أصالة السنة النبوية الشريفة بين علماء الحديث وشبهات المشككين..



مع نهاية حلقة "صحيح البخاري شامخا ضد طعون الحداثيين والمستشرقين" المذاعة عبر برنامج "سفراء المعرفة" ـ الذي يتم بثه من لندن ويقدمه الإعلامي الشهير دكتور شريف التميمي ـ والتي تأتي ضمن سلسلة حلقات حول البخاري وصحيحه سيتم تقديمها تباعًا، حتى توالت أسئلة بعض المتابعين الكرام، وتتمحور حول الآتي:

* ما أبرز الاعتراضات التي يوجهها بعض المستشرقين إلى منهج المحدثين؟

* ما الفرق بين زمن وقوع الحديث، وزمن كتابته في صحيفة، وزمن جمعه في مصنف جامع؟

* ما المواضع التي ناقشها نقاد الحديث كالإمام الدارقطني، وكيف تعامل العلماء مع تلك التعقبات؟

* متى يكون اختلاف العلماء في التصحيح والتعليل إثراءً للبحث، ومتى يُستغل بصورة مضللة لإحداث الشك العام؟


وقد جمعتُ الأسئلة بإجاباتها ـ كعادتي ـ في مقالة، من أجل أن تصل لكل مسلم مهتم بأمر

دينه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم فيكون لسان حق لا معول هدم، وله من ربي جزيل الثواب:

تمثل السنة النبوية المطهرة المصدر الثاني للتشريع الإسلامي، والبيان العملي لما جاء في القرآن الكريم من أحكام وتوجيهات. ومنذ عهد الصحابة الكرام وحتى يومنا هذا، حظيت أحاديث النبي ﷺ بعناية فائقة وضوابط علمية صارمة لم تشهدها أي أمة من الأمم السابقة لحفظ تراثها.

وعلى الرغم من هذا المنهج العلمي الفريد، تثار بين الحين والآخر تساؤلات وشبهات يحاول أصحابها الطعن في موثوقية الأحاديث وكيفية تدوينها. وفي هذه المقالة، سنبسط الحديث بلغة ميسرة حول كيفية كتابة الحديث وتاريخه، ونرد على أبرز الاعتراضات المعاصرة، لتوضيح كيف تمكن علماء الإسلام من حماية هذا الدين وإبقائه نقياً غضاً كما تركه المصطفى ﷺ.

أولاً: الرد على اعتراضات المستشرقين حول تدوين الحديث:

يردد بعض الباحثين الغربيين (المستشرقين) ومن سار على دربهم اعتراضات وشبهات تهدف إلى هز الثقة بالسنّة النبوية. ومن أبرز ما يزعمونه أن الأحاديث لم تُكتب فور نطق النبي بها، بل ظلت شفهية لأكثر من مائة عام، مما يفتح الباب -حسب زعمهم- لنسيانها أو تبديلها.

وفي ادعائهم خلط كبير؛ فالذي تأخر هو الكتاب الجامع الكبير للإمام البخاري، لكن الكتابة بدأت من يوم النبي صلى الله عليه وسلم. يشهد بهذا الصحف المكتوبة لدينا:

صحيفة عبد الله بن عمرو بن العاص سماها "الصادقة" كتبها أمام النبي.

صحيفة همام بن منبه عن أبي هريرة (وموجودة في عصرنا لمن أراد مطالعتها).

والثابت للكافة أن علماء الحديث قد وضعوا قواعد صارمة للغاية لنقد متن الحديث، فلم يكونوا يقبلون أي حديث يخالف القرآن الكريم، أو يخالف العقل السليم، أو الحقائق التاريخية الثابتة، مما يجعل منهجهم في نقد الروايات أدق منهج علمي عرفته البشرية.

كما يدعون أن علماء الحديث اهتموا فقط بأسماء الرواة (السند) ولم يدققوا في نص الحديث نفسه (المتن) ليروا إن كان يوافق العقل والتاريخ أم لا. والواقع الذي تثبته الحقائق التاريخية أن هذه الاعتراضات مبنية على قلة معرفة ومنهج غير دقيق؛ فقد أثبتت الدراسات الإسلامية المعاصرة بالدليل القاطع أن الصحابة كتبوا الكثير من الأحاديث في حياة النبي ﷺ.

ولو دقق المشككون من أهل الاستشراق أو الحداثة معًا لعلموا أن علماء الحديث وضعوا (5) شروط: (3) منها في السند، و(2). في المتن: أن لا يكون شاذاً ولا معللاً، يعني أن المتن يجب ألا يخالف القرآن ولا الأحاديث الأقوى ولا العقل الصريح، ولمن أراد المطالعة والمراجعة فعليه بكتاب الإمام ابن القيم "المنار المنيف" وهو لمعرفة الحديث الموضوع من متنه.

كما زعموا أن الأحاديث وضعها المحدثين لخدمة السياسة الأمويين والعباسية، وقد فضحهم علم الجرح والتعديل؛ فالمحدثون كانوا يقولون: هذا كذاب، هذا يضع الحديث للخلفاء، لا نأخذ منه. بل كانوا يُسجَنون ولا يجاملون الحكام. ولقد تناولتُ هذا الزعم بالرد عليه في أكثر من مقال.

ثانياً: المراحل الثلاث لرحلة الحديث النبوي الشريف:

لفهم كيف وصل إلينا الحديث كاملاً وصحيحاً، يجب أن ندرك أن الحديث مر بثلاث مراحل تاريخية متكاملة:

المرحلة الأولى هي "زمن وقوع الحديث"، ونعني بها اللحظة التي قال فيها النبي ﷺ كلاماً، أو فعل فعلاً، أو أقر تصرفاً أمام أصحابه في عصر النبوة. تلتها مباشرة المرحلة الثانية وهي "زمن الكتابة في الصحيفة"، حيث كان الكثير من الصحابة يكتبون الأحاديث فور سماعها في صحف خاصة بهم لضمان حفظها وعدم نسيانها، مثل "الصحيفة الصادقة" للصحابي الجليل عبد الله بن عمرو بن العاص رضي عنهما. أما المرحلة الثالثة فهي "زمن الجمع في مصنف جامع"، ونعني بها القرنين الثاني والثالث الهجريين، حيث قام كبار العلماء (مثل الإمام البخاري والإمام مسلم) بجمع تلك الصحف والأحاديث المتفرقة، وترتيبها وتنقيحها في كتب كبيرة ومبوبة تسهل على الناس قراءتها ومعرفة الصحيح منها.

ودعوني أوضحها بمثال من واقع حياتنا:

زمن الوقوع: المقصود به اللحظة التي قال فيها النبي صلى الله عليه وسلم الحديث.

زمن الكتابة في صحيفة: والمقصود به ما كتبه الصحابي في الحال في ورقة صغيرة خاصة به عندما سمعه، ولدينا صحيفة جابر أو صحيفة أبي هريرة، وهذا أيضا حدث في نفس زمن الوقوع تقريباً باللقاء والمعاصرة أو بالمعاصرة دون اللقاء على شرط الشيخين.

زمن الجمع في مصنف جامع: هو عندما جاء الإمام البخاري بعد 200 سنة وجمع كل الصحف المتفرقة عند الناس في كتاب واحد مرتب على الأبواب الفقهية. إذاً ليس أنهم ظلوا 200 سنة يحفظون بلا كتابة! بل كان مكتوباً متفرقاً، ثم جُمع مثل مكتبة: الكتب مكتوبة من زمان، لكن الفهرس الجامع لها تم عمله متأخراً.

وبذلك يتضح أن الكتابة بدأت مبكراً جداً ولم تتأخر كما يزعم المشككون.

ثالثاً: مراجعات العلماء والرد على تعقبات الإمام الدارقطني:

إن هذه التعقبات والانتقادات تشهد من بالدليل الساطع الدامغ على أمانة علماء الحديث وصراحتهم التي لا تعرف المداهنة أو المجاملة وغير مسبوقة في التاريخ البشري؛ فهم لم يتستروا على أي نقد، بل كانوا يراجعون أعمال بعضهم بكل دقة. ومن أشهر الأمثلة على ذلك ما فعله الإمام الدارقطني، وهو أحد كبار جهابذة الحديث، حيث تتبع صحيح البخاري وصحيح مسلم وناقش نحو مائتي حديث فيهما.

ولم يكن نقد الدارقطني طعناً في صدق الرواة، بل كان نقداً علمياً دقيقاً يدور حول تفاصيل خفية، مثل: هل هذا الحديث رواه الصحابي مباشرة عن النبي ﷺ أم رواه عن صحابي آخر؟ وكيف تعامل العلماء مع هذا النقد؟ لقد استقبلوه باحترام وإجلال شديدين، وقام علماء آخرون كالإمام ابن حجر العسقلاني بدراسة هذه الانتقادات حديثاً حديثاً، وأثبتوا بالأدلة أن ما اختاره البخاري ومسلم هو الأصح، وأن هذه الاختلافات الدقيقة جداً لا تؤثر أبداً على صحة الحديث ولا تغير في الأحكام الفقهية أو العقائد الإسلامية شيئاً، مما أكد ثقة الأمة بصحيحي البخاري ومسلم.

رابعاً: الاختلاف في التصحيح بين الإثراء العلمي والتشكيك المضللإن:

اختلاف العلماء في تصحيح بعض الأحاديث أو تضعيفها هو أمر طبيعي يعكس حيوية العلم وتطوره، ولكنه ينقسم إلى نوعين بحسب النية والمنهج.

يكون هذا الاختلاف "إثراءً للبحث العلمي" عندما يصدر من علماء متخصصين وفق قواعد علمية واضحة، بهدف الوصول إلى الحقيقة ومعرفة درجة الحديث بكل أمانة، مما يساعد الفقهاء على فهم الأحكام الشرعية بشكل أوسع وأعمق. ولكن، "يُستغل هذا الاختلاف بصورة مضللة لإحداث الشك العام" عندما يأتي أشخاص غير متخصصين، فيأخذون هذه الاختلافات العلمية الدقيقة ويعرضونها أمام عامة الناس بأسلوب يوهمهم بأن علم الحديث متناقض وغير موثوق، أو عندما يضخمون ضعف حديث فرعي بسيط ليصورا للناس أن السنة النبوية كلها مشكوك فيها، والهدف من ذلك هو هز ثقة المسلم بدينه وإحداث فوضى فكرية وتشتيت للمجتمع.

ولو فككنا السؤال لنضرب عليه مثال، لهان الأمر في أحسن الأحوال:

يكون الاختلاف "إثراءً وطبيعياً" عندما:

يختلف اثنان من العلماء في حديث واحد: أحدهم يقول صحيح، والآخر يقول ضعيف.. وذلك لسبب فني دقيق، مثل: (هل الراوي سمع من شيخه أم لا؟). هذا مثل اختلاف طبيبين في تشخيص حالة نادرة. وهذا يدل على الأمانة والدقة.

مثال: حديث "لا نكاح إلا بولي" صححه البخاري وضعفه بعضهم، وكل فريق له حجته.

ويكون الاختلاف "استغلالاً مضللاً "عندما:

يأتي شخص فيقول في جهل وجازفة غير علمية: (بما أن العلماء اختلفوا في حديث واحد، إذًا فكل السنة مشكوك فيها!")

إن هذا ـ أيها المتهور ـ خداع منطقي، كأن تقول: (بما أن الأطباء اختلفوا في دواء واحد، إذًا كل الطب باطل!").

لذا كان من الواجب أن نصيغ ما قلناه في قاعدة ذهبية لعامة المسلمين:

[ أيها السادة: الاختلاف في بعض الأحاديث القليلة المُختَلف فيها لا يهدم آلاف الأحاديث المتفق على صحتها. المتفق عليه أكثر من 95%، والمختلف فيه أقل من 5%، وهو مجال اجتهاد للمتخصصين فقط]..

إن السنة النبوية وصلت إلينا عبر تاريخ مجيد من الحفظ الصارم، والكتابة المبكرة، والنقد العلمي النزيه الذي شارك فيه آلاف العلماء عبر الأجيال. وحين ندرك طبيعة المراحل التي مر بها الحديث، وكيف تكاتف العلماء على مراجعته وتنقيحه، يزول كل لبس وتتحطم كل الشبهات التي يثيرها المستشرقون أو المشككون، ولا يرددها ادعاءً بالفهم أو المخالفة لعلماء دينه، بل يصحح لمن يشكك بجهل أو بحقد. ويبقى الواجب على مسلم عادي أن يثق بأئمة دينه، وأن يتلقى علم الحديث من أهله المتخصصين، ليبقى مستمسكاً بسنة نبيه ﷺ على بصيرة ونور، محمياً من موجات التشكيك المضللة.

تعليقات

لا توجد تعليقات.
ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز) مطلوبة لاستخدام هذا الموقع. يجب عليك قبولها للاستمرار في استخدام الموقع. معرفة المزيد...