١
استحضر سطر محمود درويش
" وتمت رشوة القاضي " .
٢
معين بسيسو ومسرحية " محاكمة كتاب كليلة ودمنة " :
القاضي أصدر الحكم مسبقا ، فهل من ضرورة للشهود
ولجلسات المحكمة؟
الجمل هرب لأنه لا يريد المساهمة في محرقة كتاب .
هل يختلف قضاة زماننا عن القضاة في زمن المنصور ؟
المنصور يقول للقاضي ما يريد والقاضي ينفذ .
كتب محمود درويش :
" وتمت رشوة القاضي "
فمن يحاكم الذئاب ؟
لا بد من الكتابة ثانية عن مسرحية معين بسيسو .
لا بد !
٣
يجب الدفاع عن الغلط :
احترت بم أجيب على رسالة أرسلتها لي فتاة تدعي ان اسمها بيان ، فكتبت لها :
- ألا ترين أن الرئيس أخطأ في اختيار د . رامي رئيسا للوزراء ؟
وجهة نظري ان د. رامي ليس رجل سياسة ولا هو
رجل اقتصاد وقد أكون مخطئا .
تذكرت سطر محمود درويش
" يجب الفاع عن الغلط " ،
فقررت أن الرئيس على صواب لأنه
يجب الدفاع عن الغلط .
لو كنت قاضيا زمن المنصور لأحرقت ابن المقفع
وكتابه وأهله وقراء كتابه ، لأن المنصور يريد هذا ،
ولأنه: " يجب الفاع عن الغلط ".
٤
أبو سلمى والحكام العرب :
قبل وفاته خاطب ابراهيم طوقان زعماء الشعب الفلسطيني ( توفي في1941 ) :
في يدينا بقية من بلاد فاستريحوا كي لا تطير البقية .
وأما أبو سلمى فقد هجا الزعماء العرب كلهم ، في حينه ، لعجزهم وتواطئهم ، وواصل هجاءهم بعد نكبة 1948 ، إذ تشرد شعبه وغدا ظلال شعب .
هل اختلف اﻷمر بعد استقلال الدول العربية ؟
اتسعت الدائرة لتشمل تهجير الحكام العرب شعوبهم : من صدام حتى بشار وبمساعدة حكام مشايخ الخليج والسعودية و ..و ..
بارك الله في الدكتاتور العربي الجمهوري والملكي أيضا والمشيخي ، وتابعوا أخبار لاجئي سورية ، وإن هي إلا .. .
ولا تلوموا اللاجئين فقد كانوا مواطنين عاديين في الشام والعراق و .. وتحملوا
٥
إساءات قراءات محمود درويش :
يلومني بعض معارفي من النقاد بأنني أصر على قراءة محمود درويش قراءة غير نصية ، ويركزون على ضرورة التركيز على النص .
خذوا الرأي الآتي لدارسين من جامعة لرستان درسا استدعاء شخصيات الشعراء في شعر محمود درويش/ بحث محكم في مجلة محكمة
" محمود درويش اختار تجربة المتنبي بسبب تشابهها بتجربته . قصيدة محمود درويش قيلت بعد حصار العدو الإسرائيلي واجتياحه لبيروت سنة 1982 ....... "
وذهب الدارسان إلى أن نفسية محمود درويش المنهارة كانت بسبب الاجتياح وأنه خرج إلى تونس .
لا صلة لتونس بالقصيدة التي كتبها درويش في 1980 بسبب خلافه مع ياسر عرفات .
لا جديد في البحث شبه المسروق ، مثل أبحاث دكاترة كثر محكمة . إنها أبحاث أيضا شبه مسروقة ، ومثل رسائل ماجستير أيضا مسروقة .
٦
سميح القاسم: وداعاً آخر شعراء المقاومة
عادل الأسطة
24 آب 2014
برحيل الشاعر العربي الفلسطيني سميح القاسم تنطوي صفحة شعراء المقاومة البارزين في فلسطين المحتلة. راشد حسين ومحمود درويش وتوفيق زياد وسالم جبران وآخرون لم يصلوا إلى ما وصل إليه هؤلاء، ممن حملوا لواء الشعر في نهاية 50 ق20 انطفأت قناديلهم قبل أن ينطفئ قنديل زميلهم وصديقهم ورفيق دربهم سميح القاسم.
عرف سميح القاسم شاعراً قبل أن يعرف كاتب مسرحية وقاصاً وكاتب مقالة وكاتب رسالة، وظل يعرف شاعراً ويقرأ شاعراً، وإن أنجزت عن قصصه الطويلة الثلاث التي هي أشبه بحكاية أوتوبيوغرافية، كما كتب هو، دراسات عديدة.
وقد أقر هو في سيرته الذاتية "إنها مجرد منفضة" (2012) أنه شاعر بالدرجة الأولى، وإن كتب النثر بين فترة وفترة.
وكان سميح القاسم، كاتباً وشاعراً، غزير الإنتاج، فقد أصدر أكثر من ستين كتاباً، أعيت متابعي نتاجه، بل وأربكتهم، وما زاد الطين بلة أنها صدرت بطبعات عديدة مختلفة لا تكاد تتطابق، فقد أسهم هو، وأسهم بعض الناشرين أيضاً، بحذف نصوص شعرية وإضافة أخرى، ما يجعل طبعات أعماله موضع دراسة لدارس يروق له تحقيق الأعمال الأدبية في طبعاتها المختلفة.
كتب سميح القاسم القصيدة القصيرة الأشبه بالأبجرام، والقصيدة الطويلة، والسربية/ المطولة، وهو الذي ذهب إلى أن مصطلح السربية من اختراعه هو، فالقصيدة الطويلة التي غالباً ما صدرت في كتاب كانت تتموّج في حركاتها كما تتموّج حركة سرب الطيور. وكتب أيضاً القصيدة العمودية، فأصدر ما عرف بديوان الحماسة، وهو في ثلاثة أجزاء تذكر المرء بحماسة أبي تمام، ودافع سميح عن هذا اللون من الكتابة تحت عنوان "سوناتا جيدة ومارش جيد"، وربما ما شجعه على كتابة هذا اللون من القصائد هو انتماؤه للحزب الشيوعي الذي يركز على دور الأديب في الحركة الجماهيرية والأخذ بيدها وتحريضها على واقعها من أجل عالم أفضل، وهو ما تطلبه واقع العرب الباقين في فلسطين، هؤلاء الذين تعرضوا لاضطهاد قومي وتمييز عنصري حارب الحزب الشيوعي من أجل إلغائه، وكان لا بد من توعية المظلومين المضطهدين وقراءة الأشعار على مسامعهم، وهذا ما فعله سميح بامتياز، حتى أن بعض النقاد ذهب إلى أن الشاعر شاعر منبري أشبه بخطيب.
وظل سميح يكتب قصيدة المقاومة، وإن خفتت حدتها مع سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه في العام 1989، يومها أعلن سميح أنه لن يكتب الشعر، ونشر إعلانه في مجلة "الناقد" اللندنية، وكانت حجته في ذلك أن المشاريع الثلاثة التي عقد عليها حياته قد أخفقت: المشروع القومي والمشروع الوطني والمشروع الأممي. انتهى الأول بهزيمة حزيران 1967 وموت جمال عبد الناصر، ووصل الثاني إلى نهايته مع خروج منظمة التحرير من بيروت في العام 1982، وأما الثالث فتجسد بانهيار الاتحاد السوفياتي.
غير أن سميح، مثل شعراء كثيرين، يقولون ما لا يفعلون ولا يلتزمون دائماً بما يقولون، فقد واصل كتابة الشعر واستمر يكتبه حتى في أوج مرضه، وأصدر مجموعات شعرية كثيرة لا يستطيع المرء حفظ عناوينها لكثرتها وكثرة ما كتب الشاعر ربما جعل بعض محبيه والمعجبين به يحجمون عن مواصلة قراءته ومتابعته، إذ يبدو أن هاجس الشكل الفني، وكتابة القصيدة التي تتجاوز سابقتها، وإصدار الديوان الذي يشكل إضافة نوعية، لا كمية، لم يكن هاجس سميح، قدر ما كان هاجس محمود درويش.
وربما كان لكل واحد من الاثنين ظروفه، لقد اختلفت التجربة المعيشية واختلفت أيضاً المرجعية الثقافية، خلافاً لما كان عليه الأمر قبل رحيل درويش في العام 1970.
نشأ سميح شاعراً ذا حس قومي عروبي، وهو انتساب ما بدا في أشعاره الأولى التي كتبها قبل قصيدته "طلب للحزب"، وتعد قصيدته "ليلى العدنية" من ديوان "دخان البراكين" 1968 خير تعبير عن المرحلة العروبية القومية، تضاف إليها قصائده في الثورات العربية الصاعدة في 60 ق20، وأهمها الثورة المصرية وقائدها جمال عبد الناصر الذي خصه بمديح، كما خص إنجازاته المتمثلة في تأميم قناة السويس وبناء السد العالي: يا أسطى سيِّد، ابنِ وشيِّد، شيِّد لي السدّ العالي.. إلخ.
وفي "ليلى العدنية" يبدو سميح مفعماً بالروح القومية، ممتلئاً بها ومنتشياً، يتغنّى بالعروبة وبأمجادها وانتصاراتها، لكن هذا التغنّي والانتشاء سوف يتراجع كثيراً، وقد بدأ في بداية 80 ق20، حين حاصرت القوات الإسرائيلية مدينة بيروت ولم ينجدها العرب، وحين خرجت قوات م.ت.ف من لبنان وتفرّقت أيدي عرب في السودان وفي ليبيا وفي تونس وفي اليمن وفي الجزائر وفي.. وفي.. وفي هذه الفترة سيكتب سميح القاسم مجموعة قصائد ينشرها في ديوان جهات الروح (1983) ومنها قصيدة تغريبة التي يهديها لمحمود درويش. ما عاد العالم العربي كما بدا في "ليلى العدنية".
"شاءها الله شهية/ شاءها الله.. فكانت/ كبلادي العربية: نكهة الغوطة والموصل فيها/ ومن الأوراس.. عنف وقمامة/ وأبوها شاءها أحلى صبية/ شاءها اسماً وشكلاً/ فدعاها الوالد المعجب: ليلى/ وإليكم أيها الإخوان: .. ليلى العدنية"
وإنما غدا العالم العربي شيئاً آخر، وهو ما يقوله في تغريبة: "يفرقنا العالم اليعربي/ ويجمعنا العالم الأجنبي/ ونبقى أجانب في العالمين/ ويبقى الرحيل".
وستصل ذروة شعوره بالخيبة من العالم العربي في مطوّلته التي كتبها في 90 ق20 وعنوانها "خذلتني الصحارى"، فالصحراء التي تغنى بها في 60 ق20 ومدحها، الصحراء التي كانت تقف إلى جانبه وتمد له يد العون، خذلته وما عادت تقدم له شيئاً. لم تتخلّ عنه وحسب، بل وخذلته.
والطريف أن الشاعر نفسه أخذ يتردد على عواصم الصحارى/ العالم العربي، والأكثر طرافة أنه أخذ يمدح رؤساءها وملوكها، وهذا ما بدا في أحد دواوينه الذي جمع فيه قصائد تمدح هذه العاصمة أو تلك، بل هذا الحاكم أو ذاك، ما يؤكد الصلة الحميمة بين سميح القاسم ومحمد مهدي الجواهري، ومن قبل المتنبي، وقد ذهب سميح إلى أن هناك صلة نسب تجمعه بالمتنبي.
مدح المتنبي كافوراً ثم ذمه، وكم مدح الجواهري هذا الملك أو ذاك الرئيس، وأكمل سميح المهمة، هو الذي كان في 70 و80 ق20 شاعراً شيوعياً ملتزماً يهجو النظام العربي كله.
أهذا هو ما أغنى أشعاره وجعلها قابلة للتساؤل؟ ولم يقتصر الأمر على هذا، فلم يعد سميح، في عقديه الأخيرين، يكتب كما كتب في شبابه. أهو الملوم أم الواقع العربي هو الذي خذله أم أنه الزمن والسن والعمر و... و...؟
كانت عناوين دواوين سميح الأولى عناوين مقاومة متمردة "أغاني الدروب" "دخان البراكين" و"ويكون أن يأتي طائر الرعد"، وغدت لاحقاً عناوين مليئة بالخيبة والانكسار: "خذلتني الصحارى" و"أرض مراوغة.. حرير كاسد، لا بأس". ومع كل هذا فقد خسر الشعر العربي شاعراً مهماً.
٧
حرب غزة والسخرية ... غسان كنفاني والسخرية
21 أيلول 2014
في أثناء حرب غزة أخذت أتابع النكت والمقاطع الساخرة، فشرّ البلية ما يضحك.
تذكرت ما قرأته عن حرب حزيران وانعكاسها في الأدب العربي، وعدت إلى كتاب أنطوان شلحت "خداع الذات... المسرح الإسرائيلي وحرب 1967 ومختارات من أعمال حانوخ ليفين" (2007)، وحانوخ ليفين أبرز كاتب إسرائيلي كتب نصوصاً ساخرة إثر حرب حزيران، وقد ترك أثراً في أدبنا الفلسطيني، أشرت إليه وأنا أكتب عن الأديب الفلسطيني والأدب الصهيوني (1993)، وتحديداً حين توقفت أمام نص محمود درويش النثري "أنا وأنت والحرب القادمة".
وقد توقفت أمام رسوم كاريكاتورية وعبارات ساخرة ومقاطع فيديو. لفت نظري رسم كاريكاتوري يظهر فيه رئيس وزراء إسرائيل (نتنياهو) و(باراك) (وليبرمان) في نفق للمياه العادمة، وكتب في الرسم: الهدنة قرارهم مش قراري، الحقنا يا (أوباما) احنا في المجاري.
كما لفت نظري رسم آخر يظهر فيه (نتنياهو) والدموع تنهمر من عينيه، ينظر إلى (أوباما) الرئيس الأميركي ويخاطبه: "دخيل عليك يا بو سمرة.. شوفلنا حد من جماعتك يحكي معهم، هدول بستبعدش يطلع عندهم نووي"، كما ظهرت عبارات تسخر من الطائرات الإسرائيلية، فأطفال فلسطين كانوا ينادون، على غرار تجار الخردوات: غسالات، ثلاجات، طيارات للبيع، وحور بعض الساخرين بعض عبارات أو استخدموا عبارة شهيرة من أغنية شهيرة لوصف الحالة، فإسرائيل تهدي المقاومة أغنية: اللي شبكنا يخلصنا لعبد الحليم حافظ (زي الهوى).
وأنا أكتب على الفي سبوك عن نيتي الكتابة في موضوع السخرية والحرب أدرجت صديقة مع تعقيبها مقطع فيديو (يوتيوب) يقرأ فيه مواطن غزي نشرة أخبار، ومن أخبار النشرة:
- ثلاث حروب: والرابعة يأخذ المواطن محمود زعيتر بكالوريوس حروب.
- هاجمنا (شارون) وحاربنا لأن الفلسطينيين انتهكوا طفولته، فما السبب الذي يدفع (نتنياهو) إلى شن حربه؟ ويتابع المذيع قائلاً إن طبيباً نفسياً أميركياً يقول إن المجلس الوزاري كله منتهكة طفولته.
- يقول المذيع: الناس يتساءلون: نفس الطيارة، نفس الطيار، نفس الصاروخ. ألا جديد؟ فقد صار عند أهل غزة مناعة. مللنا منها. شوفو شيئاً جديداً. (شوفو لنا شيء جديد).
- فرنسا قررت شراء صواريخ جديدة من غزة بعد فشل القبة الحديدية.
- وبريطانيا قررت إرسال بعثة إلى غزة للتدرب على صناعة صواريخ.
- وأما ألمانيا فقد قررت شراء طيارات أبابيل. و... و... و... .
بعض الأدباء الإسرائيليين مثل (حانوخ ليفين) سخروا من قادتهم بعد حرب حزيران مباشرة، ولا أعرف إن كانت روح السخرية ظهرت في الصحافة العبرية في أثناء حرب غزة، وما أعرفه أن أدبنا لم يخل من روح السخرية في أثناء الانتفاضة الثانية، بل وفي أثناء الانتفاضة الأولى.
السخرية، في الانتفاضة الأولى، برزت في أشكال عديدة على أفواه الناس الذين سخروا من جنود الاحتلال، وفي نهاية الانتفاضة تحولت السخرية من سخرية من الاحتلال إلى سخرية الفصائل من بعضها، وقد دونت هذا في نص "ليل الضفة الطويل" (1993).
أما في انتفاضة الأقصى فيعد كتاب سعاد العامري "شارون وحماتي: مذكرات رام الله" الذي نقل إلى العربية، أبرز نص ساخر.
كانت سعاد كتبت نصوصاً نثرية ونشرتها على الفيس بوك، وإلكترونياً، ثم جمعتها في كتاب يفيض بروح السخرية، في أوج الانتفاضة، نشر أولاً بالإنجليزية وحقق شهرة واسعة.
هل تعد السخرية هذه لوناً جديداً في أدبنا في فلسطين المحتلة؟ كل من قرأ أميل حبيبي وسلمان ناطور وبعض أشعار سميح القاسم يعرف أن السخرية حاضرة في أدبنا، وتعد رواية حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974) أبرزها ـ أي النصوص الأدبية، وتبعتها في الفترة الأخيرة رواية لا تقل سخرية عنها هي رواية عارف الحسيني "كافر سبت" (2011).
وعلينا ألا ننسى خطب الدكتاتور الموزونة التي كتبها محمود درويش في 80 ق20 ليسخر فيها من الدكتاتور العربي.
هذه السخرية كانت موضوع رسالة ماجستير أشرفتُ عليها وأنجزها فراس الحاج محمد في جامعة النجاح، فماذا عن السخرية في أدب المنفى؟
لم تبرز السخرية في روايات غسان كنفاني وفي قصصه وفي مسرحياته.
بدا كنفاني كاتباً جاداً متجهماً، وربما كان لقسوة حياة المنفى تأثيرها الكبير على أدبه، وربما ما كانت السخرية شائعة في الأدب العربي الحديث شيوعاً لافتاً لتلفت نظره إليها؟ وستبدو هذه السخرية في بعض مسرحيات معين بسيسو "محاكمة كتاب كليلة ودمنة" مثلاً، وفي بعض أشعار مريد البرغوثي "قصائد للرصيف" (1980).
لكن كنفاني الذي خلت نصوصه الإبداعية من السخرية التفت، وهو في بيروت، إثر هزيمة حزيران، إلى هذا الأسلوب الأدبي، فقرأ أعمالاً صدرت في بيروت لكتاب لبنانيين منهم شريف الراس وسالم الجسر، ما دفع كنفاني، إلى التنظير لفن السخرية.
وهو تنظير لم أقرأ مثله لأي من كتابنا الذين قرأت لهم، في المقابلات التي أجريت مع حبيبي، بعد كتابته المتشائل، أي بعد استشهاد غسان كنفاني أجاب عن أسئلة عن دافعه إلى السخرية، وأشار إلى أنه ما من تراث عريق إلاّ وكانت السخرية جزءاً منه، وأوضح أنه يسخر من الاحتلال ومن الذات التي لا تخلو من سلبيات.
وقد توقف فاروق وادي مطولاً أمام أشكال السخرية في أدب حبيبي، بخاصة المتشائل، وذلك في كتابه "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية".
كتب غسان كنفاني ثلاث مقالات عن كاتبين لبنانيين، ونشرهما في آذار وأيار 1968، الأول عنوانه "بين المهضوم والغليظ ميزان اسمه جحا" عن كتاب شريف الراس "للضاحكين فقط"، والثاني عنوانه "معجم سالم ـ انتخابات مكسرة"، عن كتاب "معجم الانتخابات" لسالم الجسر، والثالث عن كتاب ثان لسالم وعنوانه "المزعجون".
وقد ظهرت هذه المقالات، في 1998، في كتاب جمع مقالات كنفاني صدر عن دار الآداب.
وفي المقالات هذه وفي مقالات أخرى منه يبدو كنفاني كاتباً ساخراً بارزاً، إنه لا ينظر لفن السخرية، بل يبرع في كتابتها، فهل اطلع عليها أميل حبيبي؟
ولعلّ أبرز ما في مقالات كنفاني الثلاثة أنه ينظّر لهذا اللون من الأدب، وأعتقد أنها مقالات جديرة بأن تدرس جيداً.
يميز الكاتب بين السخرية والتهريج، ويرى أن السخرية أصعب فنون الكتابة على الإطلاق، ويحتاج الكاتب إلى إقناع القارئ بأن دمه خفيف.
كما يميز بين الأسلوب الساخر والأسلوب المتعالي، إذ يفصل بينهما خيط لا يكاد يرى.
إن هناك فرقاً بين كاتب (شايف حالو) وكاتب (مهضوم)، والكاتب الساخر يقدم نقداً اجتماعياً عميقاً من خلال نماذج بشرية، وأدبه ليس أدب تسلية، إنه درجة عالية من النقد، وعلى المؤلف أن يقدمه كضرورة.
كما يميز كنفاني بين سخرية بناءة وأخرى هدامة، والثانية سهلة بالمقارنة مع الأولى، والسخرية البناءة تحتاج إلى وعي أعمق وثقافة أوسع وقدرة أكبر على فهم روح القارئ ولا وعيه ونفسيته.
ويتساءل غسان: كيف يمكن للسخرية أن تكون بناءة وتظل في الوقت نفسه أدباً ساخراً خفيف الدم لا محاضرات فيه ولا أوامر ولا إيعازات ولا استغراقا مزيفا في الأيديولوجيات؟ إن الأمر يخص المؤلف. يقول غسان، ومهمة الكاتب أن يعي أننا مجتمع ضاحك لدينا مقاييس عسيرة للنكتة.
وعلى الكاتب ألا يتسرع وألا يكون ما يقدمه لتاً وعجناً وطق حنك وتكراراً.
وسيميز كنفاني بين النكتجي والكاتب الساخر، وأن الأخير لكي يكون كاتباً ساخراً.. فإنه أولاً يجب أن يمتلك تصوراً لما هو أفضل.." و"إن السخرية تعطي، عن طريق الضحك، نقداً يلخص المشكلة بأفضل من مليون مقال" (ص90) في أثناء حرب غزة أخذت أتابع لون السخرية..!!
٨
ظلمتُ القطة والحق كل الحق ... على الحمام
28 أيلول 2014
في تموز من العام الحالي استأتُ من القطة الوليدة. كن ثلاث قطط ولم أعد أرى سوى واحدة مع أمها. ما الذي ألمّ بأختيها... ربما كن ذكوراً، فلم أميّز، حتى اللحظة، بين الذكر والأنثى، إلاّ حين ألاحظ القطط تتسافد، وما أكثر ما تسافدت هذا العام في العلن! هل تأثرت القطط بمعطيات عصرنا؟ هل هي قطط قادمة من الشمال، حيث الحريات هناك أكثر مساحة. الشرفة ما عادت نظيفة، كما كانت، ولم أعهدها توسخ، فهي تذهب إلى حيث التراب، وهناك تقضي حاجتها.
برازها الذي ظننته برازها كان يلصق بالبلاط، وهات تنظيفاً! أنا بالكاد أنجز ما عليّ إنجازه: أنظف شقتين لي، وأنظف أرضية الساحة، وأجمع، من الحديقة، بقايا أوراق، وظروف الشيبس التي يلقيها الأطفال ومن أبناء وبنات إخوتي وأخواتي، وأجمع علب الكولا وزجاجات السفن أب وزيت القلي و.. و.. فأبناء إخوتي وأخواتي يفضلون الراحة التي لا تنال على جسر من التعب، على الراحة التي أشار إليها أبو تمام في مديح المعتصم:
بصرت بالراحة الكبرى، فلم ترها تنال إلاّ على جسر من التعب
وأدرك أن بذور المعتصم ليست موجودة في أي من أبناء إخوتي أو أخواتي، وأدرك أكثر صعوبة نجدة أية مسلمة أو تكرار فتح عمورية في زمننا. رب وامعتصماه.
لم ألتفت إلى عش الحمام الذي أقامته حمامة ما بين الواجهة والمكيّف ـ المكيّف إسرائيلي الماركة، ومن ركّبه لي، وهو لاجئ فلسطيني قال لي: إن الصناعة الإسرائيلية أفضل صناعة في العالم، وقلت له: يا سبحان الله ـ، وكنت أظن أن البراز هو براز القطة الصغيرة الوليدة حديثاً. قلت لعلّها لم تتعلم من أمها أين تفعلها. وقررت ألاّ أطعم القطط لما اعتقدته خطأ. يعني أردت أن أعاقب القطة عقاباً جماعياً، متأثراً بأبناء عمنا ـ أي والله أبناء عمنا ـ الإسرائيليين، هؤلاء الذين يعاقبون شعبنا عقاباً جماعياً على ما يفعله فرد واحد أو مجموعة أفراد، وقلت: من عاشر اليهود أربعين يوماً صار منهم، فكيف إذا عاشرهم أربعين عاماً وأكثر.
هل أنا في طريقي لأن أصبح صهيونياً، بل وصهيونياً متطرفاً، وأعتقد أنني لو أصبحت كذلك فلن ينظر إليّ على أنني مواطن له حقوق المواطنة، وقد أدرك عزمي بشارة هذا، فغادر إلى سوريا ولبنان، وتحسس بوادر حرب أهلية، فآثر قطر، وفيما بعد سارت على خطاه قيادات حماس بعضها.
بعد يومين ثلاثة من ملاحظة البراز أبصرت عشّ الحمامة، فأيقنت أنني لم أكن عادلاً، وكان الأولى بأهلي أن يسموني: ظالم. هل هدمت العش؟
كان الحمام يبني أعشاشه على شبابيك شقتي باعتبارها آمنة، فلم أكن أنظفها يومياً، وباعتباري لم أتصهين بعد، فأعاقبها على الاعتداء على حق الغير وعلى برازها المقرف. كنت، سابقاً، أنظف الشبابيك وأترك بيض الحمام على حاله. تكتمل البيضة ويخرج منها فرخ الحمام وتطير. تطير حتى تأتي حمامة أخرى وتبني عشاً جديداً فأكرّر عنوان قصيدة محمود درويش: يطيرُ الحمام.. يحطُّ الحمام، في تموز من العام الحالي كانت الطائرات الاسرائيلية تغير على غزة وتدمر، وكانت الدبابات تقصف ووجدتني أتبع، مع عش الحمام، سياسة مماثلة: هدمت العش قبل أن تكمل البيضة دورتها، فسقطت وانكسرت. هل كان على الحمامة أن تستأذنني لتصدر رخصة بناء عش؟ وهل كنت، بلا وعي، أتصرف تصرف الحكومات الإسرائيلية؟
يطيرُ الحمام.. يحطُّ الحمام.
هل انتهت الحكاية؟
قبل أسبوع تقريباً أردت تنظيف الشرفة. كان براز الحمام يلصق بالبلاط. هكذا قررت ثانية أن أهدم العش علّ الحمامة تجد مكاناً آخر، بيتاً آخر فيه ربّة بيت تنظف بيتها يومياً. لم ألاحظ أن هناك فرخيْ حمام ولدا حديثاً ـ خرجا حديثاً من البيضة/ ين.
ولم أراع وجود قطة حولها أربعة من أبنائها ـ أو بناتها ـ ولدوا/ ولدن، حديثاً.
كانت القطة ضامرة هزيلة بسبب الولادة، وكانت تموء طالبة الطعام الذي ما عدت أحضره لها، لأنها عالم ثالث: تخلُّف وتخلُّف وتخلُّف، وأنا فرد وبقايا طعامي لا يكفي واحدة، فكيف بعشرة وعشر؟! وما إن بدأت أهدم العش، حتى سقط فرخ حمام، وظل الثاني على بربيج المكيّف.
كانت القطة أسرع مني فالتقطته وخنقته وأخذته سريعاً إلى الحديقة لالتهامه، وأنا وقفت عاجزاً عن فعل أي شيء. غدوت مثل العرب بامتياز. هل كان فرخ الحمام يصرخ: واعادلاه، على غرار المرأة العمورية: وامعتصماه. ولم أنجد الفرخ، وأكثر ما حدث لي أنني شعرت بتأنيب ضمير لما حدث. أنا مسؤول عن قتل فرخ حمام، فماذا سيلمّ بي؟ يطيرُ الحمام.. يحطُّ الحمام.
ما حدث أعادني إلى حمامة أبي فراس الحمداني، ومنذ عقود وأنا أقرأ قصيدته وأدرّسها بين فترة وفترة في مساق المدخل إلى تذوق النص الأدبي في الجامعة:
أقولُ وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا لو تعلمين بحالي
ولفترة طويلة كنت أذهب إلى أن حمامة أبي فراس هذه هي حمامة حقيقية، ولم يخطر ببالي أنها قد تكون رمزاً، علماً بأننا نحن، وأعني آباءنا وأمهاتنا، نستخدم دال الحمامة استخداماً مجازياً. طبعاً لم أفكر، حتى اللحظة، بأن أبا فراس استخدم دال الحمامة، كما استخدمته في "ليل الضفة الطويل" حين أوردت نكتة شاعت في فلسطين في فترة مؤتمر مدريد، نكتة ذات إيحاء جنسي.
مرة خطر ببالي أن دال أبي فراس "حمامة" قد يكون ذا مدلول رمزي، وقد تكون الحمامة امرأة من لحم ودم. ما الذي جعلني أذهب هذا المذهب، ودفعني من ثم للبحث والسؤال والقراءة وإعادة القراءة عن حياة أبي فراس؟
مرة شاهدت مسلسلاً تلفازياً عن الفترة التي عاش فيها أبو فراس، وأظن أن المسلسل حمل اسم الشاعر، ولاحظت أنه كان على علاقة بامرأة من قوم آسريه، ويبدو أنها وقعت في حبه، فأخذت تزوره وتتحدث معه. يومها تساءلت: أهي الحمامة في قصيدة الشاعر؟ يطيرُ الحمام.. يحطُّ الحمام.
براز الحمامة وفرخيها الساخن يلصق بالبلاط، ويحتاج تنظيفه إلى جهد، وقد نبهني إلى ضرورة الالتفات إلى شبابيك شقتي التي لم ألتفت إليها لفترة، وهكذا وجدت براز الحمام الذي جف، وحين يجف يسهل تنظيفه تقريباً، وهكذا بدأت مهمة أخرى: تنظيف الشايش ومتابعته أسبوعياً. وتذكرت مقدمة طه حسين لرواية اسحق موسى الحسيني "مذكرات دجاجة" (1943) وما أورده من أبيات شعر عربية فيها:
أبنات الهديل أسعدن أو عدْ نَ قليل العزاء بالإسعاد
إيه لله درّكن فأنتـ نَ اللواتي تحسن حفظ الوداد
وتساءلت: هل سأكتب، ذات يوم، رواية عنوانها: مذكرات حمامة؟ ومن المؤكد أنني لن أفعل هذا، حتى لا يذهب كثيرون إلى أنها رواية رمزية، وأن اللفظ ذو إيحاء جنسي، وقد يكون وقد لا يكون، ولا أدري لمَ لمْ أستخدم هذا الدال في روايتي "الوطن عندما يخون"!
ما زال منظر القطة، وهي تفترس فرخ الحمام، يلازمني ويشعرني بتأنيب الضمير.
هل كان إبراهيم طوقان أراحني حين كتب قصيدته "الحبشي الذبيح" وهي قصيدة ذات بعد رمزي، فقد قابل فيها بين الجزّار والحبشي وبين الدول المستعمِرة ودول العالم الثالث المستعمَرة؟ من يذكر القصيدة؟
برقت له مسنونة تتلهّبُ أمضى من القدر المتاح وأغلبُ
و.. و.. ظلمت القطة، والحق.. كل الحق على.. عليَّ أنا!!
٩
غزة وسربية سميح القاسم : أنا متأسف
31 آب 2014
في أثناء الحرب على غزة استحضرت نصوصاً أدبية قديمة لأدباء كانوا رحلوا عن عالمنا: معين بسيسو ومحمود درويش ويوسف الخطيب.
أدرجت هذه على صفحات الفيسبوك وأنجزت عنها مقالات في الصحف، لم يشهد معين بسيسو (1984) ومحمود درويش (2008) أياً من حروب غزة الثلاث في السنوات الست الأخيرة، وكان يوسف الخطيب كتب قصيدته "رأيت الله في غزة" إبان الانتفاضة الأولى. وفي أثناء الحرب على غزة كان الشاعر سميح القاسم يكابد أوجاع السرطان الذي أخذ يفتك في جسده، وكان سميح قد شهد الحروب الثلاث 2008 ـ 2009/2012/2014، ومع ذلك فلم يلفت نظري أي نص له عن غزة.
ربما أنا الملوم بسبب عدم قراءتي نصوص سميح قدر قراءتي نصوص درويش، لكن أيضاً لا أقرأ نصوص معين قدر قراءتي نصوص درويش، بل إنني قليلاً ما قرأت يوسف الخطيب الذي سرعان ما تذكرت قصيدته الوارد ذكرها. لماذا؟ الآن عنوانها لافت؟ ولماذا تذكرت نصوص درويش ومعين ولم أتذكر نصوص سميح؟ الأن غزة وردت في عناوين بعض كتابات درويش؟ ولأن معين هو ابن غزة؟ ربما.
قصيدة سميح القاسم التي حضرت في الحرب على غزة هي قصيدة "تقدموا، تقدموا"، وقد بثت مغناةً بكثرة، وهي قصيدة كتبها الشاعر في أثناء الانتفاضة الأولى، وذاعت ذيوع قصيدة درويش "عابرون في كلام عابر"، بل إنها غالباً ما درست معها، كما فعل ناقد هو المثنى عطية الذي درس القصيدتين وأصدر دراسته في كتاب ضم أيضاً القصيدتين.
هل كانت حربا غزة 2008 ـ 2009/2012 مرّتا دون أن يكتب عنهما سميح شيئاً، هو الذي ما مر عام عليه، في العقود الأخيرة، إلاّ أصدر ديوان شعر، وكانت الأحداث الكبيرة محفزاً له للكتابة؟ إن عدد دواوين سميح يقول لنا إنه كان يصدر كل سنة، تقريباً، ديواناً: ستون ديواناً في مسيرة شعرية قاربت الـ 56 عاماً.
ومن المؤكد أن الشاعر كتب عن غزة، وخص حروبها بقصائد. سربية "أنا متأسف" (2009) كتب بوحي من حرب غزة الأولى.
في مقابلة أجراها محمد بكري مع سميح، وبثتها الفضائية الفلسطينية مراراً، وآخرها صباح الجمعة 22/8/2014، لمناسبة موت الشاعر، قال سميح إنه كتب هذه السربية، بعد حرب غزة 2008/2009، وأنه تأثر لمناظر القتل ولعدد الإعاقات، وأنه فيها يدحض الفكر الصهيوني الرجعي وينقضه.
دحض الفكر الصهيوني ونقضه بدأ في الأدب الفلسطيني منذ قرأ الفلسطيني نجيب نصار في 1905 مقالة بالإنجليزية عن الحركة الصهيونية ومشروعها في فلسطين، واستمر هذا النقض والدحض منذ ذلك التاريخ: سليمان التاجي الفاروقي وأشعار إبراهيم طوقان "في الرد على رئوبين شاعر اليهود" وناصر الدين النشاشيبي "حفنة رمال" (1962) و"حبات البرتقال" (1964) وغسان كنفاني "عائد إلى حيفا" (1969) ومحمود درويش "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" (1968) و"الكتابة على ضوء بندقية" (1971) وسميح القاسم "إلى الجحيم أيها الليلك" (1977) و"الصورة الأخيرة في الألبوم" (1976) ومن قبل هذين العملين رواية إميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974) و.. و.. حتى أنني في العقود الثلاثة الأخيرة غدوت أخوض في هذا الموضوع، وفي هذه النصوص، كما لم يخض أحد فيها من قبل.
حقاً لمَ لمْ تبرز هذه السربية إلى وسائل الإعلام في الحرب الأخيرة على غزة؟ لمَ لمْ تنشر منها مقاطع على صفحات الفيسبوك وفي الجرائد؟ ألأنها قصيدة طويلة يصل عدد صفحاتها إلى 146 صفحة؟ أم لأنها قصيدة فكرية بالدرجة الأولى، وكما أقر سميح فإنه أراد منها أن يدحض الفكر الصهيوني؟ أم لأن الكتابة عن غزة فيها كانت قليلة وباهتة، وبالتالي فإنها بدت وكأنها لا تمت إلى غزة بصلة؟ أم لأن الشاعر فيها يكثر من عبارات لا يستسيغها الناس إبان الحرب الوحشية المدمرة؟
ترد العبارات التالية في السربية بكثرة، بخاصة في الصفحات الأخيرة: أنا يا أخي يا عدوي، يا صديقي اللدود، يا صاحبي وعدوي، أخوك أنا يا عدوي اللدود، أخوك فلا تختصرني، يا أخي وعدوي العزيز، يا صاحبي وعدوي اللدود، يا أخي وعدوي الوجيه، فهل كانت هذه العبارات، مثلاً، سبباً مهماً في عدم الالتفات إلى السربية؟ وهل هي السبب الأهم؟ أم يعود السبب إلى أن زمننا ما عاد زمن الشعر؟ أم أن إكثار سميح من الكتابة هو المسؤول عن عدم شيوع أشعاره وحفظها ومتابعتها، وهو ما أشرت إليه في مقال الأحد الماضي؟
في كتابه "ولدت هناك.. ولدت هنا" (2009) يتوقف مريد البرغوثي أمام غزارة الكتابة، فيكتب: "يقولون إن الوجع الدائم يشكل باعثاً على الكتابة، ولا أصدق هذا الهراء. الوجع يشكل عائقاً للكتابة أحياناً. أعد نفسي شاعراً مقلاً في نهاية المطاف وأعجب لأولئك الذين ينشرون أربعين أو خمسين ديواناً بحجة أن معاناتهم "مستمرة".
الوجع التاريخي عبء على القصيدة، لأن تاريخيته تعني أنه مزمن، وكل مزمن ممل، من التهاب الرئة إلى التهاب القوافي...." ويتابع الكتابة عن رأيه في شعر المقاومة: "نحن نعيش "وجعاً مزمناً" و"مقاومة مزمنة" منذ أكثر من قرن. شعراء العالم كتبوا شعراً مقاوماً لسنة أو سنتين ثم عادوا لشعر الحياة العادية. كم سنة يقاوم الناس وكم سنة يكتب شعراؤهم شعراً مقاوماً. المقاومة الفرنسية لم تزد على أربع أو خمس سنوات عاد بعدها آراجون دايلوار، وسواهما إلى تجريبهم الشعري ولعبهم الجمالي على هواهم." (245/246).
رأي مريد رأي فيه نظر، ويمكن أن يساءل، ويمكن أن يؤخذ به جزئياً، ويمكن أن تبدى فيه وجهات نظر مؤيدة ومناقضة".
كل مزمن ممل، من التهاب الرئة إلى التهاب القوافي". ـ ألاحظ هذا حقاً، فحين تزورني أخواتي ونتحدث عن داء السكر المزمن فينا، يمل أولادهم وقد يعقبون ساخرين منا: سكر، سكر، سكر، دائماً الحديث عن السكر ـ ولكن السؤال الذي يُسأل هو: ماذا لو عاشت فرنسا سبعين عاماً تحت الاحتلال النازي، لا أربع أو خمس سنوات فقط؟ هل كان آراجون وآيلوار سيكفان عن كتابة شعر المقاومة؟
وكما ذكرت، فإن الكتابة عن غزة في "أنا متأسف" التي أنجزت في شهرين على أكثر تقدير، (الرامة 21/1/2009 في نهاية الديوان/ السربية) تبدو خجولة، بل إن دال غزة لم يتكرر إلاّ مرات قليلة جداً، وهذا إذا ما قورن بكتابة محمود درويش النثرية "صمت من أجل غزة" (1973، يوميات الحزن العادي) بدا شاحباً وقليلاً. ألتكرار دال غزة في النصين أهمية وباعث على الانتشار والتذكر؟ ربما.
في ص55 يأتي سميح على الحافز الرئيس الذي جعله يكتب: فقدان الشاب الغزي لؤي بصره بسبب الحرب، وبتر ساقي الشابة جميلة، وقصتهما قصة حرب، لا قصة حب مثل قصة قيس وليلى وروميو وجولييت، فماذا يقول الصهيوني؟ يقول سميح: "لقيس وليلى حكاية حب جميلة/ ولروميو وجولييت رواية عشق طويلة/ فماذا تقول لعينيّ "لؤي" وماذا تقول لساقي "جميلة"؟ / أتعرف كيف تقول "أنا متأسف"/ أتعرف؟" (55، 56).
"لماذا تقص الجديلة/ لتجدل مشنقة تتدلّى عليها رقاب الطفولة/ وتسمل عينين حالمتين بنور قليل/ يجوب السماء القليلة/ أتغلب عيناً سملت وتغلب ساقاً بترت/ وتغلب قلباً سحقت ورأساً قطعت/ أتغلب؟ لا أنت تهزم/ وتذوي وتهرم/ وأنت تهون وتسقط.. والله غالب/ هو الله غالب/ فقل متأسف/ أنا متأسف".
سميح القاسم المتكلم في القصيدة يتأسف للإسرائيلي الصهيوني، فولادة سميح هي السبب في قتله، ولو لم يولد لما كان اليهودي الصهيوني قاتلاً. سخرية لا شك، ودال: أنا متأسف هو الأكثر حضوراً في النص الذي يعيد فيه سميح مقولات ظهرت في نثره ومقالاته وهو يدحض الأدب الصهيوني يوم كان شيوعياً وملتزماً. وربما تذكر المرء وهو يقرأ "أنا متأسف" رواية أحمد حرب "الجانب الآخر لأرض المعاد" وما قاله إميل لليهود وهو يحاورهم: فقط اعترفوا بأخطائكم وبما ارتكبتم، ولنعش معاً في دولتين. وآمل ألاّ تكون الذاكرة خانتني.
١٠
خفة دم رئيس الوزراء المحتملة :
رئيس الوزراء - أسعد الله طلته البهية - أعلن ما لم يعلن من قبل ، وأتى بما لم يأت به الأوائل .
" الفلسطينيون يريدون دولة بلا مستوطنات ، وهذه سياسة تطهير عرقي لليهود " .
شو مالهم أبناء عمنا في هذه الأيام ؟
أبو مازن كان مخابرات روسية ، والفلسطينيون يريدون ممارسة تطهير عرقي .
كل الحق على المؤرخ اليهودي اليساري التقدمي ( ايلان بابيه ) صاحب كتاب " التطهير العرقي " . إنه هو - من حيث لم يدر - من نبه ( نتنياهو ) رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى هذا المصطلح .
أكان من الضروري أن تكتب يا صديقنا ( بابيه ) عن تطهير عرقي ؟
الله المستعان به .
١٠ / ٩ / ٢٠١٦
١١
إدارات الجامعات الذكية :
في ( بون ) حضرت فصلا مكثفا ل ( آنيماري شيمل ) .
أعطت ( انيماري شيمل ) محاضرات الفصل كاملة في أسبوعين وانصرفت إلى أبحاثها وما عادت تنفق وقتها في الثرثرة مع زملائها والغيبة والنميمة .
حسب ما أعرف فإنها ألفت ما يربو على الثمانين كتابا وحاضرت في جامعات أوروبية وغير أوروبية .
أساتذة العلوم الإنسانية في جامعاتنا لا يقلون قيمة وأهمية عنها في أبحاثهم ونشاطهم ومشاركتهم في المؤتمرات ، على الرغم من أن إدارات جامعاتنا تصر على الدوام خمسة أيام في الأسبوع ، وعلى الرغم أيضا من جلسات الود والأنس وأكل الكنافة في المناسبات .
سألت طلابا من الجامعة عن كتب الأساتذة الذين يدرسونهم فاكتشفت جهلي وجهل الطلاب .
لماذا نأتي إلى الجامعة خمسة أيام في الأسبوع ؟
أنا اقرأ وأكتب في العطل والإجازات .
ربما تخشى إدارات جامعاتنا علينا من الملل والزهق والمفسدة ، فالفراغ مفسدة أية مفسدة !
10 ايلول 2018.
١٢
اليوم ألقيت ندوة في ( برلين ) :
اليوم ألقيت ندوة في مدينة ( برلين ) . والصحيح أنني ذهلت لبخل الألمان وسوء استقبالهم لي .
لم يكن أي شخص في استقبالي . شابة واحدة سألتني إن كنت المحاضر ، ويبدو أنها لاحظت الحطة والعقال فعرفتني . لم أجد من يقدمني إلى الجمهور فيعرف بي . ولم أر زجاجة ماء أو كأس شاي .
لم يدعني أحد بعد انتهاء المحاضرة لتناول مشروب .
كل ما حدث أن الشابة سألتني إن كنت على استعداد لإعطاء سلسلة محاضرات في الموضوع وأنا لم اسأل عن ثمن تذكرة الطائرة ، فأنا أعرف أن الاقتصاد الألماني لا يحتمل وأن وزارة الثقافة الفلسطينية أكرم من مؤسسة ال ( Daad ) الألمانية .
لو أعطيت المحاضرة في مبنى حمدي منكو لاختلف الأمر كليا . حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال. ما شاء الله على الكرم العربي !
ما شاء الله على بلدية نابلس !
الحق كل الحق على المفتي والمستشار ( ادولف هتلر ) .
11 ايلول 2018
١٣
لا أحد يعرف زمرة دمه
مايا أبو الحيات والثورة الفلسطينية :
ما الصورة التي تبرز للثورة الفلسطينية في الأدبيات الفلسطينية؟
كيف كانت صورة الفدائي الفلسطيني منذ أشعار ابراهيم طوقان وقصة غسان كنفاني " العروس " وروايته "أم سعد" ؟
وكيف صارت هذه الصورة في أدبيات متأخرة مثل رواية سامية عيسى "حليب التين " ورواية مايا أبو الحيات " لا أحد يعرف زمرة دمه " وقصيدة محمود درويش " أنت، منذ اليوم، غيرك "؟
منذ بدأت الفصائل تتدخل في الزواج والطلاق وشرب البيرة والتفتيش عن علبها في السيارات تم تحرير ٨٠ بالمائة من فلسطين وبقي تحرير ال ٢٠ بالمائة . وإلا ما معنى قول الشاعر :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
المهم الأخلاق وحراسة الفضيلة.
ابشروا !
١٠ أيلول ٢٠١٩
١٤
هل الكاتب منذور للقتل؟ الكتابة مهنة متاعب ( ناجي العلي وغيره : غسان كنفاني ونجيب محفوظ مثالا )
كم مرة تعرضت للتهديد بسبب الكتابة ؟
في أثناء عملي في الوكالة :
- يوسف رضا
- قصة " أين ذهب فيصل ؟"
نص " ليل الضفة الطويل "
- التهديد بالفصل من العمل
- محاولة الاعتداء علي في منطقة " عيون الحرامية " ليلا بين نابلس ورام الله .
اتصال شخص عبر الهاتف شتمني شتيمة بذيئة .
- Feras Rafdan في كانون الأول ٢٠١٧ تهديد بسبب منشور على الفيس بوك .
- جوال رقم 0595651471
ظل يتصل مرارا فلما اتصلت به من جوالي ٠٥٩٨١٠٠٧٣٤ ردت امرأة وسألتني من أنا فهددتها بالذهاب إلى الشرطة إن واصل صاحب الهاتف الاتصال .
الخوف من السفر إلى الأردن .
الخوف من التنقل .
ذكر اسم إحدى طالباتي في " بوست " مع أن السبب علمي بحت / في مجتمع يرضخ للعادات والتقاليد ولا يعرف من العلم إلا فك الحرف لوظيفة .
التهديد من اسم مستعار عبر الماسنجر بحجة الكتابة السلبية حتى نبهت صاحب الكتابة إلى ما كتبته عن خميس الفار ونعيم اللحام .
محاولات تخويفي من كثيرين .
في رام الله وحوار ساحن مع عزت الغزاوي وابنه جاد .
كتاب عزت ضدي إلى رئيس الجامعة بسبب مقال لم ينشر " قل للاخيطل لم تبلغ موازنتي " وبسبب مقال " شيكات بلا رصيد " .
والآن :
بعد ما نشرته من كتاب د.خالد تركي عن كتاب " سفر برلك " ووثيقة عبد العزيز بمنح فلسطين لليهود .
آخر جدل لي مع د.خليل قطناني حول مقالي عن رواية حيدر حيدر " حقل أرجوان " وما نبهني إليه وتوضيحي له أن الأمر لا يعنيني فأنا ناقد روائي والملوم هو حيدر حيدر والدكتور نافذ العينبوسي .
١٥
الست كورونا : بوتين واللقاح والتأثيرات الجانبية ( 70 )
الحديث الدائر الآن هو عن التطعيم الذي يفترض أن ينجز يوم الأحد القادم في المدارس .
ثمة منشورات تعمم عبر الماسنجر تحذر أولياء الطلبة ، هنا وفي الأردن ، من إرسال أبنائهم ، يوم الأحد ، إلى المدارس حيث من المفترض ان يبدأ التلقيح الذي سيتم إرساله من الإمارات .
أحد المنشورات وهو مصوغ بلغة عربية تحفل بالأخطاء النحوية يربط بين اللقاح وقيام الساعة ، فمن علاماتها كثرة الموتى وتسارع الموت ، لتخلو الأرض من السكان إلا لقليلين هدفهم من وراء تعميم اللقاح جني الأرباح - ماذا سيفعل أصحاب الشركات من وراء جني الأرباح إن قامت القيامة ؟
هل يريد صاحب المنشور الذي اعتمد على حديث لا أعرف مدى صحته ، هل يريد من خلال تحذيره الناس ألا يأخذ أبناؤهم التلقيح ، هل يريد تأجيل القيامة ؟
ربما لم أفهم المنشور جيدا !
وثمة سخرية من اللقاح الروسي ، فالمكتوب بالانجليزية في رسم كاريكاتوري أن اللقاح الروسي لا تأثيرات جانبية له ، والصورة تظهر الرئيس الروسي ( بوتين ) بنهدين كبيرين لافتين ، ورحم الله جارنا " أبوعوض " .
كان " أبو عوض " مسؤولا عن توزيع المياه في المخيم ، وكان اللافت في تكوينه الجسدي هو امتلاكه " بزا " كبيرا في مؤخرته . هل كان أبو عوض الذي توفي قبل عقود ، هل كان - رحمه الله - تلقح باللقاح الروسي ضد الكورونا ؟
١٠ أيلول ٢٠٢٠
١٦
يا زكريا : اظهر وبان عليك الأمان
للسخرية لدى أبناء العمومة حضور لافت ، فبعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ ظهر في الأدب العبري المسرح الساخر الذي كتبه ( حانوخ ليفين ) وقد تلقاه كتابنا وشعراؤنا فكتبوا عنه وترجموه . من محمود درويش الذي تأثر به في كتابه " يوميات الحزن العادي " إلى سلمان ناطور في مونولوجه " كاتب غضب " وانطوان شلحت الذي ترجم نصوص ( ليفين ) .
أكثر من شريط فيديو تم تناقلها تصور بعض الإسرائيليين يبدون ردات فعل ساخرة إزاء تحرير السجناء الستة أنفسهم ، وقد ربط قسم من الكتاب ورسامي الكاريكاتور الإسرائيليين بين الحدث ونتيجة مباراة فريق القدم الإسرائيلي مع نظيره الفريق الدانماركي حيث هزم الثاني الأول بخمسة أهداف مقابل صفر .
لماذا لم يسجل الرياضيون الدانماركيون الهدف السادس حتى تتطابق النتيجة مع عدد السجناء الفلسطينيين ؟
على بعض شواطيء الدولة العبرية كان ثمة متنزهون يهود يحملون ميكروفونا يصرخون من خلاله على زكريا الزبيدي :
- يا زكريا ! يا زكريا ! وينك ؟
كما لو أنهم يقولون له :
- اظهر وبان عليك الأمان .
كما لو أن السخرية من الدولة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية وشرطتها وجيشها بلغت الذروة ، إذ بعد مرور أيام لم يتمكن هؤلاء كلهم من إلقاء القبض على " اشجع مقاتلي الحرية " كما وصفهم الكاتب الإسرائيلي الشجاع ( جدعون ليفي ) ، وما دام الأمر كذلك ، فلا بأس إذن من تجريب وسيلة أخرى تتمثل بمخاطبة زكريا وديا !!
- يا زكريا اطلع وبان عليك الأمان !
على شاطيء البحر وفي الغابات القريبة من حيفا كان بعض الإسرائيليين يحملون المايكروفونات وينادون على زكريا ، وكان قسم من الكتاب الفلسطينيين ، ومنهم الكاتب فاروق وادي انبرى ليرد على الكاتب المصري يوسف زيدان الذي رأى أن حدث الهروب فيلم هندي وتمثيلية ليس أكثر .
ما زالت أخبار السجناء الستة تشغل عقول المحللين السياسيين ، وما زال بعض النشيطين الفيسبوكيين يتناقلون صورة الكتاب الذي عزي صدوره إلى مكتب الرئيس أبو مازن ، ويعقبون على ما آل إليه الفلسطينيون بسبب اتفاق أوسلو والتنسيق الأمني و ... وضرورة العمل على إلقاء القبض على السجناء وإعادتهم إلى سجنهم ليتم إخراجهم ب " المقاومة السلمية " التي يدعو إليها الأخ القائد الرمز ، وكل من يحكمنا هو " أخ وقائد ورمز " و " اللي مش عاجبه يشرب من بحر غزة أو البحر الميت " .
نحن في ورطة حقا .
١٠ أيلول ٢٠٢١
١٧
" كل أرض الشام منفى !! "
في رواية غسان كنفاني " أم سعد " ( ١٩٦٩ ) تعقب أم سعد على كلام الراوي الذي استغرب ألا يوقع سعد على ورقة ليخرج من السجن بعد أن اعتقلته الشرطة اللبنانية لمشاركته في عمل سياسي ، وكان هذا في ستينيات القرن العشرين :
- طيب ؟ أنت غير محبوس ، فماذا تفعل ؟
وترى أن المخيم حبس والبيت حبس والمختار حبس والجريدة حبس والراديو والباص والشارع وأعمارنا ، وترى أن الفلسطينيين منذ طردوا من بلادهم وأقاموا في المخيمات محبوسون " أنت توهم نفسك يا ابن العم بأن قضبان الحبس الذي تعيش فيه مزهريات ؟ " والخلاصة أننا كلنا محبوسون ، ولسوف يعبر محمود درويش في ديوانه " حالة حصار " ( ٢٠٠٢ ) ، وكان مقيما في رام الله المحاصرة ، عن الفكرة نفسها كاتبا عن أصدقاء له يقيمون في العالم العربي يشعرون أنهم حيث يقيمون يشعرون بأنهم أيضا محاصرون :
" لنا إخوة خلف هذا المدى
إخوة طيبون ، يحبوننا ، ينظرون إلينا
ويبكون ، ثم يقولون في سرهم :
" ليت هذا الحصار هنا علني ... "
ولا يكملون العبارة : " لا تتركونا
وحيدين .. لا تتركونا " .
تذكرت كلام أم سعد ، وتذكرت مقطع محمود درويش ، وأنا أكتب عن رواية المنفى في الأدب الفلسطيني وأفكر في معايير تحديد " المنفى " .
هل رواية المنفى الفلسطينية هي التي كتبها فلسطينيون خارج فلسطين ؟
إن كانت الإجابة بنعم ، فكيف ننظر إلى الروائيين الذين أقاموا بعد نكبة ١٩٤٨ في الضفة الغربية وقطاع غزة - أي بقية فلسطين التي احتلت في حزيران ١٩٦٧؟
قادتني التساؤلات إلى البحث عن دال المنفى وأدب المنفى وما يندرج تحته ، وأثارت لدي ولدى بعض الكتاب العرب تساؤلات منها :
- كيف ننظر إلى الروائيين الفلسطينيين الذين يقيمون في البلدان العربية ، وقسم من هؤلاء ولد في تلك البلدان وحصل على جنسيتها ويعامل مثل أبنائها ؟
- هل يندرج ما كتبوه تحت مسمى أدب المنفى الفلسطيني أم أنه يعد أدبا وطنيا يحدده جواز سفر الدولة التي يحملها صاحبها ، بخاصة إذا ما تمتع بحقوق مواطنة كاملة ؟
في تعريف أدب المنفى ، كما ورد في بعض معاجم الأدب ، فإنه الأدب الذي يكتبه كاتب يجبر على الإقامة خارج وطنه او كاتب تتعرض كتابته لاضطهاد سياسي أو ايديولوجي أو لرقابة أو منع من السلطة الحاكمة ، ولو في بلده ، أو يتعرض هو وأبناء شعبه لاضطهاد عنصري أو ديني ، وبناء على الكلام السابق فإن الأدب الفلسطيني المقاوم كله أدب منفى حتى ما كتب منه في فلسطين المحتلة ، لأنه خضع للرقابة وخضع كتابه أيضا لاضطهاد قومي .
ولكن هل يعد الأدب الذي يكتبه كتاب هاجروا من مدنهم وقراهم هجرة طوعية أدب منفى ؟
أجبرت عائلة غسان كنفاني في العام ١٩٤٨ على الرحيل من عكا ويافا ، ولكن جبرا ابراهيم جبرا غادر مدينته بيت لحم طوعا ، فهل يعد ما كتبه الثاني أدب منفى ؟
الأمر نفسه يمكن ملاحظته في أثناء قراءة سحر خليفة المولودة في نابلس التي احتلت في ١٩٦٧ وكتبت فيها أبرز رواياتها ثم غادرتها طوعا . هل يعد ما كتبته خارج فلسطين " أدب منفى " ، علما بأنها لم تتعرض لملاحقة أو سجن أو نفي ؟ ربما يعد أدبها أدب منفى اعتمادا على معيار الجندر / الجنس - أي الذكورة والأنوثة فقط ، فهي تشعر ، كونها أنثى ، بالاغتراب في مجتمع ذكوري .
هناك روائيون فلسطينيون غادروا فلسطين طوعا وأقاموا في بلدان لم تقمعهم ولم تقمع كتاباتهم ولم يتعرضوا لأي رقابة أو ملاحقة ، فهل نعد أدبهم " أدب منفى " ؟ أم أنه يجب دراستهم تحت عنوان آخر هو " الرواية الفلسطينية في خارج الأرض المحتلة " ؟
هل توجد إذن رواية منفى في الأدب الفلسطيني غير الرواية التي كتبها غسان كنفاني ومن مر بتجربة شبيهة لتجربته ؟
التساؤلات ذاتها يمكن تعميمها على كتاب القصة القصيرة والشعر والمسرح مثل سميرة عزام ومعين بسيسو وأحمد دحبور ومحمد القيسي ومريد البرغوثي وعز الدين المناصرة ؟
وقياسا على ما سبق ننظر إلى محمود درويش بعد خروجه من الأرض المحتلة .
هل يعد أدبه بعد خروجه ، طوعا ، أدب منفى ؟ أم أنه يجب أن ينظر إليه من زوايا أخرى عديدة منها أنه حين كان يقيم في فلسطين تعرض للملاحقة والاضطهاد وتعرض أدبه للرقابة ، وأنه لو أراد ، وهو خارج فلسطين ، العودة إلى بلده ، فلن يستطيع ؟ ثم أنه بعد عودته إلى الضفة الغربية وقطاع غزة شعر بأنه لم يعد إلى وطنه ، فلم يعد إلى حيفا ، ولم يشعر أن رام الله هي مدينته . إنها مدينة يقيم فيها ليس أكثر ، فلا ماضي له فيها ولا ذكريات ، كما كتب في قصيدته إلى سليمان النجاب " لا ماضي لي فيها سواك " ، وفوق ، ذلك فإنه حين كان يعبر الجسر عائدا إليها ، كان يرى نظرات جنود الاحتلال غير المريحة ، وحين أراد العودة إلى حيفا طلبت السلطات الإسرائيلية ممن تابع طلب العودة موافقة الشاعر على شروط خجل إميل حبيبي أن يقولها له ، لأنها شروط مذلة ، فعاش الشاعر المنفى في الوطن وشهد احتلال رام الله ثانية في ٢٠٠٢ .
وقد أكون نفسي وقعت في التباس وأنا أكتب ورقتي لمهرجان القدس الثاني عشر في بيت لحم ( أيلول ٢٠٢١ ) ، إذ نظرت إلى روائيين على أنهم كتاب منفى علما بأنهم خرجوا من فلسطين طوعا ولم يتعرضوا هم وكتابتهم للملاحقة ، وأنهم إذا ما قرروا العودة فلن يمنعهم أحد ؟ هنا أذكر سحر خليفة ونوال حلاوة وليلى الأطرش وأنور حامد على سبيل المثال .
" كل أرض الشام منفى " سطر شعري كتبه درويش ، فهل المقيمون منا في فلسطين تحت الاحتلال والمقيمون خارجها بعيدين عنها ، هل كلهم يقيمون في المنفى ؟ ؛ الأولون يعيشون المنفى في الوطن ، بسبب الاضطهاد العنصري والشعور بأنهم أقلية ، والأخيرون ، بخاصة ممن لا يسمح لهم بالعودة، ويعيشون بعيدا عن الوطن ؟
ما يجب ألا ننساه هو أن الفلسطينيين في كثير من البلدان العربية التي هاجروا إليها ما زالوا يعدون غرباء ويقيمون في مخيمات تقول لهم إنكم من هناك ، وما حدث لفلسطينيي العراق بعد ٢٠٠٣ يقول كل شيء فبعد أربعة وخمسين عاما من الإقامة فيها معززين مكرمين أخذ قسم من العراقيين ، بعد سقوط بغداد في ٢٠٠٣ ، ينظر إليهم على أنهم فلسطينيون غير مرحب بهم بل وطرد القسم الأكبر منهم من العراق . وما يقول إن الفلسطينيين العائدين إلى الضفة الغربية وقطاع غزة ولم يعودوا إلى حيفا وشعورهم بأنهم ما زالوا يعيشون المنفى بيت شعر الشاعر أحمد دحبور :
" أنت في المنفى وفي المنفى وفي المنفى وإن سميته وطنا " .
لعلني مخطيء والموضوع يستحق المزيد من التفكير .
١٠ أيلول ٢٠٢١
( مقالي الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية ل ١٢ أيلول ٢٠٢١ متوسعا فيه ) .
١٨
الخميس والجمعة كنت في حيفا في حفل توقيع كتابي الجديد " الفلسطيني في الرواية العربية " . لم أكتب حتى اللحظة عن زيارتي الأخيرة وهذه كتابة قديمة .
٢٠٢٢
١٩
مجزرة المواصي / خان يونس في هذا الصباح
١٠ / ٩ / ٢٠٢٤
" صبرا هوية عصرنا حتى الأبد "
محمود درويش في " مديح الظل العالي " .
طلع في صبراوات لا صبرا واحدة وشاتيلات لا شاتيلا واحدة .
الشاتيلا أنبتت شاتيلات .
" دم طازج
والأزقة تسعى لأقواتها "
علي الخليلي في " الضحك من رجوم الدمامة " .
٢٠
( مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية ١٥ / ٩ / ٢٠٢٤ ) :
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
خيمة للخلوة .. خيمة للعزلة
في ٣ حزيران ٢٠٢٤ كتب ابن غزة شجاع الصفدي منشورا عنوانه " خيمة للعزلة " أتى فيه على فكرة طرأت على ذهن صديق له فحواها إقامة خيمة لخلوة شرعية للأزواج ممن يرغبون في ممارسة علاقتهم الزوجية ، بعيدا عن الخيام المتلاصقة المكتظة بالبشر في مخيمات النزوح الجديدة منذ ٧ أكتوبر ، حيث افتقد الناس خصوصياتهم ، فأصبحت أخبارهم على مسمع جيرانهم ، وقبل ذلك على مرأى أبنائهم .
شجاع لم يحتج خيمة للخلوة ، فهذا ما لم يشغله كثيرا ، ولكنه احتاج خيمة للعزلة ، ليفكر في اقتراح صاحبه وما طرأ على ذهنه في هذا الواقع القاسي ، حيث الصراخ والضجيج بين ساكني الخيام ، وهو " خيمة للعزلة " ، وغالبا ما احتاج الكتاب إلى حيز خاص بهم يكتبون فيه ، علما بأن سبب تفكيره بخيمة للعزلة يعود إلى ما سمعه من صديقة عبرت عن أمنيتها بالحصول على مكان تسترخي فيه ، فلا يزعجها أحد ولا يلتفت إلى خصوصيتها ، ويعود أيضا إلى ما شاهده في الأسواق وبين الخيام .
عندما قرأت الفكرة التي طرأت على ذهن صديقه كتبت " أجمل نص قرأته في كتابات كتاب غزة منذ بداية الحرب : المضحك المبكي " ، وشجاع عقب على اقتراح صديقه بعبارة " المضحك المؤلم " .
كانت تعليقات القراء على ما كتبه متفاوتة وحافزا لكتابة حول الكتابة .
مر الأمر الذي لفت نظري من قبل موضوع شبيه له هو وقوف الغزيين طوابير طوابير أمام المراحيض ، وهذا ما كتبت عنه مقال " مأساة الفلسطيني في حياته اليومية : الحمامات " ( الأيام ٢١ / ٤ / ٢٠٢٤ ) .
في الأسبوعين الأخيرين تحدثت الطبيبة المتخصصة بالصحة الجنسية والإنجابية الغزية إسراء صالح في حوار معها ( عبر بودكاست ) عن تخصيص غرفة في مراكز إيواء اللاجئين الفلسطينيين ، ثم لاحقا خيمة في مخيمات الخيام ، ليقيم - لساعات فيها - الأزواج الراغبون في الإنجاب ، أو الراغبون في ممارسة علاقتهم الحميمة ، أو الأزواج الجدد .
تساءلت إسراء إن كان ثمة خصوصية لهؤلاء ، فالكل في مراكز الإيواء أو في خيمة المخيم يعرفون سبب ذهاب الأزواج إلى الغرفة أو الخيمة .
حديث إسراء كان له صدى كبير تعددت الآراء فيه واختلفت . صدى أوسع بكثير من صدى كتابة شجاع والسبب واضح ومعروف ، فعدد مشاهدي شريط فيديو أو متابعي لقاء تلفازي أضعاف أضعاف القراء .
المقال والحديث استثارا في ذهني حكايا شاهدتها ، أو سمعت عنها ، أو قرأت حولها ، تؤكد ما علقت به قارئة عن الخصوصيات في المخيمات منذ إقامتها بعد العام ١٩٤٨ ، وهو :
- ومتى كان هناك خصوصيات في مخيمات اللجوء ؟
ربما كان أجدادنا وآباؤنا يخجلون من الخوض في هذا الموضوع في خمسينيات القرن العشرين يوم عاشوا عشر سنوات في المدارس أولا وفي الخيام ثانيا ! ربما خجلوا من قص حكايات بعض شاذين أو شبقين جنسيا يتسللون ليلا إلى خيام مجاورة لخيمتهم ، وأذكر أن أحاديث شباب المخيم لم يكن يخلو من حكايات التلصص على بيوت الجيران والإصغاء إلى ما كان يدور فيها بين الأزواج من أحاديث وما يصدر عنهم من حركات ، وكانت مثل هذه الحكايات تتناقل وتشيع وتنتشر بسرعة . لقد كانت موضوعا متداولا محببا . لم تكن الخيمة تستر ولا كانت غرف الوكالة أيضا تخفي ، فشبابيكها وأبوابها كانت من ألواح خشب بينها فراغات تمكن أحيانا من الرؤية ، وما أكثر الأشقياء والفضوليين والمرضى نفسيا !
فيما كتبه الشاعر أحمد دحبور بعنوان " فصول من سيرة ذاتية " ، عن مكان إقامتهم بعد النكبة ، ما يخبرنا عن انتفاء أي خصوصية للاجئين . يحكي أحمد عن الثكنة التي أقاموا فيها والغرفة التي كانت من نصيب عائلته ، فلما تزوج أخوه الكبير مصطفى قسمت أمه الغرفة بالبطانيات إلى شطرين .
السؤال عن مكان لعريسين فلسطينيين يقضيان فيه ليلة الدخلة ألح على محمود درويش بعد الشتات الفلسطيني إثر الخروج من بيروت حيث فقد الفلسطينون خيمتهم الأخيرة " بيروت خيمتنا الأخيرة " . في قصيدة " مطار أثينا " ١٩٨٣ نقرأ :
" في مطار أثينا انتظرنا سنينا . تزوج شاب فتاة ولم يجدا غرفة للزواج السريع . تساءل : أين أفض بكارتها ؟ فضحكنا وقلنا له : يا فتى ، لا مكان لهذا السؤال " .
وتعد رواية سامية عيسى " حليب التين " أشمل نص أدبي فلسطيني أتى على افتقاد الفلسطيني خصوصيته ، بل واجرأ ما كتب في هذا . يتزوج الفدائي ويقيم مع عائلته والسكن ضيق ، فكيف له أن يمارس حياته ؟
المقطع الآتي غيض من فيض في الرواية : " بعدما تزوجا صارت [ الأم ] تفسح لهما الوقت والمكان في النهار لكي يفعلا ما لم يستطيعاه بقربها في الليل . كان أيضا يفرغ في أحشائها على عجل أو هي تدعه يفعل خشية أن تباغتهما فاطمة [الأم ] أو ضوضاء التفاصيل التي تجري وراء باب الغرفة أو على الطرف الآخر من جدارها " .
والطرف الآخر من جدارها تشير إلى تلاصق بيوت المخيم حيث يسمع الجار كل ما يقال في بيت جاره .
الكاتب الغزي يسري الغول في منشور كتبه في ٨ / ٩ / ٢٠٢٤ لا يروق له أن يجعل من الأمر قضية ، وإن كان لا بد من مناقشته فليناقش لفضح الاحتلال ويقول إنه قاربه في عمله " ملابس تنجو بأعجوبة " .
عندما تعود بي الذاكرة إلى مسلسلات شاهدتها قاربت حياة البدو ، منذ الجاهلية إلى عصرنا ، فإن " خيمة الخلوة " للعريسين كانت معروفة ، إنما ما يختلف الآن هو قربها بسبب الحرب .
( الثلاثاء والأربعاء والجمعة ١٠ و ١١ و ١٣ / ٩ / ٢٠٢٤ )
( مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ١٥ / ٩ / ٢٠٢٤ ) .
٢١
يوميات غزة ( ٣٤٠ ) :
هوية عصرنا
عندما صحوت فجر هذا اليوم في الثالثة ، وقرأت عن الجريمة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في مواصي خان يونس ، وجدتني أكرر قول محمود درويش في مجزرة شاتيلا وصبرا في أيلول العام ١٩٨٢ :
" صبرا هوية عصرنا حتى الأبد "
ولو امتد العمر بالشاعر وشاهد ما نشاهد لربما أصيب بالجنون ، فما يجري في غزة منذ أحد عشر شهرا وأكثر هو الجنون نفسه ، وهو هوية عصرنا .
قيل في الأخبار إن مجزرة فجر اليوم هي الأقسى منذ ٧ أكتوبر . لقد دفن قسم من سكان الخيام في الرمال وأبيدت عائلات بأكملها ومحيت من السجلات المدنية ولم يعد لها ذكر .
حجة دولة إسرائيل جاهزة وهي إن المقاومين الفلسطينيين مختبئون بين المواطنين ، وقبل أيام عمم شريط فيديو كتبت عنه يري جماعة ملثمة تطلب من امرأة وزوجها إخلاء الخيمة ، فالقيادة تحتاج الخيمة لاجتماع . هل تمت فبركة الشريط للإقدام على مجازر مثل هذه ؟
هذا هو ما يفهم مما جرى .
هل كانت إسرائيل في العام ١٩٤٨ تبحث في دير ياسين عن قيادات مقاومة ؟
وهل كانت أيضا في العام ١٩٥٦ ترى في مزارعي كفر قاسم العائدين في المساء إلى قريتهم والدي ضيف والسنوار ؟
ربما !
وربما تبحث إسرائيل في أنفاق شوارع جنين ومخيمها وطولكرم ومخيميها عن أسراها وعن ضيف والسنوار ، فقد يكونان حفرا أنفاقا تمتد من غزة إلى قلقيلية فطولكرم فجنين . ألم يسمع سكان كفار سابا في أشهر الحرب الأولى أصوات حفر في الليل ، فخافوا من أن يهاجمهم أهل قلقيلية مكررين ما جرى في السابع من أكتوبر ؟!
ما جرى صباح اليوم في مواصي خان يونس ستظل الكتابة فيه وعنه قاصرة ودون مستوى الحدث حتى لو حضر معين بسيسو ومحمود درويش وجان جينيه إلى المكان ليشاهدوا وليكتبوا .
أرض أكثر وعرب أقل . هذا هو الدافع لما يجري منذ ١٩٤٨ .
يخرج الجلاد من جلد الضحية . كتب محمود درويش في " مديح الظل العالي " واليوم أصغيت إلى شربط فيديو يتحدث فيه مواطن ألماني يهودي الديانه ويقر بأن ما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين غير مبرر منذ العا ١٩٤٨ ، فليسوا هم من ارتكب المجازر بحق اليهود في الحرب العالمية الثانية ، ويقر بأن إسرائيل لا تمثله وأنه لا ينتمي إليها إطلاقا .
١٠ / ٩ / ٢٠٢٤
٢٢
غزة 705
غزة خيمتنا الأخيرة .. غزة جدارنا الأخير :
لسان حال قسم من أبناء مدينة غزة كان أمس ، كما شاهدت في شريط ، هو لسان محمود درويش في قصيدته " بيروت " ١٩٨١ وفيها كتب :
بيروت خيمتنا الأخيرة .. بيروت نجمتنا الأخيرة
لن نترك الخندق حتى يمر الليل أو نهلك .
لم يكرر الرجل الذي تحدث في الشريط ما قاله الشاعر في قصيدته حرفيا ، وأغلب الظن أنه لم يسمع بالقصيدة ولا يحفظ بعض أسطرها ، ولكنه ردد مضمونها ليس تغنيا بمقاومة مسلحة وإنما بمقاومة قوامها البقاء في المدينة وعدم النزوح إلى المواصي بناء على طلب " المنسق " الإسرائيلي . وكنت أمس كتبت عن شاب في شريط آخر أوصل رسالة إلى ( نتنياهو ) و ( ترامب ) بأن أهل غزة لن يغادروا مدينتهم ، وناشد الشاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن يلقي على غزة قنبلة نووية ليقتل سكانها دفعة واحدة لا بالتدريج .
ببساطة ، وكما يظهر في أكثر منشورات أبناء غزة ، فإن النزوح غير قابل للتحقق لأن جهنمه قائمة في غزة وفي المواصي أيضا ؛ المواصي التي قال عنها محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal إنها ضاقت على من فيها ولا مكان فيها لآخرين جدد .
كنت وأنا أرد على بعض منشورات الصديق شجاع الصفدي وبعض أبناء قطاع غزة ، كنت أردت أن أكتب عن ضربة الحظ أو القدر التي جعلت الشاعر المرحوم سليم النفار يولد في مخيم الشاطيء في غزة والتي جعلتني أولد أنا في مخيم عسكر في نابلس . الكتابة في الموضوع تستحق منشورا خاصا اعتمد في كتابته على قصيدة الشاعر محمود درويش " لاعب النرد " .
نجى الله أهلنا في قطاع غزة ونجانا أيضا .
ذكرى مجازر شاتيلا وصبرا على الأبواب .
١٠ / ٩ / ٢٠٢٥
٢٣
غزة 705 / 2
أهي الصدفة أم القدر ؟ : أنا والشاعر سليم النفار
في العام ١٩٤٨ هاجر قسم من أهل مدينة يافا إلى قطاع غزة وقسم آخر إلى مدينة نابلس ، وأرجح أن من كان من سكان المدينة بحارا أبحر نحو مدن بحرية ومن كان عاملا أو سائقا أو يملك سيارة هاجر إلى مدن الضفة الغربية وبخاصة طولكرم ونابلس .
الشاعر سليم النفار أهله من يافا وأنا كذلك . وفي روايته " ليالي اللاذقية " كتب عن الافلوكة التي أقلت عائلة يافاوية ، ولطالما كتبت أنا عن أبي السائق الذي قاد سيارته إلى نابلس . هكذا ولد الشاعر في مخيم الشاطيء ، وهكذا ولدت أنا في مخيم عسكر .
في المقتلة وحرب الإبادة هذه ثار جدل بين كتاب قطاع غزة وقسم من كتاب الضفة الغربية ، وربما كنت أول من كتب عن " الكتابة عن بعد "أو الكتابة في أثناء الجلوس على كنبة و" الكتابة عن قرب " أو من داخل المقلاة في أثناء الإقامة في خيمة والمعاناة من الجوع .
هذا الجدل غالبا ما يتجدد بين فينة وأخرى ، وغالبا ما أقرأه بتفهم وبسعة صدر حتى لو لم يخل من اتهامات وشتائم .
أمس وأول أمس وأول أول أمس ، وربما من أسبوع ، تجددت الكتابة وشارك فيها كتاب عديدون [ الشاعر سميح محسن والكاتبة غانية ملحيس Ghania Malhees والشاعر شجاع الصفدي وأنا ] .
هناك كتاب كثر من الخارج ومن داخل فلسطين صمتوا لأسباب عديدة كتبت عنها .
وأنا أفكر في أمري وكتابتي وما تجره علي تذكرت قصيدة محمود درويش " لاعب النرد " التي لم استحضرها في يومياتي عن الحرب إلا نادرا .
أحيانا أرى في المقاطع الآتية من القصيدة إجابة ترضيني :
" كان يمكن أن لا أكون
كان يمكن أن لا يكون أبي
قد تزوج أمي مصادفة "
" كان مصادفة أن أكون
أنا الحي في حادث الباص
حيث تأخرت عن رحلتي المدرسية
لأني نسيت الوجود وأحواله
عندما كنت أقرأ في الليل قصة حب "
" لا دور لي في حياتي
سوى أنني ،
عندما علمتني تراتيلها ؟
قلت : هل من مزيد ؟
وأوقدت قنديلها
ثم حاولت تعديلها "
" كان يمكن أن لا يحالفني الوحي
والوحي حظ الوحيدين
إن القصيدة رمية نرد
على رقعة من ظلام
تشع ، وقد لا تشع
فيهوي الكلام
كريش على الرمل " .
لو كان أبي قبل العام ١٩٤٨ بحارا ، لكنت الآن في مخيم الشاطيء ، ولو كان والد سليم النفار سائقا لكان سليم الآن في مخيم عسكر ، لو ... لكنت أنا من ارتقى وكان هو الآن يكتب هذه اليوميات .
ليس لنا إلا أن نغير المنكر بلساننا ، وذلك أضعف الإيمان .
نتمنى أن تنتهي المقتلة وألا تكون الضفة الغربية مسرحها القادم ، ولكن :
" من أنا لأقول لكم
ما أقول لكم
أنا مثلكم
أو أقل قليلا " .
رحم الله الشهيد صلاح خلف ( أبو إياد ) لم يرتق في يافا ، علما بأنه كان من النجادة ، وارتقى في تونس ، ورحم الله أيضا شفيق الحوت ، فقد كان أيضا من يافا ومات في بيروت .
١٠ / ٩ / ٢٠٢٥
٢٤
إسرائيل لا يروق لها المناظر الحضارية لأبناء الشعب الفلسطيني ؛ لكي تؤكد المقولة الصهيونية : العرب أبناء الصحراء .
هذا الهدم لا يعكس إلا حقدا على البشرية والطبيعة .
المجتمع الإسرائيلي بحاجة إلى ( سيجموند فرو
استحضر سطر محمود درويش
" وتمت رشوة القاضي " .
٢
معين بسيسو ومسرحية " محاكمة كتاب كليلة ودمنة " :
القاضي أصدر الحكم مسبقا ، فهل من ضرورة للشهود
ولجلسات المحكمة؟
الجمل هرب لأنه لا يريد المساهمة في محرقة كتاب .
هل يختلف قضاة زماننا عن القضاة في زمن المنصور ؟
المنصور يقول للقاضي ما يريد والقاضي ينفذ .
كتب محمود درويش :
" وتمت رشوة القاضي "
فمن يحاكم الذئاب ؟
لا بد من الكتابة ثانية عن مسرحية معين بسيسو .
لا بد !
٣
يجب الدفاع عن الغلط :
احترت بم أجيب على رسالة أرسلتها لي فتاة تدعي ان اسمها بيان ، فكتبت لها :
- ألا ترين أن الرئيس أخطأ في اختيار د . رامي رئيسا للوزراء ؟
وجهة نظري ان د. رامي ليس رجل سياسة ولا هو
رجل اقتصاد وقد أكون مخطئا .
تذكرت سطر محمود درويش
" يجب الفاع عن الغلط " ،
فقررت أن الرئيس على صواب لأنه
يجب الدفاع عن الغلط .
لو كنت قاضيا زمن المنصور لأحرقت ابن المقفع
وكتابه وأهله وقراء كتابه ، لأن المنصور يريد هذا ،
ولأنه: " يجب الفاع عن الغلط ".
٤
أبو سلمى والحكام العرب :
قبل وفاته خاطب ابراهيم طوقان زعماء الشعب الفلسطيني ( توفي في1941 ) :
في يدينا بقية من بلاد فاستريحوا كي لا تطير البقية .
وأما أبو سلمى فقد هجا الزعماء العرب كلهم ، في حينه ، لعجزهم وتواطئهم ، وواصل هجاءهم بعد نكبة 1948 ، إذ تشرد شعبه وغدا ظلال شعب .
هل اختلف اﻷمر بعد استقلال الدول العربية ؟
اتسعت الدائرة لتشمل تهجير الحكام العرب شعوبهم : من صدام حتى بشار وبمساعدة حكام مشايخ الخليج والسعودية و ..و ..
بارك الله في الدكتاتور العربي الجمهوري والملكي أيضا والمشيخي ، وتابعوا أخبار لاجئي سورية ، وإن هي إلا .. .
ولا تلوموا اللاجئين فقد كانوا مواطنين عاديين في الشام والعراق و .. وتحملوا
٥
إساءات قراءات محمود درويش :
يلومني بعض معارفي من النقاد بأنني أصر على قراءة محمود درويش قراءة غير نصية ، ويركزون على ضرورة التركيز على النص .
خذوا الرأي الآتي لدارسين من جامعة لرستان درسا استدعاء شخصيات الشعراء في شعر محمود درويش/ بحث محكم في مجلة محكمة
" محمود درويش اختار تجربة المتنبي بسبب تشابهها بتجربته . قصيدة محمود درويش قيلت بعد حصار العدو الإسرائيلي واجتياحه لبيروت سنة 1982 ....... "
وذهب الدارسان إلى أن نفسية محمود درويش المنهارة كانت بسبب الاجتياح وأنه خرج إلى تونس .
لا صلة لتونس بالقصيدة التي كتبها درويش في 1980 بسبب خلافه مع ياسر عرفات .
لا جديد في البحث شبه المسروق ، مثل أبحاث دكاترة كثر محكمة . إنها أبحاث أيضا شبه مسروقة ، ومثل رسائل ماجستير أيضا مسروقة .
٦
سميح القاسم: وداعاً آخر شعراء المقاومة
عادل الأسطة
24 آب 2014
برحيل الشاعر العربي الفلسطيني سميح القاسم تنطوي صفحة شعراء المقاومة البارزين في فلسطين المحتلة. راشد حسين ومحمود درويش وتوفيق زياد وسالم جبران وآخرون لم يصلوا إلى ما وصل إليه هؤلاء، ممن حملوا لواء الشعر في نهاية 50 ق20 انطفأت قناديلهم قبل أن ينطفئ قنديل زميلهم وصديقهم ورفيق دربهم سميح القاسم.
عرف سميح القاسم شاعراً قبل أن يعرف كاتب مسرحية وقاصاً وكاتب مقالة وكاتب رسالة، وظل يعرف شاعراً ويقرأ شاعراً، وإن أنجزت عن قصصه الطويلة الثلاث التي هي أشبه بحكاية أوتوبيوغرافية، كما كتب هو، دراسات عديدة.
وقد أقر هو في سيرته الذاتية "إنها مجرد منفضة" (2012) أنه شاعر بالدرجة الأولى، وإن كتب النثر بين فترة وفترة.
وكان سميح القاسم، كاتباً وشاعراً، غزير الإنتاج، فقد أصدر أكثر من ستين كتاباً، أعيت متابعي نتاجه، بل وأربكتهم، وما زاد الطين بلة أنها صدرت بطبعات عديدة مختلفة لا تكاد تتطابق، فقد أسهم هو، وأسهم بعض الناشرين أيضاً، بحذف نصوص شعرية وإضافة أخرى، ما يجعل طبعات أعماله موضع دراسة لدارس يروق له تحقيق الأعمال الأدبية في طبعاتها المختلفة.
كتب سميح القاسم القصيدة القصيرة الأشبه بالأبجرام، والقصيدة الطويلة، والسربية/ المطولة، وهو الذي ذهب إلى أن مصطلح السربية من اختراعه هو، فالقصيدة الطويلة التي غالباً ما صدرت في كتاب كانت تتموّج في حركاتها كما تتموّج حركة سرب الطيور. وكتب أيضاً القصيدة العمودية، فأصدر ما عرف بديوان الحماسة، وهو في ثلاثة أجزاء تذكر المرء بحماسة أبي تمام، ودافع سميح عن هذا اللون من الكتابة تحت عنوان "سوناتا جيدة ومارش جيد"، وربما ما شجعه على كتابة هذا اللون من القصائد هو انتماؤه للحزب الشيوعي الذي يركز على دور الأديب في الحركة الجماهيرية والأخذ بيدها وتحريضها على واقعها من أجل عالم أفضل، وهو ما تطلبه واقع العرب الباقين في فلسطين، هؤلاء الذين تعرضوا لاضطهاد قومي وتمييز عنصري حارب الحزب الشيوعي من أجل إلغائه، وكان لا بد من توعية المظلومين المضطهدين وقراءة الأشعار على مسامعهم، وهذا ما فعله سميح بامتياز، حتى أن بعض النقاد ذهب إلى أن الشاعر شاعر منبري أشبه بخطيب.
وظل سميح يكتب قصيدة المقاومة، وإن خفتت حدتها مع سقوط الاتحاد السوفياتي وتفككه في العام 1989، يومها أعلن سميح أنه لن يكتب الشعر، ونشر إعلانه في مجلة "الناقد" اللندنية، وكانت حجته في ذلك أن المشاريع الثلاثة التي عقد عليها حياته قد أخفقت: المشروع القومي والمشروع الوطني والمشروع الأممي. انتهى الأول بهزيمة حزيران 1967 وموت جمال عبد الناصر، ووصل الثاني إلى نهايته مع خروج منظمة التحرير من بيروت في العام 1982، وأما الثالث فتجسد بانهيار الاتحاد السوفياتي.
غير أن سميح، مثل شعراء كثيرين، يقولون ما لا يفعلون ولا يلتزمون دائماً بما يقولون، فقد واصل كتابة الشعر واستمر يكتبه حتى في أوج مرضه، وأصدر مجموعات شعرية كثيرة لا يستطيع المرء حفظ عناوينها لكثرتها وكثرة ما كتب الشاعر ربما جعل بعض محبيه والمعجبين به يحجمون عن مواصلة قراءته ومتابعته، إذ يبدو أن هاجس الشكل الفني، وكتابة القصيدة التي تتجاوز سابقتها، وإصدار الديوان الذي يشكل إضافة نوعية، لا كمية، لم يكن هاجس سميح، قدر ما كان هاجس محمود درويش.
وربما كان لكل واحد من الاثنين ظروفه، لقد اختلفت التجربة المعيشية واختلفت أيضاً المرجعية الثقافية، خلافاً لما كان عليه الأمر قبل رحيل درويش في العام 1970.
نشأ سميح شاعراً ذا حس قومي عروبي، وهو انتساب ما بدا في أشعاره الأولى التي كتبها قبل قصيدته "طلب للحزب"، وتعد قصيدته "ليلى العدنية" من ديوان "دخان البراكين" 1968 خير تعبير عن المرحلة العروبية القومية، تضاف إليها قصائده في الثورات العربية الصاعدة في 60 ق20، وأهمها الثورة المصرية وقائدها جمال عبد الناصر الذي خصه بمديح، كما خص إنجازاته المتمثلة في تأميم قناة السويس وبناء السد العالي: يا أسطى سيِّد، ابنِ وشيِّد، شيِّد لي السدّ العالي.. إلخ.
وفي "ليلى العدنية" يبدو سميح مفعماً بالروح القومية، ممتلئاً بها ومنتشياً، يتغنّى بالعروبة وبأمجادها وانتصاراتها، لكن هذا التغنّي والانتشاء سوف يتراجع كثيراً، وقد بدأ في بداية 80 ق20، حين حاصرت القوات الإسرائيلية مدينة بيروت ولم ينجدها العرب، وحين خرجت قوات م.ت.ف من لبنان وتفرّقت أيدي عرب في السودان وفي ليبيا وفي تونس وفي اليمن وفي الجزائر وفي.. وفي.. وفي هذه الفترة سيكتب سميح القاسم مجموعة قصائد ينشرها في ديوان جهات الروح (1983) ومنها قصيدة تغريبة التي يهديها لمحمود درويش. ما عاد العالم العربي كما بدا في "ليلى العدنية".
"شاءها الله شهية/ شاءها الله.. فكانت/ كبلادي العربية: نكهة الغوطة والموصل فيها/ ومن الأوراس.. عنف وقمامة/ وأبوها شاءها أحلى صبية/ شاءها اسماً وشكلاً/ فدعاها الوالد المعجب: ليلى/ وإليكم أيها الإخوان: .. ليلى العدنية"
وإنما غدا العالم العربي شيئاً آخر، وهو ما يقوله في تغريبة: "يفرقنا العالم اليعربي/ ويجمعنا العالم الأجنبي/ ونبقى أجانب في العالمين/ ويبقى الرحيل".
وستصل ذروة شعوره بالخيبة من العالم العربي في مطوّلته التي كتبها في 90 ق20 وعنوانها "خذلتني الصحارى"، فالصحراء التي تغنى بها في 60 ق20 ومدحها، الصحراء التي كانت تقف إلى جانبه وتمد له يد العون، خذلته وما عادت تقدم له شيئاً. لم تتخلّ عنه وحسب، بل وخذلته.
والطريف أن الشاعر نفسه أخذ يتردد على عواصم الصحارى/ العالم العربي، والأكثر طرافة أنه أخذ يمدح رؤساءها وملوكها، وهذا ما بدا في أحد دواوينه الذي جمع فيه قصائد تمدح هذه العاصمة أو تلك، بل هذا الحاكم أو ذاك، ما يؤكد الصلة الحميمة بين سميح القاسم ومحمد مهدي الجواهري، ومن قبل المتنبي، وقد ذهب سميح إلى أن هناك صلة نسب تجمعه بالمتنبي.
مدح المتنبي كافوراً ثم ذمه، وكم مدح الجواهري هذا الملك أو ذاك الرئيس، وأكمل سميح المهمة، هو الذي كان في 70 و80 ق20 شاعراً شيوعياً ملتزماً يهجو النظام العربي كله.
أهذا هو ما أغنى أشعاره وجعلها قابلة للتساؤل؟ ولم يقتصر الأمر على هذا، فلم يعد سميح، في عقديه الأخيرين، يكتب كما كتب في شبابه. أهو الملوم أم الواقع العربي هو الذي خذله أم أنه الزمن والسن والعمر و... و...؟
كانت عناوين دواوين سميح الأولى عناوين مقاومة متمردة "أغاني الدروب" "دخان البراكين" و"ويكون أن يأتي طائر الرعد"، وغدت لاحقاً عناوين مليئة بالخيبة والانكسار: "خذلتني الصحارى" و"أرض مراوغة.. حرير كاسد، لا بأس". ومع كل هذا فقد خسر الشعر العربي شاعراً مهماً.
٧
حرب غزة والسخرية ... غسان كنفاني والسخرية
21 أيلول 2014
في أثناء حرب غزة أخذت أتابع النكت والمقاطع الساخرة، فشرّ البلية ما يضحك.
تذكرت ما قرأته عن حرب حزيران وانعكاسها في الأدب العربي، وعدت إلى كتاب أنطوان شلحت "خداع الذات... المسرح الإسرائيلي وحرب 1967 ومختارات من أعمال حانوخ ليفين" (2007)، وحانوخ ليفين أبرز كاتب إسرائيلي كتب نصوصاً ساخرة إثر حرب حزيران، وقد ترك أثراً في أدبنا الفلسطيني، أشرت إليه وأنا أكتب عن الأديب الفلسطيني والأدب الصهيوني (1993)، وتحديداً حين توقفت أمام نص محمود درويش النثري "أنا وأنت والحرب القادمة".
وقد توقفت أمام رسوم كاريكاتورية وعبارات ساخرة ومقاطع فيديو. لفت نظري رسم كاريكاتوري يظهر فيه رئيس وزراء إسرائيل (نتنياهو) و(باراك) (وليبرمان) في نفق للمياه العادمة، وكتب في الرسم: الهدنة قرارهم مش قراري، الحقنا يا (أوباما) احنا في المجاري.
كما لفت نظري رسم آخر يظهر فيه (نتنياهو) والدموع تنهمر من عينيه، ينظر إلى (أوباما) الرئيس الأميركي ويخاطبه: "دخيل عليك يا بو سمرة.. شوفلنا حد من جماعتك يحكي معهم، هدول بستبعدش يطلع عندهم نووي"، كما ظهرت عبارات تسخر من الطائرات الإسرائيلية، فأطفال فلسطين كانوا ينادون، على غرار تجار الخردوات: غسالات، ثلاجات، طيارات للبيع، وحور بعض الساخرين بعض عبارات أو استخدموا عبارة شهيرة من أغنية شهيرة لوصف الحالة، فإسرائيل تهدي المقاومة أغنية: اللي شبكنا يخلصنا لعبد الحليم حافظ (زي الهوى).
وأنا أكتب على الفي سبوك عن نيتي الكتابة في موضوع السخرية والحرب أدرجت صديقة مع تعقيبها مقطع فيديو (يوتيوب) يقرأ فيه مواطن غزي نشرة أخبار، ومن أخبار النشرة:
- ثلاث حروب: والرابعة يأخذ المواطن محمود زعيتر بكالوريوس حروب.
- هاجمنا (شارون) وحاربنا لأن الفلسطينيين انتهكوا طفولته، فما السبب الذي يدفع (نتنياهو) إلى شن حربه؟ ويتابع المذيع قائلاً إن طبيباً نفسياً أميركياً يقول إن المجلس الوزاري كله منتهكة طفولته.
- يقول المذيع: الناس يتساءلون: نفس الطيارة، نفس الطيار، نفس الصاروخ. ألا جديد؟ فقد صار عند أهل غزة مناعة. مللنا منها. شوفو شيئاً جديداً. (شوفو لنا شيء جديد).
- فرنسا قررت شراء صواريخ جديدة من غزة بعد فشل القبة الحديدية.
- وبريطانيا قررت إرسال بعثة إلى غزة للتدرب على صناعة صواريخ.
- وأما ألمانيا فقد قررت شراء طيارات أبابيل. و... و... و... .
بعض الأدباء الإسرائيليين مثل (حانوخ ليفين) سخروا من قادتهم بعد حرب حزيران مباشرة، ولا أعرف إن كانت روح السخرية ظهرت في الصحافة العبرية في أثناء حرب غزة، وما أعرفه أن أدبنا لم يخل من روح السخرية في أثناء الانتفاضة الثانية، بل وفي أثناء الانتفاضة الأولى.
السخرية، في الانتفاضة الأولى، برزت في أشكال عديدة على أفواه الناس الذين سخروا من جنود الاحتلال، وفي نهاية الانتفاضة تحولت السخرية من سخرية من الاحتلال إلى سخرية الفصائل من بعضها، وقد دونت هذا في نص "ليل الضفة الطويل" (1993).
أما في انتفاضة الأقصى فيعد كتاب سعاد العامري "شارون وحماتي: مذكرات رام الله" الذي نقل إلى العربية، أبرز نص ساخر.
كانت سعاد كتبت نصوصاً نثرية ونشرتها على الفيس بوك، وإلكترونياً، ثم جمعتها في كتاب يفيض بروح السخرية، في أوج الانتفاضة، نشر أولاً بالإنجليزية وحقق شهرة واسعة.
هل تعد السخرية هذه لوناً جديداً في أدبنا في فلسطين المحتلة؟ كل من قرأ أميل حبيبي وسلمان ناطور وبعض أشعار سميح القاسم يعرف أن السخرية حاضرة في أدبنا، وتعد رواية حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974) أبرزها ـ أي النصوص الأدبية، وتبعتها في الفترة الأخيرة رواية لا تقل سخرية عنها هي رواية عارف الحسيني "كافر سبت" (2011).
وعلينا ألا ننسى خطب الدكتاتور الموزونة التي كتبها محمود درويش في 80 ق20 ليسخر فيها من الدكتاتور العربي.
هذه السخرية كانت موضوع رسالة ماجستير أشرفتُ عليها وأنجزها فراس الحاج محمد في جامعة النجاح، فماذا عن السخرية في أدب المنفى؟
لم تبرز السخرية في روايات غسان كنفاني وفي قصصه وفي مسرحياته.
بدا كنفاني كاتباً جاداً متجهماً، وربما كان لقسوة حياة المنفى تأثيرها الكبير على أدبه، وربما ما كانت السخرية شائعة في الأدب العربي الحديث شيوعاً لافتاً لتلفت نظره إليها؟ وستبدو هذه السخرية في بعض مسرحيات معين بسيسو "محاكمة كتاب كليلة ودمنة" مثلاً، وفي بعض أشعار مريد البرغوثي "قصائد للرصيف" (1980).
لكن كنفاني الذي خلت نصوصه الإبداعية من السخرية التفت، وهو في بيروت، إثر هزيمة حزيران، إلى هذا الأسلوب الأدبي، فقرأ أعمالاً صدرت في بيروت لكتاب لبنانيين منهم شريف الراس وسالم الجسر، ما دفع كنفاني، إلى التنظير لفن السخرية.
وهو تنظير لم أقرأ مثله لأي من كتابنا الذين قرأت لهم، في المقابلات التي أجريت مع حبيبي، بعد كتابته المتشائل، أي بعد استشهاد غسان كنفاني أجاب عن أسئلة عن دافعه إلى السخرية، وأشار إلى أنه ما من تراث عريق إلاّ وكانت السخرية جزءاً منه، وأوضح أنه يسخر من الاحتلال ومن الذات التي لا تخلو من سلبيات.
وقد توقف فاروق وادي مطولاً أمام أشكال السخرية في أدب حبيبي، بخاصة المتشائل، وذلك في كتابه "ثلاث علامات في الرواية الفلسطينية".
كتب غسان كنفاني ثلاث مقالات عن كاتبين لبنانيين، ونشرهما في آذار وأيار 1968، الأول عنوانه "بين المهضوم والغليظ ميزان اسمه جحا" عن كتاب شريف الراس "للضاحكين فقط"، والثاني عنوانه "معجم سالم ـ انتخابات مكسرة"، عن كتاب "معجم الانتخابات" لسالم الجسر، والثالث عن كتاب ثان لسالم وعنوانه "المزعجون".
وقد ظهرت هذه المقالات، في 1998، في كتاب جمع مقالات كنفاني صدر عن دار الآداب.
وفي المقالات هذه وفي مقالات أخرى منه يبدو كنفاني كاتباً ساخراً بارزاً، إنه لا ينظر لفن السخرية، بل يبرع في كتابتها، فهل اطلع عليها أميل حبيبي؟
ولعلّ أبرز ما في مقالات كنفاني الثلاثة أنه ينظّر لهذا اللون من الأدب، وأعتقد أنها مقالات جديرة بأن تدرس جيداً.
يميز الكاتب بين السخرية والتهريج، ويرى أن السخرية أصعب فنون الكتابة على الإطلاق، ويحتاج الكاتب إلى إقناع القارئ بأن دمه خفيف.
كما يميز بين الأسلوب الساخر والأسلوب المتعالي، إذ يفصل بينهما خيط لا يكاد يرى.
إن هناك فرقاً بين كاتب (شايف حالو) وكاتب (مهضوم)، والكاتب الساخر يقدم نقداً اجتماعياً عميقاً من خلال نماذج بشرية، وأدبه ليس أدب تسلية، إنه درجة عالية من النقد، وعلى المؤلف أن يقدمه كضرورة.
كما يميز كنفاني بين سخرية بناءة وأخرى هدامة، والثانية سهلة بالمقارنة مع الأولى، والسخرية البناءة تحتاج إلى وعي أعمق وثقافة أوسع وقدرة أكبر على فهم روح القارئ ولا وعيه ونفسيته.
ويتساءل غسان: كيف يمكن للسخرية أن تكون بناءة وتظل في الوقت نفسه أدباً ساخراً خفيف الدم لا محاضرات فيه ولا أوامر ولا إيعازات ولا استغراقا مزيفا في الأيديولوجيات؟ إن الأمر يخص المؤلف. يقول غسان، ومهمة الكاتب أن يعي أننا مجتمع ضاحك لدينا مقاييس عسيرة للنكتة.
وعلى الكاتب ألا يتسرع وألا يكون ما يقدمه لتاً وعجناً وطق حنك وتكراراً.
وسيميز كنفاني بين النكتجي والكاتب الساخر، وأن الأخير لكي يكون كاتباً ساخراً.. فإنه أولاً يجب أن يمتلك تصوراً لما هو أفضل.." و"إن السخرية تعطي، عن طريق الضحك، نقداً يلخص المشكلة بأفضل من مليون مقال" (ص90) في أثناء حرب غزة أخذت أتابع لون السخرية..!!
٨
ظلمتُ القطة والحق كل الحق ... على الحمام
28 أيلول 2014
في تموز من العام الحالي استأتُ من القطة الوليدة. كن ثلاث قطط ولم أعد أرى سوى واحدة مع أمها. ما الذي ألمّ بأختيها... ربما كن ذكوراً، فلم أميّز، حتى اللحظة، بين الذكر والأنثى، إلاّ حين ألاحظ القطط تتسافد، وما أكثر ما تسافدت هذا العام في العلن! هل تأثرت القطط بمعطيات عصرنا؟ هل هي قطط قادمة من الشمال، حيث الحريات هناك أكثر مساحة. الشرفة ما عادت نظيفة، كما كانت، ولم أعهدها توسخ، فهي تذهب إلى حيث التراب، وهناك تقضي حاجتها.
برازها الذي ظننته برازها كان يلصق بالبلاط، وهات تنظيفاً! أنا بالكاد أنجز ما عليّ إنجازه: أنظف شقتين لي، وأنظف أرضية الساحة، وأجمع، من الحديقة، بقايا أوراق، وظروف الشيبس التي يلقيها الأطفال ومن أبناء وبنات إخوتي وأخواتي، وأجمع علب الكولا وزجاجات السفن أب وزيت القلي و.. و.. فأبناء إخوتي وأخواتي يفضلون الراحة التي لا تنال على جسر من التعب، على الراحة التي أشار إليها أبو تمام في مديح المعتصم:
بصرت بالراحة الكبرى، فلم ترها تنال إلاّ على جسر من التعب
وأدرك أن بذور المعتصم ليست موجودة في أي من أبناء إخوتي أو أخواتي، وأدرك أكثر صعوبة نجدة أية مسلمة أو تكرار فتح عمورية في زمننا. رب وامعتصماه.
لم ألتفت إلى عش الحمام الذي أقامته حمامة ما بين الواجهة والمكيّف ـ المكيّف إسرائيلي الماركة، ومن ركّبه لي، وهو لاجئ فلسطيني قال لي: إن الصناعة الإسرائيلية أفضل صناعة في العالم، وقلت له: يا سبحان الله ـ، وكنت أظن أن البراز هو براز القطة الصغيرة الوليدة حديثاً. قلت لعلّها لم تتعلم من أمها أين تفعلها. وقررت ألاّ أطعم القطط لما اعتقدته خطأ. يعني أردت أن أعاقب القطة عقاباً جماعياً، متأثراً بأبناء عمنا ـ أي والله أبناء عمنا ـ الإسرائيليين، هؤلاء الذين يعاقبون شعبنا عقاباً جماعياً على ما يفعله فرد واحد أو مجموعة أفراد، وقلت: من عاشر اليهود أربعين يوماً صار منهم، فكيف إذا عاشرهم أربعين عاماً وأكثر.
هل أنا في طريقي لأن أصبح صهيونياً، بل وصهيونياً متطرفاً، وأعتقد أنني لو أصبحت كذلك فلن ينظر إليّ على أنني مواطن له حقوق المواطنة، وقد أدرك عزمي بشارة هذا، فغادر إلى سوريا ولبنان، وتحسس بوادر حرب أهلية، فآثر قطر، وفيما بعد سارت على خطاه قيادات حماس بعضها.
بعد يومين ثلاثة من ملاحظة البراز أبصرت عشّ الحمامة، فأيقنت أنني لم أكن عادلاً، وكان الأولى بأهلي أن يسموني: ظالم. هل هدمت العش؟
كان الحمام يبني أعشاشه على شبابيك شقتي باعتبارها آمنة، فلم أكن أنظفها يومياً، وباعتباري لم أتصهين بعد، فأعاقبها على الاعتداء على حق الغير وعلى برازها المقرف. كنت، سابقاً، أنظف الشبابيك وأترك بيض الحمام على حاله. تكتمل البيضة ويخرج منها فرخ الحمام وتطير. تطير حتى تأتي حمامة أخرى وتبني عشاً جديداً فأكرّر عنوان قصيدة محمود درويش: يطيرُ الحمام.. يحطُّ الحمام، في تموز من العام الحالي كانت الطائرات الاسرائيلية تغير على غزة وتدمر، وكانت الدبابات تقصف ووجدتني أتبع، مع عش الحمام، سياسة مماثلة: هدمت العش قبل أن تكمل البيضة دورتها، فسقطت وانكسرت. هل كان على الحمامة أن تستأذنني لتصدر رخصة بناء عش؟ وهل كنت، بلا وعي، أتصرف تصرف الحكومات الإسرائيلية؟
يطيرُ الحمام.. يحطُّ الحمام.
هل انتهت الحكاية؟
قبل أسبوع تقريباً أردت تنظيف الشرفة. كان براز الحمام يلصق بالبلاط. هكذا قررت ثانية أن أهدم العش علّ الحمامة تجد مكاناً آخر، بيتاً آخر فيه ربّة بيت تنظف بيتها يومياً. لم ألاحظ أن هناك فرخيْ حمام ولدا حديثاً ـ خرجا حديثاً من البيضة/ ين.
ولم أراع وجود قطة حولها أربعة من أبنائها ـ أو بناتها ـ ولدوا/ ولدن، حديثاً.
كانت القطة ضامرة هزيلة بسبب الولادة، وكانت تموء طالبة الطعام الذي ما عدت أحضره لها، لأنها عالم ثالث: تخلُّف وتخلُّف وتخلُّف، وأنا فرد وبقايا طعامي لا يكفي واحدة، فكيف بعشرة وعشر؟! وما إن بدأت أهدم العش، حتى سقط فرخ حمام، وظل الثاني على بربيج المكيّف.
كانت القطة أسرع مني فالتقطته وخنقته وأخذته سريعاً إلى الحديقة لالتهامه، وأنا وقفت عاجزاً عن فعل أي شيء. غدوت مثل العرب بامتياز. هل كان فرخ الحمام يصرخ: واعادلاه، على غرار المرأة العمورية: وامعتصماه. ولم أنجد الفرخ، وأكثر ما حدث لي أنني شعرت بتأنيب ضمير لما حدث. أنا مسؤول عن قتل فرخ حمام، فماذا سيلمّ بي؟ يطيرُ الحمام.. يحطُّ الحمام.
ما حدث أعادني إلى حمامة أبي فراس الحمداني، ومنذ عقود وأنا أقرأ قصيدته وأدرّسها بين فترة وفترة في مساق المدخل إلى تذوق النص الأدبي في الجامعة:
أقولُ وقد ناحت بقربي حمامة أيا جارتا لو تعلمين بحالي
ولفترة طويلة كنت أذهب إلى أن حمامة أبي فراس هذه هي حمامة حقيقية، ولم يخطر ببالي أنها قد تكون رمزاً، علماً بأننا نحن، وأعني آباءنا وأمهاتنا، نستخدم دال الحمامة استخداماً مجازياً. طبعاً لم أفكر، حتى اللحظة، بأن أبا فراس استخدم دال الحمامة، كما استخدمته في "ليل الضفة الطويل" حين أوردت نكتة شاعت في فلسطين في فترة مؤتمر مدريد، نكتة ذات إيحاء جنسي.
مرة خطر ببالي أن دال أبي فراس "حمامة" قد يكون ذا مدلول رمزي، وقد تكون الحمامة امرأة من لحم ودم. ما الذي جعلني أذهب هذا المذهب، ودفعني من ثم للبحث والسؤال والقراءة وإعادة القراءة عن حياة أبي فراس؟
مرة شاهدت مسلسلاً تلفازياً عن الفترة التي عاش فيها أبو فراس، وأظن أن المسلسل حمل اسم الشاعر، ولاحظت أنه كان على علاقة بامرأة من قوم آسريه، ويبدو أنها وقعت في حبه، فأخذت تزوره وتتحدث معه. يومها تساءلت: أهي الحمامة في قصيدة الشاعر؟ يطيرُ الحمام.. يحطُّ الحمام.
براز الحمامة وفرخيها الساخن يلصق بالبلاط، ويحتاج تنظيفه إلى جهد، وقد نبهني إلى ضرورة الالتفات إلى شبابيك شقتي التي لم ألتفت إليها لفترة، وهكذا وجدت براز الحمام الذي جف، وحين يجف يسهل تنظيفه تقريباً، وهكذا بدأت مهمة أخرى: تنظيف الشايش ومتابعته أسبوعياً. وتذكرت مقدمة طه حسين لرواية اسحق موسى الحسيني "مذكرات دجاجة" (1943) وما أورده من أبيات شعر عربية فيها:
أبنات الهديل أسعدن أو عدْ نَ قليل العزاء بالإسعاد
إيه لله درّكن فأنتـ نَ اللواتي تحسن حفظ الوداد
وتساءلت: هل سأكتب، ذات يوم، رواية عنوانها: مذكرات حمامة؟ ومن المؤكد أنني لن أفعل هذا، حتى لا يذهب كثيرون إلى أنها رواية رمزية، وأن اللفظ ذو إيحاء جنسي، وقد يكون وقد لا يكون، ولا أدري لمَ لمْ أستخدم هذا الدال في روايتي "الوطن عندما يخون"!
ما زال منظر القطة، وهي تفترس فرخ الحمام، يلازمني ويشعرني بتأنيب الضمير.
هل كان إبراهيم طوقان أراحني حين كتب قصيدته "الحبشي الذبيح" وهي قصيدة ذات بعد رمزي، فقد قابل فيها بين الجزّار والحبشي وبين الدول المستعمِرة ودول العالم الثالث المستعمَرة؟ من يذكر القصيدة؟
برقت له مسنونة تتلهّبُ أمضى من القدر المتاح وأغلبُ
و.. و.. ظلمت القطة، والحق.. كل الحق على.. عليَّ أنا!!
٩
غزة وسربية سميح القاسم : أنا متأسف
31 آب 2014
في أثناء الحرب على غزة استحضرت نصوصاً أدبية قديمة لأدباء كانوا رحلوا عن عالمنا: معين بسيسو ومحمود درويش ويوسف الخطيب.
أدرجت هذه على صفحات الفيسبوك وأنجزت عنها مقالات في الصحف، لم يشهد معين بسيسو (1984) ومحمود درويش (2008) أياً من حروب غزة الثلاث في السنوات الست الأخيرة، وكان يوسف الخطيب كتب قصيدته "رأيت الله في غزة" إبان الانتفاضة الأولى. وفي أثناء الحرب على غزة كان الشاعر سميح القاسم يكابد أوجاع السرطان الذي أخذ يفتك في جسده، وكان سميح قد شهد الحروب الثلاث 2008 ـ 2009/2012/2014، ومع ذلك فلم يلفت نظري أي نص له عن غزة.
ربما أنا الملوم بسبب عدم قراءتي نصوص سميح قدر قراءتي نصوص درويش، لكن أيضاً لا أقرأ نصوص معين قدر قراءتي نصوص درويش، بل إنني قليلاً ما قرأت يوسف الخطيب الذي سرعان ما تذكرت قصيدته الوارد ذكرها. لماذا؟ الآن عنوانها لافت؟ ولماذا تذكرت نصوص درويش ومعين ولم أتذكر نصوص سميح؟ الأن غزة وردت في عناوين بعض كتابات درويش؟ ولأن معين هو ابن غزة؟ ربما.
قصيدة سميح القاسم التي حضرت في الحرب على غزة هي قصيدة "تقدموا، تقدموا"، وقد بثت مغناةً بكثرة، وهي قصيدة كتبها الشاعر في أثناء الانتفاضة الأولى، وذاعت ذيوع قصيدة درويش "عابرون في كلام عابر"، بل إنها غالباً ما درست معها، كما فعل ناقد هو المثنى عطية الذي درس القصيدتين وأصدر دراسته في كتاب ضم أيضاً القصيدتين.
هل كانت حربا غزة 2008 ـ 2009/2012 مرّتا دون أن يكتب عنهما سميح شيئاً، هو الذي ما مر عام عليه، في العقود الأخيرة، إلاّ أصدر ديوان شعر، وكانت الأحداث الكبيرة محفزاً له للكتابة؟ إن عدد دواوين سميح يقول لنا إنه كان يصدر كل سنة، تقريباً، ديواناً: ستون ديواناً في مسيرة شعرية قاربت الـ 56 عاماً.
ومن المؤكد أن الشاعر كتب عن غزة، وخص حروبها بقصائد. سربية "أنا متأسف" (2009) كتب بوحي من حرب غزة الأولى.
في مقابلة أجراها محمد بكري مع سميح، وبثتها الفضائية الفلسطينية مراراً، وآخرها صباح الجمعة 22/8/2014، لمناسبة موت الشاعر، قال سميح إنه كتب هذه السربية، بعد حرب غزة 2008/2009، وأنه تأثر لمناظر القتل ولعدد الإعاقات، وأنه فيها يدحض الفكر الصهيوني الرجعي وينقضه.
دحض الفكر الصهيوني ونقضه بدأ في الأدب الفلسطيني منذ قرأ الفلسطيني نجيب نصار في 1905 مقالة بالإنجليزية عن الحركة الصهيونية ومشروعها في فلسطين، واستمر هذا النقض والدحض منذ ذلك التاريخ: سليمان التاجي الفاروقي وأشعار إبراهيم طوقان "في الرد على رئوبين شاعر اليهود" وناصر الدين النشاشيبي "حفنة رمال" (1962) و"حبات البرتقال" (1964) وغسان كنفاني "عائد إلى حيفا" (1969) ومحمود درويش "جندي يحلم بالزنابق البيضاء" (1968) و"الكتابة على ضوء بندقية" (1971) وسميح القاسم "إلى الجحيم أيها الليلك" (1977) و"الصورة الأخيرة في الألبوم" (1976) ومن قبل هذين العملين رواية إميل حبيبي "الوقائع الغريبة في اختفاء سعيد أبي النحس المتشائل" (1974) و.. و.. حتى أنني في العقود الثلاثة الأخيرة غدوت أخوض في هذا الموضوع، وفي هذه النصوص، كما لم يخض أحد فيها من قبل.
حقاً لمَ لمْ تبرز هذه السربية إلى وسائل الإعلام في الحرب الأخيرة على غزة؟ لمَ لمْ تنشر منها مقاطع على صفحات الفيسبوك وفي الجرائد؟ ألأنها قصيدة طويلة يصل عدد صفحاتها إلى 146 صفحة؟ أم لأنها قصيدة فكرية بالدرجة الأولى، وكما أقر سميح فإنه أراد منها أن يدحض الفكر الصهيوني؟ أم لأن الكتابة عن غزة فيها كانت قليلة وباهتة، وبالتالي فإنها بدت وكأنها لا تمت إلى غزة بصلة؟ أم لأن الشاعر فيها يكثر من عبارات لا يستسيغها الناس إبان الحرب الوحشية المدمرة؟
ترد العبارات التالية في السربية بكثرة، بخاصة في الصفحات الأخيرة: أنا يا أخي يا عدوي، يا صديقي اللدود، يا صاحبي وعدوي، أخوك أنا يا عدوي اللدود، أخوك فلا تختصرني، يا أخي وعدوي العزيز، يا صاحبي وعدوي اللدود، يا أخي وعدوي الوجيه، فهل كانت هذه العبارات، مثلاً، سبباً مهماً في عدم الالتفات إلى السربية؟ وهل هي السبب الأهم؟ أم يعود السبب إلى أن زمننا ما عاد زمن الشعر؟ أم أن إكثار سميح من الكتابة هو المسؤول عن عدم شيوع أشعاره وحفظها ومتابعتها، وهو ما أشرت إليه في مقال الأحد الماضي؟
في كتابه "ولدت هناك.. ولدت هنا" (2009) يتوقف مريد البرغوثي أمام غزارة الكتابة، فيكتب: "يقولون إن الوجع الدائم يشكل باعثاً على الكتابة، ولا أصدق هذا الهراء. الوجع يشكل عائقاً للكتابة أحياناً. أعد نفسي شاعراً مقلاً في نهاية المطاف وأعجب لأولئك الذين ينشرون أربعين أو خمسين ديواناً بحجة أن معاناتهم "مستمرة".
الوجع التاريخي عبء على القصيدة، لأن تاريخيته تعني أنه مزمن، وكل مزمن ممل، من التهاب الرئة إلى التهاب القوافي...." ويتابع الكتابة عن رأيه في شعر المقاومة: "نحن نعيش "وجعاً مزمناً" و"مقاومة مزمنة" منذ أكثر من قرن. شعراء العالم كتبوا شعراً مقاوماً لسنة أو سنتين ثم عادوا لشعر الحياة العادية. كم سنة يقاوم الناس وكم سنة يكتب شعراؤهم شعراً مقاوماً. المقاومة الفرنسية لم تزد على أربع أو خمس سنوات عاد بعدها آراجون دايلوار، وسواهما إلى تجريبهم الشعري ولعبهم الجمالي على هواهم." (245/246).
رأي مريد رأي فيه نظر، ويمكن أن يساءل، ويمكن أن يؤخذ به جزئياً، ويمكن أن تبدى فيه وجهات نظر مؤيدة ومناقضة".
كل مزمن ممل، من التهاب الرئة إلى التهاب القوافي". ـ ألاحظ هذا حقاً، فحين تزورني أخواتي ونتحدث عن داء السكر المزمن فينا، يمل أولادهم وقد يعقبون ساخرين منا: سكر، سكر، سكر، دائماً الحديث عن السكر ـ ولكن السؤال الذي يُسأل هو: ماذا لو عاشت فرنسا سبعين عاماً تحت الاحتلال النازي، لا أربع أو خمس سنوات فقط؟ هل كان آراجون وآيلوار سيكفان عن كتابة شعر المقاومة؟
وكما ذكرت، فإن الكتابة عن غزة في "أنا متأسف" التي أنجزت في شهرين على أكثر تقدير، (الرامة 21/1/2009 في نهاية الديوان/ السربية) تبدو خجولة، بل إن دال غزة لم يتكرر إلاّ مرات قليلة جداً، وهذا إذا ما قورن بكتابة محمود درويش النثرية "صمت من أجل غزة" (1973، يوميات الحزن العادي) بدا شاحباً وقليلاً. ألتكرار دال غزة في النصين أهمية وباعث على الانتشار والتذكر؟ ربما.
في ص55 يأتي سميح على الحافز الرئيس الذي جعله يكتب: فقدان الشاب الغزي لؤي بصره بسبب الحرب، وبتر ساقي الشابة جميلة، وقصتهما قصة حرب، لا قصة حب مثل قصة قيس وليلى وروميو وجولييت، فماذا يقول الصهيوني؟ يقول سميح: "لقيس وليلى حكاية حب جميلة/ ولروميو وجولييت رواية عشق طويلة/ فماذا تقول لعينيّ "لؤي" وماذا تقول لساقي "جميلة"؟ / أتعرف كيف تقول "أنا متأسف"/ أتعرف؟" (55، 56).
"لماذا تقص الجديلة/ لتجدل مشنقة تتدلّى عليها رقاب الطفولة/ وتسمل عينين حالمتين بنور قليل/ يجوب السماء القليلة/ أتغلب عيناً سملت وتغلب ساقاً بترت/ وتغلب قلباً سحقت ورأساً قطعت/ أتغلب؟ لا أنت تهزم/ وتذوي وتهرم/ وأنت تهون وتسقط.. والله غالب/ هو الله غالب/ فقل متأسف/ أنا متأسف".
سميح القاسم المتكلم في القصيدة يتأسف للإسرائيلي الصهيوني، فولادة سميح هي السبب في قتله، ولو لم يولد لما كان اليهودي الصهيوني قاتلاً. سخرية لا شك، ودال: أنا متأسف هو الأكثر حضوراً في النص الذي يعيد فيه سميح مقولات ظهرت في نثره ومقالاته وهو يدحض الأدب الصهيوني يوم كان شيوعياً وملتزماً. وربما تذكر المرء وهو يقرأ "أنا متأسف" رواية أحمد حرب "الجانب الآخر لأرض المعاد" وما قاله إميل لليهود وهو يحاورهم: فقط اعترفوا بأخطائكم وبما ارتكبتم، ولنعش معاً في دولتين. وآمل ألاّ تكون الذاكرة خانتني.
١٠
خفة دم رئيس الوزراء المحتملة :
رئيس الوزراء - أسعد الله طلته البهية - أعلن ما لم يعلن من قبل ، وأتى بما لم يأت به الأوائل .
" الفلسطينيون يريدون دولة بلا مستوطنات ، وهذه سياسة تطهير عرقي لليهود " .
شو مالهم أبناء عمنا في هذه الأيام ؟
أبو مازن كان مخابرات روسية ، والفلسطينيون يريدون ممارسة تطهير عرقي .
كل الحق على المؤرخ اليهودي اليساري التقدمي ( ايلان بابيه ) صاحب كتاب " التطهير العرقي " . إنه هو - من حيث لم يدر - من نبه ( نتنياهو ) رئيس الوزراء الإسرائيلي إلى هذا المصطلح .
أكان من الضروري أن تكتب يا صديقنا ( بابيه ) عن تطهير عرقي ؟
الله المستعان به .
١٠ / ٩ / ٢٠١٦
١١
إدارات الجامعات الذكية :
في ( بون ) حضرت فصلا مكثفا ل ( آنيماري شيمل ) .
أعطت ( انيماري شيمل ) محاضرات الفصل كاملة في أسبوعين وانصرفت إلى أبحاثها وما عادت تنفق وقتها في الثرثرة مع زملائها والغيبة والنميمة .
حسب ما أعرف فإنها ألفت ما يربو على الثمانين كتابا وحاضرت في جامعات أوروبية وغير أوروبية .
أساتذة العلوم الإنسانية في جامعاتنا لا يقلون قيمة وأهمية عنها في أبحاثهم ونشاطهم ومشاركتهم في المؤتمرات ، على الرغم من أن إدارات جامعاتنا تصر على الدوام خمسة أيام في الأسبوع ، وعلى الرغم أيضا من جلسات الود والأنس وأكل الكنافة في المناسبات .
سألت طلابا من الجامعة عن كتب الأساتذة الذين يدرسونهم فاكتشفت جهلي وجهل الطلاب .
لماذا نأتي إلى الجامعة خمسة أيام في الأسبوع ؟
أنا اقرأ وأكتب في العطل والإجازات .
ربما تخشى إدارات جامعاتنا علينا من الملل والزهق والمفسدة ، فالفراغ مفسدة أية مفسدة !
10 ايلول 2018.
١٢
اليوم ألقيت ندوة في ( برلين ) :
اليوم ألقيت ندوة في مدينة ( برلين ) . والصحيح أنني ذهلت لبخل الألمان وسوء استقبالهم لي .
لم يكن أي شخص في استقبالي . شابة واحدة سألتني إن كنت المحاضر ، ويبدو أنها لاحظت الحطة والعقال فعرفتني . لم أجد من يقدمني إلى الجمهور فيعرف بي . ولم أر زجاجة ماء أو كأس شاي .
لم يدعني أحد بعد انتهاء المحاضرة لتناول مشروب .
كل ما حدث أن الشابة سألتني إن كنت على استعداد لإعطاء سلسلة محاضرات في الموضوع وأنا لم اسأل عن ثمن تذكرة الطائرة ، فأنا أعرف أن الاقتصاد الألماني لا يحتمل وأن وزارة الثقافة الفلسطينية أكرم من مؤسسة ال ( Daad ) الألمانية .
لو أعطيت المحاضرة في مبنى حمدي منكو لاختلف الأمر كليا . حسن الضيافة وحفاوة الاستقبال. ما شاء الله على الكرم العربي !
ما شاء الله على بلدية نابلس !
الحق كل الحق على المفتي والمستشار ( ادولف هتلر ) .
11 ايلول 2018
١٣
لا أحد يعرف زمرة دمه
مايا أبو الحيات والثورة الفلسطينية :
ما الصورة التي تبرز للثورة الفلسطينية في الأدبيات الفلسطينية؟
كيف كانت صورة الفدائي الفلسطيني منذ أشعار ابراهيم طوقان وقصة غسان كنفاني " العروس " وروايته "أم سعد" ؟
وكيف صارت هذه الصورة في أدبيات متأخرة مثل رواية سامية عيسى "حليب التين " ورواية مايا أبو الحيات " لا أحد يعرف زمرة دمه " وقصيدة محمود درويش " أنت، منذ اليوم، غيرك "؟
منذ بدأت الفصائل تتدخل في الزواج والطلاق وشرب البيرة والتفتيش عن علبها في السيارات تم تحرير ٨٠ بالمائة من فلسطين وبقي تحرير ال ٢٠ بالمائة . وإلا ما معنى قول الشاعر :
إنما الأمم الأخلاق ما بقيت فإن هم ذهبت أخلاقهم ذهبوا.
المهم الأخلاق وحراسة الفضيلة.
ابشروا !
١٠ أيلول ٢٠١٩
١٤
هل الكاتب منذور للقتل؟ الكتابة مهنة متاعب ( ناجي العلي وغيره : غسان كنفاني ونجيب محفوظ مثالا )
كم مرة تعرضت للتهديد بسبب الكتابة ؟
في أثناء عملي في الوكالة :
- يوسف رضا
- قصة " أين ذهب فيصل ؟"
نص " ليل الضفة الطويل "
- التهديد بالفصل من العمل
- محاولة الاعتداء علي في منطقة " عيون الحرامية " ليلا بين نابلس ورام الله .
اتصال شخص عبر الهاتف شتمني شتيمة بذيئة .
- Feras Rafdan في كانون الأول ٢٠١٧ تهديد بسبب منشور على الفيس بوك .
- جوال رقم 0595651471
ظل يتصل مرارا فلما اتصلت به من جوالي ٠٥٩٨١٠٠٧٣٤ ردت امرأة وسألتني من أنا فهددتها بالذهاب إلى الشرطة إن واصل صاحب الهاتف الاتصال .
الخوف من السفر إلى الأردن .
الخوف من التنقل .
ذكر اسم إحدى طالباتي في " بوست " مع أن السبب علمي بحت / في مجتمع يرضخ للعادات والتقاليد ولا يعرف من العلم إلا فك الحرف لوظيفة .
التهديد من اسم مستعار عبر الماسنجر بحجة الكتابة السلبية حتى نبهت صاحب الكتابة إلى ما كتبته عن خميس الفار ونعيم اللحام .
محاولات تخويفي من كثيرين .
في رام الله وحوار ساحن مع عزت الغزاوي وابنه جاد .
كتاب عزت ضدي إلى رئيس الجامعة بسبب مقال لم ينشر " قل للاخيطل لم تبلغ موازنتي " وبسبب مقال " شيكات بلا رصيد " .
والآن :
بعد ما نشرته من كتاب د.خالد تركي عن كتاب " سفر برلك " ووثيقة عبد العزيز بمنح فلسطين لليهود .
آخر جدل لي مع د.خليل قطناني حول مقالي عن رواية حيدر حيدر " حقل أرجوان " وما نبهني إليه وتوضيحي له أن الأمر لا يعنيني فأنا ناقد روائي والملوم هو حيدر حيدر والدكتور نافذ العينبوسي .
١٥
الست كورونا : بوتين واللقاح والتأثيرات الجانبية ( 70 )
الحديث الدائر الآن هو عن التطعيم الذي يفترض أن ينجز يوم الأحد القادم في المدارس .
ثمة منشورات تعمم عبر الماسنجر تحذر أولياء الطلبة ، هنا وفي الأردن ، من إرسال أبنائهم ، يوم الأحد ، إلى المدارس حيث من المفترض ان يبدأ التلقيح الذي سيتم إرساله من الإمارات .
أحد المنشورات وهو مصوغ بلغة عربية تحفل بالأخطاء النحوية يربط بين اللقاح وقيام الساعة ، فمن علاماتها كثرة الموتى وتسارع الموت ، لتخلو الأرض من السكان إلا لقليلين هدفهم من وراء تعميم اللقاح جني الأرباح - ماذا سيفعل أصحاب الشركات من وراء جني الأرباح إن قامت القيامة ؟
هل يريد صاحب المنشور الذي اعتمد على حديث لا أعرف مدى صحته ، هل يريد من خلال تحذيره الناس ألا يأخذ أبناؤهم التلقيح ، هل يريد تأجيل القيامة ؟
ربما لم أفهم المنشور جيدا !
وثمة سخرية من اللقاح الروسي ، فالمكتوب بالانجليزية في رسم كاريكاتوري أن اللقاح الروسي لا تأثيرات جانبية له ، والصورة تظهر الرئيس الروسي ( بوتين ) بنهدين كبيرين لافتين ، ورحم الله جارنا " أبوعوض " .
كان " أبو عوض " مسؤولا عن توزيع المياه في المخيم ، وكان اللافت في تكوينه الجسدي هو امتلاكه " بزا " كبيرا في مؤخرته . هل كان أبو عوض الذي توفي قبل عقود ، هل كان - رحمه الله - تلقح باللقاح الروسي ضد الكورونا ؟
١٠ أيلول ٢٠٢٠
١٦
يا زكريا : اظهر وبان عليك الأمان
للسخرية لدى أبناء العمومة حضور لافت ، فبعد هزيمة حزيران ١٩٦٧ ظهر في الأدب العبري المسرح الساخر الذي كتبه ( حانوخ ليفين ) وقد تلقاه كتابنا وشعراؤنا فكتبوا عنه وترجموه . من محمود درويش الذي تأثر به في كتابه " يوميات الحزن العادي " إلى سلمان ناطور في مونولوجه " كاتب غضب " وانطوان شلحت الذي ترجم نصوص ( ليفين ) .
أكثر من شريط فيديو تم تناقلها تصور بعض الإسرائيليين يبدون ردات فعل ساخرة إزاء تحرير السجناء الستة أنفسهم ، وقد ربط قسم من الكتاب ورسامي الكاريكاتور الإسرائيليين بين الحدث ونتيجة مباراة فريق القدم الإسرائيلي مع نظيره الفريق الدانماركي حيث هزم الثاني الأول بخمسة أهداف مقابل صفر .
لماذا لم يسجل الرياضيون الدانماركيون الهدف السادس حتى تتطابق النتيجة مع عدد السجناء الفلسطينيين ؟
على بعض شواطيء الدولة العبرية كان ثمة متنزهون يهود يحملون ميكروفونا يصرخون من خلاله على زكريا الزبيدي :
- يا زكريا ! يا زكريا ! وينك ؟
كما لو أنهم يقولون له :
- اظهر وبان عليك الأمان .
كما لو أن السخرية من الدولة الإسرائيلية وأجهزتها الأمنية وشرطتها وجيشها بلغت الذروة ، إذ بعد مرور أيام لم يتمكن هؤلاء كلهم من إلقاء القبض على " اشجع مقاتلي الحرية " كما وصفهم الكاتب الإسرائيلي الشجاع ( جدعون ليفي ) ، وما دام الأمر كذلك ، فلا بأس إذن من تجريب وسيلة أخرى تتمثل بمخاطبة زكريا وديا !!
- يا زكريا اطلع وبان عليك الأمان !
على شاطيء البحر وفي الغابات القريبة من حيفا كان بعض الإسرائيليين يحملون المايكروفونات وينادون على زكريا ، وكان قسم من الكتاب الفلسطينيين ، ومنهم الكاتب فاروق وادي انبرى ليرد على الكاتب المصري يوسف زيدان الذي رأى أن حدث الهروب فيلم هندي وتمثيلية ليس أكثر .
ما زالت أخبار السجناء الستة تشغل عقول المحللين السياسيين ، وما زال بعض النشيطين الفيسبوكيين يتناقلون صورة الكتاب الذي عزي صدوره إلى مكتب الرئيس أبو مازن ، ويعقبون على ما آل إليه الفلسطينيون بسبب اتفاق أوسلو والتنسيق الأمني و ... وضرورة العمل على إلقاء القبض على السجناء وإعادتهم إلى سجنهم ليتم إخراجهم ب " المقاومة السلمية " التي يدعو إليها الأخ القائد الرمز ، وكل من يحكمنا هو " أخ وقائد ورمز " و " اللي مش عاجبه يشرب من بحر غزة أو البحر الميت " .
نحن في ورطة حقا .
١٠ أيلول ٢٠٢١
١٧
" كل أرض الشام منفى !! "
في رواية غسان كنفاني " أم سعد " ( ١٩٦٩ ) تعقب أم سعد على كلام الراوي الذي استغرب ألا يوقع سعد على ورقة ليخرج من السجن بعد أن اعتقلته الشرطة اللبنانية لمشاركته في عمل سياسي ، وكان هذا في ستينيات القرن العشرين :
- طيب ؟ أنت غير محبوس ، فماذا تفعل ؟
وترى أن المخيم حبس والبيت حبس والمختار حبس والجريدة حبس والراديو والباص والشارع وأعمارنا ، وترى أن الفلسطينيين منذ طردوا من بلادهم وأقاموا في المخيمات محبوسون " أنت توهم نفسك يا ابن العم بأن قضبان الحبس الذي تعيش فيه مزهريات ؟ " والخلاصة أننا كلنا محبوسون ، ولسوف يعبر محمود درويش في ديوانه " حالة حصار " ( ٢٠٠٢ ) ، وكان مقيما في رام الله المحاصرة ، عن الفكرة نفسها كاتبا عن أصدقاء له يقيمون في العالم العربي يشعرون أنهم حيث يقيمون يشعرون بأنهم أيضا محاصرون :
" لنا إخوة خلف هذا المدى
إخوة طيبون ، يحبوننا ، ينظرون إلينا
ويبكون ، ثم يقولون في سرهم :
" ليت هذا الحصار هنا علني ... "
ولا يكملون العبارة : " لا تتركونا
وحيدين .. لا تتركونا " .
تذكرت كلام أم سعد ، وتذكرت مقطع محمود درويش ، وأنا أكتب عن رواية المنفى في الأدب الفلسطيني وأفكر في معايير تحديد " المنفى " .
هل رواية المنفى الفلسطينية هي التي كتبها فلسطينيون خارج فلسطين ؟
إن كانت الإجابة بنعم ، فكيف ننظر إلى الروائيين الذين أقاموا بعد نكبة ١٩٤٨ في الضفة الغربية وقطاع غزة - أي بقية فلسطين التي احتلت في حزيران ١٩٦٧؟
قادتني التساؤلات إلى البحث عن دال المنفى وأدب المنفى وما يندرج تحته ، وأثارت لدي ولدى بعض الكتاب العرب تساؤلات منها :
- كيف ننظر إلى الروائيين الفلسطينيين الذين يقيمون في البلدان العربية ، وقسم من هؤلاء ولد في تلك البلدان وحصل على جنسيتها ويعامل مثل أبنائها ؟
- هل يندرج ما كتبوه تحت مسمى أدب المنفى الفلسطيني أم أنه يعد أدبا وطنيا يحدده جواز سفر الدولة التي يحملها صاحبها ، بخاصة إذا ما تمتع بحقوق مواطنة كاملة ؟
في تعريف أدب المنفى ، كما ورد في بعض معاجم الأدب ، فإنه الأدب الذي يكتبه كاتب يجبر على الإقامة خارج وطنه او كاتب تتعرض كتابته لاضطهاد سياسي أو ايديولوجي أو لرقابة أو منع من السلطة الحاكمة ، ولو في بلده ، أو يتعرض هو وأبناء شعبه لاضطهاد عنصري أو ديني ، وبناء على الكلام السابق فإن الأدب الفلسطيني المقاوم كله أدب منفى حتى ما كتب منه في فلسطين المحتلة ، لأنه خضع للرقابة وخضع كتابه أيضا لاضطهاد قومي .
ولكن هل يعد الأدب الذي يكتبه كتاب هاجروا من مدنهم وقراهم هجرة طوعية أدب منفى ؟
أجبرت عائلة غسان كنفاني في العام ١٩٤٨ على الرحيل من عكا ويافا ، ولكن جبرا ابراهيم جبرا غادر مدينته بيت لحم طوعا ، فهل يعد ما كتبه الثاني أدب منفى ؟
الأمر نفسه يمكن ملاحظته في أثناء قراءة سحر خليفة المولودة في نابلس التي احتلت في ١٩٦٧ وكتبت فيها أبرز رواياتها ثم غادرتها طوعا . هل يعد ما كتبته خارج فلسطين " أدب منفى " ، علما بأنها لم تتعرض لملاحقة أو سجن أو نفي ؟ ربما يعد أدبها أدب منفى اعتمادا على معيار الجندر / الجنس - أي الذكورة والأنوثة فقط ، فهي تشعر ، كونها أنثى ، بالاغتراب في مجتمع ذكوري .
هناك روائيون فلسطينيون غادروا فلسطين طوعا وأقاموا في بلدان لم تقمعهم ولم تقمع كتاباتهم ولم يتعرضوا لأي رقابة أو ملاحقة ، فهل نعد أدبهم " أدب منفى " ؟ أم أنه يجب دراستهم تحت عنوان آخر هو " الرواية الفلسطينية في خارج الأرض المحتلة " ؟
هل توجد إذن رواية منفى في الأدب الفلسطيني غير الرواية التي كتبها غسان كنفاني ومن مر بتجربة شبيهة لتجربته ؟
التساؤلات ذاتها يمكن تعميمها على كتاب القصة القصيرة والشعر والمسرح مثل سميرة عزام ومعين بسيسو وأحمد دحبور ومحمد القيسي ومريد البرغوثي وعز الدين المناصرة ؟
وقياسا على ما سبق ننظر إلى محمود درويش بعد خروجه من الأرض المحتلة .
هل يعد أدبه بعد خروجه ، طوعا ، أدب منفى ؟ أم أنه يجب أن ينظر إليه من زوايا أخرى عديدة منها أنه حين كان يقيم في فلسطين تعرض للملاحقة والاضطهاد وتعرض أدبه للرقابة ، وأنه لو أراد ، وهو خارج فلسطين ، العودة إلى بلده ، فلن يستطيع ؟ ثم أنه بعد عودته إلى الضفة الغربية وقطاع غزة شعر بأنه لم يعد إلى وطنه ، فلم يعد إلى حيفا ، ولم يشعر أن رام الله هي مدينته . إنها مدينة يقيم فيها ليس أكثر ، فلا ماضي له فيها ولا ذكريات ، كما كتب في قصيدته إلى سليمان النجاب " لا ماضي لي فيها سواك " ، وفوق ، ذلك فإنه حين كان يعبر الجسر عائدا إليها ، كان يرى نظرات جنود الاحتلال غير المريحة ، وحين أراد العودة إلى حيفا طلبت السلطات الإسرائيلية ممن تابع طلب العودة موافقة الشاعر على شروط خجل إميل حبيبي أن يقولها له ، لأنها شروط مذلة ، فعاش الشاعر المنفى في الوطن وشهد احتلال رام الله ثانية في ٢٠٠٢ .
وقد أكون نفسي وقعت في التباس وأنا أكتب ورقتي لمهرجان القدس الثاني عشر في بيت لحم ( أيلول ٢٠٢١ ) ، إذ نظرت إلى روائيين على أنهم كتاب منفى علما بأنهم خرجوا من فلسطين طوعا ولم يتعرضوا هم وكتابتهم للملاحقة ، وأنهم إذا ما قرروا العودة فلن يمنعهم أحد ؟ هنا أذكر سحر خليفة ونوال حلاوة وليلى الأطرش وأنور حامد على سبيل المثال .
" كل أرض الشام منفى " سطر شعري كتبه درويش ، فهل المقيمون منا في فلسطين تحت الاحتلال والمقيمون خارجها بعيدين عنها ، هل كلهم يقيمون في المنفى ؟ ؛ الأولون يعيشون المنفى في الوطن ، بسبب الاضطهاد العنصري والشعور بأنهم أقلية ، والأخيرون ، بخاصة ممن لا يسمح لهم بالعودة، ويعيشون بعيدا عن الوطن ؟
ما يجب ألا ننساه هو أن الفلسطينيين في كثير من البلدان العربية التي هاجروا إليها ما زالوا يعدون غرباء ويقيمون في مخيمات تقول لهم إنكم من هناك ، وما حدث لفلسطينيي العراق بعد ٢٠٠٣ يقول كل شيء فبعد أربعة وخمسين عاما من الإقامة فيها معززين مكرمين أخذ قسم من العراقيين ، بعد سقوط بغداد في ٢٠٠٣ ، ينظر إليهم على أنهم فلسطينيون غير مرحب بهم بل وطرد القسم الأكبر منهم من العراق . وما يقول إن الفلسطينيين العائدين إلى الضفة الغربية وقطاع غزة ولم يعودوا إلى حيفا وشعورهم بأنهم ما زالوا يعيشون المنفى بيت شعر الشاعر أحمد دحبور :
" أنت في المنفى وفي المنفى وفي المنفى وإن سميته وطنا " .
لعلني مخطيء والموضوع يستحق المزيد من التفكير .
١٠ أيلول ٢٠٢١
( مقالي الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية ل ١٢ أيلول ٢٠٢١ متوسعا فيه ) .
١٨
الخميس والجمعة كنت في حيفا في حفل توقيع كتابي الجديد " الفلسطيني في الرواية العربية " . لم أكتب حتى اللحظة عن زيارتي الأخيرة وهذه كتابة قديمة .
٢٠٢٢
١٩
مجزرة المواصي / خان يونس في هذا الصباح
١٠ / ٩ / ٢٠٢٤
" صبرا هوية عصرنا حتى الأبد "
محمود درويش في " مديح الظل العالي " .
طلع في صبراوات لا صبرا واحدة وشاتيلات لا شاتيلا واحدة .
الشاتيلا أنبتت شاتيلات .
" دم طازج
والأزقة تسعى لأقواتها "
علي الخليلي في " الضحك من رجوم الدمامة " .
٢٠
( مقالي اليوم الأحد في جريدة الأيام الفلسطينية ١٥ / ٩ / ٢٠٢٤ ) :
تداعيات حرب ٢٠٢٣ / ٢٠٢٤ :
خيمة للخلوة .. خيمة للعزلة
في ٣ حزيران ٢٠٢٤ كتب ابن غزة شجاع الصفدي منشورا عنوانه " خيمة للعزلة " أتى فيه على فكرة طرأت على ذهن صديق له فحواها إقامة خيمة لخلوة شرعية للأزواج ممن يرغبون في ممارسة علاقتهم الزوجية ، بعيدا عن الخيام المتلاصقة المكتظة بالبشر في مخيمات النزوح الجديدة منذ ٧ أكتوبر ، حيث افتقد الناس خصوصياتهم ، فأصبحت أخبارهم على مسمع جيرانهم ، وقبل ذلك على مرأى أبنائهم .
شجاع لم يحتج خيمة للخلوة ، فهذا ما لم يشغله كثيرا ، ولكنه احتاج خيمة للعزلة ، ليفكر في اقتراح صاحبه وما طرأ على ذهنه في هذا الواقع القاسي ، حيث الصراخ والضجيج بين ساكني الخيام ، وهو " خيمة للعزلة " ، وغالبا ما احتاج الكتاب إلى حيز خاص بهم يكتبون فيه ، علما بأن سبب تفكيره بخيمة للعزلة يعود إلى ما سمعه من صديقة عبرت عن أمنيتها بالحصول على مكان تسترخي فيه ، فلا يزعجها أحد ولا يلتفت إلى خصوصيتها ، ويعود أيضا إلى ما شاهده في الأسواق وبين الخيام .
عندما قرأت الفكرة التي طرأت على ذهن صديقه كتبت " أجمل نص قرأته في كتابات كتاب غزة منذ بداية الحرب : المضحك المبكي " ، وشجاع عقب على اقتراح صديقه بعبارة " المضحك المؤلم " .
كانت تعليقات القراء على ما كتبه متفاوتة وحافزا لكتابة حول الكتابة .
مر الأمر الذي لفت نظري من قبل موضوع شبيه له هو وقوف الغزيين طوابير طوابير أمام المراحيض ، وهذا ما كتبت عنه مقال " مأساة الفلسطيني في حياته اليومية : الحمامات " ( الأيام ٢١ / ٤ / ٢٠٢٤ ) .
في الأسبوعين الأخيرين تحدثت الطبيبة المتخصصة بالصحة الجنسية والإنجابية الغزية إسراء صالح في حوار معها ( عبر بودكاست ) عن تخصيص غرفة في مراكز إيواء اللاجئين الفلسطينيين ، ثم لاحقا خيمة في مخيمات الخيام ، ليقيم - لساعات فيها - الأزواج الراغبون في الإنجاب ، أو الراغبون في ممارسة علاقتهم الحميمة ، أو الأزواج الجدد .
تساءلت إسراء إن كان ثمة خصوصية لهؤلاء ، فالكل في مراكز الإيواء أو في خيمة المخيم يعرفون سبب ذهاب الأزواج إلى الغرفة أو الخيمة .
حديث إسراء كان له صدى كبير تعددت الآراء فيه واختلفت . صدى أوسع بكثير من صدى كتابة شجاع والسبب واضح ومعروف ، فعدد مشاهدي شريط فيديو أو متابعي لقاء تلفازي أضعاف أضعاف القراء .
المقال والحديث استثارا في ذهني حكايا شاهدتها ، أو سمعت عنها ، أو قرأت حولها ، تؤكد ما علقت به قارئة عن الخصوصيات في المخيمات منذ إقامتها بعد العام ١٩٤٨ ، وهو :
- ومتى كان هناك خصوصيات في مخيمات اللجوء ؟
ربما كان أجدادنا وآباؤنا يخجلون من الخوض في هذا الموضوع في خمسينيات القرن العشرين يوم عاشوا عشر سنوات في المدارس أولا وفي الخيام ثانيا ! ربما خجلوا من قص حكايات بعض شاذين أو شبقين جنسيا يتسللون ليلا إلى خيام مجاورة لخيمتهم ، وأذكر أن أحاديث شباب المخيم لم يكن يخلو من حكايات التلصص على بيوت الجيران والإصغاء إلى ما كان يدور فيها بين الأزواج من أحاديث وما يصدر عنهم من حركات ، وكانت مثل هذه الحكايات تتناقل وتشيع وتنتشر بسرعة . لقد كانت موضوعا متداولا محببا . لم تكن الخيمة تستر ولا كانت غرف الوكالة أيضا تخفي ، فشبابيكها وأبوابها كانت من ألواح خشب بينها فراغات تمكن أحيانا من الرؤية ، وما أكثر الأشقياء والفضوليين والمرضى نفسيا !
فيما كتبه الشاعر أحمد دحبور بعنوان " فصول من سيرة ذاتية " ، عن مكان إقامتهم بعد النكبة ، ما يخبرنا عن انتفاء أي خصوصية للاجئين . يحكي أحمد عن الثكنة التي أقاموا فيها والغرفة التي كانت من نصيب عائلته ، فلما تزوج أخوه الكبير مصطفى قسمت أمه الغرفة بالبطانيات إلى شطرين .
السؤال عن مكان لعريسين فلسطينيين يقضيان فيه ليلة الدخلة ألح على محمود درويش بعد الشتات الفلسطيني إثر الخروج من بيروت حيث فقد الفلسطينون خيمتهم الأخيرة " بيروت خيمتنا الأخيرة " . في قصيدة " مطار أثينا " ١٩٨٣ نقرأ :
" في مطار أثينا انتظرنا سنينا . تزوج شاب فتاة ولم يجدا غرفة للزواج السريع . تساءل : أين أفض بكارتها ؟ فضحكنا وقلنا له : يا فتى ، لا مكان لهذا السؤال " .
وتعد رواية سامية عيسى " حليب التين " أشمل نص أدبي فلسطيني أتى على افتقاد الفلسطيني خصوصيته ، بل واجرأ ما كتب في هذا . يتزوج الفدائي ويقيم مع عائلته والسكن ضيق ، فكيف له أن يمارس حياته ؟
المقطع الآتي غيض من فيض في الرواية : " بعدما تزوجا صارت [ الأم ] تفسح لهما الوقت والمكان في النهار لكي يفعلا ما لم يستطيعاه بقربها في الليل . كان أيضا يفرغ في أحشائها على عجل أو هي تدعه يفعل خشية أن تباغتهما فاطمة [الأم ] أو ضوضاء التفاصيل التي تجري وراء باب الغرفة أو على الطرف الآخر من جدارها " .
والطرف الآخر من جدارها تشير إلى تلاصق بيوت المخيم حيث يسمع الجار كل ما يقال في بيت جاره .
الكاتب الغزي يسري الغول في منشور كتبه في ٨ / ٩ / ٢٠٢٤ لا يروق له أن يجعل من الأمر قضية ، وإن كان لا بد من مناقشته فليناقش لفضح الاحتلال ويقول إنه قاربه في عمله " ملابس تنجو بأعجوبة " .
عندما تعود بي الذاكرة إلى مسلسلات شاهدتها قاربت حياة البدو ، منذ الجاهلية إلى عصرنا ، فإن " خيمة الخلوة " للعريسين كانت معروفة ، إنما ما يختلف الآن هو قربها بسبب الحرب .
( الثلاثاء والأربعاء والجمعة ١٠ و ١١ و ١٣ / ٩ / ٢٠٢٤ )
( مقال الأحد القادم لجريدة الأيام الفلسطينية ١٥ / ٩ / ٢٠٢٤ ) .
٢١
يوميات غزة ( ٣٤٠ ) :
هوية عصرنا
عندما صحوت فجر هذا اليوم في الثالثة ، وقرأت عن الجريمة التي ارتكبها جيش الاحتلال الإسرائيلي في مواصي خان يونس ، وجدتني أكرر قول محمود درويش في مجزرة شاتيلا وصبرا في أيلول العام ١٩٨٢ :
" صبرا هوية عصرنا حتى الأبد "
ولو امتد العمر بالشاعر وشاهد ما نشاهد لربما أصيب بالجنون ، فما يجري في غزة منذ أحد عشر شهرا وأكثر هو الجنون نفسه ، وهو هوية عصرنا .
قيل في الأخبار إن مجزرة فجر اليوم هي الأقسى منذ ٧ أكتوبر . لقد دفن قسم من سكان الخيام في الرمال وأبيدت عائلات بأكملها ومحيت من السجلات المدنية ولم يعد لها ذكر .
حجة دولة إسرائيل جاهزة وهي إن المقاومين الفلسطينيين مختبئون بين المواطنين ، وقبل أيام عمم شريط فيديو كتبت عنه يري جماعة ملثمة تطلب من امرأة وزوجها إخلاء الخيمة ، فالقيادة تحتاج الخيمة لاجتماع . هل تمت فبركة الشريط للإقدام على مجازر مثل هذه ؟
هذا هو ما يفهم مما جرى .
هل كانت إسرائيل في العام ١٩٤٨ تبحث في دير ياسين عن قيادات مقاومة ؟
وهل كانت أيضا في العام ١٩٥٦ ترى في مزارعي كفر قاسم العائدين في المساء إلى قريتهم والدي ضيف والسنوار ؟
ربما !
وربما تبحث إسرائيل في أنفاق شوارع جنين ومخيمها وطولكرم ومخيميها عن أسراها وعن ضيف والسنوار ، فقد يكونان حفرا أنفاقا تمتد من غزة إلى قلقيلية فطولكرم فجنين . ألم يسمع سكان كفار سابا في أشهر الحرب الأولى أصوات حفر في الليل ، فخافوا من أن يهاجمهم أهل قلقيلية مكررين ما جرى في السابع من أكتوبر ؟!
ما جرى صباح اليوم في مواصي خان يونس ستظل الكتابة فيه وعنه قاصرة ودون مستوى الحدث حتى لو حضر معين بسيسو ومحمود درويش وجان جينيه إلى المكان ليشاهدوا وليكتبوا .
أرض أكثر وعرب أقل . هذا هو الدافع لما يجري منذ ١٩٤٨ .
يخرج الجلاد من جلد الضحية . كتب محمود درويش في " مديح الظل العالي " واليوم أصغيت إلى شربط فيديو يتحدث فيه مواطن ألماني يهودي الديانه ويقر بأن ما تفعله إسرائيل بالفلسطينيين غير مبرر منذ العا ١٩٤٨ ، فليسوا هم من ارتكب المجازر بحق اليهود في الحرب العالمية الثانية ، ويقر بأن إسرائيل لا تمثله وأنه لا ينتمي إليها إطلاقا .
١٠ / ٩ / ٢٠٢٤
٢٢
غزة 705
غزة خيمتنا الأخيرة .. غزة جدارنا الأخير :
لسان حال قسم من أبناء مدينة غزة كان أمس ، كما شاهدت في شريط ، هو لسان محمود درويش في قصيدته " بيروت " ١٩٨١ وفيها كتب :
بيروت خيمتنا الأخيرة .. بيروت نجمتنا الأخيرة
لن نترك الخندق حتى يمر الليل أو نهلك .
لم يكرر الرجل الذي تحدث في الشريط ما قاله الشاعر في قصيدته حرفيا ، وأغلب الظن أنه لم يسمع بالقصيدة ولا يحفظ بعض أسطرها ، ولكنه ردد مضمونها ليس تغنيا بمقاومة مسلحة وإنما بمقاومة قوامها البقاء في المدينة وعدم النزوح إلى المواصي بناء على طلب " المنسق " الإسرائيلي . وكنت أمس كتبت عن شاب في شريط آخر أوصل رسالة إلى ( نتنياهو ) و ( ترامب ) بأن أهل غزة لن يغادروا مدينتهم ، وناشد الشاب رئيس الوزراء الإسرائيلي بأن يلقي على غزة قنبلة نووية ليقتل سكانها دفعة واحدة لا بالتدريج .
ببساطة ، وكما يظهر في أكثر منشورات أبناء غزة ، فإن النزوح غير قابل للتحقق لأن جهنمه قائمة في غزة وفي المواصي أيضا ؛ المواصي التي قال عنها محمد عمران الأسطل Mohamed Omran Astal إنها ضاقت على من فيها ولا مكان فيها لآخرين جدد .
كنت وأنا أرد على بعض منشورات الصديق شجاع الصفدي وبعض أبناء قطاع غزة ، كنت أردت أن أكتب عن ضربة الحظ أو القدر التي جعلت الشاعر المرحوم سليم النفار يولد في مخيم الشاطيء في غزة والتي جعلتني أولد أنا في مخيم عسكر في نابلس . الكتابة في الموضوع تستحق منشورا خاصا اعتمد في كتابته على قصيدة الشاعر محمود درويش " لاعب النرد " .
نجى الله أهلنا في قطاع غزة ونجانا أيضا .
ذكرى مجازر شاتيلا وصبرا على الأبواب .
١٠ / ٩ / ٢٠٢٥
٢٣
غزة 705 / 2
أهي الصدفة أم القدر ؟ : أنا والشاعر سليم النفار
في العام ١٩٤٨ هاجر قسم من أهل مدينة يافا إلى قطاع غزة وقسم آخر إلى مدينة نابلس ، وأرجح أن من كان من سكان المدينة بحارا أبحر نحو مدن بحرية ومن كان عاملا أو سائقا أو يملك سيارة هاجر إلى مدن الضفة الغربية وبخاصة طولكرم ونابلس .
الشاعر سليم النفار أهله من يافا وأنا كذلك . وفي روايته " ليالي اللاذقية " كتب عن الافلوكة التي أقلت عائلة يافاوية ، ولطالما كتبت أنا عن أبي السائق الذي قاد سيارته إلى نابلس . هكذا ولد الشاعر في مخيم الشاطيء ، وهكذا ولدت أنا في مخيم عسكر .
في المقتلة وحرب الإبادة هذه ثار جدل بين كتاب قطاع غزة وقسم من كتاب الضفة الغربية ، وربما كنت أول من كتب عن " الكتابة عن بعد "أو الكتابة في أثناء الجلوس على كنبة و" الكتابة عن قرب " أو من داخل المقلاة في أثناء الإقامة في خيمة والمعاناة من الجوع .
هذا الجدل غالبا ما يتجدد بين فينة وأخرى ، وغالبا ما أقرأه بتفهم وبسعة صدر حتى لو لم يخل من اتهامات وشتائم .
أمس وأول أمس وأول أول أمس ، وربما من أسبوع ، تجددت الكتابة وشارك فيها كتاب عديدون [ الشاعر سميح محسن والكاتبة غانية ملحيس Ghania Malhees والشاعر شجاع الصفدي وأنا ] .
هناك كتاب كثر من الخارج ومن داخل فلسطين صمتوا لأسباب عديدة كتبت عنها .
وأنا أفكر في أمري وكتابتي وما تجره علي تذكرت قصيدة محمود درويش " لاعب النرد " التي لم استحضرها في يومياتي عن الحرب إلا نادرا .
أحيانا أرى في المقاطع الآتية من القصيدة إجابة ترضيني :
" كان يمكن أن لا أكون
كان يمكن أن لا يكون أبي
قد تزوج أمي مصادفة "
" كان مصادفة أن أكون
أنا الحي في حادث الباص
حيث تأخرت عن رحلتي المدرسية
لأني نسيت الوجود وأحواله
عندما كنت أقرأ في الليل قصة حب "
" لا دور لي في حياتي
سوى أنني ،
عندما علمتني تراتيلها ؟
قلت : هل من مزيد ؟
وأوقدت قنديلها
ثم حاولت تعديلها "
" كان يمكن أن لا يحالفني الوحي
والوحي حظ الوحيدين
إن القصيدة رمية نرد
على رقعة من ظلام
تشع ، وقد لا تشع
فيهوي الكلام
كريش على الرمل " .
لو كان أبي قبل العام ١٩٤٨ بحارا ، لكنت الآن في مخيم الشاطيء ، ولو كان والد سليم النفار سائقا لكان سليم الآن في مخيم عسكر ، لو ... لكنت أنا من ارتقى وكان هو الآن يكتب هذه اليوميات .
ليس لنا إلا أن نغير المنكر بلساننا ، وذلك أضعف الإيمان .
نتمنى أن تنتهي المقتلة وألا تكون الضفة الغربية مسرحها القادم ، ولكن :
" من أنا لأقول لكم
ما أقول لكم
أنا مثلكم
أو أقل قليلا " .
رحم الله الشهيد صلاح خلف ( أبو إياد ) لم يرتق في يافا ، علما بأنه كان من النجادة ، وارتقى في تونس ، ورحم الله أيضا شفيق الحوت ، فقد كان أيضا من يافا ومات في بيروت .
١٠ / ٩ / ٢٠٢٥
٢٤
إسرائيل لا يروق لها المناظر الحضارية لأبناء الشعب الفلسطيني ؛ لكي تؤكد المقولة الصهيونية : العرب أبناء الصحراء .
هذا الهدم لا يعكس إلا حقدا على البشرية والطبيعة .
المجتمع الإسرائيلي بحاجة إلى ( سيجموند فرو