استوحيت فكرة هذا النص اليوم من وليمة أقامها ذوو ابن العمومة محمد الاتيمين أبو عمر بمناسبة خروجه من المشفى، وقد جمعت أغلب أبناء القرية. جاد الله عليهم، ونسأل الله أن يتم عليه الشفاء، ويلبسه ثوب الصحة والعافية.
#ومن هذا المشهد عادت بي الذاكرة إلى البادية التي أفخر بها، إلى عادات وقيم ومبادئ تجذرت فينا، وتجذرنا فيها، حتى أصبحت جزءا من سلوكنا اليومي، يتعلمها الناشئة بالمشاهدة والمعايشة قبل أن يسمعوها كلاما.
#فالكرم عند أهل البادية ليس ذبيحة ومنسفا فحسب، بل منظومة من الأدب والاحترام وأداء الواجب ومراعاة الشأن.
#حتى دخول الرجل إلى المجلس له أدبه. يقوم الجالسون لاستقباله والسلام عليه، ما عدا كبار السن، فيسلم عليهم، وقد يقول لهم: #خليكم جالسين. ثم لا يكتفي المجلس بالسلام، بل قد يترك أحد الجالسين مكانه للقادم ويقول له: تعال مكاني، حتى لو كان الجالس ضيفا هو الآخر. #فالقادم له احترامه، والضيف له مكانته.
#وإذا كثر القادمون وضاق المكان، قالوا #الرجال #كالدراهم، تأخذ بعضها. فيتقاربون ويتسع المجلس بأهله، لأن المكان لا يضيق بمن جاء، ما دام في القلوب متسع.
#ومن الفراسة أيضا أن من قام بالواجب لا يطيل الجلوس. فإذا شعر أن الوافدين كثر، قام وفسح مكانه وغادر، مراعاة للناس وسترة للجميع. لا ينتظر من أحد أن يقول له: المكان ضاق، ولا يجعل صاحب الشأن في حرج. وهذه فراسة لا يتعلمها الإنسان من كتاب، وإنما يتعلمها من مجالس الرجال.
#وفي الجهة الأخرى، يتجمع كبار السن، وكأنهم عنوان المجلس وقاعدته. يبقون وقتا طويلا، مباركين في الفرح، أو معزين في المصاب، وحضورهم ليس مجرد حضور أشخاص، وإنما حضور ذاكرة وتجربة ومكانة. ولعل اجتماعهم في صدر المجلس يمنح المناسبة شيئا من هيبتها وطمأنينتها.
#ثم تأتي الضيافة، وهي ليست مهمة صاحب الشأن وحده. فما إن يدخل القادم حتى تتحرك القهوة والشاي والماء، ويقوم الشباب بخدمة الضيف، وقد يبادر أحدهم قبل أن يطلب القادم شيئا. وأحيانا ترى أهل الشأن، وأبناء العمومة، والجوار، والشباب جميعا كخلية نحل؛ هذا يقدم القهوة، وذاك الماء، وآخر يستقبل القادم، وغيرهم يتابعون الطعام والضيوف. الكل يرى الأمر واجبا، لا خدمة ينتظر عليها شكرا.
#ويبدأ المجلس بتحية المساء: #الله يمسيك بالخير، فيرد القادم، ثم يقول: كيف أنتم يا الغانمين؟ ويسلم على الجميع، كل واحد باسمه. كلمات تبدو بسيطة، لكنها تحفظ للإنسان قدره، وتشعره أنه دخل مجلسا يعرف أهله ويعرفونه.
#ومن المجلس تبدأ الحكاية، فقد يكون القادم صاحب مناسبة، أو جاء يبارك، أو يعزي، أو يسأل عن مريض، أو يزور جارا. وعندها يأخذ الواجب طريقه. يعزم صاحب الشأن، ويصر على دعوته، وقد يعطيه يوما يأتي فيه هو وأهله وأقاربه.
#إذا خرج أسير من السجن، أقام ولي أمره وليمة، وتسابق الجوار إلى عزيمته. وإذا توفي شخص، تقدمت الأقارب والعشائر بالعزائم، وكأن الجميع يقول: أنتم أهل المصاب، ونحن أهل الواجب.
#وإذا سكن أحدهم في مكان جديد أو ارتحل من موضع إلى آخر، وجد من يعزمه ويشد بالعزومة ويذبح له. وإذا خرج أحدهم من المشفى، أقام أبوه أو أبناؤه أو إخوته وليمة، كما رأينا اليوم. وكذلك الحاج حين يعود من الحج، والمعتمر بعد عمرته، والناجح في الثانوية العامة، وللعروس حين تعود إلى أهلها واجبات عند جوارها. لكل مناسبة فرحتها، وللجوار فيها نصيب.
#وقد يحاول المدعو أن يخفف عن صاحب العزيمة، فيقول: لا تتكلف. فيأتي الرد: الواجب. فيقول الآخر: لا يعديكم الواجب، زيارتكم وجيتكم تكفي، وقمتوا بالواجب. وقد تقال العبارة التي تختصر فلسفة كاملة: #الغلا في الصدور، #وليس في القدور. فالمحبة والتقدير في القلوب، وليست في كثرة ما يوضع في القدر. وقد يقولون: كاننا مغسلين عنها، أي كأننا أكلنا وقمنا عن طعامكم؛ فقد وصل الاحترام والتقدير بمجرد مجيئكم.
#ما أعمق هذه اللغة. فالواجب يؤدى دون أن يتحول إلى عبء، والعزيمة تعرض دون مباهاة، والاعتذار يقبل دون أن ينكسر خاطر أحد. وحتى قبول العزيمة فيه كرم؛ فالمضيف يكرمك بالطعام، وأنت تكرمه بقبول دعوته.
#ومهما كانت الظروف الاقتصادية صعبة، قد لا يملك الرجل ثمن الشاة، لكنه لا يريد أن يغيب عن واجب يراه جزءا من كرامته. وكان كبارنا يقولون: #الجود جهود، والجود حرارة في الجلود. فيتدبر الرجل أمره، وربما استدان، ثم يقوم بواجبه، لا طلبا للمدح، وإنما وفاء للجوار وصاحب الشأن.
#والأجمل أن هذه القيم لا تقف عند جيل الآباء. حين يغيب الكبير، لا يغيب الواجب. إذا غاب الأب أو تعذر عليه القيام بالعزيمة، قام الابن مقامه، لأنه رأى وعايش وعرف أن ما كان يفعله أبوه ليس عادة تخصه، وإنما قيمة يحملها البيت.
#وهكذا يتعلم الناشئ أن الكرم ليس في الولائم وحدها. يتعلمه حين يقوم للداخل، وحين يفسح مكانه، وحين يقول للقادم: بجنبي هنا، وحين يقدم القهوة والشاي والماء، وحين يراعي ازدحام المجلس فيقوم ويفسح المجال لغيره. يتعلم أن احترام الكبير، وإكرام الضيف، ومراعاة القادم، وأداء الواجب، كلها وجوه لخلق واحد.
#فالمنسف ليس الحكاية كلها. الذبيحة تنتهي، والطعام ينتهي، وتجمع الصحون، لكن الموقف يبقى. يبقى من حضر يوم الفرح، ومن واسى في الحزن، ومن بارك النجاح، ومن استقبل الحاج، ومن وقف مع المريض بعد عودته من المشفى.
#وهذه القيم لا تحفظ الماضي فقط، بل تصنع الحاضر وتربي المستقبل. فالمجلس مدرسة، والدلة درس، وكوب الماء موقف، وفسح المكان فراسة، والعزيمة وفاء، والوقوف مع الناس وقت حاجتهم أخلاق لا تحتاج إلى شهادة.
#وفي زمن كثرت فيه وسائل التواصل وقلت فيه الزيارات، ما أحوجنا إلى هذه الروح؛ أن نفرح لفرح بعضنا، ونحمل شيئا من حزن بعضنا، وأن يبقى الجار جارا، لا مجرد بيت بجوار بيت.
#فالكرم الحقيقي ليس فيما يمتلئ به القدر، وإنما فيما تمتلئ به الصدور.. الغلا في الصدور، وليس في القدور.
هذه قيم تجذرت فينا، وتجذرنا فيها. ورثناها من كبارنا، ونرجو أن نحسن تسليمها لمن بعدنا؛ لا كعادات تؤدى، وإنما كروح تحفظ مودة الجوار، وحرمة الأخوة، وكرامة الإنسان.
قد تضيق البادية بالإمكانات، لكن تتسع فيها القلوب. وقد لا يملك الرجل كثيرا، لكنه لا يبخل بما يستطيع.
هي البادية... حيث للمناسف حكايات، وللمجالس آداب، وللجوار حق، وللكرم جذور.
هي البادية... وأهلها الكرام...
#ومن هذا المشهد عادت بي الذاكرة إلى البادية التي أفخر بها، إلى عادات وقيم ومبادئ تجذرت فينا، وتجذرنا فيها، حتى أصبحت جزءا من سلوكنا اليومي، يتعلمها الناشئة بالمشاهدة والمعايشة قبل أن يسمعوها كلاما.
#فالكرم عند أهل البادية ليس ذبيحة ومنسفا فحسب، بل منظومة من الأدب والاحترام وأداء الواجب ومراعاة الشأن.
#حتى دخول الرجل إلى المجلس له أدبه. يقوم الجالسون لاستقباله والسلام عليه، ما عدا كبار السن، فيسلم عليهم، وقد يقول لهم: #خليكم جالسين. ثم لا يكتفي المجلس بالسلام، بل قد يترك أحد الجالسين مكانه للقادم ويقول له: تعال مكاني، حتى لو كان الجالس ضيفا هو الآخر. #فالقادم له احترامه، والضيف له مكانته.
#وإذا كثر القادمون وضاق المكان، قالوا #الرجال #كالدراهم، تأخذ بعضها. فيتقاربون ويتسع المجلس بأهله، لأن المكان لا يضيق بمن جاء، ما دام في القلوب متسع.
#ومن الفراسة أيضا أن من قام بالواجب لا يطيل الجلوس. فإذا شعر أن الوافدين كثر، قام وفسح مكانه وغادر، مراعاة للناس وسترة للجميع. لا ينتظر من أحد أن يقول له: المكان ضاق، ولا يجعل صاحب الشأن في حرج. وهذه فراسة لا يتعلمها الإنسان من كتاب، وإنما يتعلمها من مجالس الرجال.
#وفي الجهة الأخرى، يتجمع كبار السن، وكأنهم عنوان المجلس وقاعدته. يبقون وقتا طويلا، مباركين في الفرح، أو معزين في المصاب، وحضورهم ليس مجرد حضور أشخاص، وإنما حضور ذاكرة وتجربة ومكانة. ولعل اجتماعهم في صدر المجلس يمنح المناسبة شيئا من هيبتها وطمأنينتها.
#ثم تأتي الضيافة، وهي ليست مهمة صاحب الشأن وحده. فما إن يدخل القادم حتى تتحرك القهوة والشاي والماء، ويقوم الشباب بخدمة الضيف، وقد يبادر أحدهم قبل أن يطلب القادم شيئا. وأحيانا ترى أهل الشأن، وأبناء العمومة، والجوار، والشباب جميعا كخلية نحل؛ هذا يقدم القهوة، وذاك الماء، وآخر يستقبل القادم، وغيرهم يتابعون الطعام والضيوف. الكل يرى الأمر واجبا، لا خدمة ينتظر عليها شكرا.
#ويبدأ المجلس بتحية المساء: #الله يمسيك بالخير، فيرد القادم، ثم يقول: كيف أنتم يا الغانمين؟ ويسلم على الجميع، كل واحد باسمه. كلمات تبدو بسيطة، لكنها تحفظ للإنسان قدره، وتشعره أنه دخل مجلسا يعرف أهله ويعرفونه.
#ومن المجلس تبدأ الحكاية، فقد يكون القادم صاحب مناسبة، أو جاء يبارك، أو يعزي، أو يسأل عن مريض، أو يزور جارا. وعندها يأخذ الواجب طريقه. يعزم صاحب الشأن، ويصر على دعوته، وقد يعطيه يوما يأتي فيه هو وأهله وأقاربه.
#إذا خرج أسير من السجن، أقام ولي أمره وليمة، وتسابق الجوار إلى عزيمته. وإذا توفي شخص، تقدمت الأقارب والعشائر بالعزائم، وكأن الجميع يقول: أنتم أهل المصاب، ونحن أهل الواجب.
#وإذا سكن أحدهم في مكان جديد أو ارتحل من موضع إلى آخر، وجد من يعزمه ويشد بالعزومة ويذبح له. وإذا خرج أحدهم من المشفى، أقام أبوه أو أبناؤه أو إخوته وليمة، كما رأينا اليوم. وكذلك الحاج حين يعود من الحج، والمعتمر بعد عمرته، والناجح في الثانوية العامة، وللعروس حين تعود إلى أهلها واجبات عند جوارها. لكل مناسبة فرحتها، وللجوار فيها نصيب.
#وقد يحاول المدعو أن يخفف عن صاحب العزيمة، فيقول: لا تتكلف. فيأتي الرد: الواجب. فيقول الآخر: لا يعديكم الواجب، زيارتكم وجيتكم تكفي، وقمتوا بالواجب. وقد تقال العبارة التي تختصر فلسفة كاملة: #الغلا في الصدور، #وليس في القدور. فالمحبة والتقدير في القلوب، وليست في كثرة ما يوضع في القدر. وقد يقولون: كاننا مغسلين عنها، أي كأننا أكلنا وقمنا عن طعامكم؛ فقد وصل الاحترام والتقدير بمجرد مجيئكم.
#ما أعمق هذه اللغة. فالواجب يؤدى دون أن يتحول إلى عبء، والعزيمة تعرض دون مباهاة، والاعتذار يقبل دون أن ينكسر خاطر أحد. وحتى قبول العزيمة فيه كرم؛ فالمضيف يكرمك بالطعام، وأنت تكرمه بقبول دعوته.
#ومهما كانت الظروف الاقتصادية صعبة، قد لا يملك الرجل ثمن الشاة، لكنه لا يريد أن يغيب عن واجب يراه جزءا من كرامته. وكان كبارنا يقولون: #الجود جهود، والجود حرارة في الجلود. فيتدبر الرجل أمره، وربما استدان، ثم يقوم بواجبه، لا طلبا للمدح، وإنما وفاء للجوار وصاحب الشأن.
#والأجمل أن هذه القيم لا تقف عند جيل الآباء. حين يغيب الكبير، لا يغيب الواجب. إذا غاب الأب أو تعذر عليه القيام بالعزيمة، قام الابن مقامه، لأنه رأى وعايش وعرف أن ما كان يفعله أبوه ليس عادة تخصه، وإنما قيمة يحملها البيت.
#وهكذا يتعلم الناشئ أن الكرم ليس في الولائم وحدها. يتعلمه حين يقوم للداخل، وحين يفسح مكانه، وحين يقول للقادم: بجنبي هنا، وحين يقدم القهوة والشاي والماء، وحين يراعي ازدحام المجلس فيقوم ويفسح المجال لغيره. يتعلم أن احترام الكبير، وإكرام الضيف، ومراعاة القادم، وأداء الواجب، كلها وجوه لخلق واحد.
#فالمنسف ليس الحكاية كلها. الذبيحة تنتهي، والطعام ينتهي، وتجمع الصحون، لكن الموقف يبقى. يبقى من حضر يوم الفرح، ومن واسى في الحزن، ومن بارك النجاح، ومن استقبل الحاج، ومن وقف مع المريض بعد عودته من المشفى.
#وهذه القيم لا تحفظ الماضي فقط، بل تصنع الحاضر وتربي المستقبل. فالمجلس مدرسة، والدلة درس، وكوب الماء موقف، وفسح المكان فراسة، والعزيمة وفاء، والوقوف مع الناس وقت حاجتهم أخلاق لا تحتاج إلى شهادة.
#وفي زمن كثرت فيه وسائل التواصل وقلت فيه الزيارات، ما أحوجنا إلى هذه الروح؛ أن نفرح لفرح بعضنا، ونحمل شيئا من حزن بعضنا، وأن يبقى الجار جارا، لا مجرد بيت بجوار بيت.
#فالكرم الحقيقي ليس فيما يمتلئ به القدر، وإنما فيما تمتلئ به الصدور.. الغلا في الصدور، وليس في القدور.
هذه قيم تجذرت فينا، وتجذرنا فيها. ورثناها من كبارنا، ونرجو أن نحسن تسليمها لمن بعدنا؛ لا كعادات تؤدى، وإنما كروح تحفظ مودة الجوار، وحرمة الأخوة، وكرامة الإنسان.
قد تضيق البادية بالإمكانات، لكن تتسع فيها القلوب. وقد لا يملك الرجل كثيرا، لكنه لا يبخل بما يستطيع.
هي البادية... حيث للمناسف حكايات، وللمجالس آداب، وللجوار حق، وللكرم جذور.
هي البادية... وأهلها الكرام...