منذ أن انتقلت معلما إلى مدرسة خشم الكرم وأنا أشعر أنني لم أنتقل إلى مدرسة جديدة فحسب بل اقتربت أكثر من مكان يشبه كثيرا ما أحب في البادية وقد أسعدني هذا الانتقال لأنني وجدت نفسي بين أطفال يحملون في وجوههم شيئا من المكان وفي سلوكهم شيئا من قيم أهله
#مدرسة خشم الكرم مدرسة من الصف الأول حتى السادس ولا يتجاوز عدد طلبتها خمسة وخمسين طالبا وهي في بيئة صحراوية حارة قليلة الظلال والإمكانات لكن حضور الأطفال فيها يمنحها جمالا خاصا فالمكان الذي قد يبدو قاسيا للعين يصبح أكثر لطفا حين تمتلئ ساحته بأصواتهم وحركتهم وضحكاتهم
وهؤلاء الأطفال لا يعيشون طفولة عادية تماما فهم يحملون معهم إلى المدرسة شيئا من هموم المكان وما يحيط بهم من استيطان رعوي ومضايقات واعتداءات تطال أملاك أهلهم وأغنامهم وحقولهم وكثيرا ما تكون أعينهم معلقة بالطريق فكل سيارة تمر قد تستوقف نظراتهم للحظات ليتساءلوا أهي سيارة مستوطنين أم دورية للجيش أم آلية هدم
#فالمدرسة تقع في منطقة مخطرة وكثير من البيوت والمنشآت المحيطة بها مهددة بالهدم ولذلك فإن الطفل هناك يتعلم معنى الحذر في سن مبكرة ويحمل إلى مقعده أشياء لا ينبغي لطفل أن يحملها من خوف وترقب وانشغال بما قد يحدث حوله
ولهذا أفهم أكثر لماذا يأتون مبكرا ولماذا يكون أول ما يطلبونه حين يلاقون معلمهم هو الكرة
#أعطيتهم الكرة فتهللت وجوههم وانطلقت أقدامهم في الساحة وبدأ اللعب وكأنهم في تلك اللحظات يتركون ما وراء المدرسة عند حدودها ويمنحون أنفسهم فرصة ليكونوا أطفالا فقط يركضون ويضحكون ويتنافسون ويفرحون
وأنا #أؤمن أن الطفل يحتاج إلى اللعب كما يحتاج إلى التعلم فاللعب ليس وقتا ضائعا من اليوم الدراسي بل جزء من التربية فهو يفرغ الطاقة ويخفف التوتر ويمنح الجسد حاجته من الحركة ويهيئ النفس للدخول إلى الصف براحة أكبر فالجسم السليم والعقل السليم متلازمان
#ولعل المشهد يصبح أجمل حين ترى الطلاب في جهة والطالبات في جهة أخرى بعيدة في صورة عفوية تعكس قيم البيئة وحياء أهلها دون تكلف أو افتعال وهي صورة من صور التربية التي يحملها المكان إلى المدرسة
وحين تتأمل وجوه هؤلاء الصغار ترى شيئا من البادية في ملامحهم هدوءا في النظرات وقلة في الكلام وانتباه لما يدور حولهم وفي بعض العيون فراسة ونباهة تشكلها الحياة ومراقبة الناس والطريق والبيئة المحيطة
#وقلة العدد هنا ليست نقصا بقدر ما هي فرصة فخمسة وخمسون طالبا تجعل المعلم قريبا من طلابه يعرفهم واحدا واحدا ويقرأ كثيرا مما لا يقولونه وتصبح المدرسة أقرب إلى بيت يعرف أبناءه ويعرفون من فيه
#لهذا أشعر بالسعادة منذ انتقالي إلى خشم الكرم فقد وجدت في هذه المدرسة معنى مختلفا للتعليم معنى يتجاوز الكتاب والسبورة إلى الإنسان نفسه فالمعلم هنا لا يعلم الطفل فحسب بل يحاول أن يمنحه مساحة من الطمأنينة وأن يحفظ له شيئا من طفولته وسط واقع ليس سهلا..
#في خشم الكرم تعلمت أن المدرسة قد تكون صغيرة في عدد طلابها لكنها كبيرة في رسالتها وأن أجمل ما فيها ليس جدرانها ولا ساحتها وإنما أطفالها الذين يصنعون من المكان القاسي مكانا جميلا بوجودهم
قد تكون البيئة صحراوية وحارة وقد تحيط بها المخاطر لكن حين تدور الكرة في الساحة وتتعالى ضحكات الأطفال يصبح للمكان وجه آخر..
#وهنا ربما تكمن قيمة التعليم الحقيقية أن نمنح الطفل المعرفة دون أن نسلبه طفولته وأن نربي عقله دون أن نهمل جسده وأن نهيئ له لحظة فرح يستطيع بعدها أن يجلس على مقعده أكثر هدوءا واستعدادا للتعلم.
#في خشم الكرم لا تبدأ الحكاية من السبورة بل من وجوه الأطفال ومن كرة يركضون خلفها ومن عيون تراقب الطريق بحذر ثم تعود إلى دفاترها لتقول لنا إن التعليم في مثل هذه الأماكن ليس مجرد درس يقدم وإنما حياة كاملة نحاول أن نحمي فيها حق الطفل في أن يتعلم وأن يلعب وأن يبقى طفلا...
#مدرسة خشم الكرم مدرسة من الصف الأول حتى السادس ولا يتجاوز عدد طلبتها خمسة وخمسين طالبا وهي في بيئة صحراوية حارة قليلة الظلال والإمكانات لكن حضور الأطفال فيها يمنحها جمالا خاصا فالمكان الذي قد يبدو قاسيا للعين يصبح أكثر لطفا حين تمتلئ ساحته بأصواتهم وحركتهم وضحكاتهم
وهؤلاء الأطفال لا يعيشون طفولة عادية تماما فهم يحملون معهم إلى المدرسة شيئا من هموم المكان وما يحيط بهم من استيطان رعوي ومضايقات واعتداءات تطال أملاك أهلهم وأغنامهم وحقولهم وكثيرا ما تكون أعينهم معلقة بالطريق فكل سيارة تمر قد تستوقف نظراتهم للحظات ليتساءلوا أهي سيارة مستوطنين أم دورية للجيش أم آلية هدم
#فالمدرسة تقع في منطقة مخطرة وكثير من البيوت والمنشآت المحيطة بها مهددة بالهدم ولذلك فإن الطفل هناك يتعلم معنى الحذر في سن مبكرة ويحمل إلى مقعده أشياء لا ينبغي لطفل أن يحملها من خوف وترقب وانشغال بما قد يحدث حوله
ولهذا أفهم أكثر لماذا يأتون مبكرا ولماذا يكون أول ما يطلبونه حين يلاقون معلمهم هو الكرة
#أعطيتهم الكرة فتهللت وجوههم وانطلقت أقدامهم في الساحة وبدأ اللعب وكأنهم في تلك اللحظات يتركون ما وراء المدرسة عند حدودها ويمنحون أنفسهم فرصة ليكونوا أطفالا فقط يركضون ويضحكون ويتنافسون ويفرحون
وأنا #أؤمن أن الطفل يحتاج إلى اللعب كما يحتاج إلى التعلم فاللعب ليس وقتا ضائعا من اليوم الدراسي بل جزء من التربية فهو يفرغ الطاقة ويخفف التوتر ويمنح الجسد حاجته من الحركة ويهيئ النفس للدخول إلى الصف براحة أكبر فالجسم السليم والعقل السليم متلازمان
#ولعل المشهد يصبح أجمل حين ترى الطلاب في جهة والطالبات في جهة أخرى بعيدة في صورة عفوية تعكس قيم البيئة وحياء أهلها دون تكلف أو افتعال وهي صورة من صور التربية التي يحملها المكان إلى المدرسة
وحين تتأمل وجوه هؤلاء الصغار ترى شيئا من البادية في ملامحهم هدوءا في النظرات وقلة في الكلام وانتباه لما يدور حولهم وفي بعض العيون فراسة ونباهة تشكلها الحياة ومراقبة الناس والطريق والبيئة المحيطة
#وقلة العدد هنا ليست نقصا بقدر ما هي فرصة فخمسة وخمسون طالبا تجعل المعلم قريبا من طلابه يعرفهم واحدا واحدا ويقرأ كثيرا مما لا يقولونه وتصبح المدرسة أقرب إلى بيت يعرف أبناءه ويعرفون من فيه
#لهذا أشعر بالسعادة منذ انتقالي إلى خشم الكرم فقد وجدت في هذه المدرسة معنى مختلفا للتعليم معنى يتجاوز الكتاب والسبورة إلى الإنسان نفسه فالمعلم هنا لا يعلم الطفل فحسب بل يحاول أن يمنحه مساحة من الطمأنينة وأن يحفظ له شيئا من طفولته وسط واقع ليس سهلا..
#في خشم الكرم تعلمت أن المدرسة قد تكون صغيرة في عدد طلابها لكنها كبيرة في رسالتها وأن أجمل ما فيها ليس جدرانها ولا ساحتها وإنما أطفالها الذين يصنعون من المكان القاسي مكانا جميلا بوجودهم
قد تكون البيئة صحراوية وحارة وقد تحيط بها المخاطر لكن حين تدور الكرة في الساحة وتتعالى ضحكات الأطفال يصبح للمكان وجه آخر..
#وهنا ربما تكمن قيمة التعليم الحقيقية أن نمنح الطفل المعرفة دون أن نسلبه طفولته وأن نربي عقله دون أن نهمل جسده وأن نهيئ له لحظة فرح يستطيع بعدها أن يجلس على مقعده أكثر هدوءا واستعدادا للتعلم.
#في خشم الكرم لا تبدأ الحكاية من السبورة بل من وجوه الأطفال ومن كرة يركضون خلفها ومن عيون تراقب الطريق بحذر ثم تعود إلى دفاترها لتقول لنا إن التعليم في مثل هذه الأماكن ليس مجرد درس يقدم وإنما حياة كاملة نحاول أن نحمي فيها حق الطفل في أن يتعلم وأن يلعب وأن يبقى طفلا...