أحمد بوعروة - انتخابات الصحافة… بحثنا عن صندوق الاقتراع فوجدنا أنفسنا في طابور الطابق الخامس

هل يعقل أن تكون انتخابات المؤسسة التي يفترض أن تحمل هموم الصحافي وتدافع عن كرامته عاجزة عن توفير شروط تحفظ هذه الكرامة وهو ذاهب لاختيار ممثليه؟ وهل يحتاج الإدلاء بصوت إلى ساعات من الانتظار والوقوف والتكدس والصعود إلى الطابق الخامس؟ وهل كان من الصعب توقع أن جهة بحجم الدار البيضاء، تضم حوالي 1300 صحافي وصحافية، تحتاج إلى فضاء أرحب وتنظيم أكثر سلاسة؟ أسئلة لم أسمعها هذه المرة من بعيد، ولم أنقلها عن أحد، لأنني كنت هناك، عشت اليوم كاملًا رفقة الزملاء، ورأيت التعب على الوجوه، وسمعت الاحتجاج في الممرات، وشاهدت كيف تحول حق مهني بسيط إلى امتحان طويل للصبر.

كان يومًا صعبًا ومتعبًا بكل معنى الكلمة. جئنا لنصوت ونعود إلى أعمالنا والتزاماتنا، فإذا بنا نقضي جزءًا كبيرًا من اليوم في الانتظار. زملاء قدموا مبكرًا، وآخرون قطعوا مسافات للوصول إلى الدار البيضاء، ثم وجد الجميع أنفسهم أمام قاعة ضيقة في الطابق الخامس، لا تتناسب في تقديري مع حجم الهيئة الناخبة ولا مع قيمة الموعد. طوابير، ازدحام، حركة ثقيلة، انتظار طويل، ووجوه أنهكها يوم كان يفترض أن يكون عرسًا مهنيًا فإذا به يتحول لدى كثيرين إلى معاناة.

ولست هنا بصدد الحديث عن نتائج الانتخابات ولا عن الفائز والخاسر، فالصندوق قال كلمته، وكل مرشح سيقرأ حصيلته بالطريقة التي يراها. ما يعنيني في «خلف الستار» هو ذلك الذي لا يظهر في الأرقام ولا في صور إعلان النتائج: ماذا عاش الصحافي قبل أن تصل ورقته إلى الصندوق؟

المفارقة مؤلمة؛ نحن صحافيون نقضي حياتنا في مساءلة الإدارات والمؤسسات عن سوء التنظيم، نكتب عن احترام المواطن، ننتقد الطوابير والازدحام وغياب شروط الاستقبال، ثم نأتي إلى موعد يخصنا نحن، فنجد أنفسنا نعيش بعض ما ننتقده. فبأي منطق نطالب الآخرين باحترام المواطن إذا لم تستطع مؤسسة المهنة أن تجعل الصحافي يشعر بأن وقته وراحته وكرامته أمور تستحق التفكير؟

المشكلة ليست في خمسة طوابق نصعدها، فالصحافي اعتاد أن يصعد أكثر بحثًا عن خبر، وليست في دقائق ننتظرها، فنحن أبناء الانتظار الطويل أمام الأبواب المغلقة. المشكلة أن العدد معروف، والموعد معروف، والدار البيضاء معروفة بثقلها المهني، ولذلك كان يفترض أن يكون كل شيء محسوبًا قبل وصول أول ناخب. فضاء واسع، نقاط تصويت كافية، مسارات واضحة، استقبال منظم، وشروط بسيطة تجعل العملية تمر بكرامة وسلاسة.

كنت أراقب زملائي طوال اليوم، وأقول في داخلي إن هذه الصور يجب ألا تضيع بعد إعلان النتائج. لأننا سننسى الطابور سريعًا، وستبدأ الحسابات والتحالفات والاجتماعات، وسينشغل الجميع بالأسماء التي فازت والأسماء التي خسرت، لكن المطلوب ألا ننسى الصحافي الذي وقف ساعات فقط ليضع ورقة في صندوق.

الانتخابات ليست صندوقًا وورقة ونتيجة فقط، بل هي أيضًا احترام للناخب. ونجاحها لا يقاس فقط بسلامة الفرز وإعلان الأسماء، بل بالطريقة التي يدخل بها الصحافي إلى مكتب التصويت والطريقة التي يغادر بها. فمن غير المقبول أن ندافع في خطاباتنا عن كرامة المهنة، ثم نضع أهلها في ظروف لا تليق بهذه الكرامة.

لقد انتهى الاقتراع، وظهرت النتائج، وسيبدأ فصل جديد داخل المجلس الوطني للصحافة، لكن درس الدار البيضاء يجب ألا ينتهي بإغلاق الصندوق. ما عشناه يستحق وقفة ومراجعة، لا لتصفية الحسابات ولا للبحث عن مذنب، بل حتى لا يتكرر المشهد في استحقاق قادم.

فالصحافة التي تطالب الجميع بالحكامة يجب أن تبدأ بالحكامة داخل بيتها، والمؤسسة التي تريد الدفاع عن الصحافي يجب أن تحترمه أولًا في أبسط التفاصيل.

أما أكثر الصور مفارقة في ذلك اليوم، فهي أن صحافيين جاؤوا لاختيار من سيمثلهم ويدافع عن كرامة مهنتهم… فوجدوا أنفسهم يبحثون أولًا عن قليل من الكرامة في طريقهم إلى صندوق الاقتراع.



تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...