشية والقسوة المفرطة ؟
لم أقرأ اليوم للكاتب شجاع الصفدي أي منشور ، ولعل المانع خير .
هل ستتعاطف د. هيا فريج مع أهل الضفة الغربية والقدس وفلسطين ١٩٤٨ ؟
لست أدري !!
في صفحة صفحة مخيم النصيرات قرأت أن الشامبو والمنظفات أصبحت متوفرة وإن بأسعار مرتفعة ، فتجارة السوق السوداء مزدهرة .
هل خريفنا يدنو من الأبواب ؟
يسري الغول زودني ببصيص أمل .
٢ / ٩ / ٢٠٢٤ .

١٧
غزة 697 :
أدب رثاء البيوت والحارات وأشياء المنزل

عندما أصغيت أمس إلى محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal مراسل إذاعة أجيال سرعان ما تذكرت ما كتبه أول أمس اكرم الصوراني ، وهو ما أنهيت به خربشات أمس " إنه أيلول " ، وما كتبه أمس شجاع الصفدي عن علاقته بالأشياء .
حكى محمد عن دمار بيته وبيوت عائلته وبلغ عددها ثمانية . قال عما يعنيه البيت لأفراد عائلته ، وأتى على بكاء ابنته الشابة ابنة السابعة عسرة من عمرها وحلمها البسيط وهو أن تتام في سريرها الذي فقدته ، وحكى وحكى .
ما حكاه محمد أفاض في كتابته أكرم فوصف علاقته ، بأشياء منزله في مدينة غزة الذي سينزح منه للمرة الثانية . حكى عن المطبخ والأثاث وعلاقة الأسرة ؛ وزوجته أماني وابنه خالد وابنته كارمن ، بأشيائهم ، وعن إمعان النظر فيها يودعونها كأنما الوداع الأخير .
لم تختلف عنهما ديانا الشناوي التي كتبت :
"أغادر بيتي كما لو أنني أقتلع جزءا من روحي
الجدران ما زالت تحتفظ بظلي
والممرات تردد وقع خطاي ، والنوافذ
التي شهدت صمتي وحنيني تغلق
خلفي كعيون دامعة .
رائحة الخبز التي كانت تعبق في
الصباح تختفي ، وصوت ضحكاتي
القديمة يذوب في الفراغ . كل زاوية
هنا تعرفني ، كل حجر يذكرني بما كنت
عليه ، ومع ذلك أرحل . أمضي نحو
المجهول محملة بوجع لا يهدأ ، كأنني
أساق إلى التيه بلا خريطة ولا وعد
بالعودة . "
والنص كاملا في صفحتها .
وأما شجاع فكتب كيف صار ، لأجل مواصلة الحياة ، يحرق أشياء عزيزة على قلبه وخلص إلى أن :
" ثروة العمر من الذكريات لم تعد تساوي شيئا ، دعها تحترق فتساعدنا قليلا قبل أن نتركها وتحترق بلا جدوى .
كل ما أراه الآن يشعل حرائق في القلب ، لذلك أيها السادة ، احرقوا الذكريات بأيديكم قبل أن تحترق قلوبكم عليها " .

الأكثر إيلاما كان شريط الفيديو الذي صور أبو عدي الضرير ابن شمال غزة يهيم في شارع حيه يخاطب أهل الحي ألا يرحلوا ، فمن خرج من داره يقل مقداره . كان أبو عدي يصرخ ويهذي كالمجنون يطالب بالبقاء ويطلب أن يفجره جيش الاحتلال الإسرائيلي بروبوت متفجرات مفضلا هذا على النزوح ، وكأنما استجاب له الإسرائيليون فلم يمض يوم على سيره في الشارع حتى فجروه وارتقى .
" أنا بطلعش من الحارة أنا بطالب بربوت يفجرني . أنا بدي ١٢ طن من المتفجرات .. الحارة فاضية . لمين سايبين من الحارة يا كلاب " .
الإسرائيليون يعبئون عربات جندهم منتهية الصلاحية بأطنان من المتفجرات ويدخلونها إلى الأحياء لينسفوا مربعات كاملة .
هل هناك ضرورة لمخاصمة أي مواطن من غزة أو مجادلته ؟ كان الله في عونهم هناك !
حالة تعبانة وأكثر . حالة كارثية ، وأهل قطاع غزة بالويل .
و
و
" بحر لأيلول الجديد خريفنا يدنو من الأبواب " ( محمود درويش ١٩٨٢ )
٢ / ٩ / ٢٠٢٥

١٨
هوامش من وحي ما يجري في غزة :
أدب رثاء البيوت والحارات وأشياء المنزل



المتابع لما يقوله أبناء قطاع غزة في وسائل الإعلام مثل الإذاعة وفي أشرطة الفيديو ، ولما يكتبونه في وسائل التواصل الاجتماعي من نصوص ومنشورات ، سيقرأ مراثي لبيوتهم وأشيائها ، ما يذكرنا بقصيدة محمود درويش " البيت قتيلا " التي ظهرت في ديوانه " أثر الفراشة " ( ٢٠٠٧ ) ؛ القصيدة التي اتتبهت إليها في ٢١ تموز ٢٠٢٤ ، فأدرجتها على صفحتي وعدت لأدرجها ثانية في ٦ / ٨ / ٢٠٢٤ وأكتب فقرة عنها أنبه فيها أبناء قطاع غزة إلى الموضوع ، وأظن أن قسما منهم كتب فيه ، بل هناك من استحضر نصوصا شعرية عربية قديمة في رثاء الديار وقرأها على أنقاض بيته .
في نهاية آب والأول من أيلول ٢٠٢٥ قرأت نصوصا لأكرم اكرم الصوراني وديانا الشناوي وشجاع الصفدي عن بيوتهم وذكرياتهم فيها ، و أصغيت إلى محمد عمران الأسطل يتحدث عما ألم بمنزله ومنازل عائلته . وقبل هذا وذاك شاهدت شريط فيديو للأستاذ الجامعي محمود عبد المجيد عساف يقف على أنقاض بيته متحسرا على مشروع العمر ضاربا رأسه في بقايا الجدران راثيا أوضاعه التي آل إليها .
يكتب أكرم نصا لافتا عن الأيام الأخيرة له ، ولزوجته ولابنه خالد ولابنته كارمن ، في البيت قبل النزوح منه ، يفتتحه بالآتي :
" كل الشبابيك بتزكرني فيك وأكثر شيء بحبه بهالبيت هوي الشبابيك .. !
الأغنية التي أدمنتها "ودانك ووداني"
يبدو ستصبح غصة العمر يا أماني " .
يكتب أكرم عن زوجته التي أخذت في الأسبوع الأخير من آب تطوي البيت ، فيما كان هو يتأمل ما تفعله ، ويستغرب تماسكها وهي تجرح قطعة من روحها وجوارحها ، رائيا في ذلك أنها قد تعودت أو أنها قد تبلدت ،ويدهش من طاقتها في ترتيب الأشياء وتصفيط الملابس وكتابتها لاصقا عليه اسم الشيء . ولم يطل تماسك الزوجة فقد انهارت . كأنها كانت تعد مراسم تشييع البيت وإقامة عزاء له .وهنا بدأ أكرم يدرك أن روح الدار كلها أخذ ينهار : " الأدوات الكهربائية لم نسمع لها صوت منذ وقت ، الغسالة ، الثلاجة ، التلفزيون ، المكنسة ، خلاط المولنكس ، التكييف ، السماعات وجهاز الصوت كأن على رؤوسهم الموت " .
في ليلة وداع البيت التي كانت ليلة قاسية نام على بلاط أرضية المطبخ ، وللبلاط قصة .
يرثي أكرم مكتبة والده ويتخيل أن للدرج قلبا يكاد ينفجر ، إذ لم يتحمل خبر الإخلاء . ويبدو له أن أعراض حمى النزوح ، ستلازمهم عمرهم القادم . " يبدو أن هذا الوقت هو آخر عهدنا بالبيت .. هي إذن قيامة النزوح.. أو هو إذن نزوح الروح " .
أما ديانا الشناوي فتصف مغادرة بيتها كما لو أنها اقتلاع جزء من روحها ، فالجدران ما زالت تحتفظ بظلها ، والممرات تردد وقع خطاها ، والنوافذ التي شهدت صمتها وحنينها تغلق خلفها كعيون دامعة .
وماذا عن رائحة الخبز التي كانت تعبق في الصباح ؟ إنها تختفي،وأما صوت ضحكاتها القديمة فيذوب في الفراغ .
في بيت ديانا كل زاوية تعرفها ، وكل حجر يذكرها بما كانت عليه ، ومع ذلك ترحل وتمضي نحو المجهول محملة بوجع لا يهدأ : " كأنني أساق إلى التيه بلا خريطة ولا وعد بالعودة " .
وماذا تجد في الخارج ؟
" ضباب وسواد وغصة تنحت القلب حتى تشق الروح " . فهل تيأس ؟ : " ومع ذلك يظل في داخلي باب يفتح صدري " و " وردة لا يذبلها الخراب " .
شجاع الصفدي الذي قضى حياته حريصا حد الهوس على كل قصاصة ورق وكل هدية ، وكان لديه انتماء مخيف للأشياء التي تحمل طابع الذكرى ، وقد أورد ذكرها ، شجاع صار يحتاج بعض الورق يوميا لتشتعل النار . لم يعد يكترث بخسارة شيء ، وسيخاطب ابنه ، الذي يحضر له الأوراق ليختار منها ما يمكن حرقه ، قائلا : " - احرق ما شئت .... احرق ذكرياتي ، احرق قصاصاتي ، احرق أي شيء من هذه الأكوام المكدسة في بقايا مكتبي . ثروة العمر من الذكريات لم تعد تساوي شيئا ، دعها تحترق فتساعدنا قليلا قبل أن نتركها وتحترق بلا جدوى " .
إن ما يراه شجاع الآن يشعل حرائق في القلب " ولهذا يخاطب أهل قطاع غزة : " احرقوا الذكريات بأيديكم ، قبل أن تحترق قلوبكم عليها " .
ويبدو ، بخلاف ديانا ، متشائما ومثله الدكتور @محمود عبد المجيد عساف الذي تحسر على شقاء العمر ؛ على منزله وعلى مكتبته التي جمع كتبها خلال خمسة وأربعين عاما ، فبكى وضرب رأسه في الجدار ، وعندما نزح مؤخرا تمنى أن يعجل الله بأخذ وديعته .
محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal مراسل إذاعة أجيال حكى ، قبل ستة أيام ، في رسالة صوتية له لإذاعة " أجيال " ، بحسرة عن فقدانه منزله . حكى عما قاله له ابن عمه عبد الرحمن الذي فقد منازل له ولأبنائه من أن منزل المرء هو كعبته وأقصاه ولا يقل عن الكعبة والأقصى والمسجد النبوي في المدينة المنورة ، وحكى عن حلم ابنته دانة ابنة السابعة عشر عاما من عمرها : أن تعود إلى المنزل وتنام في سريرها ؛ ولكن المنزل دمر فدمر معه الحلم .
أول أمس الجمعة في الخامس من أيلول تم تدمير برج مشتهى في مدينة غزة والقصد هو تهجير الفلسطينيين من القطاع ، وفيه كتب كتاب كثيرون منهم اكرم الصوراني و يسري الغول ، وتحسر عليه سكانه وبكى الرجال ، كما في شريط فيديو بثه شاب يودع شقته في البرج . قبل الجدران ودعا الله ، وهو يغادرها ، أن يعيده إليها ، وبكى .. نعم بكى .
حالة تعبانة يا الله !

مقال الأحد لجريدة الأيام الفلطينية في ٧ أيلول ٢٠٢٥
عادل الأسطة
( ١ و ٢ و ٥ و ٦ أيلول ٢٠٢٥ )

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...