أحمد سويلم.. حارس القصيدة ومستنطق الأقنعة... حاورته: د. منال رشاد

حين يتأمل المرء مسيرة شاعر كرس عمره لصفاء القصيدة وحراسة الوعي الإنساني، فإنه يقف أمام تجربة استثنائية امتزج فيها نبض الوطن بهموم التاريخ وأسئلة الوجود. يتألق الشاعر أحمد سويلم عبر عقود طويلة وفيّا لمحراب الشعر، وناحتا من التراث والأساطير أقنعة حية تضيء عتمة الواقع وتفكك معضلات السلطة والحرية. من صدمة البدايات وظلال نكسة سبعة وستين، مرورا بروح المشاركة الإبداعية مع أبناء جيله في "الهجرة من الجهات الأربع"، وإرساء دعائم أدب الطفل بمعناه الراقي، وصولا إلى صهوة المسرح الشعري ومساءلة الزمن في ديوانه الأخير "العودة من جوف الماء" 2023م. يأخذنا هذا الحوار في رحلة فكرية وشعرية نكشف من خلالها خبايا التجربة وعصارة السيرة التي لم تنطفئ جذوتها يوما.
1- شاعرنا الكبير.. تزامن صدور ديوانكم الأول "الطريق والقلب الحائر" مع نكسة عام 1967 م ، فإلى أي مدى لعب هذا التوقيت الاستثنائي دورا في تشكيل بوصلة وعيكم الشعري المبكر؟
ج-هذا ديواني الأول الذي جمعت قصائده قبل النكسة ليصدر في أغسطس 1967م
وأنا بخلاف كثير من الشعراء أعتز بهذا الديوان.. لأنني دققت كثيرا في اختيار قصائده من بين عدد كبير من القصائد... ولأنه عرف قارئي بي.. ولأنني كنت مصمما على أن يناقشني فيه أكبر ناقد في مصر ( د عبد القادر القط) وأكبر شاعر في مصر (صلاح عبد الصبور) وحظيت منهما على بطاقة عبور ذهبية إلى ساحة الشعر.. مما جعلني محصنا ضد الإحباط والملل.. ثابت الخطى في مسيرتي الطويلة.
2- مثل ديوان "الهجرة من الجهات الأربع" عام 1970م مع زملائكم عمر بطيشة ونصار عبد الله وفرج مكسيم تجسيدا لروح الجماعة وتضامن الجيل الواحد، فما الدافع وراء هذا التجمع الشعري المشترك في تلك المرحلة، ومآل هذه الروح التضامنية أمام نزعة العزلة السائدة اليوم؟
ج-ديوان (الهجرة من الجهات الأربع) له حكاية.. فقد كان الشاعر الكبير صلاح عبد الصبور رئيسا لمؤسسة التأليف والنشر وكان لديه كثير من الدواوين الصالحة للنشر ومنها ديوان لي.. وحلا لهذه المشكلة قرر أن يصدر دواوين مشتركة للشعراء.
وكان هذا الديوان المشترك هو رقم 3 في المجموعة.. وأتذكر أن الأستاذ صلاح استدعاني واعتذر لي عن عدم نشر ديواني الذي لديه وطلب مني أن اختار منه سبع قصائد فقط.
وصدر الديوان المشترك الذي رتب له شعراءه بقوله :
أحمد سويلم شاعر له ديوان
فرج مكسيم شاعر مسن
نصار عبد الله شاعر مقاتل
عمر بطيشة
3- أثبتم في كتابكم "أطفالنا في عيون الشعراء" ريادة محمد عثمان جلال لشعر الطفل عبر ديوانه "العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ" بدلا من أحمد شوقي. فكيف يقرأ كاتب اليوم هذا السبق التاريخي وهو يحاول إعادة صياغة وجدان طفل غارق في عوالم التكنولوجيا والشاشات؟
ج-هذه الدراسة (أطفالنا في عيون الشعراء) لها قصة حكيتها في مقدمته.. حيث ادعى أحد الكتاب أن أحمد شوقي هو أول من كتب للأطفال شعرا.. مما جعلني أعود بالبحث والتدقيق في الحضارات القديمة لأستخرج نصوصا شعرية قدمت للأطفال.. ثم عرجت على الحضارة العربية.. ثم تناولت الشعراء المعاصرين خاصة مجمد عثمان جلال الذى أصدر ديوان : العيون اليواقظ في الأمثال والمواعظ. قبل ميلاد شوقي بنحو ثلاثين عاما.. ثم استكملت الدراسة تاريخيا حتى عصرنا الراهن.
وقد صدرت هذه الدراسة في طبعتها الرابعة هذا العام عن دار الوفاء بالإسكندرية.. بعد ان أضفت إليها أحدث إنجاز شعراء الأطفال.
وشعر الأطفال لون من الوان الابداع المهمة للأطفال يهيئ للطفل الغناء والرقص والموسيقى والقيم والمتعة.. وفي هذا المجال للي عدد كبير من دواوين الشعر التي قدمتها للأطفال بكل حب واعتزاز.. وأظن أن الطفل مهما استغرقته التكنولوجيا والشاشات في حاجة ماسة إلى تغذية وجدانه بهذا اللون من الإبداع الذي يحدث توازنا في وعيه وعقله ووجدانه .
4- بينما اختارت أقلام شعرية عديدة الانتقال نحو عوالم السرد والرواية بحثا عن آفاق جديدة، حافظتم على إقامتكم الخالصة داخل محراب الشعر. فكيف تقرؤون هذا الثبات في زمن تتهافت فيه الأصوات على فضاءات الرواية؟
ج-آليت على نفسي منذ بدأت مسيرتي ألا أبرح ساحة الشعر.. فرسمت دائرة محصنة لهذا الفن الجميل تشمل محاور القصيدة والمسرح الشعري والدراسات حول الشعر والتراث والأطفال.. وبلغت مسيرتي حتى اليوم نحو 150 كتابا وما زال داخلي يلح علي بالمزيد والحمد لله..
ولا حاجه لي لخيانة هذا الفن والتحول إلى الرواية..
وأنا مؤمن بأن الشعر لا يقبل شريكا وإلا ضعف وابتعد عن الشاعر.. وهو مثل الحبيبة إذا أخلصت لها أخلصت لك.
5-حين استدعيتم في مسرحياتكم رموزا تاريخية وأسطورية مثل "أخناتون" عام 1982م، و"شهريار" عام 1983 م، و"عنترة" عام 1991م، وصولا إلى "الفارس" عام 1997 م، لتكون أقنعة حية لمساءلة قضايا السلطة والحرية، فكيف رأيتم في هذه الشخصيات متسعا تعبيريا لطرح هموم واقعنا المعاصر؟
ج- بالطبع الشاعر يعيش في غابة من الأسئلة في الكون والحياة والواقع.. ويحاول أن يهيئ آفاقا للإجابة عليها من خلال القصيدة أو المسرح.
تلك هي المهمة التي يخلص لها الشاعر..
ولولا أنني اكتشفت قدرتي على كتابة المسرح الشعري ما كتبته.. فالمسرح الشعري هو أصعب ألوان الكتابة لأن الشاعر هنا مطالب بإحداث توازن بين لغة الدراما ولغة الشعر.. وهذه معادلة صعبة.
6- في ظل تراجع حضور المسرح القومي وانحسار تجربة المسرح المدرسي، ما حجم الانعكاسات التي يتركها هذا الفراغ المؤسسي والتربوي على تشكيل وجدان الأجيال الناشئة ومستقبل وعيها الثقافي؟
ج-حقيقه كل شيء ثقافي وفني في المجتمع يتجه إلى الانحسار والانحدار.. فالمسرح كان متوهجا ومزدهرا في فتره الستينيات والسبعينات.. حتى مسرح الطفل كان مزدهرا كذلك.. لكن يبدو أن المناخ الثقافي اليوم لم يعد ملائما ولا مشجعا على الإبداع والعروض المسرحية الجادة.. مما يسبب خشيتنا على عقول ووجدان الأجيال الناشئة.. لهذا فأنا أطالب ملحا بدراسة هذه الظاهرة وعلاجها وعودة الساحة الثقافية إلى العطاء والإبداع.
7- في أحدث أعمالكم ديوان "العودة من جوف الماء" الصادر عام 2023 م، يبدو النص وكأنه عصارة لرحلة طويلة من التأمل في الوجود والتاريخ، ما الأفق الذي تفتحه هذه التجربة الناضجة حين يتقاطع بوح الشاعر مع أسئلة العمر والوطن؟
ج- لكل ديوان أصدره خطة خاصة من ثلاثة عناصر :
الأول : تجاوز الديوان السابق
والثاني : حسن اختيار القصائد وتوافقها.
والثالث : التبشير بالديوان القادم.
وهي خطة ليست سهلة كما نتصور.. وإنما تظل معي وقتا طويلا حينما أعد ديوانا للنشر.
لهذا فالنقاد الكبار لاحظوا ذلك في أعمالي الشعرية المتتالية ( 27 ديوانا) وكذلك قرائي الأعزاء.
والشعر دائما يطرح الأسئلة.. نعم.. ويبوح بالقليل ليترك للمتلقي حرية التلقي والتذوق والبحث معي عن إجابات.
8- أحدثت تداعيات مشواركم الأخير مع اتحاد كتاب مصر وما رافقه من مواقف واشتباكات حول حرية الرأي صدى واسعا في الوسط الثقافي، كيف ترون اليوم مستقبل الديمقراطية المؤسسية داخل كياناتنا الثقافية الكبرى حين يجد الكاتب المعارض نفسه وحيدا في مواجهة القرارات النقابية؟
ج- تجربتي في اتحاد الكتاب طويلة وثرية تعاملت فيها مع كبار الكتاب والمفكرين .
أما ما يحدث اليوم فهو أمر غريب على الاتحاد والثقافة بصفة عامة.. لأن من يتولى رئاسة الاتحاد.. يتصف بالغرور والتكبر والفراغ النفسي.. وهو يعتبر أي نقد لأداء الاتحاد سبا وقذفا فيه شخصيا.. وتلك هي المأساة..
وهذه الحالة تشوه الموقف الثقافي والموقف الإبداعي حيث تعتبر حرية التعبير هي أثمن حق ناله المثقف على مدى التاريخ.
9- بعد مسيرة طالت عقودا بين رحاب القصيدة، ودروب المسرح الشعري، وعوالم براءة الطفل، ما الرهان الأبقى الذي تود أن تتركه في وجدان إنسان اليوم، وسط هذا العالم المتسارع؟
ج-أود بعد هذه المسيرة الطويلة أن أترك للمتلقي والأجيال القادمة.. ميراثا نافعا مفيدا يضيف إلى ثقافتهم وعقولهم ووجدانهم.. لأن ما أنجزته كان عن جهد وإخلاص وصدق من أجل بناء الإنسان من المهد إلى اللحد.
تظل هذه الجولة مع الشاعر أحمد سويلم امتدادا رحبا لصفاء الكلمة وصدق التجربة، فمن رحم الذاكرة وعذابات التاريخ، وحتى إطلالته الناضجة في ديوانه "العودة من جوف الماء"، ظل الشعر عنده هو الملاذ الأبقى والممر الأصيل لوعي الإنسان. إنها استعادة واعية لمسيرة كاتب منح القصيدة عمره، ودعوة متجددة للإصغاء إلى صوت يحرس الجمال، ويذكرنا بأن النبض الإنساني الأصيل يظل قادرا على مواجهة صخب الأيام مهما تباينت دروب الحياة.
شكرا لصاحب الكلمة الثقيلة والوعي اليقظ الذي منحنا من وقته وفكره، وشكرا لكل قارئ شاركنا هذا السفر عبر عتمة السؤال ونوره. وحتى نلتقي في مغامرة فكرية أخرى.. ابقوا دائما في بقعة الضوء.






تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...