عمرو مرسي - قراءة في "فروق التوقيت" متوالية قصصية للأديب هشام العطار الإنسان وكهوف الاغتراب

حين تولد الأحلام الوردية في كهوف الاغتراب، فإنها كثيرًا ما تولد ميتة؛ ليس لأنها تفتقر إلى الرغبة، وإنما لأنها تُدفن، منذ لحظة ولادتها، تحت ركام الوهم. هناك، في تلك الكهوف التي يدخلها الإنسان بحثًا عن الرخاء، لا يكتشف أنه يبتعد عن المكان فحسب، بل يبتعد، من حيث لا يدري، عن الزمن أيضًا.
من هذه العتبة يمكن الاقتراب من "فروق التوقيت" بوصفها متوالية قصصية تنشغل بالإنسان في علاقته الملتبسة بالزمن، وبذلك الوهم القديم الذي يجعله يتصور أنه قادر على تأجيل الحياة، أو تجميدها، ثم العودة إليها في اللحظة التي يريد. وكأن الزمن، في هذا التصور، ساعة معلقة على جدار يمكن إيقاف عقاربها ثم إعادة تشغيلها متى شاء صاحبها.




وكما شغلت فكرة السفر عبر الزمن إلى الماضي أو المستقبل مخيلة الأدب والفلسفة، فإن "فروق التوقيت" تقترح سفرًا من نوع آخر: رغبة في إيقاف الزمن وانتظار عودة الإنسان من كهوف الاغتراب، ليستأنف حياته من النقطة التي تركها عندها. غير أن المفارقة الكبرى أن الإنسان، وهو داخل الكهف، لا يشعر بحركة الزمن؛ وحين يخرج منه، يكتشف أن الزمن لم ينتظره. لقد دار دورته على الأمكنة، وغيّر الأشخاص، وبدّل الأشياء، ولم يستثنه هو نفسه.
وهنا يصبح العنوان أكثر من مجرد إشارة إلى اختلاف الساعات بين البلدان؛ إنه يتحول إلى استعارة مركزية للمسافة بين زمنين: زمن يعيشه الإنسان بعيدًا، وزمن آخر يستمر في غيابه داخل المكان الذي تركه. وبين الزمنين تتسع الهوة، ويتبخر الحلم الذي ظن صاحبه أنه يستطيع استعادته كاملًا.

كل أبطال العمل تقريبًا يدخلون كهف الاغتراب وهم يرونه منجمًا مفتوحًا للرخاء. لكن الكهف الذي يعد بالذهب لا يمنح



الجميع الذهب نفسه، ولا يستقبل الجميع بالطريقة ذاتها. تتعدد طرق الدخول، كما تتعدد طرق البقاء والخروج.
فمنهم من استعجل الذهاب بالتزوير وادعاء الخبرة، ومنهم من أعدّ نفسه للرحلة بالتعليم والخبرة الحقيقية. ومنهم من تعامل مع الغربة بوصفها فرصة ينبغي التشبث بها أطول وقت ممكن، فراح يبدع في وسائل البقاء: ممارسة الخطأ، ومبالغة التزلف لأصحاب العمل ومديريهم، وفبركة التقارير حفاظًا على الصورة والمكانة، بل إن بعضهم تجاوز حدود الخطأ إلى اقتراف الجريمة، حين أصبح ما يحصل عليه ثمنًا للاغتراب أغلى من أن يتخلى عنه.
وفي المقابل، هناك من اختار أن يعمل بالإخلاص والكفاءة وحسن التصرف، وكأن الكاتب يضع النماذج المختلفة أمام اختبار واحد، ثم يراقب كيف تتباين استجاباتها للغربة وإغراءاتها.
ولا تختلف طرق الخروج كثيرًا عن طرق الدخول. فمنهم من قضى نحبه داخل الكهف، ومنهم من استطاع أن يختار الخروج بعد دراسة وتفكير. لكن الموت والعودة هنا ليسا مجرد مصيرين فرديين؛ إنهما جزء من سؤال أكبر يطرحه العمل: ماذا يبقى للإنسان حين يكتشف أن سنوات عمره لم تكن قابلة للاسترداد؟
ومن اللافت أن الكاتب لا يكتفي بالدائرة المألوفة لنماذج المهاجرين الطامحين إلى تحسين أحوالهم، بل يفتح في المتوالية نافذة أخرى على الغربة، أكثر التباسًا وأشد دلالة: غربة الذين لم يغادروا أوطانهم أصلًا.
هؤلاء من أهل البلد أنفسهم، لكنهم يعيشون غربتهم في المكان الذي يفترض أن يكون موطنهم. هنا تنتقل الغربة من الجغرافيا إلى المعنى؛ فلا يعود السؤال: أين يعيش الإنسان؟ وإنما: كيف يعيش؟ وتحت أي شروط؟
الغربة، بالنسبة إلى هؤلاء، ليست في المكان، بل في منظومة الظروف والعادات والسياسات التي تحيط بهم وتعيد تشكيل حياتهم وبيئتهم. وفي هذه الغربة الداخلية تتسرب من بين أيديهم سنوات العمر، وتتوارى أفكارهم ومبتكراتهم، كما لو أن الوطن نفسه قد تحول إلى كهف آخر، لا يحتاج الإنسان فيه إلى جواز سفر كي يصبح غريبًا.
غير أن أكثر ما يستوقف في هذه المتوالية أن الكاتب، برغم اختلاف الطرق والدوافع والوسائل، يقود شخصياته إلى مآل واحد تقريبًا: العجز عن الانتصار على الزمن.
وهنا يتساوى الصالح والطالح، المجتهد والمتحايل، من دخل الغربة بحثًا عن فرصة، ومن اتخذها ساحة للانتهاز. فالجميع، في النهاية، يكتشف أن الزمن لا يعترف بالفروق الأخلاقية حين يتعلق الأمر بما يُنتزع من الإنسان من عمره.
ولعل هذه هي المفارقة الأكثر مرارة في «فروق التوقيت»: أن ما ظنه الأبطال كنزًا خارج ذواتهم لم يكن هو الكنز الحقيقي. فالمال والرخاء والمكاسب المادية تبدو، بعد انقضاء الرحلة، أقل قيمة من شيئين لا يمكن تعويضهما: الوقت والعافية.
ومن هنا يكتسب الزمن في العمل وظيفة تتجاوز كونه خلفية للأحداث؛ إنه يتحول إلى طرف خفي في الصراع، وإلى قوة لا يراها الأبطال إلا بعد أن تكون قد قالت كلمتها. فالإنسان يستطيع أن يهاجر، ويعمل، ويغامر، ويكذب، ويخلص، ويجمع المال، لكنه لا يستطيع أن يسترد الدقيقة التي عبرت.
أما على المستوى الفني، فقد حافظت المتوالية، بريشة هشام العطار، على روح القصة القصيرة داخل بنيتها المتعددة. فكل محطة تبدو كأنها قصة مكتملة، تقوم على قدر من التكثيف، وتتحرك نحو ذروة، ثم تفضي إلى مفاجأة في المصير. ويتكرر هذا البناء بإيقاع متقارب من محطة إلى أخرى، الأمر الذي يجعل التوتر رفيقًا دائمًا للقارئ طوال الرحلة.
غير أن هذا الإيقاع المتصاعد، على قوته، قد يصبح أحيانًا ضاغطًا على المتلقي؛ إذ لا يكاد القارئ يلتقط أنفاسه بين محطة وأخرى حتى يجد نفسه أمام مصير جديد، أكثر قسوة أو قتامة. ولعل هذا العنف الإيقاعي مقصود في ذاته، لأنه يجعل القارئ يعيش شيئًا من اللهاث الذي تعيشه الشخصيات وهي تطارد الزمن وتظن أنها قادرة على الإفلات منه.
ومع ذلك، تظل هناك ملاحظة نقدية تستحق التوقف: فمع أن معظم الأحداث التي يعبر بها السرد تبدو مستمدة من واقع يمكن تصديقه، فإن تكثيف النماذج على هذا النحو يجعلها، في بعض المواضع، شديدة التطرف والقتامة؛ إذ تتساوى المصائر تقريبًا، ويبدو أن أحدًا لا ينجو من الكهف كاملًا.
وربما كان هذا هو السؤال الذي تتركه المتوالية مفتوحًا أمام قارئها: هل الاغتراب هو الذي يلتهم الإنسان، أم أن الإنسان هو الذي يستهلك عمره وهو يظن أنه يشتري مستقبلًا أفضل؟
ثماني عشرة محطة تمتد أمام القارئ في هذه الرحلة، وكل محطة منها تبدو جديرة بوقفة نقدية مستقلة، لا لتلخيص أحداثها، وإنما لاكتشاف ما تخبئه من طبقات إنسانية ورمزية وفنية. وما هذه القراءة إلا عبور أول على الطريق؛ أما التفاصيل، فتحتاج إلى أن نتوقف عند كل محطة على حدة، لنرى كيف يصنع هشام العطار من حكايات الاغتراب حكاية أكبر: حكاية الإنسان الذي يكتشف، متأخرًا، أن الزمن لم يكن مسافرًا معه، بل كان يسافر بدونه.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...