إسرائيل "صورة مجازية"
عبد الرحمن بسيسو
تعدَّدت الصُّورُ المجازية التي استُعْمِلَتْ، أو ابْتُكِرَتْ، أو عُدِّلَتْ، لتوصيف "إسرائيل" والكشف عن حقيقتها ككيانٍ وظيفيٍّ. وتنوَّعت طبيعة هذه الصِّور المجازية وتغايرت منطوياتها المفهومية وإيحاءاتها الدلالية أو تلاقت، بتنوُّع، أو تغاير، أو تلاقي، المنظورات التي أطلَّ من خلالها السياسيون والباحثون والمُحلِّلون والكُتَّاب والصحافيون، وغيرهم من الأفراد أو الجهات والدِّول، على "إسرائيل" بوصفها كياناً مُصطنعاً تمَّ إنشاؤه في فلسطين في زمنٍ انتقاليٍّ تكشَّفت فيه حاجة قوى الاستعمار العالمي إلى تبديل أقنعتها، وتغيير قفازاتها، وتعديل استراتيجياتها، وتغيير طرائق وأساليب، وآليات، تأبيد حضورها في العالم حفاظاً على مصالحها، وتعميقاً لهذه المصالح وتوسيعاً لنطاقها على نحوٍ يتوافق مع تغيُّر موازين القوى العالمية، وتنامي حاجة الاقتصادات الكُبرى العائدة إلى الدول الرأسمالية الاستعمارية إلى موارد طبيعية لا تنضب، وإلى أسواقٍ مفتوحةٍ لا يكفُّ قاطنوها عن الاستهلاكِ النَّهمِ لكل سلعةٍ أو مُنْتَجٍ غربيٍّ غير مُنْتِج، كما لا يكفون عن تلبُّس الحاجة إلى إشباع رغباتٍ جديدة وتلبية متطلبات عيشٍ غرائزيٍّ يُقَرِّرها لهم منتجو تلك السِّلع، وسدنة تلك الأسواق، ولا سيما مع توالي الإرهاصات المنبئة بانبثاق حركاتِ تحرُّرٍ وطنيٍّ في الأعم الأغلب من بلدان قارات العالم، وضمنها بالطبع، بلاد العرب التي ظلَّت خاضعةً، لقرونٍ طويلةٍ، لإمبراطوريات استعمارية قرَّرَ التاريخُ أنْ يكتبَ في سجلِّه مواعيدَ أُفُوِلهَا!
قبل تحقُّق إقامة الكيان الوظيفي المُسَمَّى "إسرائيل" في قلب العالم العربي "فلسطين" بما يقربُ من أربعة عقود، عمل السَّاسةُ الغربيون القابضون على زمام الأمور في العواصم المتنفِّذة وذات الهيمنة على مقادير العالم، وذلك في تلاقٍّ حميم مع قادة الحركة الصُّهيونية الذين كانوا يُتابعون مجريات أمور العالم ويتوقَّعون مآلاتها الممكنة ويخططون للإفادة منها، على إدراج مسألة إنشاء "دولة إسرائيل" على رأس قائمة طُرق ووسائل وآليات تنفيذ أولويات الاستراتيجية الاستعمارية الجديدة وأهدافها المُستحدثة، فاستخدموا تشبيهاً بليغاً يجعلُ "إسرائيل" المُرادُ إنشاؤها و"الحائط" سواء بسواء، فقد عبَّر الزَّعيم العنصري الصهيوني ثيودور هرتزل، في توافق تامٍّ مع قرينه العنصري الأنجلوسكسوني جوزيف تشامبرلين وزير الخارجية البريطاني آنئذٍ، عن ذلك بالقول "سنقيمُ هناك جزءاً من حائط لحماية أوروبا يكونُ حصناً منيعاً للحضارة في وجه الهمجية".
ولم تكن كلمة "الحائط" هي وحدها التي اسْتُخْدِمَتْ للدلالة على إسرائيل، وإنما تنوَّعت الصُّور المجازية في ترادفٍ أو تحوُّلٍ دلاليٍّ ومفهوميٍّ لافتين، فهي "الرِّقعة" أو "المكان" أو "المساحة" أو "البلد" أو "الدَّولة" أو "الذِّراع" أو "الحارس" أو "الشُّرطي" أو غير ذلك من صور مجازية مُتَحَوِّلةٍ تَمَّ استدعاؤها لفتح شهية قادة الدُّول الاستعمارية كي يُقْدِمُوا على عقدِ صفقةٍ مع الحركة الصُّهيونية التي أشرفوا على إنشائها، بحيث يحصلون عُقبَ عقد هذه الصَّفقة التجارية السياسية الرَّابحة على تأدية أدوارٍ ووظائفَ ذات أبعادٍ استراتيجية، وعلى خدماتٍ ضرورية ذاتِ كُلفةٍ باهظةٍ، وذلك بثمنٍ بخسٍ ربما لن يُسهموا هُمْ في دفعِ نصيبٍ منه إلا ما قلَّ وشحَّ!
وعقب إنشائها وشروعها في إداء دورها الوظيفي كـ"حائطٍ منيعٍ وحصين"، شرعت هذه الـ "إسرائيل" في اكتساب المزيد من الصِّور المجازية الكاشفة عن "سرِّ" إنشائها، وعن حقيقة الدَّور الوظيفي الاستعماري الذي أُريد لها أنْ تنهضَ به، فمن منظور العرب وأحرار العالم ليست "إسرائيل" إلا "خنجراً" غُرسَ في قلب الوطن العربي "فلسطين"، أو "مخلبَ قطٍّ شرسٍ" يستهدفُ العربَ جميعاً بالجراح وتشويه الوجه واحتجاز المستقبل.
ومن منظور بعض المستوطنين اليهود أنفسهم، سواء أكانوا قادةً سياسيين أو عسكرين، أو صُنَّاع رأي، أو مرتزقة وأحطاب محرقة، أو من منظور بعض السَّاسة، والعسكرين، والمراقبين، والمفكِّرين الغربيين الذين يُوصِّفون الواقع كما يرونه، ليست إسرائيل إلا "حارساً" أو "عاهرةً"، أو "خادمةً حسناء مُطيعةً" أو هي، في توصيف يستعير المصطلحات المنبثقة عن تطوُّر التقانة العسكرية الحديثة "قاعدةً عسكرية"، أو "حاملة طائرات"، تتمركزُ في موقع استراتيجيٍّ هو قلبُ العالم العربي الذي يتوافر على مخزون نفطي هائل وموارد طبيعيةٍ متنوِّعة ليس لمُنْشِئِي "إسرائيل" إلَّا أنْ يتأكَّدوا، باستمرار، من استمرار هيمنتهم المطلقة عليهما، ومما هو أكثر من ذلك!
غير أنَّ الصُّورة المجازية التي تفرضُ نفسها الآن وتستدعي التساؤل عن مآلاتها هي تلك التي اقترحها الكاتب الإسرائيلي عاموس كينان إذْ شبَّه إسرائيل بـ"كلب حراسةٍ رأسه في واشنطن وذيله في القدس"، فهل لا يزال الأمرُ على هذا النَّحو أم أنَّ الحالَ قد انقلبتْ، فصار الذيلُ رأساً والرأسُ ذيلاً، وذلك في ضوء ما سبق أو رافق أو أعقب خطاب بنيامين نتنياهو، في زمن أوباما، أمام الكونغرس الأمريكي من أمور وتطوراتٍ دالةٍ تشي بتحولات ذات شأنٍ ومغزى؟! ولعلَّ تجليات السياسة الأمريكية في زمن ترامب تفصح عن ذلك، وتقول ما يؤكد حقيقة "إسرائيل" ويفصح عن مقاصد وجودها الاحتلالي الاستيطاني العنصري الإحلالي في فلسطين: قلب العالم ودرَّة الأرض.
نشر هذا المقال، لأول مرة، في صحيفة العرب اللندنية، في يوم الثلاثاء الموافق 2015/03/24.
عبد الرحمن بسيسو
تعدَّدت الصُّورُ المجازية التي استُعْمِلَتْ، أو ابْتُكِرَتْ، أو عُدِّلَتْ، لتوصيف "إسرائيل" والكشف عن حقيقتها ككيانٍ وظيفيٍّ. وتنوَّعت طبيعة هذه الصِّور المجازية وتغايرت منطوياتها المفهومية وإيحاءاتها الدلالية أو تلاقت، بتنوُّع، أو تغاير، أو تلاقي، المنظورات التي أطلَّ من خلالها السياسيون والباحثون والمُحلِّلون والكُتَّاب والصحافيون، وغيرهم من الأفراد أو الجهات والدِّول، على "إسرائيل" بوصفها كياناً مُصطنعاً تمَّ إنشاؤه في فلسطين في زمنٍ انتقاليٍّ تكشَّفت فيه حاجة قوى الاستعمار العالمي إلى تبديل أقنعتها، وتغيير قفازاتها، وتعديل استراتيجياتها، وتغيير طرائق وأساليب، وآليات، تأبيد حضورها في العالم حفاظاً على مصالحها، وتعميقاً لهذه المصالح وتوسيعاً لنطاقها على نحوٍ يتوافق مع تغيُّر موازين القوى العالمية، وتنامي حاجة الاقتصادات الكُبرى العائدة إلى الدول الرأسمالية الاستعمارية إلى موارد طبيعية لا تنضب، وإلى أسواقٍ مفتوحةٍ لا يكفُّ قاطنوها عن الاستهلاكِ النَّهمِ لكل سلعةٍ أو مُنْتَجٍ غربيٍّ غير مُنْتِج، كما لا يكفون عن تلبُّس الحاجة إلى إشباع رغباتٍ جديدة وتلبية متطلبات عيشٍ غرائزيٍّ يُقَرِّرها لهم منتجو تلك السِّلع، وسدنة تلك الأسواق، ولا سيما مع توالي الإرهاصات المنبئة بانبثاق حركاتِ تحرُّرٍ وطنيٍّ في الأعم الأغلب من بلدان قارات العالم، وضمنها بالطبع، بلاد العرب التي ظلَّت خاضعةً، لقرونٍ طويلةٍ، لإمبراطوريات استعمارية قرَّرَ التاريخُ أنْ يكتبَ في سجلِّه مواعيدَ أُفُوِلهَا!
قبل تحقُّق إقامة الكيان الوظيفي المُسَمَّى "إسرائيل" في قلب العالم العربي "فلسطين" بما يقربُ من أربعة عقود، عمل السَّاسةُ الغربيون القابضون على زمام الأمور في العواصم المتنفِّذة وذات الهيمنة على مقادير العالم، وذلك في تلاقٍّ حميم مع قادة الحركة الصُّهيونية الذين كانوا يُتابعون مجريات أمور العالم ويتوقَّعون مآلاتها الممكنة ويخططون للإفادة منها، على إدراج مسألة إنشاء "دولة إسرائيل" على رأس قائمة طُرق ووسائل وآليات تنفيذ أولويات الاستراتيجية الاستعمارية الجديدة وأهدافها المُستحدثة، فاستخدموا تشبيهاً بليغاً يجعلُ "إسرائيل" المُرادُ إنشاؤها و"الحائط" سواء بسواء، فقد عبَّر الزَّعيم العنصري الصهيوني ثيودور هرتزل، في توافق تامٍّ مع قرينه العنصري الأنجلوسكسوني جوزيف تشامبرلين وزير الخارجية البريطاني آنئذٍ، عن ذلك بالقول "سنقيمُ هناك جزءاً من حائط لحماية أوروبا يكونُ حصناً منيعاً للحضارة في وجه الهمجية".
ولم تكن كلمة "الحائط" هي وحدها التي اسْتُخْدِمَتْ للدلالة على إسرائيل، وإنما تنوَّعت الصُّور المجازية في ترادفٍ أو تحوُّلٍ دلاليٍّ ومفهوميٍّ لافتين، فهي "الرِّقعة" أو "المكان" أو "المساحة" أو "البلد" أو "الدَّولة" أو "الذِّراع" أو "الحارس" أو "الشُّرطي" أو غير ذلك من صور مجازية مُتَحَوِّلةٍ تَمَّ استدعاؤها لفتح شهية قادة الدُّول الاستعمارية كي يُقْدِمُوا على عقدِ صفقةٍ مع الحركة الصُّهيونية التي أشرفوا على إنشائها، بحيث يحصلون عُقبَ عقد هذه الصَّفقة التجارية السياسية الرَّابحة على تأدية أدوارٍ ووظائفَ ذات أبعادٍ استراتيجية، وعلى خدماتٍ ضرورية ذاتِ كُلفةٍ باهظةٍ، وذلك بثمنٍ بخسٍ ربما لن يُسهموا هُمْ في دفعِ نصيبٍ منه إلا ما قلَّ وشحَّ!
وعقب إنشائها وشروعها في إداء دورها الوظيفي كـ"حائطٍ منيعٍ وحصين"، شرعت هذه الـ "إسرائيل" في اكتساب المزيد من الصِّور المجازية الكاشفة عن "سرِّ" إنشائها، وعن حقيقة الدَّور الوظيفي الاستعماري الذي أُريد لها أنْ تنهضَ به، فمن منظور العرب وأحرار العالم ليست "إسرائيل" إلا "خنجراً" غُرسَ في قلب الوطن العربي "فلسطين"، أو "مخلبَ قطٍّ شرسٍ" يستهدفُ العربَ جميعاً بالجراح وتشويه الوجه واحتجاز المستقبل.
ومن منظور بعض المستوطنين اليهود أنفسهم، سواء أكانوا قادةً سياسيين أو عسكرين، أو صُنَّاع رأي، أو مرتزقة وأحطاب محرقة، أو من منظور بعض السَّاسة، والعسكرين، والمراقبين، والمفكِّرين الغربيين الذين يُوصِّفون الواقع كما يرونه، ليست إسرائيل إلا "حارساً" أو "عاهرةً"، أو "خادمةً حسناء مُطيعةً" أو هي، في توصيف يستعير المصطلحات المنبثقة عن تطوُّر التقانة العسكرية الحديثة "قاعدةً عسكرية"، أو "حاملة طائرات"، تتمركزُ في موقع استراتيجيٍّ هو قلبُ العالم العربي الذي يتوافر على مخزون نفطي هائل وموارد طبيعيةٍ متنوِّعة ليس لمُنْشِئِي "إسرائيل" إلَّا أنْ يتأكَّدوا، باستمرار، من استمرار هيمنتهم المطلقة عليهما، ومما هو أكثر من ذلك!
غير أنَّ الصُّورة المجازية التي تفرضُ نفسها الآن وتستدعي التساؤل عن مآلاتها هي تلك التي اقترحها الكاتب الإسرائيلي عاموس كينان إذْ شبَّه إسرائيل بـ"كلب حراسةٍ رأسه في واشنطن وذيله في القدس"، فهل لا يزال الأمرُ على هذا النَّحو أم أنَّ الحالَ قد انقلبتْ، فصار الذيلُ رأساً والرأسُ ذيلاً، وذلك في ضوء ما سبق أو رافق أو أعقب خطاب بنيامين نتنياهو، في زمن أوباما، أمام الكونغرس الأمريكي من أمور وتطوراتٍ دالةٍ تشي بتحولات ذات شأنٍ ومغزى؟! ولعلَّ تجليات السياسة الأمريكية في زمن ترامب تفصح عن ذلك، وتقول ما يؤكد حقيقة "إسرائيل" ويفصح عن مقاصد وجودها الاحتلالي الاستيطاني العنصري الإحلالي في فلسطين: قلب العالم ودرَّة الأرض.
نشر هذا المقال، لأول مرة، في صحيفة العرب اللندنية، في يوم الثلاثاء الموافق 2015/03/24.