أ. د. عادل الأسطة - غزة : شربة الماء التي عزت

في صباح السبت ٢٩ / ٨ / ٢٠٢٦ شاهدت شريط فيديو أدرجه في صفحته عبد الرحمن البيومي يناشد فيه الدكتور أبو المعتز البطة طالبا منه أن يضع الكلور في الماء الذي عز الحصول عليه.
يقيم المتحدث في مواصي خان يونس ومما يحكيه واصفا حالته :
" تعبنا . تعبنا . بجاه الله حلونا . احنا نازحين . بدكوش تحلونا بدي أرحل . تعبنا الله كاتب علينا الشقا . داخل علينا شتاء . افتحوا لنا المعبر بدي أرحل . بدي أرحل أنا وعيلتي وولادي . بديش الوطن . زهقنا " .
وكانت القوات الإسرائيلية قصفت في ٢٤ / ٨ / ٢٠٢٦ محطة تحلية المياه في حي الشيخ رضوان . [ولطالما كانت في أثناء الحرب قصفت تجمعات الفلسطينيين حول صهاربج المياه للحصول عليها.
ونداء البيومي نداء متكرر منذ بدء طوفان الأقصى ، وإن كنت - أيها القاريء- قرأت قصيدة " طال الشتات " التي كتبها مريد البرغوثي في حرب حزيران ١٩٨٢ فستتذكر قوله :
" وطلبنا جرعة الماء فقالوا :
نحن شئنا لكن الماء أبى
وطلبنا الخبز قالوا : قد عجنا
وغفلنا فنسينا الحطبا
وطلبنا في انقطاع الضوء شمعا
نصحونا أن نضيء الكهرباء
وطلبنا سيفهم قالوا :اعذرونا
كل سيف بين أيدينا نبا
غير أنا عندما جئنا إليهم
عن طريق البحر ، صاحوا : مرحبا !
عجبا ! .." .
ومن قبل مريد كتبت ليانة بدر ، في روايتها " عين المرآة " التي صدرت عن دار توبقال في المغرب في العام ١٩٩١ ، في الموضوع . عدت شخصيا إلى الفصلين ١٠ و ١١ (الصفحات ٩٤ - ١١٤) لكي أقرأ عن حصار مخيم تل الزعتر في العام ١٩٧٦ والتفت إلى اصطياد قوات الكتائب للاجئات الفلسطينيات اللاتي يحاولن الاقتراب من النبع.
غير أنك - أيها القاريء - إن عشت تجربة اللجوء في أحد مخيماته بين العامين ١٩٥٠ و ١٩٧٠ فستتذكر تجربتك التي تشبه تجربة المتحدث في شريط البيومي ، وهي تجربة لا أتذكر أنني قرأت عنها في أدبيات كتابنا مثل غسان كنفاني وسميرة عزام ، وهما أبرز من عاصرا تلك الفترة وكتبا عنها ، ويبدو أنهما ؛ لأنهما لم يقيما في المخيم ، لم يكتبا عنها . وقد تتذكر قصة غسان كنفاني " موت سرير رقم ١٢ " التي كتب فيها عن مأساة بائع الماء العماني محمد علي أكبر ، غير أن بيئة القصة سلطنة عمان ومشفى في الكويت ، لامخيم لجوء فلسطيني . وربما تتذكر وأنت تقرأ القصة بائعي الماء في مخيمات اللجوء في الفترة المشار إليها ، وقبل أشهر توفي صبحي أحد أبرزهم في مخيم عسكر القديم / مخيمي .[ نبهني الكاتب مهند طلال الأخرس أنه كتب في الموضوع في كتابه " تحت ظل الخيمة " ٢٠٢٤ ] .
ولأنني عشت في المخيم في ٥٠ و٦٠ و٧٠ القرن العشرين وكتبت في سبعينياته وثمانينياته قصصا قصيرة ، فقد أتيت في قسم منها على التجربة ، كاتبا عنها من داخلها؛ معايشة وملاحظة وسماعا.
كان في المخيم - أي مخيم في تلك الفترة - حاووز ماء كبير يزود السكان بالماء خلال ساعات ، وكان يشرف عليه موظف يفتح صنبوره فيتدفق الماء من خلال حنفيات ماء عديدة ، مقامة في أماكن مختلفة موزعة على الحارات ، فلكل حارة عينها وحنفياتها . وغالبا ما كانت الأسرة كثيرة الأولاد تنتدب أحدهم ليكون مسؤولا عن توفير المياه ، وكان هذا في أسرتي غالبا من نصيبي . لقد وجب علي أن أنجز هذه المهمة ، وإذا ما أخفقت وجب أن أذهب إلى عين ماء قرية قريبة . أحيانا أنجح وأحيانا أخفق ، والسبب أن أحد رجال القرية يحول بيننا وبين الماء ، لكي يحتكر بيعه بواسطة حماريه وجالوناته.
ولأن أبي كان سائق تكسي عمومي فإنه ، إن تعذر الحصول على الماء ، كان يقلنا إلى عيون ماء تبعد عن مخيمنا حوالي عشرة كيلومترات لكي نعبيء منها الجالونات ( عين الفارعة أو نبع رفيديا ).
في العام ١٩٨٧ كتبت قصة قصيرة عنوانها " ثلاثة أيام حزيرانية في حياة بوسف . م وضمنتها بعض ما حدث معي شخصيا .
في أحد الأيام اقترب دوري لتعبئة تنكتي الماء خاصتي. فرحت ، ولكن الفرحة لم تتم ، فقد جاءت ممرضة من العيادة القرببة ووضعت ابريقها تحت الحنفية ، مستفيدة من امتياز كونها موظفة في عيادة ، ولما كان موعد إغلاق الحنفيات اقترب ، فقد خشيت أن أعود إلى البيت بخفي حنين وتنكتي ماء فارغتين ، وهنا فقدت صوابي ووجدتني أبصق في ابريق الممرضة التي صرخت على الشرطي ، وكان مركز الشرطة جوار حنفيات الماء ، فجاء واقتادني إلى المخفر وضربني بقشط عريض وحجزني لفترة.
في القصة كتبت عما كنا نعانيه في حينه ، وبعد سنوات قص علي صديق حكاية لجوئه وعائلته في مغر جبل عيبال في نابلس ، فلم يقيموا في المخيم إلا بعد عشر سنوات من إنشائه ، إذ ظلوا يقيمون في مغارة . لقد روى لي أنه وإخوانه كانوا يهبطون الجبل إلى حيث عين الماء قرب المشفى الوطني ، وكانوا يعبئون الأواني منها ثم يصعدون بها الجبل إلى المغارة.
كم حدثت مشاكل بين عائلات المخيم بسبب الحصول على الماء؟!
أذكر أننا أحيانا كنا نحصل عليه من معسكر للجيش الأردني قريب . كان جنديان يأتيان إلى بقالة جار ليشتريا فنشأت بيننا علاقة صداقة وهكذا سمحا لنا بأن نذهب إلى المعسكر، في ساعات الفجر والناس نيام، لنعبيء تنكتي ماء كما لو أننا كنا نسرقها .
حكاية الفلسطيني عبد الرحمن البيومي كما حكاها في الشريط هي حكاية فلسطينية تتكرر منذ العام ١٩٤٨ باستمرار ، ولو كان نظري يساعدني ونفسيتي مرتاحة لعدت إلى أدبياتنا أبحث فيها.
الله المستعان!

[ ٣٠ / ٨ / - ٣ / ٩ / ٢٠٢٦
عادل الأسطة]
مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ٦ أيلول ٢٠٢٦ .

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...