أمين كعابنة (ابن البادية) - حين يصبح الزمن نفسه سؤالا سياسيا

#قرأت الحوار الذي أجرته «بيالارا» مع أستاذة غانية ملحيس حول كتابها «فجوة الزمن السياسي»، وأعترف أنني لم أتوقف كثيرا عند العنوان بوصفه عنوانا لكتاب، بقدر ما توقفت عند ما يفتحه من باب على سؤال فلسطيني قديم يتجدد كل يوم: ماذا يحدث حين يتقدم الواقع علينا، بينما نبقى نحن نبحث عن أدوات الأمس لفهمه؟

هنا تكمن المسألة.

#فالفجوة ليست في الساعة، ولا في التاريخ، ولا في سرعة الأحداث وحدها. الفجوة الحقيقية تقع بين زمن يتحرك وزمن يفكر، بين واقع يفرض نفسه، وعقل سياسي ما زال يتعامل معه بأدوات لم تعد تكفيه.
وهذا أخطر من مجرد التأخر.

#لأن من يتأخر في قراءة اللحظة لا يخسر اللحظة فقط، بل قد يجد نفسه بعد قليل يشرح واقعا لم يعد موجودا، ويقترح حلولا لمشكلة تغيرت، ويستدعي شرعيات وأدوات وخطابات كانت ابنة زمن آخر.

ولذلك أظن أن سؤال «فجوة الزمن السياسي» لا ينبغي أن يتوقف عند: لماذا تأخر النظام السياسي الفلسطيني؟

السؤال الأشد إيلاما هو: لماذا تأخر وعينا نحن أيضا؟

#فالمشكلة لا تسكن في المؤسسات وحدها. المؤسسات في نهاية الأمر أبناء وعيها، والسياسة لا تنتج من فراغ، والخطاب السياسي الذي يتكرر طويلا يجد دائما من يصدقه أو يعتاد عليه أو يخشى الخروج منه.

لهذا فإن نقد البنية السياسية لا يكتمل إذا بقي خارج الإنسان.

#نحن بحاجة إلى أن نسأل عن المدرسة التي تنتج الإنسان، وعن الجامعة التي تصنع الباحث، وعن الثقافة التي تعطيه القدرة على السؤال، وعن المجال العام الذي يسمح له أن يقول «لا أفهم» قبل أن يقول «أنا أعرف».

وأقولها من موقع أعرفه وأعيشه.

#أنا ابن البادية، والبادية عندي ليست صورة توضع في مقال، ولا مفردة جميلة نستدعيها حين نريد الحديث عن الهامش. البادية حياة كاملة، وفيها تتضح بعض معاني الفجوة بطريقة لا تحتاج إلى كثير من التنظير.

#في البادية تعرف أن القرار حين يصل متأخرا ليس قرارا ناقصا فقط، بل قد يكون قد فقد قيمته. وأن المدرسة حين تتأخر، والطريق حين يتأخر، والخدمة حين تتأخر، والحضور الرسمي حين يتأخر، لا تكون المشكلة في التأخير وحده؛ بل في أن الإنسان يشعر أن الزمن الذي يعيش فيه شيء، والزمن الذي تتحرك فيه المؤسسات شيء آخر.

#وهنا تصبح «فجوة الزمن السياسي» أقرب إلى أن تكون فجوة في الإحساس بالمواطن نفسه.

فالإنسان لا يريد فقط أن يسمع خطابا عن العدالة، بل يريد أن يرى أثرها في حياته.

#ولا يريد أن يسمع عن التعليم بوصفه رافعة وطنية، ثم يرى المدرسة عاجزة عن توفير أبسط شروط التعلم.

#ولا يريد أن يسمع عن الشباب بوصفهم «جيل المستقبل»، ثم يُعاملون في الحاضر كأنهم مجرد جمهور للتصفيق.

وهنا تحديدا توقفت عند حديث غانية عن الشباب.

أحسب أن أخطر ما يمكن أن نفعله بالشباب أن نطلب منهم احترام الماضي بطريقة تجعلهم عاجزين عن مساءلته.

نحن نخطئ حين نحول التاريخ إلى جدار يحجب المستقبل.

التاريخ ليس صنما.

#نحترمه، نعم، ونحفظ تضحيات أصحابه، ونقرأ أخطاءهم وإنجازاتهم، لكننا لا نملك أن نطلب من جيل جديد أن يعيش بالأسئلة نفسها لمجرد أن الأسئلة كانت مقدسة في زمن سابق.

الأجيال لا تخون بعضها حين تختلف.

الجيل الذي لا يسأل عما ورثه لا يحفظ إرثه، بل يجمده.

ومن هنا أفهم دعوتها إلى إعادة تعريف الممكن. لكنني أذهب معها خطوة أخرى، وربما أزيد السؤال ثقلا:

من الذي يملك حق تعريف الممكن؟

هل هو السياسي وحده؟

#أم أن الممكن الوطني يجب أن يولد أيضا من المدرسة، ومن الجامعة، ومن القرية، ومن المرأة، ومن الشباب، ومن الباحث، ومن المعلم، ومن كل إنسان فلسطيني ظل طويلا يتلقى السياسة أكثر مما يشارك في إنتاجها؟

هذه ليست مسألة لغوية....
إنها مسألة تتصل بجوهر المشروع الوطني نفسه.
لأن المشروع الذي لا يستطيع أن يجدد أدواته، سيبقى يعيش على ذاكرته.

#والمشروع الذي يعيش على ذاكرته وحدها، مهما كانت عظيمة، معرض لأن يتحول من مشروع مفتوح على المستقبل إلى حكاية جميلة عن الماضي.

#ولعل أجمل ما في فكرة الكتاب، كما ظهر في الحوار، أنها لا تكتفي بالسؤال: ماذا حدث؟

#بل تدفعنا إلى السؤال الأصعب: ماذا نفعل الآن بما حدث؟

#وهنا يصبح النقد فعلا وطنيا، لا ترفا نخبويا.
فالنقد الذي يريد الانتقام من الماضي لا يبني مستقبلا.
والنقد الذي يخاف من الماضي لا يحرر حاضرا.

#أما النقد الذي يحاول أن يفهم، ويفكك، ويعيد تركيب الأسئلة، فهو الذي يمكن أن يفتح نافذة في جدار يبدو مغلقا.

ولذلك لفتني أيضا أن يتحول الكتاب إلى وقف تعليمي يعود ريعه لأطفال غزة وشبابها.

هنا يحدث شيء يستحق التوقف.

الفكرة لا تبقى فكرة.

والكتاب لا يبقى كتابا.

والتعليم لا يعود فقرة في مشروع سياسي، بل يصبح فعلا من أفعال المقاومة على مستوى الإنسان؛ لأن أخطر ما يمكن أن يُنتزع من شعب ليس أرضه وحدها، وإنما قدرته على إنتاج الإنسان الذي يعرف أرضه وتاريخه ومستقبله.

ولهذا فإن بناء المدرسة ليس شأنا خدميا محضا.

وبناء الجامعة ليس ترفا.

وصناعة الباحث ليست مسألة أكاديمية هامشية.

كل ذلك جزء من بناء القدرة الوطنية على البقاء والفهم والفعل.

ومن هنا أعود إلى «فجوة الزمن».

ربما لا يكون أخطر ما فيها أن السياسي تأخر عن الواقع.

ربما الأخطر أن الواقع نفسه بدأ ينتج أسئلته خارج القوالب التي اعتدنا أن نضعه فيها.

الشاب الذي يسأل اليوم ليس هو شاب الأمس.

والمرأة التي تدخل المجال العام ليست ضيفا عليه.

والباحث الذي يريد أن يسأل بحرية لا ينبغي أن يقضي عمره وهو يستأذن من سبقوه في صياغة السؤال.

والمعلم الذي يقف أمام طلابه كل صباح لا يمكن أن يلقنهم المستقبل بأدوات الماضي ثم يطلب منهم أن يصنعوا عالما جديدا.

نحن أمام زمن آخر.

ومن لا يلاحظ ذلك سيبقى مشغولا بإصلاح ساعة متوقفة، بينما القطار يمضي.

لكنني لا أريد أن ينتهي الحديث عند التشخيص.

لقد شبعنا في فلسطين من تشخيص الأزمات.

نعرف أين الخلل، ونعرف أسماء كثيرة له، ونعرف كيف نصفه، ونكتب عنه، ونتحدث حوله في الندوات.

السؤال الذي يستحق أن نتعب عليه الآن هو:

كيف يتحول الوعي إلى فعل؟؟؟
كيف ينتقل السؤال من الورق إلى المؤسسة؟
كيف تنتقل الفكرة من الندوة إلى المدرسة؟
كيف ينتقل الشباب من موقع المتلقي إلى موقع المنتج؟
كيف يصبح التعليم جزءا من القرار الوطني لا مجرد ملف تابع له؟
وكيف نستعيد للمواطن شعوره بأن صوته ليس مجرد مادة انتخابية، وأن حضوره ليس موسما، وأن فلسطين ليست قضية يتحدث عنها آخرون نيابة عنه، بل وطن يشارك هو في صياغة مستقبله؟
هنا، في رأيي، يبدأ الخروج الحقيقي من الفجوة.
ليس بمجرد تغيير المصطلحات.
ولا بمجرد تبديل الوجوه.
ولا بمجرد إنتاج خطاب أكثر لمعانا.
#بل بإعادة بناء الإنسان الذي يستطيع أن يرى الواقع كما هو، لا كما نحب أن يكون، وأن يسأل دون خوف، وأن يختلف دون خصومة، وأن ينتقد دون أن يهدم، وأن يقترح دون أن ينتظر الإذن.
#وهذا بالضبط ما يجعل الحوار مع غانية ملحيس قابلا لأن يتجاوز الكتاب نفسه.
فالكتاب الذي يجيب عن كل شيء ينتهي بانتهاء صفحاته.
أما الكتاب الذي يترك في رأسك سؤالا لا يهدأ، فهو لم ينته بعد.
وربما «فجوة الزمن السياسي» ليست هي الفجوة بيننا وبين الزمن فقط.
ربما هي الفجوة بين ما نعرفه وما نفعله، وبين ما نراه وما نجرؤ على تغييره، وبين وطن نريده ومؤسسات ما زالت تفكر أحيانا بطريقة لا تشبه حجم الأسئلة التي يطرحها هذا الوطن.
ومن هنا تبدأ الحكاية الحقيقية.
لا من السؤال: من تأخر؟
بل من السؤال:
#هل ما زال لدينا من الشجاعة ما يكفي لكي نلحق بالزمن؟
أمين كعابنة / ابن البادية

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...